👑 العدالة في خطب ورسائل صاحب الجلالة الملك محمد السادس
📚 فهرس الخطب والرسائل الملكية – اضغط على + لعرض القائمة
+
افتتاح المجلس الأعلى
15 دجنبر 1999
افتتاح المجلس الأعلى
افتتاح المجلس الأعلى
12 أبريل 2004
إصلاح القضاء
29 يناير 2003
حقوق المرأة
27 أبريل 2001
مدونة الأسرة
12 أكتوبر 2003
مدونة الأسرة
20 غشت 2009
إصلاح العدالة
08 ماي 2012
+
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2000
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2001
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2002
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2003
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2004
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2005
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2007
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2008
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2009
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2010
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2011
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2012
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2013
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2016
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2017
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2018
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2019
خطاب عيد العرش
30 يوليوز 2022
ذكرى ثورة الملك
20 غشت 2001
ذكرى ثورة الملك
20 غشت 2002
ذكرى ثورة الملح
20 غشت 2003
ذكرى ثورة الملك
20 غشت 2007
ذكرى ثورة الملك
20 غشت 2008
ذكرى ثورة الملك
20 غشت 2011
ذكرى ثورة الملك
20 غشت 2014
ذكرى المسيرة الخضراء
06 نونبر 2000
الذكرى السابعة والثلاثين
06 نونبر 2012
الذكرى التاسعة والثلاثين
06 نونبر 2014
الذكرى الأربعين للمسيرة
06 نونبر 2015
افتتاح الدورة الأولى
11 أكتوبر 2002
الإصلاح الدستوري
08 أكتوبر 2004
افتتاح الدورة الأولى
12 أكتوبر 2007
افتتاح الدورة الأولى
09 أكتوبر 2009
النموذج التنموي
08 أكتوبر 2010
الإصلاح الدستوري
14 أكتوبر 2011
افتتاح الدورة الأولى
12 أكتوبر 2012
الإصلاح الدستوري
10 أكتوبر 2014
الإصلاح الدستوري
09 أكتوبر 2015
افتتاح الدورة الأولى
14 أكتوبر 2016
النموذج التنموي
12 أكتوبر 2018
+
الإصلاح الدستوري
12 أكتوبر 1999
الجهوية المتقدمة
16 دجنبر 1999
رسالة ملكية سامية
08 أبريل 2000
تشجيع الاستثمار
04 ماي 2000
تشجيع الاستثمار
20 يونيو 2000
حقوق الإنسان
10 دجنبر 2000
قمة دولية
5 يناير 2001
الإصلاح الدستوري
09 يناير 2002
تشجيع الاستثمار
07 نونبر 2002
حقوق الإنسان
10 دجنبر 2002
خطاب ملكي سامي
29 ماي 2003
تنصيب هيئة الإنصاف
07 يناير 2004
الإصلاح الدستوري
تشجيع الاستثمار
07 دجنبر 2006
الجهوية المتقدمة
28 أبريل 2014
الإصلاح الدستوري
25 نونبر 2013
إصلاح القضاء
28 يونيو 2003
تشجيع الاستثمار
06 يونيو 2004
انعقاد قمة القادة
30 شتنبر 2015
الإصلاح الدستوري
31 يناير 2017
قمة دولية
02 يوليوز 2018
حقوق الإنسان
حقوق الإنسان
08 يناير 2001
إنه لمن دواعي
24 أبريل 2001
تشجيع الاستثمار
17 شتنبر 2001
حقوق الإنسان
10 دجنبر 2001
مؤتمر دولي
10 مارس 2005
إصلاح العدالة
10 دجنبر 2008
حقوق الإنسان
31 أكتوبر 2009
رسالة ملكية سامية
24 أكتوبر 2011
حقوق المرأة
27 شتنبر 2015
عيد الاستقلال
02 أكتوبر 2013
حقوق الإنسان
27 نونبر 2014
مؤتمر دولي
21 فبراير 2018
تسليم جائزة المرية
21 دجنبر 2015
عيد الاستقلال
21 دجنبر 2018
14 خطاب ورسالة
بمناسبة افتتاح أشغال المجلس الأعلى للقضاء
15 دجنبر 1999
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السادة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء،
بسرور بالغ وابتهاج عميق يسعدنا أن نلتقي بكم، ونحن نفتتح هذه الدورة التي
يعقدها المجلس الأعلى للقضاء. وهو شعور نابع مما تحظى به هذه المؤسسة الدستورية
الموقرة الموضوعة تحت رئاسة جلالتنا، ونابع كذلك من الأهمية القصوى التي توليها
للقضاء باعتباره مسؤولية منوطة بأمير المؤمنين يفوض النهوض بها لقضاة باسمه
يصدرون الأحكام. المملكة المغربية
وعلى النهج الذي سلك أسلافنا الميامين والذي وطده والدنا المنعم جلالة الملك الحسن
الثاني، أكرم الله مثواه ، نحن عازمون على متابعة المسير بما تتطلبه هذه المسؤولية
من عناية ورعاية على أساس متين من مرجعيتنا الإسلامية الثابتة، ومن ثراتنا العلمي
الزاخر المتجلي في الرصيد الفقهي والاجتهادي الذي خلفه فقهاء الأمة وفي طليعتهم
قضاة المغرب على مر التاريخ، أولئك الذين اعترف لهم بالتقوى والنزاهة وشهد لهم
بالتبريز في أحكام النوازل والقضايا المستحدثة.
وإذا كنا نريد استمرار هذه الصورة الأصيلة المشرقة لقضائنا في إطار دعائمه
القوية ومرتكزاته الراسخة ، فإننا نتطلع كذلك إلى أن يكون هذا القضاء متطورا
ومتجددا يواكب ما يعرفه العالم المتقدم في مواجهة المشكلات التي يثيرها العصر
وتولدها الحضارة الحديثة ويساير ما عقدنا العزم على إنجازه، بإذن الله، وما دعونا إلى
التعبئة له بمنظور تصحيحي للمسؤولية ومفهوم جديد للسلطة.
لقد أنجزت في عهد والدنا المقدس، رضوان الله عليه، إصلاحات كثيرة تحث على
الاعتزاز والافتخار بما تحقق بها من اطمئنان على سير العدالة في بلادنا وارتياح لمصالح
المواطنين في نطاق استقلال القضاء وتنظيم جهازه وتوحيده وإعادة هيكلة مختلف
أصنافه ودرجاته وإحداث محاكم متخصصة واتخاذ تدابير تنظيمية وتشريعية لصالحه
وصالح القضاة كي ينهض هذا القطاع الحيوي بدوره في ضمان الحقوق والحريات وفي
ترسيخ سيادة الشرعية والقانون وتثبيت دولة الحق والعدل، وهو الدور الذي به يصبح
القضاء مكونا فاعلا في التنمية بكل متطلباتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وعلى الرغم من كل ما تحقق فإننا نسعى إلى مزيد من التطوير والتحديث حتى
نمكن قضاءنا من رفع التحديات التي تفرضها مشارفة الألفية الثالثة، مما يقتضي
تكوينا مستمرا ومتفتحا يستوجب العناية بالمعهد الوطني للقضاء بإعادة هيكلته
وتحسين برامجه وتحيين مناهج تأطيره وتجديد طرق عمله. وإن من شأن مثل هذا
التكوين أن يؤهل جهازنا القضائي لمواكبة تجدد القوانين العالمية ولكسب ثقة الذين
يرغبون في التعامل معنا، إضافة إلى كسب ثقة المواطنين.
ورغبة منا في توسيع مجالات التطوير والتحديث قررنا الزيادة التدريجية في عدد
المحاكم التجارية، كما قررنا إحداث محاكم استئناف إدارية في أفق إنشاء مجلس
للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط،
وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين وإننا لندعو حكومتنا
للإسراع لإعداد القوانين المنظمة للمجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات،
باعتبارها إطارا قضائيا قائما لحماية المال العام من أن تمتد إليه أيدي العبث والتسيب
واستغلال النفوذ ، وباستكمال هذا الإطار الشامل لتحديث القضاء وتأهيله وعقلنة
تدبير شؤونه وتوفير بنايات لائقة لمحاكمه وإمداده بالوسائل المادية والمعنوية، نكون قد
عملنا على تفعيله وهيأنا له أسباب القيام بما أنيط به من تحقيق العدالة الاجتماعية.
ومن البديهي أنه لن يحقق القضاء هذا المبتغى إلا إذا ضمنا لهيئته الحرمة اللازمة
والفعالية الضرورية بجعل أحكامه الصادرة باسمنا تستهدف الإنصاف وفوريـة البـت
والتنفيذ وجريان مفعولها على من يعنيهم الأمر . على أن تكون هذه الأحكام صادرة
عن التطبيق السليم للقانون وفق مقتضيات نصوصه وما يمليه ضمير القاضي بمنأى عن
كل أشكال الضغوط المادية والمعنوية وسائر الاعتبارات الذاتية والمؤثرات الخارجية.
حضرات السادة،
إن العدالة كما لا يخفى هي الضامن الأكبر للأمن والاستقرار والتلاحم الذي
به تكون المواطنة الحق، وهي في نفس الوقت مؤثر فاعل في تخليق المجتمع وإشاعة
الطمأنينة بين أفراده وإتاحة فرص التطور الاقتصادي والنمو الاجتماعي وفتح الباب
لحياة ديمقراطية صحيحة تمكن من تحقيق ما نصبو إليه من آمال، وإذا كان الجميع
مطالبا بمضاعفة الجهود وبذل الطاقات لمجابهة المستحدثات المتلاحقة ورفع تحدياتها
فإن المعول كبير على قضاتنا، في حدود اختصاصاتهم الدستورية، أن يواصلوا أداء
رسالتهم المقدسة بما يتناسب وما تفرضه تعاليم شريعتنا السمحة من عدل وإنصاف
واستقامة وكرامة وحماية للقانون وتمسك بالفضائل الخلقية السامية التي ينبغي أن
تتحكم في السلوك والتي أنتم لاشك مثالها والقدوة.
لہذا ، فإننا ونحن نوليكم ما أنتم جديرون به من عناية وما هو لائق بكم من
مكانة ننتظر منكم ، حضرات السادة أعضاء هذا المجلس الموقر، أن تظلوا على ما
عودتمونا ، أسرة ملتئمة يلحمها التناسق والانسجام، وأن تستمروا على ما عهدنا فيكم
من صدق وإخلاص، وأن تواصلوا السير على النحو الذي يتفق والمستوى المرموق لمؤسسة
دستورية تعمل تحت رئاسة جلالتنا، حرية بممارسة إحدى وظائف الإمامة العظمى طبقا
لمبادئنا الإسلامية العريقة الملزمة للقضاة بالتجرد والنزاهة والاستقلال، ووفقا للقيم
الإنسانية المشتركة في مجال الحقوق وإننا لواثقون من أنكم تقدرون هذه المسؤولية حق
قدرها ، وأنكم تحفزا منها ستعالجون مختلف النقط الهامة التي صادقنا عليها مدرجة
في جدول أعمال هذه الدورة.
حضرات السادة، إننا ، إذ نفتتح بسم الله أشغال مجلسكم الموقر، لنود أن نؤكد
لكم حسن ظننا وكامل عطفنا وسابغ ،رضانا، داعين الله تعالى أن يرزقكم عونه
وتوفيقه وسداده ويلهمكم الامتثال الدائم للأمر الإلهي الوارد في قوله عز وجل: «إن الله
يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل».
صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة ترؤس جلالته افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء
فاتح مارس 2002
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السادة،
ما فتئنا منذ تقلدنا الأمانة العظمى لقيادة شعبنا، والتي يعتبر القضاء من صميم
مسؤولياتها ، نوجه حكومتنا والبرلمان إلى الأهمية القصوى التي نوليها لإصلاح القضاء
وتحديثه وتأهيله للإسهام الفعال في المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي الذي نسهر
على تحقيقه.
وقد أبينا اليوم، ومن خلال رئاستنا لافتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء إلا أن نتوجه
إلى هذا المجلس ومن خلاله إلى كافة أسرة العدل بخطاب مباشر يستهدف إبراز مدى
المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق القضاة أنفسهم في إصلاح الجهاز المؤتمن على العدل
الذي يتوقف عليه كسبنا لرهان الديمقراطية والتنمية
وإننا لنعتبر أن قضاء واعيا كل الوعي بحتمية هذا الرهان ومؤهلا لاستيعاب
التحولات التي يعرفها المغرب لهو القادر وحده على رفع هذا التحدي، مواصلا ومعززا
رسالته التقليدية المتمثلة في السهر على ضمان النظام العام وتأمين السلم الاجتماعي
مستجيبا في نفس الوقت لمتطلبات جديدة تتمثل في ضرورة حرص القضاء على التفعيل
والتجسيد الملموسين لمفهوم ومضمون بناء الديمقراطية ودولة الحق بضمان سيادة القانون
ومساواة الجميع أمامه في جميع الظروف والأحوال.
كما يجب على القضاء أن يوفر الرؤية التوقعية الحقوقية المطمئنة والموضحة
للضمانات التي يكفلها القانون، معززا بذلك مناخ الثقة التي تعد حجر الزاوية للاقتصاد
الليبرالي، مساهما في النهوض بالاستثمار والنماء الاقتصادي.
لذا حرصنا على إعادة الاعتبار للقضاء وتأهيله وتطهيره من كل النقائص والشوائب
المشينة، محددين بكل حزم ووضوح سبيل الإصلاح الذي لا مناص منه. وقد تحقق
بالفعل تقدم لا جدال فيه، حيث تم إيقاف مسلسل التدهور والمضي قدما في عملية
إعادة البناء وعصرنة العدالة مما مكن من تعزيز الاستقلال الفعلي للقضاء وتقوية
سلطته في تجسيد المساواة أمام القانون والإسراع في تنفيذ الأحكام.
وفيما أخذت المحاكم الإدارية والتجارية تعطي ثمارها في مجال ترسيخ سيادة
القانون، سواء في علاقات الإدارة بالمواطن، أو في ميدان الأعمال، فقد تحققت على
المستوى التشريعي إصلاحات هامة في انتظار أخرى هي في طريق الإنجاز، من شأنها
استكمال بناء صرح
العدالة وتعزيز قدرات المحاكم للتغلب على البطء باعتماد القضاء
الفردي، فضلا عن إضفاء البعد الإنساني على قانون السجون وعصرنة القضاء الجنائي
وإعادة تأهيل المهن القضائية وتحسين تكوين القضاة وكافة الأعوان القضائيين
وكذا ظروف عملهم في العديد من المحاكم.
وبالرغم مما قطعناه من خطوات، فإن إصلاح القضاء لايزال بعيدا عن الهدف الذي
نتوخاه له ودون الطموحات المشروعة للمتقاضين وللمجتمع. ولذا فإننا مصممون على أن
يأخذ تسريع النهج الإصلاحي وتيرته القصوى، فقد دقت ساعة الحقيقة، معلنة حلول
وقت التعبئة الكاملة والقوية للقضاة ولكل الفاعلين في مجال العدالة للمضي قدما
بإصلاح القضاء نحو وجهته الصحيحة وانتهاء زمن العرقلة والتخاذل والتردد والانتظارية.
وفي هذا الصدد، يجب على المجلس الأعلى للقضاء أن يعزز المكتسبات وينخرط
بكل حزم ووضوح في هذا الورش الإصلاحي الكبير، مضطلعا بمهامه الدستورية كاملة
في السهر على ضوابط وأخلاقيات القضاء بالمعاقبة التأديبية الحازمة والصارمة لكل
الذين أثبتوا عدم أهليتهم لتحمل ما طوقوا به من مسؤوليات بسبب تفريطهم وتجاوزاتهم،
أو الذين أساؤوا لسمعة القضاء بسلوكهم وتصرفاتهم، والذين ينسفون في لحظة واحدة
بانحرافاتهم الشائنة ما تحقق من منجزات خلال سنوات من الكد والجهد.
كما ينبغي للمجلس أن يعمل بنفس الحزم والعزم على النهوض بدوره الأساسي
في تعزيز الضمانات التي يكفلها الدستور للقضاة، معتمدا المساواة والتجرد في تدبير
وضعيتهم المهنية بناء على المعايير الموضوعية المضمنة في نظامه الداخلي الذي حظي
بمصادقتنا السامية، حريصا على مكافأة خصال النزاهة والاستقامة والاستحقاق
ونكران الذات والجدية والاجتهاد والشجاعة.
وإننا إذ ندعو المجلس لمضاعفة جهوده لتوطيد استقلال القضاء وتقويته، فإننا
نؤكد بأن هذا الاستقلال لا يعد امتيازا مخولا للقاضي ليعمل بهواه بمنأى عن كل
محاسبة، بل إن مبدأ استقلال القضاء يعد بالأحرى قاعدة ديمقراطية لكفالة حسن
سير العدالة وضمانة دستورية لحماية حقوق المتقاضين وحقا للمواطنين في الاحتماء
بقضاء مستقل ومحايد.
ولأننا حريصون على عدم تسخير هذا المبدإ كمطية لأغراض أخرى، فإن على
المجلس أن ينأى بنفسه وبصفة نهائية عن كل النزعات الفئوية المهنية والانتخابوية
الضيقة والممارسات المنحازة ، حتى يحقق لذاته الاستقلال اللازم ويدرك بنفسه ويرسخ
الوعي لدى الغير بأن الاستقلال هو الشرط الملازم للمسؤولية، جاعلا مصلحة الأمة
فوق كل اعتبار.
حضرات السادة،
إن التعبئة الشاملة التي يتطلبها الورش الكبير لإصلاح القضاء تستلزم المشاركة
الفعالة والواسعة للقضاة فيه. وهنا يبرز الدور المنوط بالودادية الحسنية للقضاة التي ننتظر
منها وفي نطاق مهامها وأهدافها أن تواكب هذا الإصلاح وتدعمه بكل فعالية، متيحة
بذلك لجميع القضاة الإسهام في تجديد الصرح المشترك للعدالة وإضافة قيمة جديدة
لبرامج التعاون الدولي والانفتاح على العالم القضائي والتكوين المستمر وتحديث القضاء
ولكي يتأتى للودادية ذلك، ينبغي لها أن تستيقظ من سباتها العميق، وأن تكف
عن الحسابات والصراعات المتجاوزة، وتقوم بمراجعة وتحيين نظامها الأساسي بما
يكفل لها استيعاب التطور الفكري والتحولات التي يعرفها المشهد القضائي، وكذا
تجديد هيئاتها المسيرة بما يضمن لها تعبئة طاقات جديدة وإناطة المسؤولية بها.
وبذلكم تسترجع الودادية إشعاعها وتحمل من جديد مشعل استقلال القضاء والدفاع
عن حقوق القضاة، وتحدد النهج القويم لعملها ولمساهمتها في إصلاح القضاء الذي يوجد
اليوم في قلب عملية تغيير المجتمع وتحديثه ودمقرطته وبناء دولة الحق والقانون والنماء
والتقدم، أي في صميم اختيارات استراتيجية لا رجعة فيها وتحديات مصيرية يجب على
المغرب أن يرفعها ، وهو ما لن يتم إلا بالمساهمة الحاسمة والفعالة للقضاء.
وإننا لنهيب بكل القضاة الحريصين كل الحرص على النهوض بمسؤوليتهم
التاريخية والمحافظة على شرف وكرامة الأمانة الملقاة على عاتقهم، أن يعملوا على
مصالحة المغاربة مع جهازهم القضائي، واستعادة ثقتهم في شموخ وعظمة عدالة مستقلة
نزيهة كفأة وقوية جديرة بما يرمز إليه اسمها من توقير واحترام.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة ترؤس جلالته افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء
12 أبريل 2004
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السادة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء،
يطيب لنا أن نخاطبكم ومن خلالكم أسرة القضاء التي نحرص على أن تتوافر
فيها كل الفضائل المثلى للنهوض بأمانة إقامة العدل الذي يعد من وظائف الإمامة
العظمى والأساس الراسخ للحكم القويم وصون حقوق المواطنين وضمان مساواتهم
أمام القانون.
ولا يمكن للقضاء أن يحقق المكانة الجديرة به إلا حين يكتسب ثقة المتقاضين
التي لا تتحقق إلا من خلال ما يتحلى به القضاة من نزاهة وتجرد واستقامة واستقلال
عن أي تأثير أو تدخل المملكة الـ
المملكة المغربية
إن استقلال القضاء الذي نحن عليه حريصون ليس فقط إزاء السلطتين التشريعية
والتنفيذية الذي يضمنه الدستور، ولكن أمام السلط الأخرى شديدة الإغواء، وفي
مقدمتها سلطة المال المغرية بالارتشاء، وسلطة الإعلام التي أصبحت بما لها من نفوذ
متزايد وأثر قوي في تكييف الرأي العام سلطة رابعة في عصرنا ، فضلا عن سلطة
النفس الأمارة بالسوء. وإننا لنعتبر أن استقلال القاضي بمعناه الحق عن هذه المؤثرات
الجامحة لا تكفله الوسائل القانونية مهما كانت متوافرة، وإنما يكفله قبل كل
شيء الميثاق الذي بينه وبين ضميره، فهو رقيبه الذاتي الدائم والوسيلة المثلى لتحصين
نفسه من كل تأثير أو انحراف وهو يقوم برسالته النبيلة.
وإذا كان المغرب في نطاق نظامه الملكي الدستوري قد بوأ المجلس الأعلى للقضاء
المكانة السامية كمؤسسة دستورية برئاسة جلالتنا وجعل معظم الأعضاء منتخبين
للسهر على الضمانات المخولة للقضاة، فإن أعضاء هذا المجلس هم أول الملزمين بالحرص
على استقلال القضاء ونزاهته وحرمته، مجسدين هذه الفضائل المثلى بالالتزام بضوابط
وأخلاقيات المهنة.
فعليكم، رعاكم الله ، أن تكونوا القدوة في هذا المجال، معتبرين مهمتكم
تكليفا قبل أن تكون تشريفا ، حريصين على ألا تكونوا ، والعياذ بالله، ممن ينهى
عن خلق ويأتي بأسوأ منه. ومن ثمة، وكما هو شأن كل مسؤول من الوزير المسؤول
سياسيا أمام الملك والبرلمان وأمام المحكمة العليا في حالة خرقه للقانون إلى البرلماني
الذي ترفع عنه الحصانة في حالة إخلاله بالدستور والقانون فإن القاضي المطوق بأمانة
صيانة سيادة القانون لا يعتبر بالأحرى فوقه وليس منزها عن متابعته عند الإخلال
بواجباته، علما بأن الضمانات المخولة له لا يجوز أن تفسر بكونها امتيازا تفضيليا ،
وإنما هي ضمانات لأداء مهمته باستقلال وفي تقيد بالقانون، وإلا فمن يراقب المراقب.
«
وحرصا من جلالتنا على تدعيم دولة المؤسسات، فإننا ندعوكم إلى أن ترفعوا إلى
نظرنا السامي مقترحات تكميلية للنظام الداخلي للمجلس تستهدف ضمان استقلالية
أعضائه وتخويله رفع توصيات في شأن المخلين منهم بشرف وضوابط وأخلاقيات
عضويته بكيفية تجعل من مكوناته نموذجا يحتذى في الاستقامة والنزاهة
وإن التقدير الكبير والرعاية السامية والموصولة التي تحظى بها أسرة القضاء لدى
جلالتنا، وإيثار العفو والتسامح فيما يقع فيه البعض من هفوات أو أخطاء ممن أراد
الحق فأخطأ سبيله لا يعادله إلا دعوتنا المجلس إلى الحزم والصرامة في التصدي لكل
إخلال بضوابط وأخلاقيات عضوية المجلس الأعلى للقضاء وأسرته في التزام بالقانون
وحرص على حرمة القضاء وحصانته المغربية
وإدراكا منا بأن التزام القضاة بمسؤوليتهم الجسيمة في جو من الاستقلال والتجرد
والوقار لا يحرمهم من التعبير عن أراءهم البناءة كقوة اقتراحية لإصلاح القضاء وإيجاد
كل الوسائل الكفيلة بتمكينهم من ممارسة حقوق المواطنة كاملة في التزام بقانون
وأخلاقيات وخصوصيات رسالتهم النبيلة، فقد وفرنا لهم لهذا الغرض ثلاث مؤسسات
متكاملة، بدءا من المجلس الأعلى للقضاء باعتباره المؤسسة الدستورية الساهرة على
الضمانات الدستورية والقانونية المخولة للقضاة، إلى الودادية الحسنية للقضاة التي
تحتضن مختلف أنشطتهم وانشغالاتهم وتعبئتهم كقوة اقتراحية لإصلاح قطاع العدل
إلى المؤسسة المحمدية للنهوض بالأعمال الاجتماعية لأسرة القضاء.
وبذلك، وفرنا للقضاة فضاءات رحبة وقنوات للتواصل والتعبير عن الرأي واقتراح
الحلول الملموسة للمشاكل المطروحة داخل إطار مؤسسي ومحدد. وكل ممارسة لهذه
الحقوق خارج تلك المؤسسات من شأنها أن تمس باستقلاله وتجرده اللذين هما قوام
نهوضه على الوجه الأمثل بمسؤوليته الجسيمة.
فعلى القضاة العمل داخل هذه المؤسسات لإيجاد الحلول المرتبطة بمهنتهم
وأوضاعهم، وبعد استنفاذ اللجوء لكل هذه الهيئات وعدم إحقاق الحق أو ملاحظة
وجود خروقات عميقة، فإن جلالتنا تظل الملاذ الدائم لضمان حرمة القضاء واستقلاله
في كل الظروف والأحوال لإعطاء كل ذي حق حقه وإعادة الأمور إلى نصابها.
وستجدون دوما في خديم المغرب الأول، أمير المؤمنين، ليس فقط رئيسا لمجلسكم
الأعلى، ولكن أيضا ملاذكم الأسمى وسندكم الأقوى في التمسك بمستلزمات
مهمتكم السامية. وإننا لنناشدكم أن تلتزموا في أداء مهامكم بأمره تعالى: «وإذا
حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، وبمغزى حكمة الحديث النبوي الشريف:
« قاض في الجنة وقاضيان في النار»، وإذا كانت أمانة النيابة عنا في إقامة العدل التي
تجعل منكم الهيئة الدستورية الوحيدة التي تفتح جلساتها وتصدر الأحكام باسمنا ،
فإننا لننتظر منكم الانخراط الكامل والصادق في توطيد صرح دولة الحق بترسيخ
سيادة القانون ومساواة المواطنين أمامه وإحقاق الحقوق ورفع المظالم، مساهمين بكل
فعالية وحزم واستقامة في إشاعة قيم الديمقراطية والمواطنة المسؤولة وتعزيز روح الثقة
والأمان والاستقرار المحفزة على الاستثمار والكفيلة بالتنمية والتقدم والازدهار. سدد
الله أعمالكم وأعانكم على تحقيق حسن ظننا فيكم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
مة الله تعالى وبرجا المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
2 افتتاح السنة القضائية
بمناسبة افتتاح السنة القضائية
29 يناير 2003
«الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة القضاة،
يسعدنا أن نجعل من افتتاحنا للسنة القضائية مناسبة لإضافة لبنات جديدة في مسار
إصلاح جهاز العدل لما يكفله القضاء المستقل والنزيه والفعال من سيادة القانون وإشاعة
الثقة والأمن على الأشخاص والممتلكات وتحفيز التنمية والاستثمار وتوطيد الاستقرار
وترسيخ الديمقراطية التي نضعها فوق كل اعتبار.
فهل مكنت الجهود التي بذلت في هذا الشأن من بلوغ الأهداف المنشودة؟ كلا إننا
مع تنويهنا بما تحقق من منجزات نعتبر أن برنامج إصلاح القضاء طموح وشاق وطويل،
وإننا لعازمون على تسريع وتيرته لتحديث جهاز العدل وتخليقه وتأهيله. وها نحن اليوم
نتخذ تدابير ملموسة ليسهم القضاء في البناء الجماعي لمغرب الديمقراطية والتنمية.
وهكذا، وتجسيدا لنهجنا الراسخ للنهوض بالاستثمار، وتفعيلا لما ورد في رسالتنا
الموجهة لوزيرنا الأول في هذا الشأن، فإننا ندعو حكومتنا إلى مواصلة الجهود لعصرنة
القضاء بعقلنة العمل وتبسيط المساطر وتعميم المعلوميات. كما يجب تنويع مساطر
التسوية التوافقية لما قد ينشأ من منازعات بين التجار، وذلك من خلال الإعداد السريع
لمشروع قانون التحكيم التجاري، الوطني والدولي، ليستجيب نظامنا القضائي لمتطلبات
عولمة الاقتصاد وتنافسيته ويسهم في جلب الاستثمار الأجنبي.
وسيرا على هذا النهج التحديثي، فقد أصدرنا تعليماتنا السامية إلى وزيرنا في العدل
كي يعمل على فتح أقسام لقضاء الأسرة في أهم المحاكم ويحرص على أن تعم فيما
بعد كل أنحاء المملكة وعلى الإسراع بتكوين قاضي الأسرة المتخصص، لأن قضاء
الأحوال الشخصية الحالي غير مؤهل لتطبيق مدونة الأسرة التي نحرص على إنجازها
بكامل الاهتمام، ترسيخا لتماسك العائلة في ظل التكافؤ والإنصاف.
ولهذه الغاية، وبدلا من إحداث صندوق للنفقة قد يفهم منه التشجيع غير المقصود
على أبغض الحلال عند الله وتشتيت شمل الأسرة، فإننا نصدر توجيهاتنا إلى حكومتنا
قصد الدراسة المتأنية لإيجاد صندوق للتكافل العائلي يعتمد في جزء من موارده على
طوابع ذات قيمة رمزية توضع على الوثائق المرتبطة بالحياة الشخصية والعائلية وترصد
نفقاته على أساس معايير مدققة، مستهدفين من ذلك ضمان حقوق الأم المعوزة وحماية
الأطفال من التشرد الناتج عن الطلاق.
وتظل غايتنا إيجاد قضاء متخصص يكفل الفعالية في البت في المنازعات ويضمن
الحق في المحاكمة العادلة ومساواة المواطنين أمام القانون في جميع الظروف والأحوال.
لذلك نأمر حكومتنا ، بأن تنكب على دراسة وضعية محكمة العدل الخاصة وأن ترفع
إلينا ما توصلت إليه من اقتراحات، آخذة بعين الاعتبار ما تفرضه ضرورة وجود قضاء
متخصص في الجرائم المالية، حريص على تخليق الحياة العامة وحماية المال العام من
كل أشكال الفساد وترسيخ ثقافة وأخلاقيات المسؤولية.
ولأن تأهيل العدالة رهين بالتكوين الجيد للقضاة وبتحسين الوضعية المادية للقضاة
المبتدئين والأعوان القضائيين، فإننا نهيب بحكومتنا أن تنظر في مراجعة وضعيتهم
المادية ووضع نظام أساسي محفز لكتاب الضبط، تحصينا لهم من كل الإغراءات
والانحرافات المخلة بشرف القضاء ونزاهة رسالته.
المغرب
كما ندعو إلى إحداث ودادية خاصة بموظفي العدل تتكفل برعاية أحوالهم
والنهوض بمهنتهم في نطاق عمل جمعوي منسجم مع خصوصية القضاء الذي لا يعتبر
مرفقا إداريا، وإنما هو مؤسسة دستورية يتعين أن تظل محصنة من كل تأثير أو ضغط
مهما كان شكله أو مصدره، مؤكدين موصول عنايتنا الشاملة بأحوال أسرة العدل
بقرارنا إحداث المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لقضاة وموظفي العدل
وبموازاة ذلك، فإننا ننتظر من حكومة جلالتنا أن تسرع بتفعيل ما يوفره إصلاح
نظام التعليم والتكوين الجامعي والقضائي من إمكانات الانفتاح والشراكة لتأمين
تكوين عصري ومتين لقضاتنا، ولكل المهن المرتبطة بالعدالة.
وإن ما نوليه من رعاية شاملة للبعد الاجتماعي في مجال العدالة لا يستكمل إلا
بما نوفره من الكرامة الإنسانية للمواطنين السجناء التي لا تجردهم منها الأحكام
القضائية السالبة للحرية. ولقد تأثرنا بالغ التأثر لما وقع في بعض السجون من حوادث
مؤلمة، لذلك وبموازاة مع الإصلاح المتقدم الذي شمل قانون السجون، وبرنامج العمل
الطموح الذي نسهر على أن تنهض به مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج نزلاء
المؤسسات السجنية، فقد أصدرنا تعليماتنا قصد الإسراع ببناء مركبات سجنية
عصرية مدنية وفلاحية والاعتناء بالظروف المادية والمعنوية للسجناء.
وللتخفيف من معاناة بعض الفئات من السجناء الذي يحظون بعطفنا لاعتبارات
إنسانية، فقد أصدرنا توجيهاتنا السامية لوزيرنا في العدل ليرفع لنظرنا السديد
اقتراحات بالعفو الملكي على مجموعة من السجناء المصابين بمرض عضال أو العاجزين
أو المعاقين أو النساء الحوامل والمرضعات أو الأطفال ذوي المهارات التربوية والفنية
بحسب معايير ولوائح إسمية مدققة سنعلن عن قرارنا بشأنها في الوقت المناسب. كما
أننا ندعو الحكومة إلى اغتنام المهلة المحددة لتفعيل القانون الجديد للمسطرة الجنائية
من أجل تكوين وتأهيل قضاة تنفيذ العقوبات لمتابعة سلوك السجناء التائبين والإسهام
في توسيع فرص الإفراج
والله تعالى نسأل أن يعينكم، معشر القضاة على إقامة العدل بكل ما يتطلبه
من استقلال واستقامة وكفاية واجتهاد وحماية لأمن وسلامة وحرمة المواطنين وكيان
الأمة والدولة من كل عمل إجرامي أو إرهابي. فتلك سبيلكم إلى استحقاق شرف
النيابة عن جلالتنا في تحمل مسؤولية القضاء التي نناشدكم أن تتقوا الله في جسامة
أمانتها . وذلك طريقكم لترسيخ ثقة المتقاضين ومصالحتهم مع القضاء وإشاعة العدل
الذي جعلناه قوام مذهبنا في الحكم وغايته وعماد ما ننشده لشعبنا الحر الأبي من
تطور ديمقراطي وتماسك اجتماعي وتقدم اقتصادي.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
ورحمة الله
الله تعالى وبركاته منصة القضائية
والعملاصة
3. إصلاح مدونة الأسرة
بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية الخاصة بمدونة الأحوال الشخصية
27 أبريل 2001
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
حضرات السيدات والسادة،
لقد آلينا على نفسنا، منذ اعتلينا عرش أسلافنا المنعمين أن نواصل النهوض
بأوضاع المرأة المغربية في كل مجالات الحياة الوطنية، وأن نرفع كل أشكال الحيف
الذي تعانيه من منطلق صفتنا أميرا للمؤمنين وحاميا لحمى الملة والدين، ملتزمين
بشريعة الإسلام فيما أحلت وحرمت أو أباحت وعملا بترسيخ قيم العدل والمساواة
بين الرجل والمرأة مصداقا لقول جدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام، «إنما النساء
شقائق الرجال في الأحكام». واعتبارا لكون الشريعة الإسلامية قائمة على الوسطية
والاعتدال وتحري مقاصد الإصلاح الاجتماعي، فإننا حريصون على ضمان حقوق
النساء والرجال على حد سواء، غايتنا في ذلك تماسك الأسرة وتضامن أفرادها وتثبيت
التقاليد المغربية الأصيلة القائمة على روح المودة والوئام والتكافل الاجتماعي الذي نحن
مؤتمنون على استمراره، ولا سيما في نواته الأساسية المتمثلة في الأسرة
وفي سياق هذا التوجه كان استقبالنا لممثلات عن الهيئات السياسية والمنظمات
والجمعيات النسوية المغربية. كما كان قرارنا بإنشاء لجنة خاصة يسعدنا اليوم أن
نتولى تنصيبها ، مكلفين إياها بالنظر في الآليات والمساطر التي تضمن تطبيقا سليما
لمدونة الأحوال الشخصية، وكذا الانكباب على إعداد مشروع مراجعة لها.
وقد راعينا في اختيار أعضاء هذه اللجنة الاستشارية أن تكون ممثلة للجانب الفقهي
والقضائي العلمي. كما راعينا فيها حضور العنصر النسوي حريصين على أن يكون
جميع أعضائها يتحلون بالكفاية العالية، وبالموضوعية والحياد وبالخبرة في المجالات
التي ينتمون إليها. وأسندنا رئاستها للأستاذ إدريس الضحاك لما يتوافر له من مؤهلات
شخصية رفيعة ونزاهة فكرية وخبرة قضائية.
وإننا لعلى يقين من أنكم حضرات الأعضاء ستكونون في مستوى المسؤولية التي
نعهد بها إليكم لإنجازها، طبقا لما أنتم ملزمون به من مراعاة مقاصد الشريعة السمحة
وإنصاف المرأة وتجسيد تكريمها كما أراد لها الإسلام ذلك، ووفق ما تمليه عليكم
ضمائركم الحية وخبرتكم بالواقع الاجتماعي المغربي. وبذلك سنكون قد عملنا
على تحرير المرأة من كل ما يعوق مواصلة مساهمتها الفعالة في بناء المجتمع المغربي
المتضامن دون تطرف أو تحجر أو تنكر لهويتنا المغربية الإسلامية الثابتة
حضرات السيدات والسادة، لقد تحقق بفضل النهج المتبصر والعمل الريادي لكل
من جدنا ووالدنا المنعمين جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله
مثواهما العديد من المكاسب للمرأة المغربية، كان من بينها الإصلاح الذي أدخل
على مدونة الأحوال الشخصية في عهد والدنا المنعم، طيب الله ثراه.
،
غير أن عدم التحلي بفضائل السلوك الإسلامي القويم في المعاملة الأسرية، إلى
جانب عدم التفعيل الكامل لذلك الإصلاح وتزايد وعي المرأة بحقوقها وواجباتها
بفعل التقدم الذي حققه المغرب، وانخراطها الفاعل في مختلف مناحي الحياة الوطنية ،
كل ذلك يملي علينا رصد مقتضيات المدونة التي تحتاج إلى تفعيل واستيعاب ما تمليه
الظروف الاجتماعية المتغيرة والقضايا المستجدة وجعل كل ذلك في مقدمة ما تنشغل به
اللجنة وتقترح له الأحكام المناسبة.
سنة المغربية
ولن يتأتى لنا ذلك إلا بمزاوجة خلاقة بين التشبث بثوابتنا الدينية التي تشكل جوهر
هويتنا وبين الانسجام التام مع روح العصر المتسمة بالطابع الكوني لحقوق الإنسان، وفي
إطار الاجتهاد الذي أنتم مكلفون به، وتحقيقا لمقاصد الشريعة السمحة في تحكيم
المصلحة المشتركة بين أعضاء الأسرة في ظل التوازن المحكم بين الحقوق والواجبات،
مصداقا لقوله تعالى : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف».
وإننا لنحث هذه اللجنة الموقرة التي نحيطها بكامل رعايتنا أن تتحلى بأعلى درجات
الوعي بمسؤوليتها الجسيمة في الحفاظ على مقاصد الشريعة الإسلامية، ومحكم
نصوصها ، وأن تلتزم الموضوعية والفهم العميق لواقعنا الاجتماعي، وأن تنزل الأحكام
منازلها من حيث مراعاة الضرورة والمصلحة العامة التي حكمها الشرع في كثير من
القضايا والأحكام، دون أن تتقيد باجتهاد سابق كان له ما يبرره في زمانه وبيئته. وفي
هذا السياق، فإن اللجنة مطالبة بالإصغاء إلى كل الأطراف المعنية وفتح الأبواب أمامها
للإدلاء بآرائها والوقوف على مطالبها بإمعان وتبصر ورحابة صدر.
وإننا لننتظر من هذه اللجنة أن تستوعب جسامة الأمانة الملقاة عليها، مستحضرة ما
للأسرة المغربية من حرمات نحرص على صيانتها، سالكة مسلك الاعتدال والتوافق
لبلوغ ما ننشده جميعا لوطننا من حفاظ على هويته الإسلامية ومن تقدم اجتماعي وتأهيل
شامل لكل طاقاته ومكوناته وتضافر جهود نسائه ورجاله، في إطار من الكرامة
والمساواة والإنصاف من أجل رفع ما يواجهه من تحديات داخلية وخارجية. وفقكم الله
ورعاكم وسدد خطاكم لما فيه خير هذا البلد الأمين.
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الموجهة إلى وزير العدل
بإيجاد مقرات لائقة لقضاء الأسرة والعناية بتكوين أصر مؤهلة لممارسة السلطة
الموكولة إليها في هذا الشأن
12 أكتوبر 2003
«الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
خديمنا الأرضى ووزيرنا في العدل السيد محمد بوزوبع أمنك الله ورعاك وسدد
خطاك ،
وبعد ،
فقد رفع إلى النظر السديد لجلالتنا السيد امحمد بوستة، رئيس اللجنة الاستشارية
لمراجعة مدونة الأحوال الشخصية، مشروع مدونة الأسرة الذي تعلم مدى حرصنا على أن
نوفر له كل الشروط الكفيلة بتفعيله على أكمل وجه، في القريب العاجل.
الممتد
وتجسيدا لحرصنا السامي في هذا الشأن، فقد أكدنا، منذ إحداثنـا للجنة
الاستشارية المكلفة باقتراح إصلاح جوهري لمدونة الأحوال الشخصية، على دعم هذا
المشروع الذي مهما تضمن من عناصر الإصلاح، فإن تفعيله يظل رهينا بإيجاد قضاء
أسري عادل وعصري وفعال، لا سيما وقد تأكد من خلال تطبيق المدونة الحالية، أن
جوانب القصور والخلل لا ترجع فقط إلى بعض بنودها، ولكن بالأحرى إلى انعدام
قضاء أسري مؤهل ماديا وبشريا ومسطريا ، لتوفير كل شروط العدل والإنصاف مع
السرعة في البت في القضايا التي هي من اختصاصه والتعجيل في تنفيذها.
وفي انتظار إبداء نظرنا السديد في هذا المشروع، نأمرك بالإسراع في تنفيذ توجيهاتنا
السامية في هذا الصدد، من خلال الإسراع بإيجاد مقرات لائقة لقضاء الأسرة لمختلف
محاكم المملكة، والعناية بتكوين أطر مؤهلة من كافة المستويات لممارسة السلطة
الموكولة إليها في هذا الشأن.
كما نأمرك بأن ترفع إلى جلالتنا اقتراحات بشأن تكوين لجنة من ذوي الاختصاص
لإعداد دليل عملي يتضمن مختلف الأحكام والنصوص والإجراءات المتعلقة بقضاء
الأسرة، ليكون مرجعا موحدا لهذا القضاء الذي نوليه كامل رعايتنا واهتمامنا ، في
إطار ما نحرص عليه من ترسيخ مقومات أسرة مغربية ، وفية لقيمها وأصالتها ، منفتحة
على عصرها، في كنف العدل والمساواة والتضامن.
مع الإعراب لك عن سابغ رضانا ، ودعائنا لك بالمزيد من التوفيق والسداد.
والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة استقبال جلالته لرئيسي مجلسي البرلمان وتسليمهما بجلالته
قانون مدونة الأسرة بعد المصادقة عليه بالإجماع
03 فبراير 2004
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة، إننا بحرصنا على أن نتسلم من رئيسي مجلسي البرلمان
مدونة الأسرة، إنما نؤكد التزامنا الثابت بالقيم المؤسسة لهذا القانون الذي يدخل سجل
تاريخ المغرب ليس فقط باعتباره لبنة جوهرية في بناء مجتمعنا الديمقراطي الحداثي،
وإنما أيضا لأننا جسدنا به التكامل بين المرجعية الإسلامية والكونية القائمتين على
مبادئ الحرية والمساواة والإنصاف والتضامن
وبصفتنا أمير المؤمنين فإننا من خلال هذا العمل الرائد قد ساهمنا فيما يتعين على
الأمة الإسلامية القيام به من أجل تصحيح صورة الإسلام السمحة مما لحقها من تشويه
وتطرف، مؤكدين قدرة العقل الإسلامي على الانسجام مع الحداثة.
وإذا كنا منذ اعتلائنا العرش قد جعلنا في صدارة سياستنا إيجاد مدونة حديثة
للأسرة بهذه المواصفات والمرجعيات، وفي خضم تيارات مختلفة، فإننا بقدر ما نحمد
الله تعالى على توفيقنا في إنجازها بما تتضمنه من إنصاف للمرأة وحماية لحقوق الأطفال
وصيانة لكرامة الرجل، نجدد التأكيد على أنها مكسب للمغاربة جميعا ، منوهين
بإجماع كل ممثلي الأمة ومكوناتها عليها ضمن نقاش ديمقراطي مسؤول والتحام وثيق
بين العرش والشعب.
ومهما تكن أهمية المكاسب المحققة، والتي نتوجها اليوم بوضع طابعنا الشريف
على قانون مدونة الأسرة وإصدار الأمر بتنفيذه، فإننا لن نذخر جهدا لتفعيلها على
الوجه الأمثل من خلال قضاء مؤهل ومستقل وفعال ومنصف، وبواسطة كافة المنابر
والهيئات لتحسيس عامة الشعب بها ، ليس باعتبارها مكسبا للمرأة وحدها، بل بكونها
دعامة للأسرة المغربية المتوازنة المتشبعة بها ثقافة وممارسة وسلوكا تلقائيا.
كما أننا عازمون على أن نوفر لتفعيل مدونة الأسرة ليس فقط وسائلها المادية
والبشرية وآلياتها القانونية، وإنما بالمضي قدما في إنجاز التنمية الشاملة وتشجيع العمل
الميداني الملموس للنهوض الفعلي بأوضاع الأسرة، وتحرير كل الطاقات للعمل الجماعي
المتجاوب مع طموحنا إلى توطيد دعائم مغرب ديمقراطي وعصري، مؤكدين تصميمنا
على المضي قدما في هذا النهج الإصلاحي القويم، لتحقيق المزيد من المكاسب على
درب جعل المرأة والرجل شقائق في حقوق وواجبات الإنسان والمواطنة المسؤولة. «رب
أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه».
صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
. الإصلاح الشامل والعميق للقضاء
الخطاب الساميي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله
بمناسبة ذكرى ثورة الملح والشعب
20 غشت 2009
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
شعبي العزيز
لقد كان في طليعة أهداف ثورة الملك والشعب، استرجاع استقلال المغرب، وبناء
دولة المؤسسات القوية بسيادة القانون، وعدالة القضاء.
،
ومواصلة للجهاد الأكبر لتحقيق هذا الهدف الأسمى، فقد ارتأينا أن نخصص
خطابنا المخلد لذكراها السادسة والخمسين لإطلاق الإصلاح الشامل والعميق
للقضاء، تعزيزا لأوراش التحديث المؤسسي والتنموي الذي نقوده
،
فمنذ تولينا أمانة قيادتك، وضعنا في صلب انشغالاتنا إصلاح القضاء، بمنظور
جديد، يشكل قطيعة مع التراكمات السلبية، للمقاربات الأحادية والجزئية.
وقد أخذنا بالمنهجية التشاورية والإدماجية التي سلكناها بنجاعة، في القضايا
الوطنية الكبرى، لبلورة إصلاح جوهري، لا يقتصر على قطاع القضاء، وإنما يمتد ،
بعمقه وشموليته لنظام العدالة
،
ونود الإشادة بما أبانت عنه كافة الهيئات والفعاليات المؤهلة من تجاوب صادق، لما
دعونا إليه من استشارات موسعة ، وبما أثمرته من تصورات وجيهة.
وحرصا على استمرار هذا النهج البناء، فإننا نعتزم إيجاد هيئة استشارية قارة
تعددية وتمثيلية، تتيح للقضاء الانفتاح على محيطه، وتشكل إطارا مؤسسيا للتفكير
وتبادل الخبرات بشأن القضايا ذات الصلة بالعدالة. وذلك في احترام لصلاحيات
المؤسسات الدستورية، واستقلال السلطة القضائية، واختصاصات السلطات العمومية.
وإننا نعتبر القضاء عمادا لما نحرص عليه من مساواة المواطنين أمام القانون ، وملاذا
للإنصاف الموطد للاستقرار الاجتماعي، بل إن قوة شرعية الدولة نفسها، وحرمة
مؤسساتها من قوة العدل الذي هو أساس الملك.
لذا، قررنا إعطاء دفعة جديدة وقوية لإصلاحه. وذلك وفق خارطة طريق واضحة في
مرجعياتها ، طموحة في أهدافها، محددة في أسبقياتها ، ومضبوطة في تفعيلها.
وفي صدارة المرجعيات، ثوابت الأمة، القائمة على كون القضاء من وظائف إمارة
المؤمنين، وأن الملك هو المؤتمن على ضمان استقلال السلطة القضائية.
كما ينبغي، في هذا الصدد، الأخذ بعين الاعتبار، مختلف المقترحات والتوصيات
الوطنية الوجيهة، وكذا الخلاصات البناءة لمشروع وزارة العدل، ولاستشاراتها الموسعة
فضلا عن الالتزامات الدولية للمملكة.
أما الأهداف المنشودة، فهي توطيد الثقة والمصداقية في قضاء فعال ومنصف،
باعتباره حصنا منيعا لدولة الحق وعمادا للأمن القضائي، والحكامة الجيدة، ومحفزا
للتنمية، وكذا تأهيله ليواكب التحولات الوطنية والدولية، ويستجيب لمتطلبات عدالة
القرن الحادي والعشرين
ولتحقيق هذه الأهداف الكبرى، ندعو الحكومة إلى بلورة مخطط متكامل
ومضبوط ، يجسد العمق الاستراتيجي للإصلاح، في محاور أساسية، وهي تعزيز
ضمانات استقلال القضاء، وتحديث المنظومة القانونية، وتأهيل الهياكل والموارد
البشرية، والرفع من النجاعة القضائية، وترسيخ التخليق، وحسن التفعيل.
شعبي العزيز
مهما كانت وجاهة الأهداف الاستراتيجية التي يمتد إنجازها على المدى البعيد ،
فلا ينبغي أن تحجب عنا حاجة المواطنين الملحة في أن يلمسوا عن قرب، وفي الأمد
المنظور، الأثر الإيجابي المباشر للإصلاح. لذا، نوجه الحكومة، وخاصة وزارة العدل،
للشروع في تفعيله، في ستة مجالات، ذات أسبقية.
أولا دعم ضمانات الاستقلالية وذلك بإيلاء المجلس الأعلى للقضاء المكانة الجديرة
به، كمؤسسة دستورية قائمة الذات، وتخويله، حصريا ، الصلاحيات اللازمة، لتدبير
المسار المهني للقضاة، وإعادة النظر في طريقة انتخابه، بما يكفل لعضويته الكفاءة
والنزاهة، ويضمن تمثيلية نسوية مناسبة لحضور المرأة في سلك القضاء، فضلا عن
عقلنة تسيير عمله.
وفي نفس الإطار، يجدر مراجعة النظام الأساسي للقضاة، في اتجاه تعزيز الاحترافية
والمسؤولية والتجرد ، ودينامية الترقية المهنية، وذلك في ارتباط مع إخراج القانون الأساسي
لكتاب الضبط، وإعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لمختلف المهن القضائية.
ثانيا تحديث المنظومة القانونية : ولا سيما ما يتعلق منها بمجال الأعمال والاستثمار
وضمان شروط المحاكمة العادلة.
وهو ما يتطلب نهج سياسة جنائية جديدة، تقوم على مراجعة وملاءمة القانون
والمسطرة الجنائية، ومواكبتهما للتطورات، بإحداث مرصد وطني للإجرام، وذلك في
تناسق مع مواصلة تأهيل المؤسسات الإصلاحية والسجنية.
،
وبموازاة ذلك، يتعين تطوير الطرق القضائية البديلة كالوساطة والتحكيم
والصلح، والأخذ بالعقوبات البديلة، وإعادة النظر في قضاء القرب.
ثالثا تأهيل الهياكل القضائية والإدارية : وذلك بنهج حكامة جديدة للمصالح
المركزية لوزارة العدل وللمحاكم، تعتمد اللاتمركز، لتمكين المسؤولين القضائيين
من الصلاحيات اللازمة، بما في ذلك تفعيل التفتيش الدوري والخاص بكل حزم
وتجرد، وكذا اعتماد خريطة وتنظيم قضائي عقلاني، مستجيب لمتطلبات الإصلاح.
رابعا تأهيل الموارد البشرية : تكوينا وأداء وتقويما، مع العمل على تحسين الأوضاع
المادية للقضاة وموظفي العدل، وإيلاء الاهتمام اللازم للجانب الاجتماعي، بتفعيل
المؤسسة المحمدية تجسيدا لرعايتنا الدائمة لأسرة القضاء.
خامسا الرفع من النجاعة القضائية : للتصدي لما يعانيه المتقاضون، من هشاشة
وتعقيد وبطء العدالة.
وهذا ما يقتضي تبسيط وشفافية المساطر ، والرفع من جودة الأحكام، والخدمات
القضائية، وتسهيل ولوج المتقاضين إلى المحاكم، وتسريع وتيرة معالجة الملفات، وتنفيذ
الأحكام.
سادسا تخليق القضاء لتحصينه من الارتشاء واستغلال النفوذ ، ليساهم بدوره في
تخليق الحياة العامة، بالطرق القانونية.
شعبي العزيز،
إن المحك الحقيقي لهذا الإصلاح الجوهري، لا يكمن في مجرد وضعه، وإنما في
القدرة على حسن تفعيله وتدبيره، وهو ما ينبغي أن يتم على صعيدين.
فعلى المستوى المركزي، نؤكد أن مسؤولية تفعيل هذا الإصلاح، والإشراف
عليه، منوطة بالحكومة، وخاصة وزارة العدل، وذلك وفق برامج محددة في أهدافها
ومراحلها، ومضبوطة في وسائل التنفيذ والمتابعة والتقويم.
أما على صعيد المحاكم ، فإن نجاح الإصلاح يظل رهينا بانتهاج عدم التمركز،
وبتوافر الكفاءات اللازمة. ولهذه الغاية، ندعو المجلس الأعلى للقضاء، لعقد دورة
خاصة، لاقتراح المسؤولين القضائيين بالمحاكم المؤهلين للنهوض الميداني بهذا
الإصلاح الحاسم.
إن الأمر يتعلق بورش شاق وطويل، يتطلب تعبئة شاملة، لا تقتصر على أسرة القضاء
والعدالة، وإنما تشمل كافة المؤسسات والفعاليات، بل وكل المواطنين.
وإننا لنعتبر الإصلاح الجوهري للقضاء، حجر الزاوية في ترسيخ الديمقراطية
والمواطنة لدى شبابنا وأجيالنا الحاضرة والصاعدة.
لذا ننتظر من الجميع الانخراط القوي في كسب هذا الرهان الحيوي، بنفس روح
الثورة الدائمة للملك والشعب على درب استكمال بناء مغرب العدالة التي نريدها
شاملة، بأبعادها القضائية والمجالية والاجتماعية. أوفياء، في ذلك، للذكرى الخالدة
لجدنا ووالدنا المنعمين جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، ولشهداء
التحرير والوحدة، أكرم الله مثواهم.
«إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا
بالعدل». صدق الله والعظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ».
5. تنصيب أعضاء الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح
منظومة العدالة
بمناسبة تنصيب أعضاء الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة
العدالة
08 ماي 2012
«الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة، يطيب لنا أن نتولى تنصيب أعضاء الهيئة العليا للحوار
الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة.
وقد أبينا إلا أن نضفي رعايتنا السامية على هذا الحوار، اعتبارا للعناية الفائقة التي
ما فتئنا نوليها لهذا الإصلاح الجوهري الذي جعلناه في صدارة الأوراش الإصلاحية
الكبرى التي نقودها ، إيمانا منا بأن العدل هو قوام دولة الحق والمؤسسات وسيادة القانون
التي نحن لها ضامنون، وتحفيز الاستثمار والتنمية التي نحن على تحقيقها عاملون.
وقد سبق لنا في خطاب العرش لسنة 2008 أن دعونا لحوار واسع لبلورة مخطط
مضبوط للإصلاح العميق للقضاء.
كما حددنا المحاور الأساسية لهذا الإصلاح في خطابنا الموجه للأمة في 20
غشت 2009.
وقد حرصنا على تتويج هذا المسار الإصلاحي بمقتضيات الدستور الجديد للمملكة
التي تنص على ضمان الملك لاستقلال القضاء، وتكرس القضاء كسلطة مستقلة قائمة
الذات عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية
كمؤسسة دستورية برئاستنا، وبالنص على حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة ودور
القضاء في حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم.
تلكم هي المرجعيات الأساسية لهذا الحوار الوطني الذي نريده مناسبة لتأكيد
تشبث المغاربة بالنموذج الديمقراطي التنموي المغربي المتميز
حضرات السيدات والسادة، من منطلق نجاعة المقاربة التشاركية والإدماجية التي
اعتمدناها في مختلف القضايا والإصلاحات الكبرى ، فقد تم الحرص على أن تشمل
التركيبة التعددية لهذه الهيئة العليا جميع المؤسسات الدستورية والقطاعات الحكومية
والقضائية، وتمثيلية وازنة للمجتمع المدني ومختلف الفعاليات المؤهلة المعنية بإصلاح
منظومة العدالة.
ونود في هذا الصدد، أن نتوجه بعبارات التقدير لأعضاء هذه الهيئة الموقرة، منوهين
بغيرتهم الوطنية وبكفاءتهم وخبرتهم ونزاهتهم وتنوع مشاربهم، داعين إياهم إلى
الانصهار في بوتقة عمل وطني بناء.
وستتولى هذه الهيئة الاستشارية كإطار تعددي وتمثيلي يتيح انفتاح القضاء على
محيطه الداخلي والخارجي، مهمة الإشراف على هذا الحوار الوطني ورفع مشاريع
توصيات بشأن إصلاح منظومة العدالة لنظرنا السامي
وإننا ننتظر منكم ، لما هو معهود فيكم من روح المسؤولية الوطنية العالية انتهاج
الاجتهاد الخلاق والإصغاء والانفتاح للتفعيل الأكمل لمشروع إصلاح العدالة
كما ندعو جميع الفاعلين للتعبئة والانخراط في هذا الحوار الوطني الذي سنتعهده
بالرعاية والمتابعة، غايتنا الجماعية بلورة ميثاق وطني واضح في أهدافه ومحدد في
أسبقياته وبرامجه ووسائل تمويله ومضبوط في آليات تفعيله وتقويمه.
وستجدون في جلالتنا، كضامن لاستقلال القضاء وساهر على احترام الدستور
وحقوق وحريات الأفراد والجماعات خير سند لكم في النهوض بهذه المسؤولية الوطنية
الجسيمة والنبيلة.
أعانكم الله وسدد خطاكم وكلل أعمالكم بالتوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المشاركين
في أشغال الدورة الثانية للمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب
20 نونبر 2000
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة،
إنه لمن دواعي سعادتنا أن نخاطبكم في افتتاح أشغال الدورة الثانية السنوية للمكتب
الدائم لاتحاد المحامين العرب، مرحبين بكافة المشاركين فيها من منطلق اعتزازنا
بالانتماء لأسرة الحق والقانون، ومن مبدإ ما نوليه من تقدير خاص لهيئة المحامين الذين
يتقاسمون وأسرة القضاء أمانة إقامة العدل الذي جعلناه أساس مشروعنا المجتمعي
الديمقراطي الحداثي ومبتغاهم للسلطة القضائية
وسيرا على النهج القويم لوالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه
أبينا إلا أن نخص جمعكم المبارك هذا بسامي رعايتنا تكريما وإشادة منـا باتحاد
المحامين العرب، هذه المؤسسة الحقوقية العربية العريقة التي نهضت بدور طلائعي في
معركة التحرير والديمقراطية، وساهمت بشكل رائد وجدي وفعال على مدى أكثر
من نصف قرن في النضال من أجل ترسيخ مبادئ دولة الحق والقانون وحماية حقوق
الإنسان وصيانة المبادئ السامية لمهنة المحاماة، فضلا عن مساندتها لكل توجه وحدوي
عربي ونبذها للتجزئة والانفصال مع حرصها على الدعم الفاعل للقضايا المصيرية
للأمة العربية، وفي مقدمتها الكفاح العادل للشعب الفلسطيني من أجل استرجاع
حقوقه المشروعة.
وما إطلاقكم اسم دورة القدس» على هذا الملتقى الهام إلا دليل على تضامنكم مع
انتفاضة الأقصى التي ما فتئنا نعمل بصفتنا رئيسا للجنة القدس الشريف، على تعبئة
كل الطاقات وبذل كل الجهود واتخاذ كل المبادرات لنصرتها في جهادها المستميت من
أجل الدفاع عن حرمات أولى القبلتين وثالث الحرمين وتحرير فلسطين من براثن الاحتلال
الإسرائيلي الغاشم وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
دعم
انتفاضة
إنكم وأنتم تشاطرون الأمة العربية شرف النضال في سبيل د.
الأقصى لتدركون مدى فعالية سلاحكم ، ألا وهو سلاح الحق والقانون والشرعية
والعدل والإنصاف في وقف ما ترتكبه آلة الحرب الإسرائيلية من تقتيل للشعب
الفلسطيني الأعزل
وبحكم ما أصبح لصون حقوق الإنسان وللمنظمات الوطنية والدولية غير
الحكومية وللرأي العام الداخلي والخارجي من نفوذ وازن في عمليات صنع القرار
فإننا نهيب بكم لمضاعفة الجهود قصد توظيف هذه الآليات المؤثرة والأساسية في
العلاقات الدولية المعاصرة من أجل حشد التأييد العالمي للحق العربي في القدس
المكلومة التي يجسد كفاحها المشروع شعار اتحادكم النبيل: الحق والعروبة
وترجيح خيار السلم والحوار والشرعية الذي نحن متشبتون به على ركوب آلة الحرب
وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
لكة المغربية
حضرات السيدات والسادة،
إن موقفكم الثابت من مساندة الحق الفلسطيني لم ينبع من مجرد الانتماء القومي
ومناصرة قضاياه فحسب، ولكنه يصدر بالأساس عن الوعي بالطابع الكوني لرسالة
المحامي القائمة على صيانة الكرامة الإنسانية وحماية قيم العدل والإنصاف والذود عن
الحريات العامة الفردية والجماعية، كما أنه نابع من الإيمان بأن المحاماة رسالة إنسانية
نبيلة وضرورية في أي مجتمع مستمدة سموها ونبلها من إحقاق الحق ورفع المظالم
ومساعدة العدالة على بلوغ هذه المقاصد العليا. واعتبارا لهذه المبادئ السامية للمحاماة
كرست القوانين الداخلية والمواثيق الدولية مبدأ الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة
تأكيدا للرسالة الكونية للمحاماة.
،
كما ارتبطت قيم هذه المهنة الشريفة بالمصلحة العامة نظرا لمساهمتها الفعالة
في تحقيق العدالة عن طريق تسهيل ممارسة الجميع لحق الولوج إلى ميدان القانون
والقضاء، هذا فضلا عن حمولتها السياسية القوية المتمثلة في سعي المحامين الدائم
لإقرار أسس عدالة نزيهة ومستقلة بالنظر لما للعدالة بهذا المفهوم من ارتباط جوهري
بدولة الحق ،والقانون ولما لها أيضا من تأثير حاسم في ترسيخ دعائم المجتمع الديمقراطي
وحماية حقوق الإنسان بما يحمله ذلك من انعكاس إيجابي على الاستقرار السياسي
وتوفير المناخ السليم المحفز للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
لقد أصبحت مهنة المحاماة في المجتمع الديمقراطي الحديث تحتل مكانة متميزة
بالنظر للدور المحوري للمحامي في تحقيق العدل والدفاع عن دولة الحق والقانون. لكن
بقدر تعاظم هذه المكانة المحورية للمحاماة، بقدر ما تتنامى تحديات مهنية داخلية
وخارجية من شأنها أن تخل بنهوض المحامي بدوره الأساسي في إنارة الطريق أمام
القضاء لتحقيق العدالة المنشودة.
وإن من أكبر المعوقات المهنية الداخلية التي تؤثر سلبا على المحاماة ما يعرفه
الواقع من مساس بأخلاقياتها وقيمها وتغليب الاعتبارات المادية على مبادئها الإنسانية
السامية، وهو ما يؤدي إلى الإخلال بالواجبات التي تفرضها المهنة على المحامي فهذه
الشوائب لا تمس بقدسية مهنة المحاماة فقط، بل وتلقي بظلالها السلبية على الحماية
القانونية المطلوب توفيرها لعموم المتقاضين هذه الحماية التي يعد ضمانها جوهر عمل
المحامي ورسالته في آن واحد.
.
أما بالنسبة للمعوقات الخارجية، فيكفي التذكير بما تتعرض لـه المحاماة مـن
تحديات ترمي إلى الخروج بها إلى مجال الخدمات التجارية وإخضاعها لمنطق السوق
وجرها إلى حلبة المنافسة الدولية ، مما يمس بهويتها الأصيلة وما ذلك إلا نتيجة للتطورات
الاقتصادية العالمية المتسارعة والأبعاد الدولية التي أصبح يتخذها القانون، خاصة عن
طريق الاتفاقيات الدولية التي تهم قانون الأعمال والجرائم الاقتصادية والبيئة والتقنيات
الحديثة للاتصال والتطور المتسارع في مجال البيولوجيا وغيرها من العلوم، مما يفرض
على المحامي أن يكون على إلمام واسع بالمجال الذي يتدخل فيه ويقدم خدمة قانونية على
مستوى عال من الأداء تحت طائلة مسؤوليته المهنية.
ونتيجة لهذه التحديات فإن المحاماة توجد اليوم في موقع دفاع حتى لا تفقد قواعدها
وتقاليدها وأعرافها وثقة من يلجأ إليها. ولن يتسنى رفع تلكم التحديات إلا بالعمل
على إصلاح وهيكلة المهنة وفق تنظيم حديث ومتطور يحافظ للمحاماة على استقلالها
وحرمتها ، ويضمن في نفس الوقت تطورها وتكيفها مع المتطلبات المستجدة.
كما أن كسب هذا الرهان الحيوي لن يتم إلا بتأمين الضمانات الأخلاقية
للمهنة وأعرافها الأصيلة الملزمة والعمل على الرفع من مؤهلات ومستوى أداء المحامي
لرسالته ، لا ليكون أكثر دراية بالمجال القانوني فقط، ولكن ليكون أيضا فعالا
في ممارسته، متحكما في التقنيات الحديثة للمعرفة والاتصال، متفتحا على الثقافة
الإنسانية، ملما بالأساليب المبتكرة في ميدان التسيير والتدبير، لأن كل تفريط في هذه
المقومات من شأنه أن يرهن حرية المحامي واستقلاله والحال أن هذين الشرطين هما
قوام رسالته وضمان نجاحه في مهمته.
ونحن إذ نعرب عن تنويهنا باستضافة زملائكم المحامين المغاربة لهذه الدورة،
وباستشعارهم ومشاركتهم الواعية في هذا التوجه الذي نقوده اليوم من أجل بناء
مجتمع ديمقراطي حداثي، لنؤكد ثقتنا في أن كافة المحامين العرب قادرون على
النهوض بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم ورفع كل التحديات التي تحملها طلائع الألفية
الثالثة، مثلما رفعوا تحديات القرن الذي نودعه بما هو معهود فيهم من غيرة على قيم
الحق والعدل وروية وسداد في الرأي وعمل دؤوب ومشترك مع أسرة القضاء على دعم
التنمية والديمقراطية وترسيخ دعائم دولة الحق والقانون، وستجدون في جلالتنا وفي
المملكة المغربية خير سند لكم في تحقيق هذه المقاصد السامية.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
مة الله تعالى وبركة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
ب- مؤتمر الاتحاد الدولي للمحامين
الموجهة إلى المؤتمر ال 49 للاتحاد الدولي للمحامين
31 غشت 2005
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
أصحاب المعالي والسعادة، السيدات والسادة الأساتذة الأجلاء،
حضرات السيدات والسادة،
إنه لمن دواعي اعتزازنا ، أن يعقد الاتحاد الدولي للمحامين مؤتمره التاسع والأربعين
على أرض المملكة المغربية، اختيارا منه لبلدنا ، كملتقى للحضارات، وأرض للحوار
والتسامح، والتشبع بقيم العدل وحقوق الإنسان، وتجسيدا لثقته في عزمنا الوطيد وعملنا
الدؤوب، على المضي قدما في بناء المجتمع الديمقراطي التنموي الحداثي، المبني على
التعددية الفكرية والسياسية، وسيادة القانون، في إطار دولة الحق والمؤسسات التي
نعتبر فصل السلط، واستقلال القضاء، وضمان الدفاع عن الحقوق، وصيانتها بالمحاماة
الملتزمة من مقوماتها الراسخة.
،
،
ومما يجعل جمعكم الموقر يحظى برعايتنا السامية، موضوعه الهام الذي وفقتم
في اختياره، ولا سيما عندما ينصب النقاش وتبادل الأفكار على أخلاقيات مهنتكم
النبيلة، في مداها الموحد ، وما تطرحه من تساؤلات. فالموضوعات والقضايا التي
سيعالجها مؤتمركم ، وإن كانت مهنية خالصة في بعضها، فإنها ذات طابع شمولي
تستوعب المتغيرات المتسارعة التي يعرفها عالمنا والمستجدات التي يفرضها التقدم
التكنولوجي، واتساع الفجوة الرقمية، وكذا انعكاسات أثر العولمة وتحرير المبادلات
على زيادة الهوة بين الدول النامية والدول المتقدمة. فضلا عن جعل قوة القانون، وخيار
الأمان والسلام، يفرضان نفسهما على قانون القوة، ومنطق العنف والتنافر المشحون
بمخاطر الإرهاب المقيت. وذلكم ما يطرح عدة تحديات حقيقية تشكل لديكم انشغالا
بما سيكون عليه تفاعلكم المهني معها، والتكيف مع متغيراتها الحاسمة
«
فنحن نعيش عالما يتجه نحو النمطية والانفتاح، ويتجاوز في مسيرته الحثيثة أية
نزعة إقليمية، أو انغلاق على الذات، أو إيثار للخصوصية على الكونية. بما يعنيه ذلك
من أبعاد إيجابية، تتمثل في المزيد من تقنين حقوق الأفراد وتوسيعها، ووضع الآليات
الكفيلة بحمايتها وتنميتها وتحصينها من كل تداعيات سلبية تمس حقوق الإنسان في
هويته وحرمته أو في حريته وملكيته، أو تعكس انفلات التكنولوجيا المتطورة من
المسؤولية الأخلاقية. وهو ما يستوجب التفكير في إرساء دعائم عدالة فعالة تواكب
هذا التطور، وتصون حقوق الأفراد والجماعات، وخاصة في الدول النامية. ولا شك في
،
أن هذه العدالة تمثل بالنسبة لكم فضاءا جديدا للقيام برسالتكم النبيلة.
وبقدر ما أصبح لمهنة المحاماة من طابع عالمي، فإنها تواجه ضرورة توحيد القيم
السلوكية المثلى، واعتماد التكوين المستمر والاستجابة لمتطلبات مواكبة العالم
الرقمي، والتوفيق بين وجوب احترام الحريات، وصيانة النظام العام، في ظل سيادة القانون
وسلطة القضاء، دون أن ننسى أنها قبل كل شيء، مهنة إنسانية مثالية تقتضي إلى جانب
الفقه القانوني، النزاهة في العمل من أجل مساعدة القضاء الذي يعتبر المحامون جزءا
من أسرته الكبيرة الموقرة، وشريكا أساسيا له في تحمل مسؤولية إحقاق الحقوق ورفع
المظالم على أسس العدل والإنصاف وسيادة القانون، ونشر الثقة والاستقرار اللازمين
لتأمين الحياة الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، والنهوض بالتنمية الاقتصادية.
ولنا اليقين في أنكم ستكرسون جهودكم ونقاشكم، في سبيل ترسيخ تلكم
المبادئ والقيم السلوكية التي ينبغي للمحامي احترامها ، والالتزام بضوابطها. فالمحامي
يمارس المهام المنوطة به في نطاق تقاليد وأعراف مكتسبة على مدى أجيال، متقيدا في
سلوكه المهني بمبادئ الاستقلال والتجرد والنزاهة، والكرامة والشرف، وما تقتضيه
الأخلاق الحميدة.
كما أن أسرة المحاماة لا يمكن أن تنهض بمهمتها ، ولا أن ترفع التحديات التي
تواجهها ديمقراطية تنموية وطنية كانت أو سلمية شرعية دولية لإقامة نظام
عالمي أكثر إنصافا وإنسانية وتضامنا إلا بالتشبث بالقيم الأخلاقية الراسخة،
وما ظل يتراكم من ممارسات اجتهادية مشرقة، تعتبر إضاءات لا يخبو نورها على
مدى الزمن، وكذا من تبادل خبراتكم المتنوعة أيضا، وتحقيق الاندماج في الرسالة
العالمية لمهنة المحاماة، بما تتطلبه من قدرة على التكيف مع التطور القضائي، ورفع
التحدي القانوني للعولمة الشرسة، وجعل المحاماة الشريفة شريكة للعدالة النزيهة في
تحقيق الحكامة الجيدة.
وفي عالم يعرف اهتزازا للمرجعيات القانونية والسلوكية والروحية الفاضلة
وتصاعدا للأصوليات الهوجاء، ومدا للنزوعات المادية والتشيئية، فإننا نشيد بتركيز
أعمالكم على إصدار الإعلان العالمي لأخلاقيات المهنة ونود التنويه في هذا الصدد،
بما جسدته أسرة المحاماة، ليس فقط في المجال القضائي، بل أيضا في كل ميادين
النضال من أجل كرامة الإنسان وإحقاق الحق، من التزام بالخلق الرفيع، داعين إياكم
لتكريسه في مدونة للسلوك.
وإننا لجد معتزين بكون هذا الإعلان سيرتبط إقراره ببلدكم الثاني المغرب
وبخاصة بمدينة فاس العريقة التي أنشئت فيها جامعة القرويين التي تعد إحدى أقدم
الجامعات في العالم، فظلت منارا للإشعاع الثقافي والحضاري الذي يستمد نسفه من
أصالة المغرب وعقيدته الإسلامية السمحة، ومن انفتاحه على القيم الكونية، فضلا
عن ثقافته التي انصهرت في بوتقتها الموحدة روافد ثقافية متعددة: أمازيغية، وعربية
إسلامية، وإفريقية ومتوسطية وعالمية معاصرة، شرقية وغربية، شمالية وجنوبية،
متفاعلة ومبدعة لنسيج حضاري متميز بغنى مكوناته ، وانصهارها ضمن هوية فريدة ،
في مزجها الخلاق بين الأصالة والمعاصرة.
وإن من دواعي ابتهاجنا بملتقاكم، تزامنه مع تفعيل ما نحرص عليه من توجه
حثيث، لإغناء وتحديث الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة، لتواكب المستجدات،
وترقى إلى مستوى مواجهة التحديات، عاملين على أن تحقق التكامل والانسجام
مع التطور الذي تعرفه هذه المهنة ،عالميا، على أساس التوفيق بين الخصوصية الوطنية
والقيم الكونية. وهو الإطار الذي سوف يؤمن استقلالية المحاماة، ويرفع مستوى أدائها.
كما أنه سيدعم سبل التواصل والتعاون والتشارك، مضيفا بذلك لبنة جديدة إلى ما
شيدناه على درب الإصلاحات الكبرى التي نقودها بعزم وحزم للنهوض ببلدنا ، وجعله
في مستوى الدول المتقدمة.
فالمملكة المغربية حريصة على أن تظل رسالة الدفاع حاضرة بمصداقيتها في قلب
الممارسة المؤسسية التي تنهض بها السلطة القضائية، باعتبارها الضامن الفعلي لمساواة
المواطنين أمام القانون وسيادته، واستقرار المجتمع، والثقة في المعاملات، وتحفيز التنمية
والاستثمار. ومن ثم جعلنا في مقدمة ركائز مشروعنا الديمقراطي، الارتقاء بالعمل
القضائي، وتأهيله باستمرار، مهيبين بوزارة العدل، وجمعية هيئات المحامين بالمغرب
أن تنسج فيما بينها علاقات شراكة وتعاون ثابتة، في إطار المسؤولية والتعبئة من أجل
تحديث المنظومة القانونية، وتأهيل كل الفاعلين في الحقل القضائي، مع الانفتاح على
التجارب المثمرة، والاستشراف للغد الأفضل.
أصحاب المعالي والسعادة، السيدات والسادة الأساتذة الأجلاء، لقد بوأ المغرب
على الدوام، صدارة سياساته الداخلية والخارجية، الالتزام بالحق والمشروعية، وانتهاج
سياسة فاضلة تعتمد الأخلاق والوفاء بالعهود، وكذا العمل الدؤوب على تحقيق
الإنصاف، وترجيح التسوية القانونية لفض كل المنازعات. وقد جعلنا من هذه المبادئ
الكونية السامية عماد مذهبنا في الحكامة الجيدة، سواء لاستكمال بناء وإعلاء
صرح الديمقراطية، أو لاسترجاع أقاليمنا الصحراوية الجنوبية وإنهاء النزاع المفتعل
حول مغربيتها بالحل السياسي المتوافق عليه، في نطاق الشرعية الدولية، وبما يكفل
لسكانها حكما ذاتيا في نطاق سيادة المملكة ووحدتها الترابية، اقتناعا منا بعدالة
قضيتنا، ويقينا منا بالمنطق العصري لعالم اليوم الذي لا يعترف إلا بالدول الديمقراطية
القوية، والتكتلات الاقتصادية العملاقة، والذي لا مكان فيه للكيانات الهجينة
والضعيفة.
وحرصاً منا على ترسيخ وتوسيع ما حققه المغرب من منجزات ديمقراطية
ومكتسبات دستورية، مبنية على تفعيل ما التزم به من تشبث بحقوق الإنسان، كما
هو متعارف عليها عالميا، فقد عملنا على الانخراط في الأوفاق الدولية، ورفع التحفظات
بشأن بعضها التي صارت غير ذات موضوع مع ما اعتمدناه من تشريعات متقدمة في كل
المجالات، مستكملين بذلك اندماج بلادنا التام في المنظومة الحقوقية العالمية. كما
فتحنا أوراشا كبرى، كرست السمو بالمنظومة القانونية للمملكة بما يصون الحريات
ويوسع مجالها، سواء من خلال إقرار مدونات جديدة ومتقدمة للانتخابات والشغل،
علاوة على مشروع قانون الأحزاب السياسية الهادف إلى تأهيلها للنهوض بدورها كاملا
كرافعة أساسية للمشاركة الديمقراطية وتكوين النخب المؤهلة للتدبير الجيد للشأن
العام، أو على وجه الخصوص، بإعادة النظر في قانون المسطرة الجنائية، معززا بذلك
مقومات المحاكمة العادلة، آخذا بالضمانات التي تحقق المساواة. كما تم تعديل قانون
الصحافة والحريات العامة، بما يعطي لحرية التعبير مدلولها الحقيقي الملتزم
وتأكيدا منه لمناهضة كل ممارسة منبوذة قد تعرض الإنسان إلى التعذيب وتخدش
كرامته، فقد أفرد المغرب مقتضيات جزرية رادعة، تنهل من الاتفاقية الدولية ذات
الصلة بالموضوع، ضمن توجه شمولي وديمقراطي لتحديث وإصلاح قانون الجزاءات
في إطار سياسة جنائية متقدمة.
وقد كان منطلقنا في هذه الدينامية الحقوقية المتوالية والمتماسكة الحلقات،
إقدامنا منذ اعتلائنا العرش، على المبادرة الشجاعة والفاضلة لإحداث هيئة للإنصاف
،
والمصالحة، والهادفة للطي الحضاري والنهائي والعادل لماضي الانتهاكات الجسيمة
لحقوق الإنسان من لدن شعب لا يتهرب من ماضيه، ولا يظل سجين سلبياته، عاملا على
تحويله إلى مصدر قوة ودينامية لبناء مجتمع ديمقراطي وحداثي. وهذا ما أكدنا عليه
خلال تنصيبنا لهيئة الإنصاف والمصالحة التي أصبحت اليوم، بفضل ما وفرناه لها من
أسباب التجرد والاستقلال، ووسائل التحري وإجلاء الحقيقة وجبر الضرر، وبفعل
التزام ونضالية مكوناتها، في طليعة الهيئات القليلة المشهود لها، ليس فقط عربيا
وإسلاميا ،وإفريقيا، بل عالميا، ومن قبل المنظمات المختصة، بالريادة، لما طبع عملها
البناء، من إسهام فاعل في جعل ما تنهض به من مهام العدالة الانتقالية، ركيزة أساسية
لتحصين الانتقال الديمقراطي
تحدونا في ذلك عزيمة قوية لترسيخ حقوق وواجبات الإنسان، ثقافة وممارسة،
والتربية عليها، في تلازم بين دمقرطة الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق، دعمنا
استقلال المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في نهوضه بحماية الحريات، وترسيخ
المواطنة المسؤولة.
كما أحدثنا ديوانا للمظالم، باعتباره مؤسسة وسيطة بين المواطن والإدارة لإحقاق
الحقوق، ورفع الحيف في إطار الإنصاف وبموازاة مع ذلك، عملنا على تجسيد ما
نتقاسمه مع دول العالم المتقدمة، من مبادئ تخليق الحياة العامة، ومحاربة الارتشاء
واستغلال النفوذ بكل أنواعه، وذلك بالتوقيع على الاتفاقية الدولية لمحاربة الفساد ،
والقيام ببلورة مضامينها ، وبتفعيل المحاسبة والمراقبة البرلمانية والقضائية والإدارية، في
ظل سيادة القانون على للسلطة القضائية
السر الأعلى
كما أن المغرب يواصل في توافق والتحام منقطعي النظير، مسيرته الحثيثة
والرصينة، في اتجاه تحقيق المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات
وضمان التوازن والاستقرار الأسري من خلال مدونة جديدة ورائدة للأسرة، جمعت
بتوفيق من الله بين الحفاظ على الأصالة الوطنية، وبين الانفتاح على العصر، وإنصاف
المرأة ورعاية حقوق الطفل.
وتعميقا لمدلول المساواة بين المرأة والرجل في هذا الاتجاه، قررنا تمكين أبناء المرأة
المغربية من أب أجنبي من الجنسية المغربية، تجسيدا لصيانة تماسك العائلة المغربية،
وترسيخا لوعي أبنائها بالمواطنة المسؤولة. ولكي يحقق المغرب ما ننشده من تسريع وتيرة
التقدم والتطور، أخذنا بالمنهج الشمولي للتنمية البشرية الذي يتوخى توطيد المكاسب
الهامة في مجال الحقوق الأساسية، بإيلاء أهمية قصوى للنهوض بالحقوق الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية
ولهذه الغاية، أقدمنا على إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية». هدفنا الأسمى
جعل الإنسان في صلب عملية التنمية، ومحورها ووسيلتها وغايتها ضمن منظور محرر
للطاقات، تشكل فيه الديمقراطية رديفا للتنمية والتضامن الاجتماعي وتكافؤ
الفرص الكفيل بتمكين كل مغربية ومغربي من الاستثمار الأمثل لمؤهلاتهما :
في إطار مشاركتهما الفاعلة في الحياة العامة، وبما يوفر لهما أسباب العيش الحر
الكريم الذي يعد الغاية المثلى لما ننشده لهما من المواطنة المسؤولة والكاملة، وإن ما
تم إنجازه في هذه الأوراش المتعددة، ليصب بكل روافده، في اتجاه تحقيق تطلعات
شعبنا الأبي وشبابه الطموح، وتجسيد إرادتنا في الرقي بالملكية الدستورية المغربية إلى
ملكية مواطنة، ملكية ديمقراطية فاعلة، لا تدخر جهداً في أن تجعل من المغرب بلدا
جديرا بماضيه التليد ، فاعلا في فضائه الجهوي ،والإقليمي متعاونا مع المنتظم الدولي
في تحقيق السلم والتسامح والتضامن بين الشعوب.
،
وإننا إذ نرحب بكل المشاركين في هذا الملتقى الهام، منوهين بالمبادئ السامية
التي يقوم عليها اتحادكم الموقر، وبالمقاصد النبيلة التي يسعى لتحقيقها ، لواثقون بأن
مؤهلاتكم القانونية والمهنية العالية، وخصالكم الأخلاقية الفاضلة، ستمكنكم
من تتويج أعمالكم بالنجاح المحقق على المعهود في اتحادكم العتيد، من التزام
ومسؤولية، وروح نضالية، وحضور في سائر المحافل والجبهات الوطنية والدولية ،
ونصرة الحق والإنصاف والشرعية، سواء في المعاملات الفردية والجماعية، أو في مجال
في المعاملات الفردية والجماعية، أو لا
العلاقات الدولية.
وفقكم
،
الله لما فيه المزيد من دعم قيم العدل، بالوسيلة الحضارية والديمقراطية
للقانون، والدفع بالتي هي أحسن، وتعزيز استقلال القضاء، ومؤازرته على تحقيق
الإنصاف، والدفاع عن القضايا العادلة وجعل منكم فرادى وجماعات، على الدوام،
طلائع ديمقراطية للمجتمع المدني وللقوى الحية لكل أمة، وللبشرية جمعاء، في العمل
الدؤوب والملموس، على ضمان كرامة الإنسان وأمنه على حريته وحقوقه، وحرمته
الشخصية والعائلية والوطنية والقومية، في كل ربوع العالم، وفي ظل الإخاء والمساواة
والوئام ، والتضامن والسلم بين كل الأنام.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
.. ندوة دولية حول مستقبل العدالة في القرن 21»
الموجهة إلى المشاركين في الندوة الدولية حول «مستقبل العدالة في القرن 21 »
21 نونبر 2007
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
،
حضرات الأساتذة قضاة المجلس الأعلى أصحاب الفضيلة القضاة والمحامين
وأسرة العدالة، معشر الحضور الكريم
إنه لمن دواعي اعتزازنا أن يخلد المجلس الأعلى الذكرى الخمسينية لتأسيسه، وأن
نتوجه اليوم إلى المشاركين في أشغال هذه الندوة الدولية الهامة التي يختتم بها المجلس
احتفالاته التي امتدت على مدى السنة الجارية، اعتبارا للمكانة المتميزة التي تحظى بها
لدينا أسرة العدالة بصفة عامة، وهيأتها القضائية العليا بصفة خاصة.
المعـر
لقد كان المجلس الأعلى في مقدمة المؤسسات التي وضع أسسها جدنا المنعم جلالة
الملك محمد الخامس في بداية عهد الاستقلال، حرصا من جلالته، أكرم الله مثواه،
على تجسيد السيادة الوطنية والتأسيس لاستقلال القضاء.
ومن هذا المنطلق، تشكل هذه الذكرى محطة تاريخية ترمز إلى عهد زاخر
محطة تاريخية، ترمز
بالبناء. بناء الدولة المغربية العصرية، على أسس الملكية الدستورية الديمقراطية
والاجتماعية القائمة على توطيد دولة الحق والمؤسسات والالتزام بمبدأ فصل السلط
وترسيخ سيادة القانون وإقامة العدل والإنصاف، باعتبارها من وظائف الإمامة العظمى
التي نحن على القيام بها مؤتمنون وعلى محجتها البيضاء سائرون، ذودا عن المقدسات
والحرمات، وصونا للسيادة والوحدة الوطنية، وسهرا على الأمن والطمأنينة والاستقرار،
وحماية للحقوق والحريات الفردية والجماعية.
ويطيب لنا أن نعرب عن عميق تقديرنا ، لما قام به المجلس الأعلى، لتخليد هذا الحدث
البارز في تاريخ القضاء ببلادنا من احتفالات متسمة بالإتقان، وذلك ضمن أعمال جديرة
بالإشادة لما تميزت به من جمع بين تنظيم الندوات القيمة والمتعددة حول مسار القضاء
والعدالة بالمملكة، وبين تنظيم المعارض الجهوية التي اشتملت على الوثائق والمستندات
والمؤلفات والإصدارات الجامعة للدراسات والأبحاث القضائية ومختلف السجلات
والصور والأفلام.
وهو ما جعل المغاربة قاطبة يستحضرون بكل افتخار المنجزات الكبرى التي قام بها
جدنا المقدس ووالدنا المنعم جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، خلد الله
في الصالحات أعمالهما ، في مجال تشييد قضاء عصري، وذلكم ضمن صرح متجدد ،
نحن أشد حرصا على إصلاحه وتطويره دعما لأسسه وصيانة لحرمته، وتأهيلا لكل
مكوناته، والإسهام المخلص في ترسيخ دولة الحق وسيادة القانون والنهوض بالتنمية.
ونود التنويه بما قام به المجلس الأعلى من إصدار العديد من المجلدات المتضمنة
لأعمال واجتهادات قضاته على امتداد نصف قرن من العطاء والتجديد ، وذلك بمختلف
اللغات، فضلا عن نشره لأهم أحكامه، وكذا للقرارات التي تهم المغرب، الصادرة
عن بعض المحاكم العليا الأجنبية، بالإضافة إلى الأحكام المتعلقة بمجلس الاستئناف
الشرعي الأعلى.
ومما لا ريب فيه أن هذه الأعمال الجليلة والمتعددة المقاصد تقدم صورة متكاملة
عن مسار العدالة في المغرب، وتعتبر مرجعا ثمينا لكل رجال ونساء القضاء والقانون،
ولكل باحث عن الاجتهاد القضائي في مجال معين.
أصحاب الفضيلة والسعادة، حضرات السيدات والسادة،
إن تتويج احتفالات المجلس الأعلى بالذكرى الخمسينية لتأسيسه بهذه الندوة
، الخمسينية التاسيس
الدولية الهامة حول مستقبل القضاء في القرن الحادي والعشرين ليندرج ضمن منظورنا
الشامل لاستشراف مستقبل العدالة في المغرب وفي غيره من بلدان المعمور.
،
كما أنه يجسد اهتمامنا الكبير بشؤون العدالة الذي يبرز جليا في الانشغال الدائم
لقضاتنا بمواكبة ما تحمله الألفية الثالثة من تحديات على المستوى الدولي، وذلك في
سياق عالمي يعرف تحديات وتغيرات متسارعة بفعل العوامل الاقتصادية والتجارية ذات
التكنولوجيا المتطورة، وتنامي نزوعات التطرف والإرهاب، وكثافة وتعقد العلاقات
الدولية بفعل اكتساح العولمة بشتى تجلياتها وانعكاساتها لمختلف مناحي العلاقات
الاجتماعية والاقتصادية، وما أفرزته من أقضية ومنازعات غير مسبوقة، مما يتطلب
اعتماد فقه الواقع، والاجتهاد في التفاعل مع نوازله، ويضاعف أهمية القانون والقضاء
في نظر الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين في إيجاد حلول وتسويات عادلة لها. كما
أنه يجعل العدالة، وفي طليعتها المجلس الأعلى الموقر ، أثقل مسؤولية في مواجهة هذه
التحولات.
.
وإن حضور نخبة من رؤساء المحاكم العليا من مختلف الدول والقارات، وكذا
عدد من الفقهاء والقضاة والمحامين المغاربة والأجانب المرموقين، لأشغال هذه الندوة
الهامة، لمن شأنه الارتقاء بالمناقشات، وتبادل الخبرات والآراء، في فضاءات الفكر
القانوني والقضائي والفقهي وإضفاء طابع التألق والإشعاع على أعمالها.
وفي هذا السياق، ننوه بالحضور المتميز للشخصيات المرموقة المشاركة في هذه
الندوة، مرحبين بهم في بلدهم الثاني المغرب، المنفتح عبر التاريخ على مختلف الثقافات
والحضارات والمؤمن بضرورة التعاون الدولي وتضافر كل الجهود الهادفة إلى ترسيخ
السلام والأمن والعدل والإنصاف بين الأمم وداخل المجتمعات.
،
وفي هذا الإطار، يندرج حرصنا على أن ينشر المجلس الأعلى، كل ما يتعلق
بتاريخنا القضائي والفقهي، وجعله مجالا فسيحا أمام الباحثين والمهتمين من رجال
القانون والقضاء، للدراسة والتحليل والتأويل.
ونغتنم هذه المناسبة لنجدد الإعراب عما نكنه لأسرة العدالة الأثيرة لدى جلالتنا ،
وللقضاة رفيعي الدرجة ، ولصفوتهم بالمجلس الأعلى من مختلف الأجيال التي تعاقبت
على حمل هذه الأمانة من تقدير واعتبار.
وإننا حريصون على السير على النهج القويم لأسلافنا الميامين الذي أقاموا دولة
المغرب الموحدة، منذ أزيد من اثني عشر قرنا على الأساس الصحيح والحصن الحصين
للعدل، جاعلين منه أساس الملك. ولذلك يذكر التاريخ للمغرب، ملكا وشعبا، أنه
كان يحيط القضاة بما يستحقونه من تبجيل واحترام.
وهو ما نحن بصفتنا أميرا للمؤمنين، مؤتمنون عليه وحريصون على ترسيخه،
وفاء لعهد البيعة المقدسة، والتزاما بأحكام دستور المملكة ملتزمين بضمان استقلال
القضاء وإصلاحه، لما له من دور حيوي في توطيد أسس الديمقراطية، وتحقيق الأمن
القضائي وترسيخ الثقة اللازمة لتحفيز الاستثمار والنهوض بالتنمية.
،
وكما أكدنا ذلك، وخاصة في خطاب العرش الأخير وافتتاح البرلمان، فإننا
حريصون على القيام بإصلاح عميق وشامل لقطاع القضاء ، سنتولى الإعلان عن خطوطه
العريضة في المدى القريب، بعون الله وتوفيقه.
،
وإننا لواثقون من أن أسرة العدالة وخاصة المجلس الأعلى، باعتباره أعلى هيئة
قضائية وطنية سيشكل قاطرة لهذا الإصلاح المنشود لكونه يضم خيرة قضاة
المملكة، في طليعتهم الرئيس الأول للمجلس، والوكيل العام للملك به المشهود لهم
بالكفاءة والنزاهة والتجرد والغيرة على حرمة القضاء واستقلاله.
كما أننا على يقين بأن وزيرنا في العدل، بما هو معهود فيه من تشبث بثوابت
الأمة ومقدساتها، والتزام ثابت، وإسهام صادق وموصول في توطيد دعائم دولة الحق
والقانون، في مختلف المسؤوليات السامية التي تقلدها ، لن يدخر جهدا في العمل تحت
قيادتنا في حرص على استقلال القضاء، واحترام لمبدأ فصل السلط من أجل زيادة
إشعاع المجلس الأعلى، وتمكينه من الوسائل الضرورية للنهوض بالأمانة الجسيمة الملقاة
على عاتقه.
كما أن أسرة القضاء، بصفة عامة، ستعمل على الانخراط بفعالية ومسؤولية في
هذا الإصلاح الجذري والمصيري الذي يعد من شروط صيانة المواطنة الكاملة والتنمية
الشاملة التي ننشدها لوطننا العزيز غايتنا المثلى أن يظل المجلس، اسما على مسمى:
قمة شامخة لصرح قضاء مستقل ونزيه ومنارة مشعة للاجتهاد المواكب للمستجدات.
داعين أسرته الموقرة، لمضاعفة جهودها الموفقة لجعله قاطرة لهذا الإصلاح المنشود من
أجل تحقيق المزيد من التحديث والعصرنة والتوثيق والشفافية والانفتاح، في التزام دائم
بسيادة القانون، ومساواة كل المواطنين أمامه معربية
،
المعو!
وفقكم الله ، وسدد خطاكم، وكلل مساعيكم وأعمال هذه الندوة بالنجاح.
حمة الله تعال وبركاته،
سلطة القضائية
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
.. مؤتمر جمعية الساكم والمجالس الدستورية التي تتقاسم استعمال
اللغة الفرنسية
الموجهة إلى المشاركين في المؤتمر السادس الجمعية الهاكم والمجالس الدستورية
التي تتقاسم استعمال اللغة الفرنسية
04 يوليوز 2012
«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
أصحاب المعالي رؤساء المحاكم والمجالس الدستورية، حضرات السيدات والسادة،
إنه لمن دواعي الاعتزاز أن تحتضن المملكة المغربية أعمال المؤتمر السادس لجمعية
المحاكم الدستورية التي تتقاسم استعمال اللغة الفرنسية، برعايتنا السامية، بمدينة
مراكش، أرض الحوار والملتقيات الدولية الكبرى.
ويطيب لنا، في البداية، أن نشيد بالأهداف النبيلة لجمعيتكم، ومساهمتها القيمة
في نشر ثقافة سيادة القانون، عماد دولة الحق والمؤسسات وفي النهوض بالعدالة
الدستورية، باعتبارها التجسيد الأمثل لسمو الدستور
ومما يضفي على مؤتمركم أهمية خاصة، كونه ينعقد في ظل التحولات التي
يعرفها القانون الدستوري المعاصر، والتطورات المؤسسية التي تشهدها العديد من بلدان
منطقتنا ، بمختلف انعكاساتها، وما يقترن بها من تبوئ القضاء الدستوري المكانة
المتميزة في المنظومة الديمقراطية الحديثة، ليس فقط كأساس للتوازن بين السلطات
الدستورية، وإنما باعتباره أيضا مرجعا لها ولحقوق المواطن في ظلها.
ومن هذا المنطلق، تتجلى وجاهة اختياركم لموضوع المواطن والقضاء الدستوري»،
كمحور أساسي لأشغال مؤتمركم اختيارا يجسد الالتزام القوي بجعل المواطن
بحقوقه وواجباته، وحرياته، ووجوب ضمان كرامته، مرجعا وغاية لعمل المؤسسات
الدستورية.
ولنا اليقين، لما هو مشهود للمشاركين في مؤتمركم من دراية قانونية وقضائية
واسعة، ولما تحظى به المحاكم والمجالس الدستورية المنتمية لجمعيتكم من مصداقية
واحترام، بحكم استقلاليتها وكفاءة وحنكة وتجرد أعضائها ، بأن النقاش الدستوري
البناء وما سيسفر عنه من خلاصات وجيهة، سيساهم في توضيح كافة الإشكاليات
المرتبطة بالعلاقة العضوية بين المواطن والقضاء الدستوري، وما تطرحه من تحديات
فقهية وقانونية تسائل بإلحاح الوظائف الكلاسيكية للعدالة الدستورية، في ارتباطها
بأسس النظم الديمقراطية المعاصرة، وفي مقدمتها مبادئ السيادة وفصل السلط
والشرعية التمثيلية.
أصحاب المعالي حضرات السيدات والسادة،
يصادف انعقاد مؤتمركم مرور سنة على إقرار دستور جديد للمملكة، بمضامين
جد متقدمة، مؤسسة لنموذج دستوري مغربي متميز يشكل المواطن فيه صلب الأولويات
والاهتمامات، عماده ترسيخ بناء دولة ديمقراطية حديثة، ترتكز على المشاركة
والتعددية والحكامة الجيدة للمؤسسات الوطنية والترابية في ربط بين المسؤولية
والمحاسبة، وذلك في إطار من التضامن والمساواة وتكافؤ الفرص.
وفي هذا الصدد، فإن دستور المملكة الجديد، بموازاة مع ارتقائه بالمكانة
المؤسسية للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتقويتها، في ظل فصلها وتوازنها
واستقلالها ، قد أقر ميثاقا للحقوق والحريات الأساسية بمختلف أجيالها ، وذلك ضمن
منظومة متكاملة لحقوق الإنسان، كما هو متعارف عليها عالميا. كما كرس الآليات
الكفيلة بضمان حمايتها وممارستها الفعلية وفي صدارتها تخويل المواطن حق اللجوء
إلى المحكمة الدستورية، لإثارة عدم دستورية أي قانون من شأن تطبيقه على نزاع
معروض على القضاء، أن يمس بحقوقه وحرياته الدستورية.
القضائية
ومن الأكيد أن هذا التطور يشكل دفعة قوية للقضاء الدستوري في بلادنا ، رغم ما
ينطوي عليه من تحديات متعددة مؤسسية وفقهية، تجعل من تفاعل المواطن والقضاء
الدستوري مقياسا حقيقيا لحركية المجتمع، ومدى تملكه لقانونه الأسمى، ورافعة
قوية لترسيخ حقوق وواجبات المواطنة والديمقراطية الحقة.
وبالنظر لكافة المضامين المتقدمة للدستور الجديد للمملكة الذي أضحت ديباجته
جزءا لا يتجزأ منه، وبارتقاء المجلس الدستوري إلى محكمة دستورية ذات اختصاصات
واسعة، فإننا نتوخى توطيد دعائم المدرسة الدستورية المغربية، الحافلة بعطاء الفقهاء
الدستوريين المغاربة، عن طريق انبثاق اجتهاد قضائي دستوري خلاق وطموح، غايته
المثلى، تكريس سمو الدستور والتقيد بأحكامه، نصا وروحا.
ولا يخفى على سديد نظركم أن تزايد الانتظارات التنموية للمجتمع، في ظل توالي
الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية يستدعي من المحكمة الدستورية المغربية، كما
هو الحال بالنسبة لنظيراتها في جمعيتكم الموقرة، تعبئة كل طاقاتها من أجل رفع
التحدي القضائي الأكبر لرسم المعالم القانونية والعملية الواضحة للحقوق الدستورية
الاقتصادية والثقافية والبيئية للأفراد والجماعات.
أصحاب المعالي، حضرات السيدات والسادة، إن القضاء الدستوري مدعو للانخراط
في دينامية جديدة، ترتكز على مساهمة جميع الفعاليات القضائية والأكاديمية عن
طريق استشعار طبيعة وظائفه المجتمعية والمؤسسية والتنموية الجديدة، في إطار معادلة
لا تنفصل فيها التنمية عن الديمقراطية، وكذا عن طريق آليات عمله، لا سيما منها
مناهج التأويل الدستوري السليم، بمبادئه وحدوده.
وإننا نتطلع إلى أن تواصل جمعيتكم القيام بدورها الفاعل في إضاءة سبل الممارسة
الدستورية والديمقراطية في مجتمعاتنا ، والمساهمة في استشراف التحولات المستقبلية
الواعدة بانبثاق نموذج مؤسسي متجدد ، سمته البارزة الديمقراطية الدستورية المواطنة.
كما ندعو جمعيتكم لاستثمار طابعها التعددي والتزامها الفاعل بالنهوض
بالعدالة الدستورية، وما يتقاسمه أعضاؤها من قيم سامية من أجل العمل على إرساء
أرضية صلبة لحوار قضائي دستوري بناء، يشكل بالنسبة لمجالسكم ومحاكمكم
الدستورية، جسرا للتواصل والتلاقح الفقهي، وتبادل الخبرات والتجارب، والانفتاح على
فضاءات لغوية جهوية ودولية ،أوسع، سواء كانت أكاديمية أو قضائية بجميع أنواعها ،
دستورية كانت أم عادية.
عالم السلطة القضائية
وبموازاة ذلك، فإننا ندعوكم للمزيد من توثيق روابط الصداقة والتعاون والشراكة
بين مؤسساتكم، لا سيما من خلال توسيع مجال تقاسم الاجتهادات الدستورية المتميزة
والمساهمة الجماعية في الرفع من القدرات العلمية والمنهجية والإدارية لهيئاتكم.
وإذ نعرب لجميع المشاركين في هذا المؤتمر الهام عن صادق ترحيبنا بكم في بلدكم
الثاني، المغرب، متمنين لكم طيب المقام، فإننا نتطلع إلى مواصلة جمعيتكم لرسالتها
النبيلة، داعين الله تعالى أن يكلل أشغالكم بكامل التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ..
المؤتمرين الدوليين للعدالة – مراكش
الحمد
الموجهة إلى المشاركين في الدورة الأولى للمؤتمر الدولي
للعدالة
02 أبريل 2018
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
أصحاب المعالي السيدات والسادة الوزراء
أصحاب الفضيلة، السيدات والسادة رؤساء المجالس العليا للقضاء ورؤساء النيابات
العامة،
حضرات السيدات والسادة
يطيب لنا أن نتوجه إليكم، في مستهل هذا الملتقى الدولي، مرحبين بكافة
المشاركين في هذا المؤتمر القانوني والقضائي الرفيع الذي حرصنا على أن نحيطه
برعايتنا السامية، تعبيرا عن المكانة المتميزة التي تحظى بها السلطة القضائية لدينا ،
والعطف الموصول الذي نسبغه على مؤسساتها وأعضائها.
ونود في البداية، أن نشيد باختياركم لموضوع استقلال السلطة القضائية بين ضمان
حقوق المتقاضين واحترام قواعد العدالة ليكون محورا لهذا المؤتمر، لما يكتسيه من
أهمية بالغة، ومن راهنية على صعيد مختلف الأنظمة القضائية التي تسعى إلى تعميق
دورها في صون الحقوق والحريات، وفي ترسيخ الأمن القضائي اللازم للدفع بعجلة
التنمية وحماية المجتمع.
وإننا لنتطلع أن يشكل هذا المؤتمر فرصة سانحة للمشاركين، على اختلاف
أنظمتهم القضائية، لتشخيص ما يعترضهم من تحديات مشتركة، وتقديم ما يرونه من
إجابات شافية وحلول مبتكرة لمواجهتها، على ضوء المبادئ الكونية التي يتقاسمونها.
أصحاب المعالي
أصحاب الفضيلة
حضرات السيدات والسادة
ينعقد لقاؤكم في سياق تفعيل الورش الكبير والتاريخي لإصلاح منظومة العدالة
بالمغرب. فالمملكة المغربية التي تسعى باستمرار إلى الانخراط في التوجهات الحديثة
للعدالة، تعمل بإصرار على تطوير منظومتها القضائية لتستجيب لانشغالات المواطنين
وحاجيات المتقاضين وتطلعات المجتمع ومستلزمات العصر. وإيمانا منها بالأهمية
المحورية لاستقلال السلطة القضائية ودورها في بناء دولة الحق والقانون، فقد بادرت
إلى وضع مقومات هذا الصرح ، واتخاذ ما يقتضيه من تدابير مؤسسية وتشريعية وعملية.
في هذا الصدد، حرصنا على التنصيص صراحة في الدستور على استقلال
السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإحداث المجلس الأعلى للسلطة
القضائية ، كهيئة دستورية مستقلة ذات تركيبة متنوعة تضم تحت رئاستنا :
شخصيات قضائية وحقوقية، وقضاة منتخبين، وتسهر على تطبيق الضمانات المخولة
للقضاة، وتدبير مسارهم المهني.
كما منع الدستور أي تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، وأوكل للقانون
معاقبة أي محاولة للتأثير على القاضي، واعتبر إخلال القاضي بواجب الاستقلال
والتجرد خطأ مهنيا جسيما وموجبا للمتابعة الجنائية عند الاقتضاء.
ولم يقف النص الدستوري عند هذا الجانب، بل أقر أحكامـا تكــرس حقوق
المتقاضين وقواعد سير العدالة، مرسخا وظيفة القاضي في حماية حقوق الأشخاص
والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، ومؤكدا على ضمان الحق في التقاضي، وعلى
صيانة قرينة البراءة، والحق في المحاكمة العادلة داخل أجل معقول.
وقد حرصنا على ترجمة هذه المبادئ الدستورية في ميثاق وطني لإصلاح منظومة
العدالة، يتضمن مجموعة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية والعملية، عهدنا
بإعداده، وفق مقاربة تشاركية موسعة، إلى نخبة من القضاة والمحامين والخبراء
والحقوقيين ومهنيي العدالة.
وفي هذا الإطار، تم إصدار نصوص قانونية ذات أهمية كبرى، وفي مقدمتها
القانونان التنظيميان المتعلقان بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية وبالنظام الأساسي
للقضاة ، بالإضافة إلى القانون الذي نقل بموجبه الإشراف على النيابة العامة من وزير
العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.
وقد تمكنت بلادنا بفضل هذه المبادرة الجماعية، من قطع أشواط أساسية في مسار
استكمال الإطار المؤسسي لحكامة منظومة العدالة.
وإننا لنتطلع إلى التسريع بتفعيل ما تضمنه الميثاق من تدابير أخرى ملائمة، تهدف
إلى تحيين التشريع، وتطوير أداء القضاء ، والرفع من نجاعته، ترسيخا لاستقلاله الذي
كرسه دستور المملكة.
وبصفتنا الضامن لاستقلال السلطة القضائية، فإننا لحريصون على أن تكون
الغاية المثلى من التكريس الدستوري لاستقلال القضاء هي جعله في خدمة المواطن،
وفي خدمة التنمية وفي خدمة دولة القانون.
أصحاب المعالي،
أصحاب الفضيلة،
حضرات السيدات والسادة،
بغض النظر عما حققه المغرب من إنجازات في بناء الإطار المؤسساتي لمنظومة
العدالة، فإنه يبقى منشغلا، مثل كل المجتمعات التي تولي أهمية قصوى للموضوع،
بالرهانات والتحديات التي تواجه القضاء عبر العالم.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات، ضمان تفعيل استقلال السلطة القضائية في الممارسة
والتطبيق، باعتبار أن مبدأ الاستقلال لم يشرع لفائدة القضاة، وإنما لصالح المتقاضين،
وأنه إذ يرتب حقا للمتقاضين، فكونه يلقي واجبا على عاتق القاضي.
ين، فكونه يلقي واجبا على عالى
فهو حق للمتقاضين في أن يحكم القاضي بكل استقلال وتجرد وحياد ، وأن يجعل
من القانون وحده مرجعا لقراراته، ومما يمليه عليه ضميره سندا لاقتناعاته.
وهو واجب على القاضي الذي عليه أن يتقيد بالاستقلال والنزاهة، والبعد عن أي
تأثر أو إغواء يعرضه للمساءلة التأديبية أو الجنائية.
كما أن تعزيز الثقة في القضاء، باعتباره الحصن المنيع لدولة القانون، والرافعة
الأساسية للتنمية يشكل تحديا آخر يجب رفعه بتطوير العدالة وتحسين أدائها ،
لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها مختلف المجتمعات.
ومن بين الأسباب المحققة لذلك، تسهيل ولوج أبواب القانون والعدالة، عبر تحديث
التشريعات لتواكب مستجدات العصر، وملاءمتها للالتزامات الدولية، خاصة منها
ذات الصلة بحقوق الإنسان، وتيسير البت داخل أجل معقول، وضمان الأمن القضائي
اللازم لتحسين مناخ الأعمال، وتشجيع الاستثمار وتحقيق التنمية، فضلا عن دعم
فعالية وشفافية الإدارة القضائية باستثمار ما تتيحه تكنولوجيا المعلوميات، ومأسسة
الوسائل البديلة لحل المنازعات.
وإن تطوير العدالة الجنائية يقتضي دراسة الصيغ التي تجعلها تحقق الملاءمة المثلى
بين واجب صيانة الحقوق والحريات، وبين هاجس الحفاظ على قيم وركائز المجتمع،
ودرء كل خطر يهدده في عالم كثرت فيه المخاطر، وتشابكت فيه العلاقات، ونما
فيه التواصل الرقمي مع ما قد يصاحب ذلك من تهديدات وانحرافات، تتخذ أشكالا
معقدة لا بد من التصدي لها بكل مهنية وفعالية.
ولعل الرفع من أداء العدالة يظل في مقدمة الانشغالات ، نظرا لما هو منتظر منها ،
سواء من لدن الأفراد أو من قبل المجتمع. ولا سبيل إلى ذلك إلا بتطوير الإدارة القضائية
حتى تدعم جهود القضاة. وقد أبانت التجربة على الدور الذي يمكن أن تلعبه المحكمة
الرقمية في هذا المجال.
ويظل بلوغ الأهداف المرجوة في كل هذه المستويات رهينا بتحسين تأهيل نساء
ورجال القضاء، والرفع من القدرات المؤسسية للعدالة، ودعم تخليق جميع مكوناتها ،
ومؤازرة كل مجهود يبذل لهذا الغرض بتنمية التعاون الدولي وتطوير مجالاته، كرافد
للارتقاء بأداء أنظمة العدالة، يتيح تبادل التجارب والخبرات، واكتشاف الممارسات
الفضلى التي يمكن الاستفادة منها والاستئناس بها.
أصحاب المعالي
أصحاب الفضيلة
المملكة المغربية
حضرات السيدات والسادة
إننا لواثقون من أن كافة الإشكاليات التي يتضمنها موضوع مؤتمركم، ستنال
حظها من التفكير العميق، والنقاش المستفيض، والمقارنات المثمرة من طرف
المشاركين الذي يتقاسمون الانشغال القوي بما يواجه العدالة من تحديات ورهانات ،
وتطلعهم الملح إلى إبداع حلول ملائمة، مستحضرين خصوصيات مجتمعاتهم، ومستندين
إلى خبراتهم الواسعة، وتجاربهم الإيجابية التي ستغني أشغال هذا المؤتمر.
وإننا لنصبو إلى أن تتكلل أشغالكم بمقترحات مبتكرة وصائبة، وتوصيات عملية ،
كفيلة بجعل هذا المؤتمر، حالا واستقبالا ، إطارا خصبا لتبادل التجارب والخبرات
يساهم في تطوير الأنظمة القضائية والارتقاء بها.
وفقكم الله، وألهمكم الصواب والرشاد، وتوج أشغالكم بالتوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
الموجهة إلى المشاركين في الدورة الثانية للمؤتمر الدولى للعدالة المنعقد
21 أكتوبر 2019
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
أصحاب المعالي السيدات والسادة الوزراء،
أصحاب الفضيلة، السيدات والسادة رؤساء المجالس العليا للقضاء ورؤساء النيابات
العامة ،
حضرات السيدات والسادة،
إنه لمن دواعي سرورنا أن نتوجه إليكم، في افتتاح الدورة الثانية للمؤتمر الدولي
للعدالة الذي أضفينا عليه رعايتنا السامية، باعتباره ملتقى دوليا متميزا لتبادل
الأفكار، وتقاسم التجارب والخبرات، وإطلاق المزيد من الشراكات، في سبيل تطوير
منظومة العدالة، وتكريس مكانتها ، والرفع من مستوى فعاليتها ونجاعتها.
وإذ نرحب بكم ضيوفا كراما على أرض المملكة المغربية، فإننا نشيد باختياركم
لهذه الدورة موضوع: «العدالة والاستثمار: التحديات والرهانات»، لما يجسده هذا
الموضوع من وعي بأهمية الاستثمار كرافعة للتنمية، وبالدور الحاسم الذي تضطلع
به العدالة في الدفع بالنمو الاقتصادي، عبر تعزيز دولة الحق والقانون، وضمان الأمن
القانوني والقضائي اللازم لتحقيق التنمية الشاملة.
حضرات السيدات والسادة،
لقد أكدنا في مناسبات عديدة، على ضرورة وضع رؤية استراتيجية في مجال تحسين
مناخ الأعمال. رؤية قوامها توفير بيئة مناسبة للاستثمار، واعتماد منظومة قانونية حديثة
ومتكاملة ومندمجة تجعل من المقاولة رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولهذه الغاية، أصدرنا توجيهاتنا للإسراع بإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، وإصلاح
مراكزه الجهوية، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها على أكمل وجه،
ووضع حد للعراقيل التي تحول دون أدائها للدور المنوط بها.
كما ألححنا في أكثر من مناسبة على ضرورة تبسيط مساطر الاستثمار، وتحيين
برامج المواكبة الموجهة للمقاولات، وتسهيل ولوجها للتمويل والرفع من إنتاجيتها ،
وتكوين وتأهيل مواردها البشرية
حضرت السيدات والسادة،
إنه بقدر ما تعتبر العدالة من المفاتيح المهمة في مجال تحسين مناخ الاستثمار وتشجيع
المبادرة الحرة وحماية المقاولة، فإن القضاء مدعو للقيام بدوره الأساس في مواكبة هذا
المسار، واستيعاب تحديات الظرفية الاقتصادية العالمية، والمناخ الاقتصادي الوطني.
ومن هذا المنطلق، قامت المملكة المغربية بإقرار مجموعة من النصوص القانونية
الحديثة والمهيكلة الهادفة إلى تطوير منظومة المال والأعمال، وتشجيع الاستثمار،
وتنشيط الدورة الاقتصادية ودعم المقاولات الوطنية، وجعلها رافعة للتنمية الاقتصادية.
،
ونخص بالذكر هنا بعض النصوص الهامة التي تم اعتمادها مؤخرا، كتعديل
مدونة التجارة، وقوانين الشركات، وكذا القانون المتعلق بالضمانات المنقولة، فضلا
عن تكريس مقاربة تخرج القاضي من الأدوار الكلاسيكية إلى أخرى ذات أبعاد
اقتصادية واجتماعية، وتضمن تحقيق أمن المقاولة والسلم الاجتماعي داخلها عبر
إقرار التوازن الموضوعي بين حقوق الأجراء وأرباب العمل القضانية
وهو ما ساهم في تعزيز مكانة المغرب، كبلد يحظى بالثقة والمصداقية لدى
المستثمرين الأجانب، ومختلف الفاعلين الاقتصاديين والماليين.
ولا يفوتنا التأكيد على أهمية القرارات المبدئية الصادرة عن القضاء المغربي في
هذا المجال، وخاصة محكمة النقض، والتي سعت إلى إعطاء مصداقية وثبات ومرونة
للمقررات التحكيمية الأجنبية، وكرست الحماية القانونية لبراءات الاختراع وحقوق
المؤلف.
وفي سياق هذه الإصلاحات التشريعية، وما أطلقته من دينامية فعالة، فإننا نهيب
بالحكومة إلى الإسراع بإقرار باقي النصوص القانونية ذات الصلة، وإعداد النصوص
التنظيمية المتعلقة بالقوانين المصادق عليها.
حضرات السيدات والسادة،
إن توفير المناخ المناسب للاستثمار، لا يقتضي فقط تحديث التشريعات المحفزة
بل يقتضي أيضا توفير الضمانات القانونية والاقتصادية الكفيلة بتحقيق الثقة في
النظام القضائي، وتوفير الأمن الكامل للمستثمرين. ومن هنا تبرز أهمية توحيد آليات
ومساطر تسوية منازعات الاستثمار على الصعيد الوطني والجهوي والدولي، وتجاوز
إشكاليات الاختصاص القضائي الوطني في هذا المجال عبر إقامة نظام قانوني ملائم
يتوخى تفادي المشاكل والحد من المنازعات، وكذلك إنشاء هيئات متخصصة في فض
هذا النوع من النزاعات داخل الآجال المعقولة، وتراعي خصوصيات المنازعات المالية
والتجارية، وتتسم بالسرعة والفعالية والمرونة.
وفي هذا الصدد، سبق أن أكدنا في خطابنا بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
لسنة 2009، على «ضرورة تطوير الطرق القضائية البديلة، كالوساطة والتحكيم
والصلح»؛ وهي التوجيهات التي ضمناها رسالتنا لمؤتمركم هذا في دورته الأولى، حيث
دعونا فيها إلى مأسسة الوسائل البديلة لحل المنازعات.
واستجابة للرغبة الملحة للمستثمرين في تبسيط وتسريع المساطر الإدارية
والقضائية، فقد تم إعداد مشروع مدونة خاصة بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، في أفق
عرضه على مسطرة المصادقة.
فضلكة المغربية
لقد مكنت الجهود المبذولة من تنامي وتيرة الاستثمارات التي تستقطبها المملكة،
وتحسن موقعها ضمن مؤشر مناخ الأعمال Doing Business) لسنة 2019.
القصاد
وإننا لنتطلع للارتقاء ببلادنا إلى مراحل أكثر تقدما في مؤشر مناخ الأعمال
وتحسين موقعها بولوج دائرة الدول الخمسين الأوائل في مجال جودة مناخ الأعمال.
حضرات السيدات والسادة،
لقد مر ربع قرن على إحداث المحاكم التجارية في بلادنا، وهي مناسبة سانحة لتقييم
هذه التجربة، والنظر في سبل تطويرها ، بالعمل على تعزيز المكتسبات، واستشراف
آفاق جديدة تستلهم أنجح التجارب عبر العالم على غرار فكرة محاكم الأعمال التي
بدأت تتبناها بعض الدول.
وترسيخا لهذا التوجه، يتعين إيلاء عناية خاصة للتكوين المتخصص لمختلف
مكونات منظومة العدالة، عملا على رفع قدرات المحاكم في إصدار الأحكام العادلة
والملائمة، داخل آجال معقولة. وهنا نشير إلى دور المحاكم العليا في توحيد الاجتهاد
وتفسير القاعدة القانونية، وهي مناسبة لتثمين الرصيد المهم الذي راكمه القضاء
التجاري بالمغرب في هذا المجال، كقضاء متخصص.
،
وفي نفس السياق، ندعو لاستثمار ما توفره الوسائل التكنولوجية الحديثة من
إمكانيات لنشر المعلومة القانونية والقضائية، وتبني خيار تعزيز وتعميم لامادية
الإجراءات والمساطر القانونية والقضائية والتقاضي عن بعد، باعتبارها وسائل
فعالة تسهم في تحقيق السرعة والنجاعة، وذلك انسجاما مع متطلبات منازعات المـال
والأعمال، مع الحرص على تقعيدها قانونيا، وانخراط كل مكونات منظومة العدالة
في ورش التحول الرقمي.
حضرات السيدات والسادة،
إن خلق فضاء آمن للاستثمار بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والإدارية
والهيكلية، يفرض علينا جميعا اليوم، بذل المزيد من الجهود في اتجاه ترسيخ دولة
القانون، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، ودعم التنبؤ القانوني، وتأهيل الفاعلين
في المجال القضائي وتطوير الإدارة القضائية، وتعزيز حكامتها، من خلال مقاربة
شمولية مندمجة تتعامل مع قضايا الاستثمار في مختلف جوانبها ، المرتبطة بالقوانين
التجارية والبنكية، والضريبية والجمركية والعقارية والتوثيقية والاجتماعية
وتستحضر الأبعاد الدولية والتكنولوجية التي تفرضها عولمة التبادل التجاري والمالي
والاقتصادي عبر القارات
،
،
ضور الوازن لـ
وإننا لواثقون بأن هذا المؤتمر، وانطلاقا من الحضور الوازن للمشاركين فيه،
من وزراء وقضاة ورجال القانون والاقتصاد والسياسة، والمال والأعمال والخبراء
والأكاديميين، سيكون فرصة سانحة للتداول في الممارسات الفضلي، وابتكار حلول
جديدة وواقعية، ورؤى متطورة، والخروج بمقترحات وتوصيات، ستساهم لا محالة في
إغناء مجال الأعمال والاستثمار، وتحسين مناخه وتعزيز دوره وستشكل موردا ينهل
منه المشرعون وصناع القرار والدارسون والمهتمون.
وفقكم
الله وسدد خطاكم، وكلل بالتوفيق أعمالكم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
43 خطاب ورسالة
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2000
شعبي العزيز،
يغمرنا شعور مفعم بالغبطة والتأثر، ونحن نخاطبك في هذا اليوم الذي نحتفي فيه جميعا
بالذكرى الأولى لاعتلائنا عرش أسلافنا الميامين، مستخلفين لأداء الرسالة وحمل الأمانة،
سائرين على نهجهم القويم في قيادتك وإعلاء شأنك والارتقاء بك.
وإنها لخير مناسبة لتأكيد الوفاء الصادق الذي تبادلناه وتجديد العهد المقدس الذي يلحم
بيننا بأواصر البيعة الشرعية التي تطوق عنقك وعنقنا ، متجذرة عبر ثلاثة عشر قرنا من تاريخنا
الحافل المجيد ، مشدودة إلى العصر الحديث برباط دستوري ديمقراطي متجدد.
إن احتفاءك الخاص بعيد العرش يعود لخاصيته المتمثلة في تجسيده لتلاحم مقدسات
لخاصية
المغرب الثلاث، الإسلام والملكية والوطن، حيث أرسى العرش بفضل الإسلام والملكية
مكونات الوطن التعددية الحضارية والثقافية والجغرافية وجعلها مصدرا مستمرا لوحدته.
قافية والجغرافية وجعلها مد
كما شكل هذا الالتحام بينك وبين العرش حصنا حصينا أكسب المغرب قوة ومناعة
بهما تمكن من الصمود أمام أخطر الصعاب والأزمات، وتخطى أعتى العراقيل والعثرات
ورفع مختلف العوائق والتحديات، واجتاز الامتحانات الحاسمة ومنعرجات التاريخ الصعبة،
وهو أكثر ما يكون ثباتا وشجاعة وأقوى تضامنا وأوفى عهدا.
ذلك ما لمسناه وما شهد به التاريخ المعاصر عندما اختار الله لجواره والدنا المنعم مولانا
الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه وأكرم مثواه ، حيث كان التحامك بوارث ســره للنهوض
بأمانة استخلافه في خدمتك خير وفاء لذكراه العطرة. فبهذا الوفاء المتبادل وتجديد العهد
الصادق تغلبنا على محنة فراقه متآزرين. وإننا بهذه المعاني السامية والمغازي العالية، لنستحضر
روحه الطاهرة الزكية وهي تهيمن علينا، حاثة على التذكير بعهده الزاهر المتسم بالتوحيد
والتشديد وبناء الدولة الحديثة القائمة على دعائم الملكية الدستورية الديمقراطية الاجتماعية.
كما نسترجع ذكرى بطل التحرير جدنا المقدس مولانا محمد الخامس، تغمده الله بواسع
رحمته وجزيل مغفرته، إذ كان المبادر إلى اتخاذ يوم تربعه على العرش عيدا لالتقاء الشعب
الآبي بعاهله ، الممثل لسيادته ، ورمزا للكفاح من أجل استعادة استقلاله وحريته. فلهما من الله
الجزاء الأوفى على ما قدمنا من تضحيات جسيمة ، وما أنجزا من أعمال عظيمة ، وما أرسيا
من قواعد متينة وأسس مكينة، آخذنا العهد على نفسنا كي نسلك سبيلها النيرة الواضحة
بخطى ثابتة وإيمان عميق.
«
هكذا انطلقنا في لقاء مباشر معك ومعاينة ميدانية لأحوال كل فئاتك وجهاتك، خاصة
المحرومة منها في بناء مجتمع حداثي قوامه ترسيخ دولة الحق والقانون وتجديد وعقلنة
وتحديث أساليب إدارتها وإعادة الاعتبار للتضامن الاجتماعي والمجالي، وتفعيل دور المجتمع
المدني، وإنعاش النمو الاقتصادي، وحفز الاستثمار العام والخاص، وانطلاق تنمية شمولية ،
وإقلاع اقتصادي يضع في صلب أولوياته تشغيل الشباب والنهوض بالعالم القروي والشرائح
الاجتماعية والمناطق المعوزة، وتأهيل الموارد البشرية، والذود عن وحدة التراب، واستثمار
الرصيد الثمين للإشعاع الدولي للمغرب بنفس وآليات جديدة.
وإنه ليطيب لنا في غمرة هذه الذكرى العطرة أن نعرب لك شعبي العزيز، عن جزيل
شكرنا وكبير اعتزازنا بالمشاعر التي ما فتئت تعبر بها عن صادق وفائك وخالص ولائك ،
ملتفـا بعفوية وتلقائية حول شخص جلالتنا ، متشبثا بأهداب عرشنا ، ومؤمنا بالأهداف التي
رسمناها، داعين لمضاعفة الجهود في تجديد للرؤى والمناهج، وتمديد للآفاق بما يؤهلك
لولوج الألفية الثالثة التي نحن مشرفون عليها، وأنت أكثر ما تكون تمسكا بالمقدسات
وتعلقا بالثوابت والتزاما بالعهود، أقوى ما تكون استعدادا للانخراط الفعال في مسيرة
تعدادا للدرى
العصر والمساهمة الإيجابية فيها ، تحفزا من المكانة اللائقة بمجدك التالد وحاضرك الطموح
ومستقبلك المشرق الواعد ضمن أصالة راسخة متجددة وحداثة أصيلة.
شعبي العزيز،
سيرا على هذا النهج القويم وبعون من الله وتوفيقه، كان منطلقنا مولين كبير اهتمامنا
لترسيخ دولة الحق والقانون، فأعطينا مفهوما جديدا للسلطة يجعلها ترعى المصالح العمومية
وتدبر الشؤون المحلية وتحفظ الأمن والاستقرار، وتسهر على الحريات الفردية والجماعية،
وتنفتح على المواطنين في احتكاك مباشر بهم ، ومعالجة ميدانية لمشاكلهم وإشراكهم في هذه
المعالجة. وهو مفهوم يتسم بالشمول والتكامل، وكل لا يتجزأ ، وبنيان مرصوص يشذ بعضه
بعضا . فلا حرية بدون أمن واستقرار، ولا تنمية بدون احتكاك يومي بالمواطن وإشراكه في
معالجتها، كما أننا نشد على أن هذا المفهوم لا ينحصر في الإدارة الترابية، بل ينطبق على
كل من أوكلت إليه سلطة معينة، اعتبارا لغايته النبيلة العامة المتمثلة في مصالحة المواطن مع
السلطة والجهاز الإداري، وحفظ الكرامة وحفز الاستثمار.
وقد حرصنا على تفعيل هذا المفهوم بإجراء حركة تغيير واسعة في مختلف الأجهزة
الإدارية، خاصة منها الإدارة الترابية والمركزية ورجال السلطة الجهوية والإقليمية، وكذا
قطاع الإعلام والاتصال بغية توفير الموارد البشرية المتجددة والتي ننتظر منها التشبع الكامل
بفلسفته السامية. كما تم إطلاق عملية واسعة للمراقبة والتدقيق والتفتيش والزجر في ظل
سيادة القانون والشرعية على مستوى الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية.
وبموازاة مع ذلك، فقد سهرنا على وضع مجموعة جديدة من النصوص المبلورة له، حيث تم
تهيئ مشاريع متقدمة أعدنا من خلالها النظر جذريا في كل ميثاق الجماعات المحلية والإقليمية
والجهوية ومدونة الانتخابات وسنبشرك شعبي العزيز في مناسبة قريبة بالخطوط العريضة
لهذه النقلة الديمقراطية الكبرى التي توخينا منها الإسراع بترسيخ اللامركزية واللاتمركز
في اتجاه إفراز مجالس محلية وإقليمية وجهوية تجمع بين ديمقراطية التكوين وعقلانية التقطيع
ونجاعة وشفافية وسلامة التدبير، وتتوفر على أوسع درجات الحكم الذاتي الإداري والمالي
الذي من شأنه جعلها تنهض بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ليس بالتبعية للدولة،
ولكن بالشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني من قبل نخبة ذات مصداقية وكفاءة
ونزاهة يفرزها نظام ومسلسل انتخابي ديمقراطي محاط بجميع الضمانات القانونية
الكفيلة بضمان حريته وتعدديته ونجاعته. المغربية
كما أننا ننتظر من حكومتنا ترسيخ دولة القانون بإعطاء دفعة قوية للإصلاح
الإداري والقضائي المستمر على تخليق الحياة العامة وثقافة المرفق العام. وسنتعهد
برعايتنا السامية الموصولة هذا المفهوم الذي قطعنا الخطوات الأولى لتفعيله والذي
ينتظرنا بذل مجهودات متواصلة ومتأنية حتى يصبح تشريعات عصرية وثقافة متجذرة
وسلوكا يوميا وفعلا تلقائيا .
وفي هذا السياق الرامي إلى تركيز دولة الحق ،والقانون أولينا عناية خاصة لحقوق
الإنسان، وأحدثنا هيئة مستقلة للتحكيم بجانب المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان
لتعويض الضحايا، حرصا على أن تعمل بكامل العدل والإنصاف والسعي للاستجابة
لكل المطالب والطلبات المشروعة، والانفتاح على مختلف الحساسيات. كما أصدرنا
تعليماتنا السامية بأن تبذل كل أشكال التأهيل الطبي والإنساني، وإعادة الاعتبار
والإدماج الاجتماعي لذوي الحقوق، علما من جلالتنا بما للتعويض المعنوي والإنساني من
أهمية خاصة في الطي النهائي لهذا الملف، غايتنا المثلى تضميد الجراح وفتح صفحة
جديدة تكرس فيها كل الطاقات لبناء مستقبل مغرب ديمقراطي وعصري وقوي،
لمواجهة المشاكل الحقيقية والملموسة لأجياله الصاعدة.
وسيرا على اعتماد الدمقرطة والعقلنة في مسلسل التحديث الشامل لمؤسساتنا ، فقد قررنا
إعادة النظر في الظهير الشريف المنظم للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما أصدرنا
توجيهاتنا السامية بخصوص ما ننتظره من هذا المجلس من مهام جليلة متجددة في العقد الأول
للقرن الحادي والعشرين مثلما نهض بوظائفه كاملة في العقد الذي نودعه. وسنسهر لهذه الغاية
على تجديد تركيبته، وكذا اختصاصاته وطريقة عمله، خاصة وأن المؤسسات الدولية المختصة
بحقوق الإنسان تتطلع لجعل تجربته نموذجا متميزا في هذا المجال.
ولأن حرصنا على توطيد الحريات لشعبنا الأبي لا حد له، فإننا ندعو حكومتنا إلى
الإسراع بوضع مشاريع قوانين لمراجعة مدونة الحريات العامة في اتجاه يوفق بين مقتضيات مبدإ
الحرية ومتطلبات الحفاظ على النظام العام الذي يعد ركنا أساسيا لضمان ممارسة الحرية
الفردية. كما أن عزمنا منكب على تأسيس جهاز خاص يسهر على التطبيق السليم لقانون
وأخلاقيات المهنة النبيلة للإعلام والاتصال في حرص تام على حريتهما وتعدديتهما.
إن مسلسل التحديث يتطلب تشخيص واقع مؤسساتنا والانكباب عليه لعقلنته. فكما
أن لكل زمن رجاله ونسائه، فإنه كذلك لكل زمن مؤسساته. والعقلنة تقتضي إحداث
مؤسسات جديدة بدل تلك التي أدت وظائفها ، وأن وقت تجديدها واستبدالها بأخرى تستجيب
لمتطلبات التحولات المستجدة.
ومواصلة منا لتحديث دولة المؤسسات وعقلنتها وتفعيل مؤسسات وثقافة التشاور
والحوار اللازمة للديمقراطية، فقد قررنا تنصيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي المنصوص
عليه في الباب التاسع من دستور المملكة ليكون مؤسسة دستورية للتفكير والتشاور في
جميع القضايا الاقتصادية والاجتماعية من قبل صفوة ذات رأي راجح ، مكملة للمؤسسات
المنتخبة، منيطين به الإدلاء برأيه في أي مشروع أو مخطط يتعلق بالاتجاهات العامة للاقتصاد
الوطني، المالية منها والاجتماعية والتربوية والتكوينية، بما فيها مشكلات الشباب ومتابعة
الحوار الاجتماعي وإصلاح نظام التعليم، داعين حكومة جلالتنا إلى أن تسرع بوضع مشروع
قانون تنظيمي يحدد تركيبته وتنظيمه وصلاحياته وطريقة تسييره. كما قررنا ، بموازاة
مع تنصيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي، حل المجلس الوطني للشباب والمستقبل، ومجلس
متابعة الحوار الاجتماعي، والمجلس الأعلى للتعليم الذي يعود ظهير تأسيسه لسنة 1970،
حيث ستؤول صلاحياتها جميعا للمؤسسة التي سيتم تنصيبها.
وإننا نود ، بهذه المناسبة، أن نشيد بالدور الذي قامت به هذه الهيئات وأن ننوه بما كان لها
من منجزات هامة. كما نود تأكيد حرصنا على زيادة تمتين الصرح الديمقراطي الذي شيده
والدنا المنعم، والعمل على اختصار الوقت الذي قطعته شعوب أخرى لاستكماله، مجددين
التشديد على التزامنا بالسهر على تمرس رعايانا الأوفياء على إدارة الشأن العام، وتعلم فضائل
المشاركة فيه محليا ووطنيا وجهويا ، ذلكم الالتزام الشديد الذي لا يوازيه إلا حرصنا
الدائم على التصدي لكل أشكال الإضرار به أو الاستحواذ على ثمراته.
وفي سياق كل المؤسسات المنصوص عليها في الدستور، فقد أصدرنا تعليماتنا
السامية لحكومة جلالتنا، قصد الإسراع بوضع مشروع القانون التنظيمي للمحكمة
العليا المنصوص عليها في الباب الثامن من دستور المملكة.
وبالرؤية نفسها نظرنا إلى الشأن الديني، فاتخذنا بصدده تدابير جديدة، وأصدرنا
تعليماتنا السديدة، كي يأخذ مجراه الذي تستوجبه وظائف الإمامة العظمى، والتزامات
أمير المؤمنين الراعي الأمين لجميع متطلبات هذا الشأن، في نطاق وسطية الإسلام واعتداله
وتسامحه، وكونه دين العلم والحياة الداعي باستمرار إلى التجديد والتحديث بما يتلائم مع
روحه العالية ومبادئه السامية ومقتضيات التطور الوقتية.
وتحقيقا لهذه الغاية، أمرنا بإعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية
الجهوية، مما يجعلها قادرة على أداء رسالتها بإشراف وتوجيه مباشر من جلالتنا، كما أمرنا
باتخاذ الترتيبات اللازمة قصد إعادة المكانة لرسالة المسجد، باعتباره مقرا للعبادة والتربية
والتكوين والوعظ والإرشاد، وباعتباره أيضا مركزا ينهض فيه العلماء والعالمات بتأطير
المواطنين والمواطنات، وصهرهم في مجتمع طاهر سليم واع ومتماسك.
السر الأعلم للسلطة القضاء
شعبي العزيز،
على هذا النسق من التفكير والتدبير المتجددين، وجهنا عنايتنا لمختلف قضايانا المحلية
والجهوية والوطنية، وفق مشروع سياسي يستوعب حقيقة مجتمعنا في سياقه التاريخي،
ويعمل على تغييره نحو الأرقى والأفضل، بواقعية بعيدة عن الشعارات الجوفاء والمقولات
الجاهزة، وقادرة على التفاعل مع متغيرات العصر، تحفزا من الثوابت الراسخة المتمثلة في
قيمنا الإسلامية ومقومات هويتنا الحضارية والثقافية، وقادرة كذلك على تفعيل التضامن
والتكافل في مدلولهما الإسلامي لمحاربة الفقر ومظاهر الإقصاء، والارتقاء بالفئات المحرومة،
مما يعني إقامة عدالة اجتماعية تعتمد المساواة في الفرص والإمكانات ، في نطاق إصلاح يتعهد
المكتسبات المؤسسية بالتجديد والإغناء، ويسعى إلى اقتصاد الوسائل وتقنين الممارسات
البناءة وتجدير الثقافة الديمقراطية، عبر منظور المواطنة الفاعلة والعمل المبدع الخلاق، من
خلال المبادرات الذاتية والأشغال التطوعية وتشجيع الشراكة والتعاون.
ولقد كان الجفاف الذي عرفته بلادنا هذا العام محكا دفع إلى تقوية التضامن مع العالم
القروي في محنته التي حرصنا شخصيا على معاينتها ، والوقوف على آثارها ، وقيادة الحملة
الوطنية لتخفيفها، وتجاوز أضرارها.
وإننا لنشيد بالدور الفاعل للمجتمع المدني الذي أبان عن انخراطه الفاعل في محاربة الفقر
والتلوث والأمية، مما يجعلنا ندعو السلطات العمومية والجماعات المحلية وسائر المؤسسات
العامة والخاصة إلى أن تعقد معه كل أنواع الشراكة وتمده بجميع أشكال المساعدة. وإننا
لجد معتزين بتعاطي نخبة المجتمع المدني للشأن العام والعمل الجمعوي والاهتمام بمجالات
كانت إلى حد كبير ملقاة على عاتق الدولة لوحدها، مما يعد مؤشرا على نضج الشعب
وقواه الحية. وبقدر ما نؤمن بتكامل المجتمعين المدني والسياسي، بدل تعارضهما المزعوم الذي
يريد البعض أن يجعله مطية للاستحواذ غير المجدي على فضاءات العمل الوطني، فإننا نعتبر
أن دينامية المجتمع المدني الفاعل في مجالات التنمية المحلية ومحاربة الفقر والتلوث والأمية،
وكذا النهوض بمهام القوة الاقتراحية والتأطيرية والتربوية من قبل عناصره النشيطة التي لم
تجد نفسها في بنيات المجتمع السياسي تعد مدعاة لهذا الأخير لتأهيل أدواته وتجديد هياكله
وتغيير أساليب عمله وإيلاء العناية القصوى للقضايا اليومية المعيشية للمواطنين، بدل الخوض
في التنابز بالألقاب وجري البعض وراء مصالح أنانية فردية أو أشكال من الشعبوية المضرة
بكل مكونات هذا المجتمع السياسي الذي ننتظر منه النهوض الكامل بوظيفته الدستورية
المتمثلة في تربية وتأطير المواطنين. ملكة المغربية
وإذا كان حرصنا الشديد على التوزيع العادل للثروات لا يوازيه إلا حرصنا على التوزيع
المتكافئ للإمكانات والفرص، فإننا نحث رعايانا الأوفياء على نبذ روح الاتكالية، جاهدين
على تحسيسهم بما يختزنون من قدرات خلاقة على تغيير واقعهم ومحيطهم، معتمدين قيم
التضامن والعدالة وتكافؤ الفرص وروح الإيثار والابتكار، وداعين حكومة جلالتنا لضرورة
القيام باستثمارات اجتماعية من خلال بلورة سياسات عمومية ناجعة في مجالات السكن
الاجتماعي والتجهيزات الأساسية والصحة والتأهيل والتربية والتكوين.
شعبي العزيز،
إن حرصنا على التوجه المجتمعي نابع من إيماننا بأن الكرامة تفتقد مع الجهل أكثر
مما تفتقد مع الفقر. ومن ثمة كان توجهنا للاستثمار في الموارد البشرية، باعتبار رأس المال
البشري رافعة للتقدم وخلق الثروات ، ونظرا لدوره في تحويل وتدبير باقي الثروات، وإدماج هذا
الاستثمار في مسيرة التنمية. وهذا ما جعلنا نسهر، غداة اعتلائنا عرش أسلافنا الميامين، على
وضع والمصادقة على الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمجموعة الأولى من القوانين المبلورة له
والمبرزة لخصائصه وتوجهاته الرامية إلى تكوين نشئ منتج نافع مؤهل للإبداع والمبادرة، وقادرة
على رفع تحديات مجتمع المعرفة والتواصل والتكنولوجيا المتطورة باستمرار، في اعتزاز بكيانه
وتمسك بثوابته ومقدساته وتشبث بعقيدته وقيمها الهادفة إلى بث روح الصلاح والاستقامة
والاعتدال والتسامح، وما إليها من الأنماط السلوكية الحميدة التي يجمعها مصطلح «التربية»
المتأصل في ثقافتنا ، والذائع على السنة العامة والخاصة باسم «الترابي»، والذي كان وراء
إطلاق جلالتنا لاسم ميثاق التربية بدل ميثاق التعليم على الوثيقة المرجعية لهذا الإصلاح.
وإننا ، مع سابغ رعايتنا للميثاق الوطني للتربية والتكوين، نحث حكومة جلالتنا على
تفعيله وتسريع عملية تنفيذه وتخصيص الاعتمادات اللازمة لذلك، كما نشدد على وجوب
انخراط جميع المعنيين كل من موقعه في جو من التعبئة الشاملة والتجند الكامل حول
أهداف الميثاق، بعيدا عن المزايدات والحساسيات، قصد تفعيله مجددين التأكيد على
قرارنا السامي بإعلان العشرية القادمة عشرية خاصة بالتربية والتكوين، وثاني أولوية وطنية
بعد الوحدة الترابية، بحيث لا يحل موعد 2010 إلا وقد تقلص بطريقة ملموسة ببلادنا أثر
الأمية والتعليم غير النافع
وانطلاقا من العطف الذي نخص به أسرة التعليم، واعتبارا لدورها الأساسي في تحقيق
الإصلاح المؤمل، فقد قررنا إنشاء مؤسسة للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم. وسيتسنى لهذه
المؤسسة التي أطلقنا عليها اسم جنابنا الشريف لتحمل اسم «مؤسسة محمد السادس للأعمال
الاجتماعية لأسرة التعليم أن تحتضن ربع مليون من أفراد هذه الأسرة العزيزة على جلالتنا
مع عائلاتهم، وأن توفر ما يلزمهم من خدمات اجتماعية في مجال السكن والتطبيب والترفيه
والتأمين ضد الآفات والتقاعد التكميلي.
شعبي العزيز،
العام للسلطة القضائية
إنه لا مكان لتنمية اجتماعية بدون تنمية اقتصادية، مما يستوجب بناء اقتصاد جديد
قادر على مواكبة العولمة ورفع تحدياتها. وإذا كنا نعتمد اقتصاد السوق، فهذا لا يعني
السعي لإقامة مجتمع السوق بل يعني اقتصادا اجتماعيا تمتزج فيه الفعالية الاقتصادية
بالتضامن الاجتماعي.
وهذا ما جعلنا ننشئ صندوق الحسن الثاني للتنمية والتجهيز ونرصـد مـردود الخط
الثاني للهاتف المحمول لإنجاز مشاريع توفر مناصب شغل وعائدات مستمرة في مجال النهوض
بالعالم القروي، وإيجاد السكن اللائق ومحاربة مدن الصفيح، واستكمال سقي مليون
هكتار، وبناء الطرق السيارة، وتشييد مواقع سياحية ومراكز ثقافية ورياضية، ودعم
مؤسسات إعلامية.
ومع السهر على تنفيذ هذه المشاريع في عين المكان وتشكيل لجنة خاصة للإشراف على
ذلك تحت مسؤوليتنا ، فقد حرصنا على استمرارية هذا الصندوق، وذلك من خلال تحويله
استثمار حصة من عائدات الخوصصة في الإنتاج حتى لا تستهلك في ميزانية التسيير. ولتذليل
الصعاب ومنح فرص الاستثمار للقطاع الخاص الوطني والأجنبي، ولا سيما المقاولات
الصغرى والمتوسطة، قررنا إحداث لجنة تعمل برئاستنا لتشخيص مواقع الخلل واقتراح
المسائل الكفيلة بتبسيط الإجراءات اللازمة وإشاعة مناخ الثقة أمام المستثمرين.
وإننا لننتظر من حكومتنا المضي قدما في الجهد التأهيلي للإطار المؤسساتي لاقتصادنا ،
والحرص على رفع مستوى أدائه العام مؤكدين، بصفة خاصة، على تشجيع نسيج المقاولات
الصغرى والمتوسطة التي تعتبر قاطرة الاستثمار الوطني الحقيقي المنتج والمدر لفرص الشغل
القارة، وذلك بمنحها نظاما تفضيليا، سواء في مرحلة التأسيس والانطلاق أو الحصول على
التمويلات المناسبة لوضعيتها وجميع التسهيلات التشريعية والتنظيمية. وعلى الإدارة، بجميع
أنواعها ومستوياتها ، أن تعتبر نفسها في خدمة هذه الرافعة القوية للتنمية وأن تنسق جهودها
لبذل كل أشكال الدعم لهذه المقاولات في نطاق جهاز مختص في إنعاشها وتنميتها.
كما أننا نجدد دعوتنا للحكومة، الواردة في رسالتنا الملكية التوجيهية لمخطط التنمية
الاقتصادية والاجتماعية، والمتمثلة في اعتماد منظور تنمية مندمجة لسد العجز والتفاوت
الاجتماعي والمجالي وإدماج الشباب في مسلسل الإنتاج، وتشجيع روح الابتكار لديه، وإشراك
المرأة في التنمية، ومحاربة الفقر والإقصاء والبؤس والتهميش وإشاعة روح التضامن والتآزر
وحفظ الكرامة ، واعتماد مخططات جهوية للتنمية، وتفعيل دور الجهة في المجال التنموي.
واعتبارا للخصاص الذي تعانيه الأقاليم الشمالية والشرقية في مجال التجهيزات الأساسية
والخدمات الاجتماعية، مقارنة مع الجهات الوسطى والجنوبية التي نالت نصيبا لا يستهان به
في هذا المجال، ونظرا لما نخص به هذه الجهات العزيزة على جلالتنا من عناية خاصة ، فإننا
ندعو حكومتنا والوكالة المكلفة بتنمية هذه الأقاليم إلى اعتماد مخطط خاص وطموح
لانبعاث الأقاليم الشمالية والشرقية لتمكينها من النهوض بالدور الذي نريده لها كبوابة
لجلب الاستثمارات وواجهة مشعة ومزدهرة للمملكة ، ملحين على تضافر جهود كل من
السلطات العمومية والقطاع الخاص الوطني والأجنبي، واستكشاف كل مجالات التعاون
الدولي مع الهيئات الوطنية والدولية الحكومية وغير الحكومية لرفع معدل نمو هذه الأقاليم
إلى المستوى الذي نرضاه لها.
وإننا، في مجال التنمية، لنولي أهمية خاصة للتنمية القروية باعتبارها أساس التنمية
الشاملة. ذلكم أن تحويل المغرب من بلد قروي إلى بلد فلاحي رهين باستراتيجية تنموية قروية
تستهدف التعامل مع الجفاف كظاهرة بنيوية لا تقتصر على معالجة آثاره الظرفية، بل تسعى
إلى تقوية النسيج الإنتاجي في البادية وتنويع مصادر دخل الفلاح وإقامة أنشطة سياحية، مع
إتاحة ظروف مناسبة في القرى للخدمات والصناعة التقليدية وتحديث الأشغال الفلاحية وسد
العجز المسجل في ميدان التجهيزات الأساسية، بغية رفع العزلة عن العالم القروي والحرص
على حفظ الثروات الطبيعية ضمن تنمية مستديمة.
بيد أن إشكالية ندرة الموارد المائية تظل أولوية الأولويات في ميدان التنمية القروية
والفلاحية، وإننا إذ نستحضر بكل إجلال وإكبار الرؤية الثاقبة والعمل الجبار الذي ميز
عهد والدنا المنعم، رضوان الله عليه، حيث أولى عناية خاصة لبناء السدود ولسقي مليون
هكتار، مما جعل بلدنا يمتص آثار الجفاف، فإننا عازمون على مواصلة سياسته الرشيدة في
هذا المجال برؤية متجددة تعتمد التدبير العقلاني للموارد المائية وإعادة النظر في نوع الزراعات
المستهلكة للماء أو المتضررة من الجفاف، وتشجيع التقنيات والزراعات المقتصدة للماء،
وتوسيع المساحات المسقية، وتكثيف برامج الري حتى تشمل الأراضي الفلاحية الممكن ريها.
كما يتعين وضع تصور متطور لسياسة السدود وتعبئة موارد جديدة في هذا المجال،
والتطبيق الصارم لمقتضيات القانون الخاص بالماء، وترسيخ أسس ثقافية مائية جديدة
لدى كل رعايانا الأوفياء، قوامها التعامل مع الماء كمادة حيوية نادرة، سواء جاد علينا الله
سبحانه بغيثه ومائه الذي علينا خزنه كما أوصانا به جل وعلا في الذكر الحكيم، أو
اقتضت إرادته مرورنا ، لا قدر الله، بسنة عجفاء. الكلية
وتقديرا منا لفئة الفلاحين العزيزة علينا، والتي نكبر فيها تضامنها وما أبانت عنه من
تحل مثالي بالكرامة وتحمل لشدة الجفاف، ونعتز بتشبثها بأرضها المعطاء، فقد قررنا تمديد
فترة الإعفاء من الضريبة المباشرة على الفلاحين إلى سنة 2010 بدل 2000، آملين أن يمكن
هذا التدبير الذي نأمر بإدراجه في مشروع القانون المالي المقبل، القطاع الفلاحي من التأهيل
الشامل لخوض غمار التحديات الداخلية والخارجية التي تلوح في أفق العشرية القادمة. وفي
نفس السياق، ننتظر من حكومتنا التفكير في إصلاح جبائي خاص بهذا القطاع الحيوي،
إصلاح يجمع بين ضرورة دعمه لجعله قادرا على رفع تحديات تحقيق الأمن الغذائي للبلاد
والتنافسية الدولية، وبين مقتضيات العدالة الجبائية التي يتساوى في نطاقها جميع المواطنين.
شعبي العزيز،
إن تحقيق الكثير مما نتطلع إليه جميعا في سياق التنمية يستلزم تحفيز المبادرة والإبداع لدى
كل الفاعلين الاقتصاديين في غير تداخل مع الدور الذي على الدولة أن تقوم به، وهو دور الضبط
والتنظيم لمجتمع تضامني وإيجاد مناخ ميسر للاستثمار ومحفز عليه، وخاصة عن طريق الجبايات
،
والإنفاق العام وتحرير المبادرات وتهيئ الدوافع العصرية المتيحة للتشغيل والمتمثلة في خفض معدل
الفائدة على القروض وتقليص تكلفة الضرائب والعمل وإخراج مدونة شغل عصرية.
كما أن دور الدولة يفرض القيام باستثمارات اجتماعية في مجالات التربية
والتكوين لإعداد المواطن الاقتصادي وتأهيله للابتكار والتنافس في جو من الثقة
والأمن والاستقرار، وفي ظل إدارة شفافة وقضاء نزيه، مع الانضباط الحذر والصارم
في شأن السياسة المالية والنقدية، مما يجعل الدولة، في نطاق قوة وسيادة القانون،
تحفز المجتمع وتوجه تطوره وترعاه ضمن تحكيم رشيد بين مختلف الفئات. ومع ذلك
فإن المقاولة لا ينبغي أن تعيش على التسهيلات المتعددة التي تيسرها لها الدولة، ولا أن تعتمد
الانتظارية كاستراتيجية اقتصادية، ولا أن تضحى بالتضامن كغاية مثلى للحياة المجتمعية.
إن المغرب لتنتظره استحقاقات حاسمة، وعليه أن يرفع تحديات مصيرية داخلية وخارجية،
وهو في حاجة إلى بذل كل الجهود وحشد كل الطاقات ضمن نكران نادى به جدنا المنعم
جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، بالجهاد الأكبر حتى لا يخلف موعده في
القرن المقبل مع مغرب متقدم اقتصاديا ومتضامن اجتماعيا ومجاليا.
وإنه لمجهود ضخم ينتظرنا جميعا فيما نسميه بمعركة الجهاد الأكبر الاقتصادي لخلق
الثروات وفرص الشغل والجهاد الاجتماعي لتحقيق التنمية البشرية. وينبغي على جميع أرباب
المقاولات الإسهام فيه بفعالية وحماس. فلا يجدر ببعض المقاولات المغربية أن تستمر في الاعتماد
على اقتصاد الريع والامتيازات والمكاسب السهلة، ولا أن تضع نفسها على هامش حركة
التعبئة العامة التي أطلقناها من أجل مغرب الاقتصاد الاجتماعي.
العامة
وبدل أن تكون المقاولة هي المنتظرة، فإننا الذي ننتظر من كل رجالاتها ونسائها المجاهدين
في سبيل التقدم الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، أن يبرهنوا على روح الوطنية والمقاومة والمغامرة
والإبداع والابتكار، وأن يدعموا الجهود التي توليها إياهم السلطات العمومية بمبادرات موازية
من ذات الأهمية، فليس من المعقول في شيء أن يستمر الانتظار إلى أن تتم كل الإصلاحات
وتمنح كل الامتيازات للإنخراط في طريق التعبئة المؤدية إلى الازدهار الاقتصادي والتضامن
الاجتماعي، اعتبارا لأن هذا الطريق لا نهاية له، وإنه بناء متواصل يجب أن يسهم فيه الجميع،
جاعلا من عوائق السيرفيه محفزا لمضاعفة الجهد، بدل أن تكون ذريعة لبث روح السلبية
والانتظارية وتشويه الواقع، أو تعتيم الأفق المشرق المفتوح أمام وطننا العزيز.
وإننا مع الدعوة إلى تشجيع المقاولة المواطنة الاجتماعية، نحث مقاولينا ومقاولاتنا أن
يحرصوا على التشبث بتقاليدنا الإيجابية التي كان فيها رب العمل يعيش في مجال اجتماعي
مشترك مع باقي الفئات عوض العيش في يأس وتخذل أو عزلة عن الواقع. وندعوهم كذلك
إلى التشبع بروح المقاولة وما تقتضي من مغامرة واعية وحسن التدبير ومن شفافية وأخلاقيات
المعاملات وإذا ما تسنى ذلك، أمكن إقامة شراكة المقاولات الكبرى مع الصغرى
بتفويضها بعض الأنشطة ، وكذا شراكة المقاولات الكبرى الوطنية مع مقاولات أجنبية لجلب
الاستثمارات والتقنيات باعتماد معيار فرص الشغل كأساس لذلك. فقطاع السياحة على
سبيل المثال يزخر بالكثير من هذه الفرص لإمكان مضاعفة عدد السواح الذين يرغبون في
زيارة بلدنا، كما أنه بإمكان التطور السريع لكل التكنولوجيات الحديثة، خاصة منها
تكنولوجيات الاتصال أن يفتح المجال لإبراز قدرات شبابنا الخلاقة، إضافة إلى قطاعات
أخرى حيوية كالسكن والفلاحة والنسيج والصيد البحري والصناعات الغذائية التي نتوفر
فيها على قدرة تنافسية، مما يمثل أوراشا شاسعة للعمل والإنجاز. لذا، وعلى الرغم من النتائج
الإيجابية المحصل عليها في هذه الميادين وغيرها، فإن الدرب ما يزال طويلا وشاقا ، مما
يقتضي مضاعفة الجهود لتحقيق إقلاع اقتصادي صحيح.
شعبي العزيز،
إيمانا من جلالتنا بما توفره السياسة الخارجية من فرص التبادل والتعاون والشراكة
الكفيلة بجلب موارد إضافية لنجاح استراتيجيتنا التنموية، فقد حرصنا في عالم يعرف
تحولات متسارعة على التأهيل الشامل لمفاهيم ديبلوماسيتنا وأشكال تنظيمها وأنماط
تدبيرها، يقينا من جلالتنا بأن المغرب بتاريخه الديبلوماسي العريق، وموقعه الاستراتيجي
المرموق ومكاسبه الديمقراطية، والرصيد الثمين للإشعاع الدولي المعاصر الذي تركه
لنا والدنا المنعم، قدس الله روحه، يتوفر على كل المؤهلات الكفيلة بتعزيز مركزه الدولي
كشريك محترم ومسموع في السياسة الدولية، متميز بدفاعه عن الشرعية الدولية ونضاله من
أجل استتباب السلم والأمن في العالم، ناهيك عن كونه من أكبر دعاة وبناة الوئام والتعاون
المثمر بين الشعوب.
وتأسيسا على هذه التوجهات، فإننا نطمح إلى أن نجعل مملكتنا تتمتع بكامل وحدتها
الترابية وتتعامل مع محيط جهوي مستقر ومتضامن، في ظل الوفاء الصادق لانتماءاتنا والتزاماتنا
الجهوية والدولية.
وباعتبارنا أميرا للمؤمنين، فقد أولينا عناية خاصة لنصرة قضايا الإسلام والمسلمين
وتصحيح صورة الإسلام لدى الآخر، وبيان حقيقته السمحة المعتدلة والسلمية. وبتنسيق مع
أخينا الرئيس ياسر عرفات، وبصفتنا رئيسا للجنة القدس الشريف، فقد ألححنـا لـدى كل
رؤساء الدول والحكومات الذين قابلناهم على ضرورة وقف تهويد هذه المدينة الشهيدة
والحفاظ لها على دورها التاريخي كفضاء مقدس لتسامح الديانات السماوية الثلاث. كما
سهرنا على الحفاظ لها على طابعها الإسلامي، مترئسين في هذا الشأن الاجتماع الأول للمجلس
الإداري لوكالة بيت مال القدس الشريف التي لم نفتأ نمدها بكل أشكال الدعم المادي
والمعنوي من أجل تمكينها من النهوض بدورها كاملا في هذا المجال.
واستمرارا لعمل والدنا المنعم، طيب الله ثراه، طوال أزيد من ربع قرن على قيام مصالحة
بين أبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام والسعي الحثيث لتحويل منطقة مهد الأنبياء لفضاء
للتعاون والتنمية والسلام، بدل أن تكون مرتعا للتوتر وطغيان الاحتلال، فقد حرصنا على
اتخاذ عدة مبادرات بناءة وتشجيع كل الجهود من أجل إحلال سلام عادل وشامل ودائم في
منطقة الشرق الأوسط يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف،
وجلاء القوات الإسرائيلية عن كافة الأراضي العربية المحتلة، على أساس الشرعية الدولية
والالتزامات المتبادلة بين الأطراف المعنية، تلكم الشرعية والالتزامات التي نعتبر أن أي تنكر
لها من شأنه الزج بالمنطقة وبشعوبها في التوتر واستمرار المعاناة وتأخير استتباب السلم فيها.
ولأجل الاستجابة لمتطلبات الأمن الاستراتيجي في عالمنا العربي ورفع تحديات عالم بداية
القرن الحادي والعشرين فإننا ندعو أشقائنا العرب إلى تجاوز مخلفات الماضي الأليم، واعتماد
استراتيجية جماعية عقلانية، وتمتين أواصر التضامن بين بلداننا الشقيقة.
وتجسيدا لإيماننا والتزامنا بروابط الأخوة والتضامن المغاربي والعربي والإسلامي، فقد
سعدنا بمقابلة أشقائنا أصحاب الجلالة والفخامة والسمو، ملوك ورؤساء المملكة العربية
الممل
السعودية والإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة البحرين وسلطنة بروناي
ومصر وتونس وموريتانيا، حيث أتيح لنا العمل سويا معهم على تمتين روابط الأخوة المتينة
والتقدير المتبادل.
السلطة القضائية
وتعزيزا منا لأواصر التضامن مع القارة الإفريقية التي تربطنا بها علاقات تاريخية وروحية
عميقة، فقد حرصنا على دعم علاقات الصداقة التقليدية والتعاون المثمر والتضامن الفاعل
والتقدير المتبادل مع قادتها وشعوبها، سواء خلال الزيارات الرسمية التي قام بها لبلادها ،
إخواننا، رؤساء دول موريتانيا والسينغال ومالي وغينيا الاستوائية ، أو خلال المقابلات المكثفة
التي أجريناها مع عدة رؤساء دول إفريقية شقيقة وصديقة خلال زيارات العمل أو الزيارات
الخاصة التي قاموا بها لبلادنا ، كالغابون وغامبيا والكونغو وغينيا أو خلال قمة القاهرة
الإفريقية الأوروبية الأولى
وقد بادرنا خلال هذه القمة التي انعقدت في ظل الاحترام الكامل للشرعية، وفي جو من
التفاهم المتبادل، إلى الإعلان عن إلغاء ديون كل الدول الإفريقية الأقل تقدما تجاه المغرب،
وفتح أسواقنا دون شرط أمام المنتوجات الأساسية لهذه البلدان الشقيقة، تفعيلا من جلالتنا
لقيم التضامن مع إفريقيا خاصة، ومع محور جنوب – جنوب عامة، وتجسيدا ملموسا لنوعية
العلاقة الاستراتيجية التي ينبغي على أوروبا أن تحرص فيها على التنمية المستديمة لقارتنا ،
وعلى استتباب الأمن والاستقرار والتخفيف من آثار الكوارث الطبيعية والآفات الاجتماعية،
،
ذلكم الحرص الذي جسدناه بإرسال مساعدات إنسانية للموزنبيق وبوتسوانا والاستجابة
للنداء الأممي بمساهمة قواتنا المسلحة الملكية الباسلة في توطيد السلم بجمهورية الكونغو
الديمقراطية الشقيقة، وبنفس السعادة والحبور، سعدنا باستقبال فخامة رئيس جمهورية
الصين الشعبية، تفعيلا لما يربط المغرب بهذا البلد الأسيوي العظيم من علاقات صداقة وتعاون
خاصة. وبنفس الحرص على توطيد علاقاتنا بكل دول آسيا وأمريكا اللاتينية في جميع
المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، أوفدنا وزيرنا الأول على رأس وفود
هامة إلى الدول الصديقة.. الهند والتيلاند والشيلي وكولومبيا والأرجنتين.
و بموازاة مع الحرص على زيادة تمتين أواصر الأخوة والصداقة والتعاون والتضامن مع
الدول المغاربية والعربية الإسلامية والإفريقية والأسيوية والأمريكية اللاتينية لديبلوماسيتنا ،
فقد حرصنا على توطيد تفعيل شراكتنا الاستراتيجية مع دول الإتحاد الأوروبي والولايات
المتحدة الأمريكية، فقد أمكننا خلال الزيارة الرسمية التي قمنا بها للولايات المتحدة
الأمريكية بدعوة من صديقنا فخامة الرئيس بيل كلينتون، أن نقف على ما تحظى به توجهاتنا
نحو ترسيخ دولة الحق والقانون وإرساء التقدم الاقتصادي والاجتماعي بمملكتنا ، من
تقدير كبير. كما أتاحت لنا أن نعرض بكل وضوح مواقفنا من استكمال الوحدة الترابية
لبلادنا، وإقامة سلام دائم وعادل وشامل بالشرق الأوسط، والتشديد على إرادتنا في رفع
علاقاتنا السياسية المتميزة إلى مستوى شراكة متميزة قائمة على القيم المثلى المشتركة
للديمقراطية والسلم والأمن والتعاون ضمن إطار متجدد ومتطور.
ضائي
فقد شددنا على هذه الإرادة بقوة لدى الإتحاد الأوروبي، شريكنا الأول في عدة ميادين،
والتي تربطنا به علاقات جيو – استراتيجية وتاريخية وثقافية عريقة.
وبدخول علاقة المغرب بالاتحاد الأوروبي مرحلة حاسمة، بفعل الشروع في تنفيذ اتفاقية
شراكة المملكة معه ابتداء من فاتح مارس 2000، فإن بلدنا ينتظر من الإتحاد الأوروبي
أن ينجز تلكم القفزة النوعية التي من شأنها ، في إطار نظام شراكة متقدمة»، أن تعيد
توجيه شراكتنا صوب محور استراتيجي متجدد تحكمه ضوابط متفق عليها ، ومسؤولية
وتنمية مشتركة في جميع المجالات ذات الاهتمام المشترك. إننا لنأمل تجسيد الالتزامات
الأوروبية بتدفق الاستثمارات المباشرة من أجل خلق أكثر ما يمكن من فرص
الشغل الكفيلة بالإدماج الاجتماعي لشبابنا في وطنهم الأم ، والقمينة بتوطيد السلم
والنماء والتقدم في منطقة شمال غرب إفريقيا.
ونود أن نشير بصفة خاصة للزيارات الرسمية التي قمنا بها لفرنسا وإيطاليا وإلى لقاءاتنا
مع صديقينا الكبيرين، صاحب الجلالة الملك خوان كارلوس الأول وفخامة الرئيس الفرنسي
جاك شيراك الذي تفضل بدعوتي لأول زيارة دولة خارج الوطن، وفخامة الرئيسين البرتغالي
والإيطالي، وقداسة البابا يوحنا بولس الثاني، تلكم اللقاءات التي مكنتنا من تجديد التأكيد
على إرادتنا في بناء علاقات شراكة استراتيجية مع دول الإتحاد الأوروبي عامة، ومع الدول
الأوروبية المتوسطية في إطار متجدد لمسلسل برشلونة وحوار أديان مثمر، وشراكة حقيقية
مبنية على تخويل المغرب مكانة متقدمة في هذا الفضاء الإندماجي والتكاملي لاقتصادياتنا
الليبرالية ومجتمعاتنا الديمقراطية.
وقد حرصنا خلال لقائنا بقداسة البابا يوحنا بولس الثاني، على تأكيد إرادتنا الراسخة،
كأمير للمؤمنين، في العمل سويا مع قداسته من أجل تعايش الديانات السماوية والحوار المثمر
بين الإسلام والمسيحية ضمن كلمة سواء لا نعبد فيها إلا الله، وننتصر فيها لقيمها النبيلة
القائمة على الحرية والسلام والعدل والفضيلة.
كما أن اهتمامنا منصب في مجالات علاقتنا بدول الإتحاد الأوروبي، على حفظ كرامة
رعايانا الأوفياء العاملين بدوله المختلفة، وعلى الدفاع على مصالحهم المادية والمعنوية. وقد
أصدرنا تعليماتنا لسفرائنا وقناصلنا في بلاد المهجر كي يكونوا في خدمة رعايانا الأوفياء
وأكثر قربا منهم واستجابة لحاجياتهم، خاصة منهم الجيلين الثاني والثالث الذين نحرص على
ارتباطهم بهويتهم الأصيلة وقيمها المقدسة، منوهين بإسهامات هذه الفئة العزيزة على جلالتنا
في تنمية وطنها المغرب بما حباها الله به من كفاءات علمية وقدرات مادية.
وسواء مع أ
ع أشقائنا العرب والمسلمين والأفارقة ، وأصدقائنا في دول الجنوب عامة، أو
دقائنا ـ
مع شركائنا الاستراتيجيين في دول الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، فقد
ألححنا على ما لبناء اتحاد مغرب عربي يسوده التضامن والسلام والتكافل والوئام من دور
فاعل في بناء تكتل اقتصادي جهوي قوي كفيل بتأهيل بلداننا لرفع تحديات الشراكة مع
مجموعات قوية، وتحقيق التنمية المستديمة لشعوبنا الشقيقة المرتبطة بأواصر الدين والتاريخ
واللغة والمصير المشترك، والمتعلقة بقيم الوحدة والتضامن بدل التفرقة وتمزيق كيانات بعضها
البعض أو تبديد طاقاتها في معارك مفتعلة.
وفي خضم هذه الانشغالات الوطنية والجهوية والدولية، فقد ظلت قضية الطي النهائي لملف
استكمال وحدتنا الترابية في طليعة ما نهضت به جلالتنا من مهام الإمامة العظمى، اعتبارا
للإجماع الوطني حول قدسية وحدتنا الترابية لعلاقة أبناء أقاليمنا الجنوبية بالعرش العلوي
المجيد، إذ كانوا في مقدمة المبايعين لجلالتنا وفي صلب الالتحام بين العرش والشعب.
وهكذا، فقد حرصنا على الصعيد الداخلي، غداة اعتلائنا عرش أسلافنا الميامين،
على اعتماد مقاربة جديدة للسلطة في هذه الأقاليم العزيزة علينا ، مبنية على إشراك رعايانا
الأعزاء في الصحراء المغربية في التدبير الديمقراطي لشؤون تنمية الأقاليم الجنوبية وتسريع
عودة إخوانهم وأخواتهم المحتجزين في تندوف في إطار الكرامة والسكينة وعفو وغفران
الوطن. وشكلنا لهذه الغاية لجنة ملكية خاصة بمتابعة شؤون الأقاليم الجنوبية للمملكة
والسهر على تنصيب مجلس استشاري خاص بها إلى جانب جلالتنا. كما أصدرنا تعليماتنا
السامية لأعضاء حكومتنا قصد الانكباب في عين المكان على قضايا سكانها وإيجاد
الحلول المناسبة والفورية لها ورصدنا ميزانية مخصصة لمعالجة مشاكل البطالة، وأولينا أهمية
كبرى للسكن، واتخذنا إجراءات عملية لإنعاش الحياة الاقتصادية والتجارية والاجتماعية في
نطاق ترسيخ قوي لمفهوم الجهوية.
أما على الصعيد الدولي، فإن موقف المغرب الرائد في الدعوة إلى تسوية سلمية للنزاع
المفتعل حول وحدته الترابية على أساس استفتاء تأكيدي موضوعي وغير منحاز يستمد نزاهته
وشرعيته الديمقراطية من استفتاء كل أبناء الصحراء المستجيبين للمعايير الأممية، دون
تمييز أو إقصاء ولو لواحد منهم من تأكيد مغربيته هذا الموقف المستند على الشرعية
الدولية، قوبل بافتعال عدة عراقيل في مرحلة تفعيله الحاسمة من قبل خصوم وحدتنا الترابية
الذين لم يعمل توالي عزلتهم الدولية بعودة رعايانا الأوفياء المحتجزين في تندوف إلى وطنهم
الغفور الرحيم، وبسحب مجموعة مهمة للدول الصديقة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا
لاعترافهم بالجمهورية الوهمية إلا على تصعيد تعنتهم المناهض لنص وروح التسوية الأممية،
وتأجيج تخوفهم من تأكيد استفتاء جميع أبناء الصحراء المغربيتهم وتجديدهم لبيعتهم وولائهم
لعرشهم العلوي المجيد.
الاعلى
للسلطة القضائية
وعلى الرغم من تعثر الاستفتاء التأكيدي لمغربية الصحراء لأسباب يشهد العالم أجمع أن
المغرب لا يتحمل أية مسؤولية فيها، فإننا نبذل قصارى جهودنا ، مع الممثل الخاص للأمين العام
للأمم المتحدة من أجل استكشاف السبل الكفيلة بإزالة كل الصعوبات والعوائق التي تقف
في وجه تحديد الهيئة الناخبة بطريقة عادلة وعودة كل اللاجئين إلى وطنهم الأم بين ذويهم،
وذلك ضمن استعدادنا الدائم لبحث كل المساعي التي من شأنها إنهاء هذا المشكل المفتعل
المعرقل لمسيرة بناء اتحاد مغربنا العربي على أساس الثقة والتفاهم المتبادلين.
ومن منطلق انتمائنا التاريخي والدستوري على حوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة،
وكيفما كانت المساعي الحميدة من أجل تجاوز تعثر مسلسل التسوية الأممي، فإننا نود
أن نؤكد لك، شعبي العزيز، أنه في جميع الحالات، فإن أية تسوية للنزاع المفتعل حول
قضية مسألة وحدتنا الترابية المصيرية ستكون في إطار الثالوث المقدس للإجماع والسيادة
والشرعية، بحيث إن أي قرار لن يكون إلا بإجماع كل المغاربة والمغربيات اعتبارا لأن السيادة
دستوريا وفي ظل دولة الحق والقانون المغربية – ملك للأمة جمعاء ولأن المغاربة سواسية في
الوطنية. كما أن التسوية لن تكون إلا في إطار السيادة الوطنية التي يكفلها إجماعك المقدس
والشرعية الدولية المضمونة بالقانون الدولي.
هكذا تمكنا من إغناء الرصيد الديبلوماسي الثمين الذي تركه والدنا المنعم،
قدس الله روحه، بتوطيد الدعم الديبلوماسي لقضية وحدتنا الترابية المقدسة، وترسيخ
وتوسيع علاقات الأخوة والصداقة والتعاون والتفاهم والتقدير والشراكة الاستراتيجية
التي تربطنا بالدول الشقيقة والصديقة، وإيلاء أهمية كبرى للديبلوماسية الاقتصادية
والجمعوية والإعلامية والثقافية والبرلمانية. وسنولي تكثيف جهودنا ليظل المغرب في توجهه
الديبلوماسي، وفيا لثوابت سياسته الخارجية التي يمليها عليه تاريخه العريق وموقعه الجيو-
استراتيجي الذي يتوسط العالم وينفتح عليه ، ودوره كقطب للاعتدال والتعايش والحوار
والسلم وحسن الجوار، في إطار من الواقعية واحترام الشرعية وغيرها من القيم والمبادئ
التي يعتمدها بلدنا للدفاع عن مصالحه في عالم متغير وللاندماج في نظام دولي نتطلع إلى أن
يكون متعدد الأقطاب وأكثر إنصافا وشفافية.
شعبي العزيز، إنك تدرك مدى أهمية الإصلاحات الجذرية التي حققناها والتي أكسبت
بلادنا مصداقية أكبر ومكنتها من ترسيخ مشروع مجتمعي يستند إلى ديمقراطية اجتماعية
متزنة وتنمية اقتصادية مستديمة.
ت
ترسية من المغربية
وإننا لنؤكد العزم على متابعة المسير لتحقيق كل مطامحك وتطلعاتك وبلوغ جميع
أهدافك وغاياتك، مما يقتضي تقوية الإيمان بالله وتعميق الثقة بالذات وإذكاء شعلة
الوطنية في النفوس وإشاعة روح المواطنة الحق وتمتين التمسك بالثوابت والمقدسات وسائر
مقومات الكيان والمثابرة على مضاعفة الجهود وتضافرها والتعاهد على بذلها بحب وتفان
وصدق وإخلاص.
وإن تحقيق هذه المقتضيات هو الذي سيمكن المغرب من توفير أسباب العزة والمناعة
وسيؤهله لرفع تحديات المستقبل ومواجهة الإكراهات التي يفرضها عالم متحول، وهي
إكراهات متعددة ومعقدة وحاسمة، إذ تستوجب تطوير توظيف كل المعطيات الوطنية اقتصادية
كانت أو اجتماعية أو ثقافية أو سلوكية وتستلزم التوفيق بين تلبية متطلباتنا والتكيف مع
متطلبات العولمة ، التي أبانت عن شراستها الاقتصادية بما تحمل في طياتها من آثار جانبية، وبما
تنطوي عليه من مخاطر نمطية ثقافية، وهي سلبيات لا سبيل أمامك لتجنبها ، شعبي العزيز
إلا بالحفاظ على هويتك والالتحام حول قيادتك والحرص على مؤسسات تقي بلدك المغامرات
والتدبر الدائم لدروس تاريخك الحافل الذي كتبه أجدادك الآباء بمداد دمائهم الزكية
مضحين بكل غال ونفيس وبأرواحهم فداء للمغرب العزيز.
وإننا لننتهز هذه المناسبة العطرة للترحم على أرواحهم وجميع شهداء الوطن ولاستذكار
المواقف الصامدة لقواتنا الملكية المسلحة وقوات الأمن والدرك والقوات المساعدة ورجال
الوقاية المدنية وتحيتها وتجديد التنويه بها، والاعتزاز بما تركه في نفسنا تفقدنا لمختلف
وحداتها خاصة منها المرابطة في الجنوب من أثر حميد والتقدير الدولي الكبير الذي يحظى به
العمل الإنساني والنبيل لجيشنا المظفر بالبوسنة والهرسك والكوسوفو من أجل حفظ هويتهما
الوطنية الإسلامية من همجية قوى الشر والإبادة البشرية.
فالله نسأل أن يلقى عليك ، شعبي العزيز أردية الرضى والسكينة والسلامة وأن يبقى
عليك نعمة التضامن والفضيلة والكرامة وأن يديمك على جادة العمل والإخلاص والاستقامة
وأن يعينني على حمل أمانة قيادتك ويوفقني لإعلاء شأنك ولم شملك وجمع لمتك ويهديني لما
يؤدي إلى خيرك وعزك وسعادتك.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب». صدق
الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
لله تعالى وبرسالة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة عيد العرش المبيد
30 يوليوز 2001
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
إن احتفالك اليوم بهذا العيد الوطني المجيد ، لهو أكثر من تخليد لذكرى تربع عاهل على
العرش ؛ لأنه بالأحرى تجديد للعهد المقدس الخالد للبيعة ، وللميثاق الدستوري المتجدد، اللذين
يطوقان ملكك أمير المؤمنين حامي حمى الملة والدين، بأمانة ضمان سيادتك، ووحدتك
الوطنية والترابية، واستمرار دولتك ودوامها وينيطان به مسؤولية قيادتك ووضع الاختيارات
الكبرى للأمة، في إطار ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية.
،
لقد كان عرش المغرب على الدوام أكثر من رمز للسيادة، لأنه ظل ولا يزال قيادة وطنية
مسؤولة واعية لأمانتها العظمى ضمن ملكية شعبية ، العرش فيها بالشعب، والشعب بالعرش.
لذلك فإن الاحتفاء به ليعد وقفة سنوية للتأمل والتدبر ، لا للتساؤل عمـن نحــن؟ وماذا نريد؟
فالمغرب دولة عريقة في حضارتها ، متشبثة بهويتها ومقدساتها ، دائمة الانفتاح على مستجدات
عصرها، موحدة وراء عاهلها، رفيقة للتاريخ، تعرف من أين أتت، وإلى أين تسير.
رف من أين أتت، وإلى
ونحن البلد الذي قاوم فيه العرش الاستعمار والإغراء الجارف للحزب الوحيد ،
والاقتصاد الموجه واستنساخ النماذج الأجنبية ، لتمكين المغرب من مشروع مجتمعي ديمقراطي
أصيل، جعل منه البلد المتميز بتحقيق المزاوجة الخلاقة بين الوفاء لتقاليده العريقة وبناء الدولة
العصرية بقيادة الملك أمير المؤمنين، وبمؤسسات ديمقراطية في إطار منظم ومعقلن، يرسم
لكل فاعل حقوقه وحدود مسؤولياته، ضمن منظور يعتبر أن الديمقراطية الحقيقية ترتكز
على بعد تنموي قائم على حرية المبادرة الخاصة، المتشبعة بروح التكافل الاجتماعي.
وإذا كان من حقنا أن نفخر بالريادة في التوفر على هذا المشروع المجتمعي الديمقراطي
الواضح المعالم الذي تحققت للمغرب بفضله عدة مكتسبات؛ فإن ذلك لا يعني أننا لم تعترضنا
عوائق، أو تعتري مسيرتنا أوجه قصور وتعثرات، ولا يعفينا من التساؤل، ألم يكن بإمكاننا
السير بسرعة أكبر؟ أو يكن أداؤنا أحسن وأجود؟
،
فلنجعل من المكاشفة والحوار بيننا جميعا، في هذا العيد مناسبة لدعوة كل مغربي
ومغربية للاعتزاز بالجوانب المشرقة في هذا المشروع المجتمعي مستحضرين مؤهلاتنا لتقويتها ،
ومستشعرين محدودية إمكاناتنا وما اعترى مسيرتنا من سلبيات، لا لزرع روح السلبية وتعتيم
الأفق، بل لشحذ العزائم، ورص الصفوف، واستكشاف الحلول والموارد، لاستكمال بناء
هذا المشروع المجتمعي الديمقراطي الذي عاهدناك، منذ اعتلائنا عرش أسلافنا الميامين، على
التفاني من أجل ترسيخه، والعمل الدؤوب على تجسيده الأمثل في جميع المجالات.
شعبي العزيز،
لقد بادرنا خلال السنة الماضية إلى ترسيخ ما تحقق لبلادنا من مكتسبات في
مجال الديمقراطية السياسية معتزمين مواصلة هذا النهج في تعزيز الحريات العامة
وحقوق الإنسان وفصل السلط واستقلالها وتوازنها، وكذا توطيد المؤسسات التمثيلية،
واللامركزية والجهوية
وفي سياق انتهاء انتداب المؤسسات المنتخبة ، الوطنية والمحلية ؛ فإننا نؤكد أن من متطلبات
توطيد ما تنعم به بلادنا من استقرار سياسي واستمرارية مؤسسية، والارتقاء بمستوى النضج
الذي بلغه بناء الصرح الديمقراطي الوطني، إجراء الانتخابات في أوانها الدستوري والقانوني
العادي. وعندما نقول بإجراء الانتخابات في أوانها العادي، فإننا لا نعني بذلك عملية التصويت
فقط، بل نعني كل مراحل المسلسل الانتخابي التي يجب أن تتم في إبانها، وفي مقدمتها الحملة
الانتخابية التي يتعين أن تنطلق في مواعدها القانونية.
وبصفتنا ضامنا للمصالح العليا للوطن والمواطنين، فإننا ننبه إلى ضرورة عدم الزج بالبلاد
في حملة انتخابوية ضيقة. كما نؤكد وجوب عدم الخلط بين الحملة الانتخابية التي لها موعدها
كد وجوب
القانوني المحدد، والحملة الانتخابوية السياسوية التي تشيع البلبلة وتسمم الأجواء السياسية،
وتصرف الناس عن المشاكل الحقيقية للبلاد، شاغلة إياهم بمزايدات ومشاكل جانبية؛ بحيث
إن جزءا كبيرا من مشاكل المغرب الحالية إنما نجم عن هذه الفتنة الانتخابية.
وإننا لنهيب بالطبقة السياسية أن تجعل من الفترة التي تفصلنا عن الانتخابات لحظات تعبئة
وطنية قوية، وتنافس شريف في إعداد برامج ملموسة، واقعية قابلة للإنجاز ومرتكزة حول
نواة صلبة للأسبقيات الأولى بدل جعل كل شيء أولويا، برامج تركز بالأساس على كيفية
خلق الثروة وإيجاد الموارد الكفيلة بتجسيد مشروعنا المجتمعي بدل الطروحات المغلوطة
الداعية إلى توزيع تلك الثروة قبل إيجادها مشددين على وجوب مضاعفة الجهود من أجل تفعيل
الإصلاحات الهيكلية العميقة التي تتسامى على المنظور السياسوي الظرفي الضيق.
وبنفس الحرص ننبه إلى أن الانتخابات وأنماط الاقتراع ليست غاية في حد ذاتها ؛ وإنما
هي وسيلة ديمقراطية لإفراز نخبة من رجالات الدولة، وأغلبية منسجمة، نابعة من انتخابات
تنافسية نزيهة، معبرة بكل صدق وشفافية عن خيارات الناخبين والرأي العام، وملائمة لواقع
مشهدنا السياسي والحزبي
،
وإننا لننبه كذلك إلى أنه إذا كان يجب على الحكومة والسلطات العمومية تحمل
مسؤوليتها الكاملة في اقتراح واتخاذ كل التدابير التشريعية والتنظيمية الكفيلة
بإلزام الجهاز الإداري باحترام قدسية الاقتراع تحت المراقبة اليقظة والفعالة والمستقلة
للقضاء بمختلف أصنافه ودرجاته؛ فإنه يتعين على الفاعلين في المسلسل الانتخابي،
من أفراد وهيئات حزبية أو نقابية أو مهنية، التحلي بفضائل السلوك المواطن؛ لأنه لا
تنقصنا التشريعات الديمقراطية بقدر ما ينقصنا التشبع بالديمقراطية والالتزام بها
ثقافة وسلوكا.
وإيمانا من جلالتنا بفضائل الديمقراطية المحلية، فقد سهرنا على تمتين دمقرطة مدونة
الجماعات المحلية وعصرنتها وعقلنتها؛ لتتحول جماعاتنا المحلية إلى رافعة قوية للتنمية
الاقتصادية والاجتماعية ، مولين عناية قصوى في هذا المجال للجهة والجهوية التي نعتبرها خيارا
استراتيجيا، وليس مجرد بناء إداري، وننظر إليها على أنها صرح ديمقراطي أساسي لتحقيق
التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وانبثاق إدارة لا ممركزة للقرب مسيرة من قبل نخب جهوية ،
وكذا تفتق الخصوصيات الثقافية التي يشكل تنوعها مصدر غنى للأمة المغربية.
وإيمانا من جلالتنا بأن الديمقراطية ليست مجرد تجسيد للمساواة في ظل دولة الحق
والقانون الوطنية الموحدة، وإنما لا بد لها أيضا من عمق ثقافي يتمثل في احترام تنوع
الخصوصيات الثقافية الجهوية، وإعطائها الفضاء الملائم للاستمرار والإبداع والتنوع الذي
ينسج الوحدة الوطنية المتناسقة ؛ فإننا نعتبر عيد العرش المجيد الذي يجسد وحدة شعبنا، وصلة
ماضينا بحاضرنا، والذي يحثنا على التفكير في غد أفضل لأمتنا خير مناسبة لمكاشفتك،
شعبي العزيز بمسألة حيوية تهمنا جميعا، ألا وهي قضية الهوية الوطنية، المتميزة بالتنوع
والتعددية، مثلما هي متميزة بالالتحام والوحدة والتفرد عبر التاريخ.
أما التعددية، فلأنها بنيت على روافد متنوعة أمازيغية وعربية وصحراوية إفريقية
وأندلسية، ساهمت كلها وبانفتاح وتفاعل مع ثقافات وحضارات متنوعة في صقل هويتنا
وإغنائها. وأما الالتحام ، فقد تحقق لها بفضل الأخوة في العقيدة الإسلامية التي شكلت العروة
الوثقى لأمتنا . وقد تمكنت هويتنا من تجسيد الوحدة والاندماج والتمازج ضمن أمة موحدة ،
لم تعرف أغلبية أو أقلية لأن مواطنيها يتقاسمون جميعا التشبث بثوابتها ، وذلك بفضل ديمومة
نظامنا الملكي منذ ثلاثة عشر قرنا الذي أولى هويتنا، في وحدتها وتنوعها ، رعاية مستمرة؛
جعلتها تنفرد ، عبر تطور تاريخنا الوطني بخصوصيات لا نظير لها.
ولقد حرص والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه، على أن يتقاسم
معك، شعبي العزيز، في خطابه الموجه للأمة. يوم 20 غشت 1994 بمناسبة تخليد ذكرى ثورة
الملك والشعب، نظرته الثاقبة لمسألة اللغة والهوية المغربية، حيث قال رضوان الله عليه : ….
فتاريخنا تاريخ صنعناه بأنفسنا لأننا شعب تاريخي. فتاريخنا لم يكن أساسه ركنا واحدا ،
بل أركانا متعددة. وتلك الأركان كانت وطيدة وسليمة لأنها كانت متنوعة وصاحبة عبقرية
وأصالة…»؛ مشددا قدس الله روحه على أنه: «… يجب، ونحن نفكر في التعليم وبرامج
التعليم أن ندخل تعليم اللهجات علما منا أن تلك اللهجات قد شاركت اللغة الأم، ألا وهي لغة
الضاد ولغة كتاب الله سبحانه وتعالى ولغة القرآن الكريم في فعل تاريخنا وأمجادنا…».. ومنذ
ذلك الحين، بذلت جهود وطنية هامة، وتعاقبت لجان للإصلاح توجت بمصادقتنا على الميثاق
الوطني للتربية والتكوين الذي أجمعت عليه مكونات الأمة، من سياسية ونقابية واقتصادية
وعلمية ،وجمعوية، في إطار اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين.
ولقد رسم هذا الميثاق الإطار العام لسياسة لغوية واضحة تقوم على جعل اللغة العربية،
باعتبارها اللغة الرسمية لبلادنا ولغة القرآن الكريم، اللغة الأساس للتدريس في جميع ا
الأسلاك
التعليمية، وعلى الرفع من القدرة على التحكم الجيد في استعمال اللغات الأجنبية، وعلى
إدراج الأمازيغية لأول مرة بالنسبة لتاريخ بلادنا في المنظومة التربوية الوطنية، وفي الوقت
الذي نقوم فيه بإصلاحات حاسمة في عدة ميادين حيوية كبرى ، مسلحين في ذلك بإرادة
صلبة، واثقين في حكمة وشجاعة شعبنا ، مشمولين بالعناية الربانية التي تبارك كل المقاصد
النبيلة المستلهمة من الفضيلة وحرصا منا على تقوية دعائم هويتنا العريقة واعتبارا منا
لضرورة إعطاء دفعة جديدة لثقافتنا الأمازيغية التي تشكل ثروة وطنية، لتمكينها من وسائل
المحافظة عليها والنهوض بها وتنميتها، فقد قررنا أن نحدث ، بجانب جلالتنا الشريفة، وفي
ظل رعايتنا السامية، معهدا ملكيا للثقافة الأمازيغية، نضع على عاتقه، علاوة على النهوض
بالثقافة الأمازيغية ، الاضطلاع بجانب القطاعات الوزارية المعنية بمهام صياغة وإعداد ومتابعة
عملية إدماج الأمازيغية في نظام التعليم.
كما أننا سنعهد لهذه المؤسسة التي سنسهر على إعداد الظهير الشريف المحدث لها وتنصيبها
قريبا، بالقيام بمهام اقتراح السياسات الملائمة التي من شأنها تعزيز مكانة الأمازيغية في
الفضاء الاجتماعي والثقافي والإعلامي الوطني، وفي الشأن المحلي والجهوي؛ مجسدين بذلك
البعد الثقافي للمفهوم الجديد للسلطة الذي نحرص على إرسائه وتفعيله باستمرار، حتى
تتمكن كل جهات المملكة من تدبير شؤونها في إطار الديمقراطية المحلية التي نحن على
ترسيخها عاملون؛ وفي نطاق وحدة الأمة التي نحن عليها مؤتمنون.
شعبي العزيز،
لقد سبق لنا أن أكدنا، بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية الأخيرة على إعادة الاعتبار
للعمل السياسي والحزبي النبيل، وتعزيز دور الأحزاب السياسية باعتبارها المدرسة الحقيقية
للديمقراطية. وبوصف هذه الأحزاب هيئات أناط بها الدستور تأطير وتمثيل المواطنين؛ فإننا ،
على غرار توفر الجماعات المحلية والغرف المهنية والنقابات على تشريعات خاصة بها تضبط
ممارستها لهذه المهمة الدستورية، أصدرنا توجيهاتنا السامية لحكومتنا لوضع تشريع خاص
بالأحزاب السياسية يميزها عن الجمعيات، الهدف منه العقلنة والدمقرطة وإضفاء الشفافية
على تشكيلها وتسييرها وتمويلها، وتفادي تحول منع الدستور للحزب الوحيد إلى وجود
أحزاب وحيدة في الواقع، أو الوقوع في خطأ قياس المجتمع الديمقراطي بعدد أحزابه المتفرقة
الضعيفة، المعبرة عن مطامح ضيقة فئوية شخصية؛ بدل أن يقاس بالنوعية الجيدة لأحزابه،
وبمدى قدرتها الوطنية على التأطير الميداني للمواطنين، والتعبير عن تطلعاتهم.
،
أما حقوق الإنسان، فقد حرصنا على توسيع فضاءاتها، باتخاذ عدد من المبادرات والتدابير
نذكر منها على وجه الخصوص، مشروع مراجعة مدونة الحريات العامة التي ندعو الحكومة
والبرلمان إلى الإسراع بإقرارها ، والانكباب على إحداث جهاز خاص يسهر على التطبيق
السليم لقانون وأخلاقيات المهنة النبيلة للإعلام والاتصال في حرص تام على حرياتهما
وتعدديتهما، وعلى التوازن بين الحريات الفردية والجماعية، وبينها وبين الحفاظ على النظام
العام الذي يعد خير ضمان لممارسة هذه الحريات. لفة القضائية
وإن عملنا الدؤوب من أجل توسيع فضاء الحريات وضمان ممارستها بإحداث أو
بتجديد المؤسسات التي ننيط بها هذه المهمة، مثل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان
والجهاز المكلف بتنمية التواصل بين الإدارة والمواطن، اللذين سنتولى تنصيبهما قريبا ،
والمراجعة المتقدمة لقانون المسطرة الجنائية ؛ لا يوازيه إلا تشديدنا على أن يكون
استكمال بناء الدولة الديمقراطية العصرية، قائمة على الحريات العامـة وحقـوق
الإنسان، مستهدفا بناء الدولة القوية القادرة على فرض احترام القانون من قبل
الجميع، ومنع الاستفراد بالرأي باسم الممارسة الديمقراطية.
،
وتكريسا لمساواة المغاربة أمام القانون، فقد سهرنا على وضع مشروع القانون
التنظيمي للمحكمة العليا، وإعداد مشروع قانون خاص بتفعيل مسطرة رفع الحصانة
البرلمانية، فضلا عن تسريع إصلاح القضاء الذي يظل شرطا ضروريا لسيادة القانون
ومحفزا قويا على الاستثمار بما يشيعه ترسيخ نزاهته من ثقة واستقرار.
«
ولأن ممارسة الشأن العام لا تقتصر على المنتخبين، بل تشمل الجهاز الإداري الذي
يجب أن يكون في خدمة المواطن والتنمية؛ فإننا نلح على ضرورة إجراء إصلاح إداري
عميق، وفق منهجية متدرجة، متأنية ومتواصلة، تتوخى تبسيط المساطر، وجعلها
شفافة، سريعة، مجدية، ومحفزة على الاستثمار.
،
وسعيا وراء الحفاظ على ثقافة المرفق العام وأخلاقياته من قبل نخبة إدارية متشبعة
بقيم الكفاية والنزاهة والاستحقاق والتفاني في خدمة الشأن العام وفي مأمن من كل
أشكال الضغوطات وشبكات المحسوبية والمنسوبية، والارتشاء واستغلال النفوذ؛ فلن
نقبل استغلال أي مركز سياسي أو موقع إداري من أجل الحصول على مصلحة شخصية
أو فئوية ؛ منتظرين من السلطات العمومية أن تكون صارمة في هذا المجال، وأن تلجأ
علاوة على ما تتوفر عليه من وسائل للمراقبة الإدارية والقضائية إلى اعتماد أدوات
وأجهزة جديدة لتقويم السياسات العمومية، فضلا عن إشراك القطاع الخاص والمجتمع
المدني والمنتخبين في إعداد المشاريع وتنفيذها.
تلك، شعبي العزيز أمانة عرشك ومسؤولية الجالس عليه، كقائد راع لمشروعك الحداثي
الديمقراطي، وفي لهويتك، ضامن لما يتطلبه العصر من وجود حكم قوي يضمن استمرار
الدولة، ويصون الحقوق والحريات، ويبلور تطلعاتك، واختياراتك الكبرى. وكذلك هو
صرحك المؤسساتي عتيد في أركانه ، كامل في روحه قابل للتحسين والتجديد في هندسته،
على ضوء النتائج المستخلصة من سير مؤسساته ، والحاجة لعصرنة هياكله وعقلنتها، وفي أفق
الحل النهائي لقضيتنا الوطنية.
ومن منطلق ائتماننا على سيادة المملكة ووحدة ترابها، فقد بادرنا إلى الاستجابة لقرارات
مجلس الأمن ومساعي ومقترحات الأمين العام للأمم المتحدة وممثله الشخصي، ومباشرة حوار
جاد معهما لإيجاد حل سياسي للنزاع المفتعل حول مغربية صحرائنا ، في نطاق أرحب معاني
الجهوية والديمقراطية وأمتن ثوابت الإجماع والسيادة والوحدة الوطنية والترابية للمغرب مؤمنين
بعدالة قضيتنا جاعلين تنمية الأقاليم الجنوبية في مقدمة اهتماماتنا مصدرين تعليماتنا السامية
لحكومتنا قصد اتخاذ كل التدابير الكفيلة بتأمين العيش الكريم لجميع رعايانا الأوفياء في
أقاليمنا الجنوبية سواء منهم المرابطون بها أو العائدون إلى حضن الوطن الغفور الرحيم.
وبنفس الحزم والعزم نهضنا بالأمانة الملقاة على عاتقنا بوصفنا أميرا للمؤمنين، وحاميا
لحمى الملة والدين، فجددنا لبيوت الله أداء وظيفتها في محاربة الأمية الدينية والفكرية،
كما أعدنا هيكلة المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للعلماء للنهوض بدورها كاملا في مجال
العبادات والمعاملات، بعيدا عن أي تحجر أو تطرف؛ حريصين على أن نجعل من المقاصد
العليا لشريعتنا الإسلامية السمحة، ومن قيامها على الاجتهاد والإنصاف ومن
الانسجام مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل المملكة، أساس النهوض
بوضعية المرأة من خلال تنصيبنا للجنة استشارية خاصة بمراجعة مدونة الأحوال
الشخصية، استجابة منا لملتمس كافة الجمعيات النسوية المغربية .
شعبي العزيز،
إن مشروعنا المجتمعي في شقه الاقتصادي قد اتسم بالريادة عندما أخذ باقتصاد
السوق. وقد كان بإمكانه أن يحقق لنا ازدهارا أكبر لولا ما تطلب التوافق على أسسه
من صبر ومكابدة وإقناع، وما اعترض مسيرته من عوائق موضوعية وذاتية ، قدنا معركة
إزاحتها بتشجيع المقاولة المغربية على القطيعة النهائية مع النزعة الريعية والانتظارية
المناقضة لروح المبادرة، وبالعمل على جعل السلطات العامة في خدمة الاستثمار، بتحسين
مناخه وإنشاء شبابيك جهوية موحدة ، وخفض تكلفة الإنتاج الطاقية والجبائية؛ مولين
عناية خاصة للمقاولات الصغرى والمتوسطة التي زودناها بميثاق من شأنه تفعيل دورها
كقطب رحى لكسب معركة تشغيل الشباب، وتمكينها من تدبير عصري لملفاتها
الاستثمارية بتمويل مضمون.
مون المملكة المغربية
وحرصا منـا علـى جعل صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، رافعة
قوية للاستثمار المنتج، وأداة فعالة لتنمية الثروة الاقتصادية الوطنية، فقد قررنا أن نخول هذا
قررنا أن نرصد لهذه الوكالة قسطا مهما من
الصندوق نظام وكالة وطنية، كم.
عائدات
خوصصة وفتح رأسمال المؤسسات العمومية التي تشكل ملكا للأمة، لتنمية هذا الرصيد
الاقتصادي الوطني، وحسن استثماره لخلق مزيد من الثروات، بدل صرفه في الاستهلاك. وفي
هذا السياق، كان حرصنا على تصدي صندوق الحسن الثاني لأهم معيقات الاستثمار المتمثلة
في ارتفاع كلفة الأراضي وانعدام أو قلة الأماكن المجهزة، وذلك بتهيئ مناطق ومحلات
صناعية وسياحية وتجارية، وتفويتها للمستثمرين بأثمنة مناسبة ، وتمويل مشاريع تحفيزية
للاستثمار الخاص ، وإنعاش قطاعات البناء، ودعم السكن الاجتماعي، والطرق السيارة،
والمنشآت العامة، ومؤسسات السلفات الصغرى، وتكنولوجيات الاتصال والإعلام.
وإذا كان تزامن الجفاف مع ظرفية دولية صعبة، متسمة بارتفاع أثمان البترول وتقلبات
أسعار العملة الصعبة، قد حال دون تحقيق كل النتائج المتوخاة من الإقلاع الاقتصادي؛ فإننا
قد حققنا نتائج مشجعة في القطاعات الواعدة للاقتصاد الجديد لتكنولوجيات الإعلام
،
والاتصال، وكذلك الصناعة التقليدية والصيد البحري والتصدير والسياحة. وقد أولينـا
عناية خاصة لكسب رهان جعل قطاع السياحة قاطرة قوية للتنمية، لما يدره من فرص شغل
وعملة صعبة، وما يتيحه من انفتاح على الحداثة، باعتباره نشاطا اقتصاديا وثقافة وفنا للتواصل
مع الغير. كما عملنا على توضيح الرؤية الاستراتيجية في المجال السياحي بالاتفاق الإطار الموقع
بين الحكومة والمنعشين السياحيين الذي يهدف إلى استقبال ما لا يقل عن عشرة ملايين سائح
سنويا في نهاية العقد الحالي؛ مهيبين بجميع الفاعلين في هذا القطاع الحيوي لمضاعفة الجهود
من أجل رفع هذا التحدي؛ داعين الحكومة والبرلمان إلى تعزيز الارتفاع المهم المسجل في عدد
السياح والمداخيل والاستثمارات السياحية بالتعجيل بإقرار النصوص التشريعية والتنظيمية
التي سهرنا على تأطيرها لقطاع السياحة، والهادفة إلى إيجاد نظام شفاف وعادل للتصنيف
والجودة والمراقبة الحازمة، وإعادة هيكلة وتفعيل المكتب المغربي للسياحة؛ وهذا بموازاة مع
تنويع المنتوج السياحي والتأهيل الكمي والكيفي للموارد البشرية السياحية، واعتماد المنظور
الجهوي التشاركي في تدبير هذا القطاع الحيوي.
وإننا لنؤكد على حكومتنا أن تواصل بحزم وعزم لا يكلان توضيح الرؤية الاقتصادية
للمستثمرين من خلال مجموعة من التدابير والبرامج الملموسة التي من شأنها التحفيز على
الاستثمار المنتج، المدر لفرص الشغل، والمشاريع المحددة والقابلة للإنجاز.
وبموازاة مع مواصلة تنفيذ برنامج مكافحة آثار الجفاف للسنة الثانية على التوالي، من
خلال مشاريع ملموسة للتنمية القروية المندمجة، تتعامل مع هذه الآفة كظاهرة بنيوية ، فقد
واصلنا أيضا إنجاز برنامج التجهيزات الفلاحية الكبرى، المتمثلة في بناء السدود وري الأراضي.
كما أعلنا خلال ترؤسنا للمجلس الأعلى للماء، عن سياستنا الجديدة التي تستهدف تحصين
مكتسباتنا والتكيف مع إكراهات المحيط الطبيعي؛ جاعلين ثلاثية الأرض والإنسان والماء
قوام سياستنا الفلاحية، وغاية العناية الخاصة التي نحيط بها الفلاحين، وبخاصة صغارهم
الذين حرصنا على إعفائهم من قسط كبير من الديون المترتبة عليهم ، وإعادة جدولة أداء
القسط المتبقى على المدى البعيد.
وإننا لندعو مجددا إلى التعامل مع الماء كمادة ثمينة لا تعوض والنظر للأرض الصالحة
للزراعة كثروة إن لم تنقص مساحتها فإنها لن تزيد وإلى الإنسان كوسيلة وغاية للتنمية
القروية المبنية على تكوينه وتحسين ظروف عيشه، وفك عزلته.
شعبي العزيز،
،
إن النجاح الذي عرفته عملية فتح رأس مال اتصالات المغرب والتقدم الذي حققه هذا
القطاع يحفزنا على استلهام تجربته من أجل وضع رؤية استراتيجية تتوخى إصلاح المقاولات
العمومية، وتمكينها من هياكل قانونية ومالية عصرية وملائمة لمهامها ، وتعزيز تنافسيتها
الداخلية والخارجية، وفتح رأسمالها للقطاع الخاص الوطني والأجنبي ، بطريقة تمكنها من
الاستمرار في تنمية الاقتصاد الوطني، وبناء تحالفات استراتيجية حتى تكون بمثابة رمح عولمة
الاقتصاد المغربي.
بيد أن الانفتاح على رأس المال الخاص وطنيا كان أو أجنبيا لا يعني بأي شكل من
الأشكال التخلي عن مهمة المرفق العام الملازمة للمقاولات العمومية، بل يجب أن يكون
هدفه الأسمى هو تحسين تدبيرها، وتقوية تدخلاتها، وتسهيل مراقبتها ، وتمكينها من الموارد
الجديدة، اللازمة للرفع من إنتاجيتها وتنافسيتها خدمة للمصلحة العامة.
،
وإذا كانت عمليات الخوصصة وفتح رأسمال المقاولات العمومية، ومنح امتياز استغلالها
قد مكنت خزينة الدولة من مداخيل استثنائية ؛ فإننا ننتظر من حكومتنا استثمارها كما هو
الشأن بالنسبة لصندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لخلق مزيد من الثروات،
بوضع مشاريع منتقاة بدقة؛ مشددين على مواصلة ترشيد الإنفاق العام، ومحاربة كل أنواع
التبذير، والحفاظ على التوازنات الاقتصادية والمالية المحصل عليها بعد سنوات من التضحيات؛
داعين القطاع البنكي إلى تعزيز جهود تحديثه، وحفزه على الاستثمار وتطهير بعض مؤسساته
التي تواجه بعض المشاكل، لينهض بدوره كاملا كرافعة للإقلاع الاقتصادي.
ويقينا منا بأنه مهما كانت الشروط المادية
دية والمالية أساسية لحفز الاستثمار؛ فإنها تظل
رهينة بتوفر المناخ الاجتماعي السليم، وعلاقات الشغل التعاونية والتشاركية، فإننا ندعو
النقابات والمقاولات والسلطات العمومية إلى تبني ثقافة اجتماعية جديدة، تعتمد المواطنة
والحوار الدائم، وإحلال قوة القانون محل قانون القوة، وتركز على ضمان فرص الشغل
والاستثمار، لكسب رهانات العولمة والتنافسية مجددين دعوة حكومتنا إلى الإسراع بوضع
النص المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي.
وبدل اختزال هذا المناخ الاجتماعي، المحفز على الاستثمار والتشغيل، في مجرد
إقرار مشروع مدونة الشغل التي يتعين حسم أمرها، فإننا ندعو لإقرار عقد اجتماعي
جديد ومتكامل، قوامه إخراج مدونة الشغل إلى حيز التطبيق، وإعداد مشروع القانون
التنظيمي المتعلق بشروط ممارسة حق الإضراب، وإخراج التغطية الصحية الإجبارية إلى
حيز الوجود، والتشجيع على إنشاء مؤسسات للأعمال الاجتماعية للأجراء والموظفين
وحل النزاعات الاجتماعية الحادة، وإصلاح الأجهزة الإدارية والقضائية المكلفة بحل
نزاعات الشغل، وانخراط رجال السلطة في حل المنازعات الاجتماعية، طبقا للمفهوم
الجديد للسلطة، وتطهير وضعية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتعاضديات،
واحترام التشريعات الاجتماعية الأساسية، وابتكار أساليب جديدة لتشغيل الشباب
وإعادة التأهيل لولوج سوق العمل. وكل ذلك ضمن منظور شمولي لمكافحة كل مظاهر
العجز الاجتماعي من بطالة وفقر وأمية وإقصاء، لا بوازع ديني وأخلاقي فحسب،
وإنما أيضا في إطار سياسات عمومية تستهدف التنمية البشرية وخلق الثروة الوطنية،
وكسب رهان مجتمع المعرفة والاتصال الذي لا يقاس فقط بالتجهيزات والآليات، بل
كذلك بمقدار تنمية رأس المال البشري وتأهيله.
ومن هنا كانت بداية تفعيلنا للميثاق الوطني للتربية والتكوين بجعله أولوية وطنية طيلة
العشرية الحالية، معتزمين بلوغ مقاصده النبيلة التي تسمو فوق كل اعتبار.
وإذا كانت عدة أوراش قد انطلقت في هذا المجال، فإن إصلاح نظام التربية والتكوين يظل
في حاجة إلى نفس وجرأة أكثر، إذ هو كل متماسك لا يقبل التجزئة أو التطبيق الانتقائي،
كما يتطلب الالتزام لا بالكم فقط، وإنما بالكيف أيضا، وبخاصة في محطاته الأساسية
المتمثلة في تعميم التسجيل المدرسي والتعليم الأولي والإصلاح الجامعي مع خضوع إصلاح
هذا النظام للتقويم المتجرد والمستمر؛ منتظرين من حكومتنا أن ترصد في ميزانية الدولة
الاعتمادات الكفيلة بتطبيق مقتضيات الميثاق، وأن تخرج إلى حيز الوجود النصوص
القانونية والجبائية القمينة بجعل الجماعات المحلية والقطاع الخاص ينهضان بدورهما
الكامل كشريكين فاعلين وجادين ملتزمين بتحقيق الأهداف النبيلة للإصلاح.
لين وجادين، ملتزمين بحي .
ومن منطلق العطف الخاص الذي نكنه لأسرة التربية والتكوين، وتحفيزا لها على تفعيل
هذا الإصلاح الأساسي الذي يتوقف على تعبئتها، فقد سهرنا على وضع الإطار القانوني
وتخصيص الغلاف المالي لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لرجال التربية والتكوين
التي سنتولى تنصيب أجهزتها المسيرة في القريب العاجل.
وإننا لندعو كل الفاعلين من سلطات عمومية وجماعات محلية وقطاع خاص ومجتمع
مدني، أن يضاعفوا جهودهم لإنجاح مشروع المدرسة المغربية الجديدة الذي يتوقف عليه
تكوين مواطن وفي لهويته، مؤهل لرفع تحديات عصره.
شعبي العزيز،
إنه بقدر ما كان انشغالنا بترسيخ المشروع المجتمعي على المستوى الوطني، لم يفتـأ
انشغالنا أيضا متواصلا لاستثمار إشعاعه الديمقراطي من أجل توطيد السمعة الدولية
للمغرب، كقطب جهوي ودولي فاعل، وشريك مسموع الكلمة لدى الدول العظمى، ونصير
للقضايا العادلة للدول النامية؛ ومركز إشعاع واستقرار ؛ حريصين على أن تظل ديبلوماسيتنا
متفاعلة
مع
التحولات المتسارعة التي تطبع العلاقات الدولية ، فاعلة ضمن المنظمات الأممية،
وعاملة على تحقيق أهدافها النبيلة في إقامة نظام عالمي عادل ومتضامن يسوده السلم والوفاق.
وتأسيسا على ما للمملكة من رصيد حضاري وتاريخي، وإشعاع دولي، وموقع استراتيجي،
فقد عملنا على الحفاظ على هذه المكاسب، ساهرين على أن يكون محيطنا مستقرا ، وعلى
الوفاء بالتزاماتنا تجاه أشقائنا وشركائنا.
وهكذا، ومواصلة لسياسة التآزر مع القارة الإفريقية التي تجمعنا وإياها روابط تاريخية
وحضارية ودينية، وعلاقات تضامن وحدوية راهنة، فقد كان اهتمامنا كبيرا بدعمها من
خلال تبادل الزيارات والوفود التي عززت علاقاتنا مع الدول الإفريقية الشقيقة، سواء على
الصعيد الثنائي أو متعدد الأطراف، وفي مقدمتها لقاءات القمة التي تمت، سواء باستقبالنا ،
أو بقيامنا بزيارات رسمية لإخواننا الأجلاء ، أصحاب الفخامة رؤساء الدول الشقيقة؛ للسينغال
وغانا والنيجر والطوغو.
وقد حرصنا على الحضور في التظاهرات الكبرى التي شهدتها قارتنا، حيث شاركنا
شخصيا في القمة الواحدة والعشرين لرؤساء دول إفريقيا وفرنسا التي انعقدت بالعاصمة
الكاميرونية، حيث دعونا بهذه المناسبة إلى الأخذ بعين الاعتبار الوضعية الاستثنائية الإفريقية،
والبعد الإنساني لإكراهات العولمة التي تواجهها.
وفضلا عن مساهمة المغرب في برامج التنمية، لفائدة سبع عشرة دولة إفريقية، فقد انتدبنا
وزيرنا الأول لتمثيل جلالتنا في الدورة الثالثة لمؤتمر تجمع دول الساحل والصحراء التي انعقدت
في السودان، والتي تميزت بانضمام بلدنا إلى هذا التجمع الذي نتطلع إلى أن يفتح مجالات
ما إلى هذا التجمع الذي نتطلع إلى أن يستج .
جديدة للتعاون الإفريقي الجاد.
على
كما تولى بلدنا أيضا تنظيم أول قمة للسيدات الأوليات الإفريقيات تحت رعايتنا السامية،
والرئاسة الفعلية لصاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة لالة مريم وتدخل هذه التظاهرة التي
اعتنت بأوضاع الـ
ع الفتاة الإفريقية ضمن الإعداد للقمة العالمية للطفل التي أنطنا بشقيقنا صاحب
السمو الملكي الأمير الجليل مولاي رشيد، رئاسة لجنة وطنية تحضيرية لها، ضمت، علاوة
على القطاعات الحكومية، فعاليات المجتمع المدني؛ وكان لها تحت إشراف سموهما جهود
فعالة، سواء في تحضير المغرب لهذه القمة أو في احتضان لقاءات وزارية وجمعوية إفريقية
وعربية، لضمان الاسهام الجيد للمغرب وإفريقيا في هذا الملتقى الأممي.
،
وإن حرصنا على تمتين علاقات التضامن والتعاون مع أشقائنا بإفريقيا ، لا يوازيه إلا
اهتمامنا الكبير بعلاقاتنا مع أشقائنا في الوطن العربي، حيث شكلت قضايا أمتنا العربية
أهمية كبرى في انشغالاتنا وتفكيرنا ، وفي مقدمتها القضية العادلة للشعب الفلسطيني
الشقيق، مساندين، في كل مناسبة الجهود الرامية إلى توفير الشروط المؤدية إلى وقف
البطش الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني الأعزل، واستئناف الحوار، قصد الوصول إلى إرساء
سلام دائم وعادل وشامل في المنطقة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها مدينة
القدس الشريف التي حرصنا بوصفنا رئيسا للجنة القدس على عقد دورة خاصة لها، وأكدنا
في كل لقاءاتنا الدولية على رفض تكريس الاحتلال الإسرائيلي لها بالقوة، وطمس طابعها
كرمز وفضاء لتعايش الأديان السماوية، مدعمين عمل الأجهزة المسيرة لوكالة بيت مال
القدس الشريف، ومحتضنين اجتماعاتها وأنشطتها لمواصلة النهوض بمهمتها في الحفاظ على
هويتها العربية الإسلامية.
كما حرصنا على الدعوة في القمتين العربيتين للقاهرة وعمان إلى خلق مناخ عربي جديد ،
يؤهل الأمة العربية للقيام بدور مؤثر وفاعل لتحقيق الأمن والسلام في المنطقة، ونبذ الخلافات،
وتعزيز التعاون والتضامن العربي. وقد سعدنا ، في هذا السياق، بلقاء أشقائنا أصحاب الجلالة
والفخامة والسمو من القادة الأشقاء في المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية
المتحدة، والبحرين وليبيا وتونس، وسوريا ولبنان ساهرين على أن يوفر انعقاد دورات
اللجان المشتركة مع الدول العربية الشقيقة وتبادل الزيارات بين كبار المسؤولين، مناسبة
لمواصلة تعميق التعاون الثنائي والعربي في مختلف المجالات.
،
وبمبادرة من جلالتنا، أشرفنا على التوقيع على إعلان أكادير بشأن إقامة منطقة للتبادل
التجاري الحر، بين مجموعة من الدول العربية المتوسطية، من خلال صيغ جديدة تتلاءم مع
طبيعة
وجهات الاقتصادية المعاصرة للسلطة القضائية
وعلى مستوى منظمة المؤتمر الإسلامي، كان لمملكتنا نشاط مكثف، حيث شارك
المغرب في أشغال مؤتمر القمة الإسلامية التاسعة التي انعقدت بالدوحة، مؤكدين مواقفنا
المتضامنة والثابتة تجاه كافة القضايا الإسلامية ؛ فضلا عن المساهمة الجادة للمغرب في كل
الہیئات المتفرعة عن هذه المنظمة، والبرامج التي تنجز تحت إشراف أمانتها العامة التي أجمعت
الدول الإسلامية الشقيقة على استمرار تولي المغرب لها.
وعملا على توسيع آفاق التعاون بين المغرب والدول الأسيوية، فقد قمنا بزيارة رسمية
لجمهورية الهند ، ساهمت في تمتين روابط الصداقة العريقة التي تجمعنا بهذا البلد الكبير.
كما انتدبنا وزيرنا الأول للقيام بزيارة إلى كل من باكستان وإيران، مؤكدين بذلك عزمنا
على تعزيز علاقات المغرب بهذين البلدين الأسيويين الإسلاميين الكبيرين.
أما بخصوص اتحاد المغرب العربي الذي تتقاطع فيه الدوائر العربية والإسلامية والإفريقية
والمتوسطية لسياستنا الخارجية، فإن تجاوب المغرب مع المبادرات الهادفة إلى تحريك آليات
هذا الاتحاد لا يوازيه إلا حرصه على أن يعرف انطلاقة جديدة قائمة على الواقعية والمصداقية،
والتوجه نحو المستقبل، مؤكدين العزم على تذليل كل العقبات التي تعوق تفعيل هذا الاتحاد
الذي نعتبره خيارا استراتيجيا.
وقد عرفت علاقاتنا مع أوروبا مرحلة جديدة اتسمت بدخول اتفاق الشراكة بين المغرب
والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، وبتأكيدنا على منظورنا الجديد بخصوص انبثاق ارتباط
قوي بالاتحاد الأوروبي، في إطار نظام شراكة متقدمة ومتطورة، تتجاوز المقاربات التقنية
والتقليدية لتتسم بتوجهات ذات بعد شمولي تضامني متجدد ، مثلما ألححنا على ذلك خلال
زيارتنا للجمهورية الفرنسية الصديقة.
كما كان لمملكتنا دور فاعل في تنشيط التعاون الأورومتوسطي تجسيدا لدورنـا
الحضاري في المنطقة المتوسطية، حيث دعت ديبلوماسيتنا في كل المناسبات إلى ضرورة البحث
عن أسلوب جديد يمكن المنطقة المتوسطية من السير نحو فضاء يسوده السلم والازدهار في
إطار احترام ثقافات وقيم كل الأطراف.
ومن نفس المنظور نسعى جادين إلى العمل مع الإدارة الأمريكية الجديدة من أجل زيادة
توطيد علاقات الصداقة التاريخية والتعاون المثمر التي تجمع بلدينا الصديقين. كما نعمل على
توسيع آفاق التعاون والتضامن بين المغرب ودول أمريكا اللاتينية التي نتقاسم وإياها نفس
الانشغالات التنموية والحضارية.
وقد أولينا عناية خاصة ، سواء على مستوى سياستنا الداخلية أو في لقاءاتنا الدولية وعمل
ـا الداخلية او في لقاءات
ديبلوماسيتنا ، لقضايا جالياتنا بالخارج التي سهرنا ، من منطلق ما نكنه لها من سابغ الرعاية
وموصول العناية، على وضع منظور جديد لمقاربة قضاياها.
شعبي العزيز،
إن مخاطبتنا لك في هذا اليوم الأغر تتيح لنا الإعراب لك عما يغمرنا من سعادة ورضى
وتأثر عميق بما يجيش به قلبك من مشاعر ولائك ووفائك لجلالتنا، ملتفا حول عرشنا ، واثقا
من تفانينا في خدمتك وإخلاصنا في العمل، متفقدين لميادين أحوالك في كل أرجاء المملكة،
عازمين على تحقيق الإصلاحات الأساسية التي من شأنها استكمال إنجاز المشروع المجتمعي
الديمقراطي، بمشاركة كل فئاتك ومؤسساتك، وبجميع سواعد أبنائك وطاقاتك، مرحلة
مرحلة، ولبنة لبنة ، لتحقيق مطامحك على درب التقدم والبناء، وضمان وحدتك وسيادتك،
مستنهضين عزمك على التعبئة الشاملة والانخراط الفعلي في معركة الجهاد الاقتصادي
والاجتماعي الذي نخوض غماره والتحلي في هذا الجهاد بأفضل سلاح، وهو الإيمان بالقيم
التي يمليها دينك، وتقتضيها وطنيتك.
وننتهز هذه المناسبة الخالدة لاستحضار ذكرى الملاحم التاريخية التي خاضها أسلافنا
المنعمون وأبطالنا المجاهدون ، والترحم على أرواحهم، وفي مقدمتهم جدنا بطل التحرير جلالة
الملك محمد الخامس، ووالدنا باني المغرب الحديث جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله
روحيهما، وكذا أرواح شهداء المقاومة والتحرير. كما نذكر باعتزاز في هذه المناسبة الوطنية
الكبرى صمود قواتنا المسلحة الملكية، وقوات الأمن والدرك والقوات المساعدة ورجال الوقاية
المدنية، مجددين التنويه بها والإشادة بأعمالها وتفانيها في خدمة الوطن والمواطنين، وبخاصة
منها تلك التي ترابط في جنوبي المغرب، ساهرة.
ة على أمنه واستقراره، أو تلك التي بعثا بها إلى
جهات من إفريقيا وأروبا للمشاركة في الأعمال الإنسانية النبيلة التي تقتضيها تقاليد المغرب،
في النجدة والمساعدة ودعم السلام.
والله نسأل أن يشد أزرنا بشعبنا، ويسدد خطانا ، ويكلل بالنجاح والتوفيق مسعانا ،
لتحقيق ما نبتغيه من نبيل المقاصد وصالح الأعمال، وأن يبقي الوشائج التي تشد بعضنا إلى
بعض عروة وثقى، لا انفصام لها ، وأن يصل صدق أقوالنا بصدق أفعالنا وقل رب أدخلني مدخل
صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا». صدق
الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الحمد
بمناسبة عيد العرش المبيد
30 يوليوز 2002
لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
إذا كان خطاب العرش يكتسي كل سنة أهمية بالغة لكونه يرصد أحوال الأمة ويرسم
معالم العمل المستقبلي، فإن خطاب العرش لهذا العام يتميز بكونه يحل قبل أسابيع معدودة
من انتخاب مجلس جديد للنواب. كما أنه يعتبر مطلعا لسنة حافلة بالاستحقاقات الانتخابية،
فلن يحل مثل هذا اليوم الأغر من السنة المقبلة بحول الله إلا وقد تم تجديد انتخاب سائر
المؤسسات التمثيلية.
فهل سيتم التعامل مع هذه السنة الانتخابية بمنطق سياسوي ضيق يجعل من الانتخاب غاية
في حد ذاته؟
المملكة المغربية
كلا لقد آلينا على نفسنا ، توخيا للمصالح العليا للأمة، اعتماد منظور استراتيجي يجعل
منها سنة التعبئة الشامل وفرصة لمصالحة المواطنين مع مجالس منتخبة ذات مصداقية،
لتشكل سندا قويا للأجهزة التنفيذية ورافعة فعالة للتنمية الشاملة.
وقبل هذا وذاك، حرصنا على أن نشاطرك ، شعبي العزيز استخلاص ما تحفل بـه هـذه
الاستحقاقات من دروس وعبر ، وما تحمله من وعود وتفتحه من آفاق.
لقد أبدى سائر الفاعلين المعنيين في أول ولاية تشريعية عاشها المغرب في ظل التناوب، من
الحكمة والتبصر وحسن الإرادة، ما كان كفيلا ببلوغ الأهداف التي توخاها رائد التوجه
الديمقراطي، والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، والتي أخذنا على عاتقنا
رعايتها حتى تتوافر أسباب النجاح كاملة لهذه المحطة الحاسمة من مسار بلادنا السياسي.
وهذا ما جعل من التناوب خطوة هامة، على درب ترسيخ الديمقراطية اكتسبت فيها المعارضة
السابقة ثقافة الحكم فيما مارست الأغلبية السالفة دور المعارضة البناءة.
وأن المملكة المغربية المتحصنة بإطارها المؤسساتي والدستوري المتماسك، والمعززة
بأصالتها العريقة وتقاليدها الراسخة، والمدعمة بقيمها الروحية والاجتماعية والثقافية
المتوازنة، قد أظهرت بكل جلاء ومصداقية قدرتها على التحرك والتطور في انسجام تام بين ما
رسمته جلالتنا من توجهات طموحة، وبين العمل الذي أنجزته الحكومة والبرلمان.
وهذا الواقع الذي ما فتئ يتعزز باستمرار، يعد ثمرة الخيارات التي سلكها المغرب
والإصلاحات التي حققها طوال العقود الأخيرة من تاريخه.
وإذا كنا في غنى عن استعراض تفاصيل هذه الحقبة، فإنه يجدر بنا أن نؤكد أن هذه
المكتسبات التي تحققت بمساهمة جميع المغاربة تستمد قوتها ومشروعيتها واستمراريتها من
المقومات الهيكلية والتوافقية التي تستند إليها والتي عملنا دوما على ترسيخها.
ولا يخفى عليك، شعبي العزيز أن هذه الإنجازات تكتسي دلالة خاصة إذا ما استحضرنا
ما يحيط بنا من أوضاع إقليمية ودولية أفرزتها السنوات والأشهر الأخيرة التي عشناها والتي
تميزت بتواتر حالات القطيعة والتنافر وتراجع عوامل التوافق والاستقرار والاطمئنان.
وقد عملنا على أن يظل المغرب سالكا سبيله بعزم وثبات في خضم هذه التفاعلات،
متمكنا من متابعة إنجاز برامجه وفق مخططاته مع الحفاظ على مدة إنجازها، رغم الظرفية
العصيبة وما نتج عنها من اضطراب ومخاوف. لذا وبصرف النظر عن صخب النقاش السياسي
والانتخابي الجاري، فإن علينا أن نقدر ما شيدناه جميعا لصالح مجتمعنا. كما يتعين علينا أن
نقف على ما يجب إنجازه أو تحسينه أو تداركه أو الإسراع به ونقصد بذلك أداءنا الاقتصادي
المرتبط دوما وحتما بالمرتكز السياسي الذي نوهنا بفضائله ونتائجه.
، الذي نوهنا بغض
وإذا كنا قد كسبنا معركة ترسيخ توجهاتنا الديمقراطية لجعلها خيارات لا رجعة فيها ،
فهل معنى هذا أن الكل يدرك ما تطلب ذلك من جهود وتضحيات، وأن ديمقراطيتنا محصنة
من كل المخاطر والتجاوزات؟
إننا مطالبون باليقظة الدائمة والتعبئة المستمرة للحيلولة دون استغلال الديمقراطية،
واتخاذها مطية لأغراض منحرفـة مـن طـرف مـن يحلمون بالعيش الرغيد في تقاعس وإشاعة
للإحباط واليأس، وكأن المغرب قد ولى ظهره لتاريخه وتنكر لمستقبل أبنائه وآمالهم.
هذه الأمال النابعة من التطلع لمستقبل أفضل كفيل بالاستجابة لطموحات الأجيال
الصاعدة إلى المزيد من الكرامة والأمن والتقدم من خلال تمكين المواطن من العيش
الكريم وتحقيق التنمية القروية، وتوفير أسباب التشغيل للشباب، وذلك بخلق المزيـد مـن
الثروات في بلادنا وبالعمل على توزيعها توزيعا أكثر عدالة وإنصافا.
فعلى كل منا أن يدرك ما يتعين القيام به مستقبلا حتى تكون الحرية والتعددية والتنوع
التي تميز مشروعنا المجتمعي، عوامل للتقدم والحداثة في الحياة السياسية ببلادنا، جاعلين من
هذه السنة منطلقا جديدا للتأهيل الشامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لبلادنا.
شعبي العزيز،
إن التأهيل السياسي للمغرب يقتضي التعامل النبيل مع الانتخابات، باعتبارها استثمارا
أساسيا كفيلا بما يضفيه من مصداقية وفعالية على المؤسسات بأن يعود بالنفع على جلب
الاستثمار الاقتصادي وحفزه وإيجاد ثروات جديدة لرفع تحدي التنمية الشاملة.
ومن ثم، حرصنا على توفير كل الشروط والضمانات اللازمة لتكون الديمقراطية هي
الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات. وإننا لننتظر من الأحزاب السياسية أن تتنافس في طرح
برامج حكومية واقعية وقابلة للإنجاز، محددة في وسائل تمويلها ومدة تحقيقها، وتتضمن
حلولا للقضايا الأساسية للأمة، وللانشغالات اليومية للمواطن. وهي برامج طالما خاطبتكم
بشأنها وكرست كل جهودي لتجسيدها على أرض الواقع. وإذا كانت المنافسة الديمقراطية
ضرورية، فإن لها حدا ، هو المصلحة العليا للبلاد.
لذلك عملنا على مواكبة توسيع فضاء الحريات العامة وحقوق الإنسان بتوفير الأجهزة
المكلفة بحمايتها وتحديد شروط ممارستها بما يلزم من وسائل وضمانات.
2 المغربية
وفي هذا الصدد، سنقوم في الأسابيع المقبلة، بحول الله، بتنصيب كل من المجلس
الاستشاري الجديد لحقوق الإنسان وديوان المظالم.
كما أننا عازمون على تعميق روح الطمأنينة لدى المواطن بتدعيم سلطة مؤسسات الدولة
حول ثوابت الأمة، في إطار دولة قوية تسهر على الاحترام الصارم للقانون وسيادته ومساواة
الجميع أمامه.
ويعد إصلاح القضاء من الركائز الأساسية في هذا الشأن، فضلا عن توفيره لمناخ
الثقة التي تعد خير محفز على الاستثمار. وحتى يأخذ تسريع النهج الإصلاحي القضائي
وتيرته القصوى، فإنه ينبغي تعزيز الموارد المالية والبشرية المرصودة لقطاع القضاء،
بشكل يمكن من مواصلة إعادة الاعتبار للعدالة وتحديثها وتأهيلها لكي تنهض على
الوجه المطلوب بالمهام النبيلة الجسيمة والمتزايدة المنوطة بها.
كما أولينا اهتماما خاصا لقضية النهوض بأوضاع المرأة في مختلف مجالات تدبير
الشأن العام محددين أجلا لا يتعدى نهاية هذه السنة، للجنة المكلفة لاقتراح مشروع
مدونة جديدة للأحوال الشخصية يراعي مقاصد شريعتنا السمحة والتزاماتنا الدولية في
هذا الشأن.
وما كان للمغرب الذي يعرف تطورا متواصلا على درب الحداثة والديمقراطية أن يكون
مشهده السمعي البصري غير مواكب لهذا التطور، بما يستجيب لحاجة المواطن لمشهد إعلامي
يجمع بين المعاصرة والجاذبية واحترام ثوابت الأمة، ونهوضا بالتزامنا الدستوري بصيانة حقوق
وحريات المواطنين والجماعات والهيئات عملنا على وضع ظهير شريف يقضي بإحداث هيئة
عليا للاتصال السمعي البصري كمؤسسة مستقلة متوفرة على الوسائل الضرورية للنهوض
بمهامها بكل تجرد.
وقد توخينا من ذلك ضمان الحق في الإعلام، من خلال تكريس حرية إحداث صحافة
ووسائل سمعية بصرية مستقلة وإنهاء احتكار الدولة لهذا النوع من الإعلام، مع توفير مرفق
عام للإذاعة والتلفزة جدير بضمان التعبير عن مختلف الاتجاهات. وذلك في نطاق احترام قيمنا
الدينية ومقومات هويتنا الوطنية وقوانين المملكة.
شعبي العزيز،
إن ديمقراطيتنا ستظل هشة ما لم يتم تعزيزها بتنمية اقتصادية وتضامن اجتماعي.
وإذا كنا قد حققنا عدة مكاسب سياسية ، فإننا نعاني معضلة عدم الإنتاج وخلق الثروات
وسوء توزيعها .اجتماعيا. وهذا ما يحتم علينا خوض معركة الإنتاج وحفز الاستثمار بهدف
تأهيل اقتصادنا الوطني وتقوية إنتاجيته ومردوديته.
كما يفرض علينا تأهيل مواردنا البشرية التي هي ثرواتنا الأساسية ضمن منظور يحرر
طاقاتها الخلاقة لخوض أوراش الإنتاج بتنافسية واقتدار. ولن يتأتى لنا ذلك إلا إذا اعتبرنا أن
اقتصاد السوق ليس شرا والربح ليس عيبا والعولمة ليست خطرا ، بل إن حسن تعاملنا معها من
شأنه أن يجعل من هذه العوامل كلها مصدرا للثروة ومدخلا للعدالة الاجتماعية.
وهذا ما يقتضي نهج سياسة اقتصادية ومالية متنافسة ذات منظور واضح وأسبقيات محددة
في برامج تعاقدية بين السلطات العمومية والقطاع الخاص، مع مواصلة نهوض صندوق الحسن
الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بدور الرافعة القوية في هذا المجال.
ومن شأن الإسراع بتأهيل اقتصادنا وتحويله من اقتصاد ريعي انتظاري إلى اقتصاد
السوق، أن يجعلنا نكسب رهان اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة
الأمريكية ودول جنوب المتوسط الموقعة على إعلان أكادير، وندعم دور المغرب كقطب
محوري لمبادلات القارات الثلاث.
وفي هذا الصدد، فإن تفعيل المراكز الجهوية للاستثمار، وتنفيذ مختلف التوجيهات
الواردة في رسالتنا لوزيرنا الأول بشأن التدبير اللامتمركز للاستثمار، وما ينبغي أن
يواكبه من إصلاحات قضائية وإدارية وتشريعية ومالية واجتماعية، أن يجعل من السنة
المقبلة، إن شاء الله سنة التأهيل الاقتصادي بامتياز.
،
وإذا كنا قد سجلنا إيجابية بعض المؤشرات الاقتصادية، فإن الواقع العنيد يظل يسائلنا
بإلحاح: لماذا تجد بلادنا صعوبة في تحويل هذه المؤشرات إلى حركية اقتصادية؟
إننا معنيون جميعا بهذا الواقع. ويتعين علينا أن نكسر أغلال الشك المحبط والتخوف غير
المبرر، ونستبعد الانتظارية التي طالما أضعفت اقتصادنا وعرقلت تطوره.
بية
إن الإيمان بما لدينا من طاقات، وبما يحركنا من حوافز للمضي قدما على درب التقدم
والرخاء، لا يتجسد بمجرد خطاب أو قرار سياسي، وإنما هو رهين بمدى الإرادة الذاتية
والمبادرة المقدامة، وذلك ما نفتقر إليه. لذا يجب أن ننطلق من تقييم واقعي متبصر لأوضاعنا
الاقتصادية ومن تصور واضح وتحديد دقيق للأهداف التي يجب علينا تحقيقها بجد وحزم
للإسراع بوتيرة النمو الاقتصادي لبلادنا وتوسيع دائرته.
لقد آن الأوان لوضع تقييم محكم وتخطيط عقلاني لما يلزم القيام به في المستقبل، حتى
يتحقق التطابق المأمول والانسجام المنشود، وحتى نتمكن من حسن استثمار ما تحقق من تقدم
في المجالين السياسي والاقتصادي، مع الالتزام بالفعالية والمردودية وترتيب الأولويات، وفق
جدول زمني محدد. وكل ذلك في نطاق التقيد بسياسة حسن تدبير الشأن العام التي اعتمدتها
المملكة من أجل تحقيق التحديث الاقتصادي والتنمية المستدامة.
شعبي العزيز،
عملا على تأهيل مواردنا البشرية، فإننا قد قطعنا خطوات هامة في مجال إصلاح المنظومة
التربوية. بيد أن هنالك خطوات كبرى مازالت تنتظرنا في نهج سياسة تعليمية متناسقة. كما أن
متابعة وتقييم وإغناء تفعيل إصلاح التعليم تتطلب تعزيز المهام التي تنهض بها بكل موضوعية
ونزاهة اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، وذلك في أفق إيجاد جهاز قار يتولى مهام التقييم
المتجرد والشمولي للمنظومة التربوية ، في تعاون مثمر وتنسيق تام مع القطاعات المختصة، ومع
جميع الفاعلين في هذا المشروع المصيري. وقد قمنا بإعطاء دفعة قوية لهذا الإصلاح بتنصيب
مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأوضاع الاجتماعية لأطر التربية والتكوين وبتحسين
وضعيتهم، داعين الأسرة التعليمية للانخراط بحزم وعزم وغيرة وطنية في هذا المشروع الكبير.
ولأن توسيع ثقافة المواطنة رهين بالقضاء على الأمية، فإننا عازمون على إعادة النظر في الآجال
المتوقعة لاستئصال آفتها.
وتجسيدا لالتزامنا بتأكيد الاعتبار لكل مكونات هويتنا الثقافية في ظل الوحدة
الوطنية، كان تنصيبنا للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وسنظل حريصين على سيادة روح
التسامح والانفتاح بين الثقافات والحضارات محلية أو عالمية، وعلى التحصين من كل أنواع
الغلو والتشدد في اعتزاز بالجوانب المشرقة في أصالتنا ، مع اعتماد الحداثة والعقلانية.
وسيظل تأهيل مواردنا البشرية رهينا بترسيخ ثقافة التضامن وجعلها عماد السياسات
العمومية والتحول بها من الفعل العفوي إلى العمل المؤسسي.
ونجدد التأكيد في هذا الشأن على الأهمية الخاصة التي نوليها للأشخاص المعاقين
باعتماد برامج مندمجة تؤهلهم للانخراط التام في الحياة العامة من خلال تكوين ملائم
يوفر لهم أسباب العيش الكريم.
،
ولا يفوتنا أن نعرب عن ابتهاجنا واعتزازنا بارتباط رعايانا الأوفياء المقيمين في الخارج
بوطنهم، وتعلقهم بأواصر البيعة الخالدة والهوية الحضارية الأصيلة، وحرصهم على القرابة
العائلية وصلة الرحم، مجددين الإعراب عن بالغ تقديرنا لمساهمتهم الفاعلة في مجهود التنمية
الاقتصادية، والإشعاع الدولي للمغرب، وعن عزمنا الأكيد على أن يكون لهم ما هم جديرون
به من حضور وازن ومشاركة فاعلة في كل مجالات الحياة الوطنية. كما نود أن نؤكد لهم
موصول عنايتنا الفائقة بأحوالهم خارج الوطن وداخله ، وحرصنا على أن تستجيب الأجهزة
المعنية لما يعربون عنه من تطلعات في إطار من التناسق المحكم والتكامل المثمر.
شعبي العزيز،
في خضم حرصنا الأكيد على معاينة أحوالك، كانت زياراتنا لعدد من أقاليم المملكة
وجهاتها في الجنوب والوسط والشمال مناسبة لتجديد روابط الوفاء والإخلاص الجامعة بيننا .
ولإعطاء الانطلاقة لعدة مشاريع تنموية.
،
وإذا كانت هنالك من جهات تحظى ببالغ اهتمامنا ، وتجسد خيارنا الاستراتيجي لجعل
الجهة فضاء محفزا على الاستثمار، فهي أقاليمنا الشمالية والجنوبية التي نعمل على أن تكون
نموذجا للتنمية الجهوية المندمجة.
وفي هذا الإطار، وبموازاة مع جعل مدينة طنجة ومينائها الحالي من أكبر الموانئ والمراكز
الترفيهية بالبحر الأبيض المتوسط، فقد أعطينا تعليماتنا قصد دراسة وإنجاز مركب ضخم،
مينائي وتجاري وصناعي على ضفاف البوغاز شرق طنجة. وإن من شأن مستواه الدولي وارتباطه
بمناطق حرة تمكين الأقاليم الشمالية من تحقيق إرادتنا في فك عزلتها وتنميتها الشاملة ومن
انخراط المغرب كفاعل وشريك في المبادلات الاقتصادية الدولية.
ونظرا لضخامة الاستثمارات والرهانات الاستراتيجية، وضرورة التنسيق المحكم بين
جميع مكونات المشروع، وبين الهيئات العمومية، بما فيها وكالة تنمية الأقاليم الشمالية
والفاعلين الاقتصاديين الخواص والأشقاء منهم والأصدقاء، قررنا إحداث هيئة للقانون الخاص
لها صلاحيات السلطة العمومية وكل الامتيازات الكفيلة بجعلها تنهض على الوجه الأكمل
بجميع العمليات المرتبطة بإنجاز هذا المشروع الكبير.
وعملا على الإسراع بتحقيق هذا المشروع الذي نتبناه بكل رعاية واهتمام، فإننا نصدر
تعليماتنا لحكومة جلالتنا، قصد اتخاذ التدابير القانونية الاستعجالية لإحداث هذه الهيئة.
وبنفس الحزم والعزم، فإننا نوجه حكومتنا إلى اعتماد مسطرة تشريعية استعجالية بالنسبة
لإحداث وكالة تنمية أقاليمنا الجنوبية الأثيرة لدينا التي سبق لنا الإعلان عنها بمناسبة زيارتنا
الميمونة لمدينة العيون
وإننا لعازمون على أن تكون هذه الوكالة خير مجسد لتعبئتنا الوطنية، ولعملنا الدؤوب
على تفعيل منظورنا التنموي المندمج لهذه الأقاليم، في نطاق وحدتنا الوطنية والترابية والتطور
الديمقراطي الجهوي، ذلكم المنظور الذي على قاعدته قبلنا بمشروع الاتفاق-الإطار الأممي
كأساس لإيجاد حل سياسي ونهائي للنزاع المفتعل حول مغربية صحرائنا.
وبقدر ما جاء هذا التوجه الوطني منسجما مع الدعم المتزايد الذي يحظى به الخيار العادل
والسلمي الأممي على الصعيد الدولي، زادت المواقف المعادية لخصوم وحدتنا الترابية معاكسة
مكشوفة لهذا التوجه الأممي. وقد بلغ الأمر حد تبني طرح تقسيمي، أسقط كل التبريرات
الواهية التي كان يتم تضليل الرأي العام العالمي بها تحت ذريعة الدفاع المزعوم عن مبدا
تقرير المصير.
وكما أكدنا ذلك للعالم أجمع أثناء زيارتنا المباركة لمدينة العيون، فإننا نجدد الإعلان
عن عزمنا الراسخ على صيانة وحدتنا الترابية وعدم التفريط في أي شبر منها. كما أننا نشدد
على الرفض المطلق لكل طرح تجزيئي يستهدف النيل من سيادتنا ووحدتنا الترابية المقدسة لما
ينطوي عليه من تهديدات ومخاطر بلقنة منطقة المغرب العربي ومجموع القارة الإفريقية.
ومع ذلك فإن المغرب، بحكم ميراثه الحضاري ومشروعية حقه وثبات مواقفه والتزامه
بقيم الاعتدال والحكمة والاتزان والثقة في المستقبل، قد آثر عدم سلوك نهج القطيعة التامة،
مفضلا عليها استئناف تفعيل أنشطة مؤسسات اتحاد المغرب العربي.
وقد كنا نأمل أن يؤدي بناء الاتحاد المغاربي إلى الالتزام بمنطوق وروح معاهدة مراكش،
وفي مقدمتها احترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية لأعضائه، وذلك بعدم السماح بأي نشاط
يهدد أمن أي كيان أو حرمة أي نظام ويتنافى مع صيانة المصالح العليا لدولنا بمقوماتها
الوطنية، وما تقتضيه من سمو على كل الحسابات والاعتبارات.
غير أن الواقع المر يدلنا على أن موقف اللبس قد انكشف على حقيقته في الاتجاه السلبي
المتبني جهارا لتمزيق الوحدة الترابية للمملكة المغربية في الجنوب، وتأييد الاعتداء على التراب
الوطني في ثغوره الشمالية.
فهل كان بإمكان أي دولة من أعضاء الاتحاد أن تسلك غير ما سلكه المغرب فيما لو وقع
المس بوحدتها الترابية واحتجاز طائفة من أبنائها كأسرى ضد المواثيق الدولية والمثل الإنسانية
والقيم الإسلامية؟
إننا لن نسمح لنفسنا بأن يسجل التاريخ كوننا لم نعمل إلا على تضليل شعوبنا وإيهامها
بأننا نحقق تطلعاتها للوحدة، في حين أن مواقف البعض لا تزيد تلك الوحدة إلا تمزيقا وتشويها.
إن تفعيل الاتحاد المغاربي لن يتأتى إلا بتجاوز الاختلافات والمواقف المتعارضة، ونبذ التآمر
والتجزئة والخذلان وتحقيق الانسجام في الرؤى والوضوح في الأهداف واحترام الثوابت
وسيادة روح الإخاء والثقة والتضامن والتشبع بروح الوحدة والحكمة والتوافق، وانتهاج التدرج
والعقلانية في توظيف الطاقات المشتركة لتحقيق تطلعات أجيالنا الحالية والمستقبلية إلى قيام
مجموعة متكاملة من شأنها أن ترفع تحديات التنمية والتكتلات الدولية وتكسب الرهانات
الاستراتيجية للنظام العالمي لما بعد 11 شتنبر 2001 .
وعلى هذه الأسس سيظل المغرب مستعدا للحوار البناء والعمل الجدي مع كل أشقائه من
أجل بناء الاتحاد المغاربي الذي نعتبره خيارا استراتيجيا لا محيد عنه.
شعبي العزيز،
لقد عرف العالم بعد أحداث سبتمبر المؤسفة تغييرات جوهرية في بنية النظام العالمي
والعلاقات الدولية لما كان لها من تداعيات وتأثيرات عميقة على الاستقرار والأمن الدوليين.
وقد كنا في طليعة من أدانوا بشدة تلك الأعمال الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة
الأمريكية الصديقة، انطلاقا من كون المغرب البلد المتشبع بقيم الحرية والديمقراطية
والسلام والتسامح والتعايش، قبل وقوع تلك الأحداث الآثمة وسقوط جدار برلين وانهيار
دكتاتورية الحزب الوحيد.
ومن ثم كان انخراط المغرب التلقائي والقوي في محاربة الإرهاب حيثما كان، وإننا لنشيد
بيقظة وتعبئة أجهزتنا الأمنية وقواتنا العتيدة وأفراد الدرك الملكي والأمن الوطني وحنكة
أطر وزارة الداخلية التي تمكنت من إحباط مؤامرة إرهابية موجهة من الخارج ضد أهداف
داخل التراب الوطني وخارجه.
وبقدر حرصنا على انفتاح المغرب واستمراره ملتقى لتفاعل الحضارات، فإننا سنتصدى
بقوة القانون لكل محاولة للمس باستقرار بلدنا الآمن. كما سنوطد ، بالمزيد من ترسيخ
الديمقراطية وإنجاز التنمية سلامة النسيج الاجتماعي والسياسي الوطني الذي نعتز بمناعته
ضد كل أشكال التطرف أو العنف أو الإرهاب.
ولأن الإرهاب لا دين له ولا وطن، فإن عملنا الدؤوب من أجل تحصين بلادنا من دواعيه
ومخاطره قد اقترن بإسهامنا الدولي الفاعل في استئصال جذوره ضمن مقاربة شمولية.
وبصفتنا أميرا للمؤمنين، فقد أكدنا في افتتاحنا للمؤتمرات الجهوية والدولية الكبرى
التي شهدتها بلادنا، على أن الإسلام يناهض الإرهاب، لأنه دين التسامح والاعتدال والتساكن
والسلام وتكريس كرامة الإنسان وضمان حقه في العيش الآمن. كما شكل انعقاد المنتدى
المتوسطي في أكادير مناسبة سانحة لبلدان البحر الأبيض المتوسط للتفكير في وضع تصور
إقليمي لمحاربة الإرهاب وترسيخ السلم والأمن في العالم أجمع، ولا سيما في منطقة الشرق
ة العالم أجمع، ولا سيما في منطقة
الأوسط.
مجلس المعلم
وفي هذا السياق، واصلنا انشغالنا الكبير بالأوضاع المتفجرة في الأراضي الفلسطينية
المحتلة، فقمنا بزيارة مجموعة من الدول الشقيقة بالمنطقة، وبادرنا بعقد اجتماع خاص للجنة
القدس. وقد عملنا على بذل كل المساعي والجهود لدى مختلف الأطراف المؤثرة من أجل
إحياء عملية السلام، والعودة إلى مائدة التفاوض دون قيد أو شرط، وتدشين مرحلة جديدة
من التعاون والاستقرار في هذه المنطقة التي عانت على مدى عقود طويلة من مواجهات أليمة
وماس مريرة.
كما تمكنا بمعية أشقائنا خلال قمة بيروت من دعم خيار السلام، وذلك بتبني مبادرة
شقيقنا الأعز، صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهد المملكة
العربية السعودية. تلك المبادرة التي أكدت أسس الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن
والحق المشروع للشعب الفلسطيني الشقيق في إقامة دولة وطنية مستقلة، تتمتع بكل مقومات
الاستمرار، وتكون عاصمتها القدس الشريف.
والتزاما منا بانتمائنا الإفريقي المتجذر، عملنا على توسيع قنوات الحوار، موجهين حكومة
جلالتنا لتفعيل آليات التعاون والتواصل مع البلدان الإفريقية الشقيقة للمساهمة الفعالة في
تحقيق التنمية والاستقرار للقارة الإفريقية التي سعدنا باستقبال عدد من قادتها بالمغرب، ومن
بينهم رؤساء دول نهر مانو التي نقوم بمساع لتحقيق التصالح فيما بينها.
وإلى جانب الحضور الفاعل لبلدنا في تحقيق الأمن والاستقرار في العالم ، أولينا من خلال
زيارتنا أو استقبالنا لعدد من رؤساء الدول الشقيقة والصديقة كل الاهتمام لإعطاء علاقاتنا
السياسية الممتازة معها البعد الاقتصادي الذي يستثمر إشعاع بلدنا الديمقراطي ويجلب المزيد
من الاستثمارات في إطار ديبلوماسية اقتصادية نشيطة.
وقد تمكنا ، مع صديقنا فخامة الرئيس جورج وولكر بوش أثناء زيارتنا الموفقة للولايات
المتحدة الأمريكية، من توسيع مستوى شراكتنا الاستراتيجية مع هذا البلد الصديق. كما
أن زيارتنا الميمونة لجمهورية الصين الشعبية قد أعطت دفعة قوية لتطوير علاقات تعاوننا المثمر
مع هذا البلد الأسيوي العريق.
وفي نفس السياق، أعطينا توجيهاتنا قصد بلورة مشروع اتفاقية التبادل الحر ما بين أربع
دول عربية متوسطية ترتبط باتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي واتفاقيات ثنائية بشأن
إقامة مثل هذه المناطق فيما بينها، مجسدين بذلك إعلان أكادير» الذي يعتبر خطوة عملية
مفتوحة أمام جميع الدول العربية المتوسطية للدفع بمسلسل الاندماج الجهوي والتأسيس لحوار
مثمر ومتوازن على الصعيد الأورو-متوسطي.
وتنفيذا لالتزاماتنا ، في إطار التعاون المتعدد الأطراف، احتضنت بلادنا وشاركت في عدد
من المؤتمرات الدولية المعنية بالتنمية الاقتصادية المستدامة وحقوق الإنسان.
وإذا كان الهدف الأسمى لديبلوماسيتنا هو جعل المغرب بلدا مستكملا لوحدته الترابية،
وعضوا فاعلا في محيطه الجهوي والدولي، مجسدا لفضائل السلم والتعاون وحسن الجوار
في إطار الاحترام المتبادل، فإن له، كسائر الدول حقوقا ثابتة ومصالح حيوية لا يمكنه
التفريط فيها ، أو التساهل بشأنها مهما كلفه ذلك من تضحيات، وفي مقدمتها الحفاظ على
سيادة الوطن وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة وفي إطار احترام الشرعية الدولية.
لذلك رفضنا ما قامت به الحكومة الإسبانية من اعتداء عسكري على جزيرة ثورة التي
تؤكد الحقائق التاريخية والجغرافية والمستندات القانونية أنها ظلت دوما جزءا من التراب
الوطني تابعا لسيادة المملكة المغربية.
وبقدر تشبثنا برجوع الوضع في هذه الجزيرة المغربية إلى ما كان عليه ، ورفضنا للتصعيد
وفرض الأمر الواقع بالقوة، فإننا حريصون على ضمان السلم والاستقرار وحسن الجوار في
منطقة جبل طارق الاستراتيجية. لذلك ننتظر من إسبانيا توضيح نوع العلاقة التي تريد إقامتها
مع المغرب، بما يستلزمه التطور الذي يعرفه بلدانا وتقتضيه متطلبات الرهانات الحيوية الحالية
والمستقبلية لعلاقاتهما.
وفي هذا السياق، فإن المغرب لم يفتأ منذ استقلاله يطالب إسبانيا بإنهاء احتلالها لسبتة
ومليلية والجزر المجاورة المغتصبة في شمال المملكة ، سالكا في ذلك سبيل التبصر والنهج
السلمي الحضاري الذي يجسده الاقتراح الحكيم لوالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني،
أكرم الله مثواه، بإنشاء خلية مشتركة مغربية إسبانية للتفكير والتأمل لإيجاد حل لمشكل
هذه المناطق المحتلة. غير أننا ، للأسف الشديد ، لم نجد حتى الآن أذانا صاغية من لدن الطرف
الإسباني لتسوية وضع هذه الثغور المغتصبة التي تحولت إلى مراكز لاستنزاف اقتصادنا
الوطني، وقواعد للهجرة السرية ولكل الممارسات غير المشروعة.
هو
أما القضايا الخلافية الاحرى مما
معتاد بين الجيران، فإن المغرب مستعد لتدارسها ،
في إطار نظرة مستقبلية وحوار صريح بين البلدين، تحذوهما في ذلك إرادة بناءة وإيمان بضرورة
إقامة مشاريع تنموية ثنائية في وفاء صادق لميراثنا الحضاري المشترك، والتزام تام بمعاهدة
الصداقة والتعاون وحسن الجوار التي تمليها علينا حتمية التاريخ والجغرافيا وقيم العصـر
ومتطلباته.
شعبي العزيز،
إن احتفالك بعيد العرش المجيد مناسبة لتجديد العهد الصادق الذي التزمت به مع خديمك
الأول، في التحام وثيق وتشبث متين بالعرش العلوي المجيد، وإعراب دائم عن خالص وفائك
وصادق ولائك في تعبئة شاملة وراء خديمك الأول الذي جند نفسه لحماية الوطن والدين وللسير
بك نحو مراقي التقدم والازدهار.
وإننا لنغتنم فرصة هذه الذكرى العطرة لننوه بجميع العاملين بحزم وعزم على إدراك هذا
المبتغى، مشيدين بالساهرين على ما يتطلبه من أمن وطمأنينة واستقرار من قواتنا المسلحة
الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية، مع اعتبار خاص
لقواتنا المرابطة في أقاليمنا الجنوبية، المدافعة عن وحدة التراب والمساهمة في حفظ الأمن
والسلام في جهات من العالم.
وما أحوجنا في غمرة هذه الأحاسيس إلى استحضار التاريخ القريب والبعيد، وما بذله
آباؤنا وأجدادنا الأماجد من تضحيات جسام، بها حافظ المغرب على وحدته وحريته وشيد
حضارته وثقافته، وبها رفع كل التحديات التي كانت تواجهه على مر العهود.
وبهذا الاستذكار المليء بالاعتزاز ، المفعم بالآمال، نتوجه إلى الله تعالى أن ينعم عليهم
بأحسن الجزاء وأوفاه ، ويتغمد الشهداء منهم بواسع رحمته وجزيل مغفرته، ويسكن في جنات
الخلد بطل التحرير جدنا المقدس جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، وباني المغرب
الحديث والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه.
كما ندعوه عز وجل أن يديم الآصرة الوطيدة التي تجمع بيننا متينة قوية، وأن يعيننا
ويسدد خطانا وينجح مسعانا ، حتى ندرك ما نصبو إليه جميعا من تقدم وإصلاح.
ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه».
صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الحمد
بمناسبة عيد العرش المبيد
30 يوليوز 2003
لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
لقد جرت العادة بأن يتضمن خطاب العرش حصيلة وآفاق عمل الدولة، لكن حرصي
على مصارحتك بالوضعية التي تمر بها البلاد دفعني لجعل هذا الخطاب يشكل وقفة وطنية
جماعية تتجاوز التذكير المؤلم للأحداث الإرهابية للدار البيضاء، إلى استخلاص الدروس
والتدبر في تصحيح مسار الأمة.
ومهما تكن فظاعة هذه الجرائم الإرهابية، فإننا نحمد الله تعالى علـى مـا أحاطنا به من
ألطاف ربانية مكنتنا من السيطرة على شبكتها الإجرامية.
وإن اعتزازنا الكبير بإجماعك على إدانة الإرهاب في التحام مكين بعرشك والتزام
بمكاسبك الديمقراطية، لا يعادله إلا تساؤلنا الملح: كيف يمكن تحويل هذه الإدانة من
غضب جماهيري إلى مواجهة عقلانية لكل مظاهر الانحراف؟ وهل قام كل منا بالنقد الذاتي
قام
الكفيل بجعل المصائب مصدر قوة واعتبار لتصحيح الاختلالات؟
إنني من منطلق الأمانة العظمى المنوطة بي في التعبير عن انشغالات الأمة أقول: إننا كلنا
مسؤولون فرادى وجماعات سلطات وهيئات و أحزابا وجمعيات عن البناء الجماعي لمجتمعنا
الديمقراطي الحداثي الذي هو مشروع الأمة بأسرها.
وإدراكا مني بأن تحصينه من مؤامرات أعداء الوطن والدين والديمقراطية لا يكون
ناجعا إلا بالإدراك الواضح لجوهره وأبعاده، فقد ارتأيت أن نقف جميعا عند مرجعياته ووسائل
تحقيقه ومرتكزاته.
أما مرجعيات الملكية الدستورية المغربية، فأكتفي اليوم بالتأكيد على مقوماتها المتمثلة
في الإسلام والديمقراطية.
فمنذ أربعة عشر قرنا، ارتضى المغاربة الإسلام دينا لهم لقيامه على الوسطية والتسامح
وتكريم الإنسان والتعايش مع الغير ونبذ العدوان والتطرف والزعامة باسم الدين. وفي ضوء هذه
التعاليم السمحة شيد أسلافنا حضارة إسلامية ودولة مغربية مستقلة عن الخلافة المشرقية،
متميزة بالعمل في ظل وحدة إمارة المؤمنين وبالسماحة الدينية وبوحدة المذهب المالكي.
فقد تمسك المغاربة على الدوام بقواعد المذهب المالكي المتسم بالمرونة في الأخذ بمقاصد
الشريعة والانفتاح على الواقع، وعملوا على إغنائه باجتهاداتهم، مؤكدين ملاءمة اعتداله
لروح الشخصية المغربية المتفاعلة مع الثقافات والحضارات.
فهل الشعب المغربي القوي بوحدته المذهبية الدينية وبأصالته الحضارية بحاجة اليوم إلى
استيراد مذاهب دينية أجنبية عن تقاليده؟
إننا لن نقبل ذلك، لأن هذه المذاهب منافية للهوية المغربية المتميزة. وسنتصدى لمن يروج
لأي مذهب دخيل على شعبنا بقوة ما تقتضيه أمانة الحفاظ على الوحدة المذهبية للمغاربة،
مؤكدين بذلك حرصنا على صيانة اختيارنا لوحدة المذهب المالكي في احترام لمذاهب الغير
لأن لكل شعب خصوصياته واختياراته.
ولقيام الإسلام على الدعوة للسلم والأمن والوئام ، فقد أدرك المغاربة أن الجهاد في
أسمى معانيه، هو جهاد ضد النفس الأمارة بالسوء وضد الفتنة، كما أنه اجتهاد وتنافس
في العمل الصالح.
وقد تم تحديث هذا الالتزام الديني والتاريخي المستمر طبقا للبيعة الشرعية بتعاقد سياسي
دستوري عصري أجمعت الأمة من خلاله على اعتبار الإسلام دين الدولة، والملك أميرا للمؤمنين.
فهل يقبل المغاربة المتشبثون بهذه المقومات الحضارية والدستورية الراسخة أن تأتي شرذمة
من الخوارج عن الشرع والقانون لتضليلهم باسم الدين؟
كلا، بل أقول بلسانك ، شعبي العزيز إننا لن نقبل أبدا اتخاذ الإسلام مطية للزعامة
باسم الدين أو القيام بأعمال الإرهاب وتمزيق الوحدة المذهبية للأمة والتكفير وسفك الدماء.
وبنفس القوة، فإننا نؤكد أن علاقة الدولة بالدين محسومة في بلادنا في ظل تنصيص
الدستور على أن المملكة المغربية دولة إسلامية، وأن الملك أمير المؤمنين مؤتمن على حماية
الدين وضمان الحريات بما فيها حرية ممارسة شعائر الأديان السماوية الأخرى.
وباعتبار أمير المؤمنين مرجعية دينية وحيدة للأمة المغربية، فلا مجال لوجود أحزاب أو
جماعات تحتكر لنفسها التحدث باسم الإسلام أو الوصاية عليه ، فالوظائف الدينية هي من
اختصاص الإمامة العظمى المنوطة بنا بمساعدة مجلس أعلى ومجالس إقليمية للعلماء، نحن
مقبلون على تأهيلها وتجديدها وتفعيل أساليب عملها.
وبهذا المنظور المتنور لمرجعيتنا الدينية يتكامل الإسلام مع الحداثة، مشكلا رافـدا
أساسيا من روافد المرجعية الكونية، منسجما مع دعامتها الكبرى ، ألا وهي الديمقراطية
التي جعلناها عماد الملكية الدستورية المغربية، وخيارا لا رجعة فيه.
ولأن الانتقال الديمقراطي طريق شاق وطويل يقتضي توفير مناخ الاستقرار والالتزام
واليقظة، فإن أول شرط لتحقيق ذلك هو الدولة القوية بسيادة القانون، القادرة على
ضمان أمن الأشخاص والممتلكات، والتصدي لمن يستغلون توسيع فضاء الحريات للنيل من
سلطة الدولة.
وإذا كنا معتزين بما حققناه من مكتسبات وإجماع حول ثوابت الأمة، فإن الوحدة
الترابية التي جعلناها من مقدساتنا ، واخترنا الحل السياسي التفاوضي لإنهاء النزاع المفتعل
حولها، تقتضي منا الاستمرار في اليقظة والتعبئة حولها، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من كيان
المغرب وهويته.
وعلاوة على الإجماع حول الثوابت والتوافق على حد أدنى من القواعد، فإن ترسيخ
الديمقراطية لن يكتمل إلا بوجود أحزاب سياسية قوية.
وماذا عسى أن تكون قوة الأحزاب، إذا لم تنهض بدورها الفاعل في تأطير المواطنين
وتمثيلهم، وفي مقدمتهم شباب الأمة، والعمل على تعزيز سلطة الدولة، وتوفير مناخ الثقة في
المؤسسات.
وكيف السبيل إلى تحصين مشهدنا السياسي من وجود هيئات قائمة على تقسيم المجتمع
إلى طوائف دينية أو عرقية وأخرى لا هم لها إلا الأغراض الانتخابوية، بدل التنافس على
البرامج الملموسة وتكوين النخب الواعية المسؤولة.
إن انشغالنا الصادق بإعادة الاعتبار للعمل السياسي بمعناه النبيل، يجعلنا نجدد التأكيد
على وجوب التعجيل بإقرار قانون خاص بالأحزاب، تجسيدا لحرصنا الأكيد على تمكينها
من الوسائل الناجعة لتفعيل دورها على الوجه الأكمل.
ويتعين على هذا القانون أن يتوخى تقوية دور الأحزاب في تأطير وتمثيل المواطنين كافة ،
بمنع تكوينها على أساس ديني أو عرقي أو لغوي أو جهوي، كما يجب تمكينها من التمويل
العمومي لأنشطتها بكل شفافية، بما يكفل قربها من الانشغالات الحقيقية للمواطنين واقتراح
البرامج الواقية والحلول الملموسة لمشاكلهم وتعبئتهم في كل القضايا محلية كانت أو وطنية،
في تكامل وانسجام مع منظمات المجتمع المدني.
وفي الوقت الذي تخوض فيه بلادنا استحقاقات انتخابية، وفي مقدمتها انتخاب مختلف
مجالس الجماعات المحلية، فإن أمام أحزابنا السياسية فرصة مواتية لتجسيد المسؤولية
الوطنية في إيجاد مؤسسات قادرة على تحقيق الجانب التنموي والتحديثي لنموذجنا المجتمعي
الوطني، وهذا ما يريده الشعب المغربي الذي لم يعد يقبل ركوب بعض الهيئات في المواسم
الانتخابية لمواضيع أو شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، وليس مستعدا لرهن التحديات
الحقيقية لحاضره ومستقبله بشعارات ماض دفين.
لقد مكن ترسيخنا للمسار الانتخابي من بلوغ بلادنا مرحلة النظام الديمقراطي المعتاد في
إجراء كل اقتراع في موعده القانوني، وإنهاء انشغال الطبقة السياسية فقط بالمواعيد الانتخابية.
بيد أن هذا التقدم سيظل شكليا إذا لم يتم تحصينه بحسم الإشكال العميق التالي:
هل سنتعامل مع الانتخابات على أهميتها كلحظة عادية في حياة الأمة لإعطاء المؤسسات دما
جديدا ونفسا قويا؟ أم سنتمادى في النظر إلى الانتخاب على أنه المعركة الوحيدة الحاسمة؟
وهل سنستمر في تأجيل البت في القضايا المهمة للأمة إلى ما بعد إجراء الانتخاب أو تعليق إنجاز
مشاريع الإصلاح الكبرى بدعوى قرب الاقتراع؟
إن عدم الحسم في هذا الإشكال يضر بالديمقراطية ويغذي ادعاء خصومها بأنها عرقلة
للتنمية. لذلك فإن التزامي بالمصالح العليا للوطن والمواطنين وما يقتضيه من حرص على
استمرار تحقيق مشاريع الإصلاح الكبرى يجعلني أقول باسمك : إني لن أقبل تأخير إنجاز
أي إصلاح وطني بدعوى انتظار إجراء الانتخاب أو ترضية فئة أو هيئة خارجة عن الإجماع أو
التوافق أو الأغلبية.
ما أؤكد أنه مثلما نحن في دولة ديمقراطية تعتز بإجراء الانتخابات في موعدها القانوني،
فإننا أمة عازمة على رفع تحديات التنمية بمشاريع حيوية لا تقبل التردد ولا الانتظار.
لقد انقضى وقت اصطناع الأعذار أو الاختفاء خلف الاعتبارات الانتخابوية لعدم تحمل
المسؤولية. فالديمقراطية الحقة لا تكتمل إلا في ظل الالتزام بمقومات الحكم القويم، وفي
مقدمتها ما يتطلبه من حزم وإقدام ومثابرة على مواصلة الإصلاحات الضرورية.
شعبي العزيز،
لقد انصب حرصنا الأول، منذ اعتلينا العرش، على إعطاء روح جديدة للدولة المغربية
الحديثة التي أرسى أركانها العتيدة والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، قدس الله روحه.
وفي هذا الصدد، أولينا البعد الاجتماعي والاقتصادي مكانة الصدارة في السياسات
العمومية، بتركيز الجهود على المشاريع الأساسية للقضاء على أحياء الصفيح بتوفير السكن
اللائق، وتحقيق التنمية البشرية بالتعليم النافع، وإيجاد التشغيل المنتج بتحفيز الاستثمار
وتحرير المبادرات الخلاقة للثروة، وتقوية التماسك الاجتماعي بتفعيل التضامن.
وتلكم هي المرتكزات الأساسية لمشروعنا التنموي التي جعلنا منها أسبقيات المرحلة
الحالية. وقد سطرنا أهدافها ضمن استراتيجية متكاملة، محملين الحكومة وكل الفاعلين
العموميين والخواص أمانة تجسيدها في برامج ملموسة محددة الوسائل والآمال والمسؤوليات.
فهل كانت المنجزات في مستوى الاستجابة لوضوح التوجهات وأهمية الرهانات والنهوض
الكامل بالمسؤوليات؟
وإذا اقتصرنا على مجال محاربة السكن غير اللائق، ومع إدراكنا لمدى الصعوبات
وتقديرنا للمشاريع المحققة أو المبرمجة، فإننا كنا ننتظر أن تكون حصيلة المنجزات في
مستوى جسامة التحديات المملكة المـ
المملكة المغربية
لقد دق خطابنا لعشرين غشت 2001 ناقوس الخطر منبها إلى خطورة انتشار السكن
الصفيحي والي، لما له من أثر سلبي على كرامة المواطن وما يشكله من تهديد
لتماسك النسيج الاجتماعي، داعيا إلى اعتماد برنامج وطني تضامني مضبوط المسؤوليات،
وبعد سنتين، وبدل أن أعاين خلال زياراتي التفقدية لأقاليم المملكة القضاء التدريجي على
السكن الصفيحي، ألاحظ بمرارة انتشاره في عدة مدن، بل إن أحياء صفيحية قد ظهرت
وتضخمت لتصبح مدنا عشوائية قائمة الذات.
ومثل هذا البناء العشوائي لم ينزل من السماء ولم ينتشر في الأرض بين عشية وضحاها ،
بل إن الكل مسؤول عنه. وذلكم انطلاقا من المواطن الذي يدفع اليوم رشوة لمسؤول قد يأتي
غدا بالجرافة ليهدم (براكته أمامه إلى مختلف السلطات العمومية والجماعات المحلية
المتهاونة في محاربة انتشار مدن الصفيح، بدل التشجيع على توفير السكن اللائق. فهل يجوز
والحالة هذه اعتبار ذلك قدرا محتوما؟
،
إن تشبعنا بالروح الإيجابية يجعلنا نعتبر أن الوضعية، وإن كانت مقلقة، فإنها غير ميؤوس
منها إذا تجندنا لمعالجتها بكل استعجال وحزم، وإلا فقدنا التحكم فيها، تاركين مدننا
تتحول إلى بؤر للإقصاء والانغلاق والحقد والتواكل، بدل أن تكون فضاءات للتضامن
الاجتماعي والإنتاج الاقتصادي والازدهار العمراني والانفتاح الحضاري.
وهذا ما لا أرضاه لبلدي وشعبي الذي أتولى أمانة قيادته ضمن ملكية تستمد قوتها من
تجذرها وقربها من الشعب، ولذلك أحرص على تفقد أحوالك ميدانيا طول السنة، في مختلف
الجهات، لتحفيز المبادرات وتفعيل مشاريع التنمية.
وقد اكتفيت لحد الآن، بتوجيه السلطات العمومية والمنتخبة، كل في نطاق اختصاصه،
لينهضوا بمهامهم كاملة عن قرب، لأنه لا يمكن لملك البلاد أن يقوم بعمل الوزير أو العامل
أو رئيس جماعة محلية، ولأني حريص على ممارسة كل سلطة لصلاحياتها بروح المسؤولية
والفعالية.
ونهوضا بالأمانة العظمى، فإني لن أسمح بالتهاون في القيام بالشأن العام، بحيث
سأحرص على تفعيل كل أشكال المراقبة الصارمة والمحاسبة الحازمة، لأنه إذا كان
كل منا راعيا ومسؤولا عن رعيته، فإن خديمك الأول راع لهذه الأمة ومؤتمن على
شؤونها العامة.
واستشعارا للأهمية القصوى للتعليم النافع في تحرير العقل وترسيخ روح المواطنة لدى
ناشئتنا وتأهيلها لخوض تحديات التنمية والعولمة ومجتمع المعرفة والاتصال، كانت مصادقتنا
على الميثاق الوطني للتربية والتكوين أول القرارات الاستراتيجية التي اتخذناها، مبوئين تفعيله
مكانة الأسبقية الثانية لهذه العشرية بعد القضية المقدسة لوحدتنا الترابية الم
وعلى الرغم من الخطوات الموفقة التي قطعناها في هذا الورش الحيوي الصعب بعد مضي
ثلاث سنوات على الشروع فيه ، فإن غلبة الجانب الكمي فيها وعدم الإقدام على ما يتطلبه
الإصلاح العميق من قرارات جريئة وشجاعة تمس جوهر نظام التربية والتكوين يجعلنا نقول
باسم الأمة : كفى من نظام تعليمي ينتج البطالة والانغلاق.
وإذا كان تحرير كل المغاربة من الفقر المادي يتطلب جهودا لعدة أجيال، فإن بالإمكان
تحريرهم، في أمد منظور ، من الجهل والأمية الفكرية والانغلاق وغيرها من الفقر المعنوي الذي
هو أسوأ أحوال التخلف ولن يتأتى لنا ذلك إلا بالإصلاح النوعي لنظام التعليم، وخصوصا
البرامج والمناهج التي يتعين تنصيب اللجنة الدائمة الخاصة بها المنصوص عليها في الميثاق.
ويجب على هذه اللجنة الانكباب على تجديد هذه البرامج والمناهج ابتداء من الدخول المدرسي
لسنة 2003 بالسرعة والفعالية الكفيلة بتحقيق هذا الإصلاح، بحيث ينبغي ألا يحل الموسم
الدراسي لسنة 2004 إلا وقد نجحنا في رفع هذا التحدي بالشروع في تلقين ناشئتنا تعليما حديثا
وجيدا، وتربية سليمة وصالحة.
لقد بذلت الدولة مجهودا كبيرا لتحسين الأوضاع الاجتماعية لنساء التعليم ورجاله ، وتحفيزهم
على الانخراط القوي في تفعيله. وإننا لنناشد الأسرة التعليمية الالتزام بالأمانة الملقاة على عاتقها
في التربية السليمة لفلذات أكبادنا بروح التجرد واستحضار جسامة المسؤولية عن أعظم استثمار
نخوضه، ألا وهو الاستثمار في تأهيل الطاقات الشابة، المورد المستقبلي للأمة.
ونظرا لأهمية الجوانب التربوية والثقافية في النهضة الشاملة، فإننا نؤكد على الدور
الحيوي للجامعة وللنخبة الفكرية الوطنية في ترسيخ الحداثة، باعتبارها قيمة مضافة لرصيدنا
الحضاري وفي تنشئة شبابنا على التشبع بالوطنية الملتزمة.
وفي هذا الصدد، فإننا ندعو المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي يعبر عن مختلف
مشارب الأمة إلى وضع مشروع ميثاق وطني لحقوق المواطن وواجباته ، وكذا الانكباب على
إعداد الاقتراحات اللازمة لسد الفراغات التشريعية في مجال محاربة كل أشكال العنصرية
والكراهية والعنف.
وبذلكم نجسد ما نتوخاه من تعميق لمواطنة عصرية ، وفية لهويتنا، تنهض بها أسرة
متماسكة وإعلام مسؤول ، نحن عازمون على تأهيلهما لذلك من خلال المضي قدما
في الإصلاح الجوهري لمدونة الأسرة والمشهدنا الإعلامي.
ولأن بلدنا يعرف انتقالا شموليا يتطلب تعزيز قدرات الرصد والتدبر والتوقع، فقد قررنا
إحداث معهد ملكي للدراسات الاستراتيجية ينكب على هذه المهام الحيوية للتحكم والتفاعل
مع التحولات العميقة الداخلية والخارجية.
شعبي العزيز،
إن ديمقراطيتنا ستظل هشة إذا لم تقم على إدارة فعالة وقضاء عادل وعلى اقتصاد
منتج للثروات الموفرة لفرص الشغل النافع لشبابنا.
وإننا لمطالبون ببذل المزيد من الجهود لإنجاز الإصلاحات اللازمة في هذا الشأن، في
نطاق اعتماد مقاربة شمولية تتبوأ التنمية الاقتصادية مكانة الصدارة فيها من خلال مشاريع
استراتيجية مثل المشروع الكبير لطنجة المتوسط.
ولتحقيق ذلك فليس أمامنا إلا مواصلة تحديث وظائف الدولة في توفير مناخ الثقة والاستقرار
وضمان سيادة القانون، والحرص على مهام الضبط والتقويم وتعبئة الطاقات. كما أنه لا
مناص لنا من تحفيز الاستثمار والمبادرة الخاصة بالمزيد من تحرير الاقتصاد وانفتاحه وتأهيله
لكسب رهانات الشراكة ورفع تحديات الإنتاجية والتنافسية والتفاعل الإيجابي مع العولمة.
شعبي العزيز،
لقد أظهر التضامن الدولي الواسع مع بلادنا أثر الجرائم الإرهابية التي استهدفتها مدى
المكانة البارزة التي يحظى بها المغرب لدى المجموعة الدولية، باعتباره نموذجا متميزا للانتقال
الديمقراطي الرزين، وقطبا جهويا مشهودا له بالتمسك بفضائل الحوار والتفاوض والاعتدال
والتسامح، وفاعلا قويا في دعم الأمن والسلام والشرعية والوفاء بالتزاماته الدولية.
ومثلما يجسد التوافد الهائل لرعايانا الأعزاء المقيمين بالخارج على وطنهم، تعلقهم الراسخ
ببلدهم، فإن ارتفاع حجم الاستثمارات الخارجية والداخلية واستمرار وفود السياح
على المغرب، بوصفه وجهة سياحية آمنة وجذابة، يؤكد الثقة العميقة في حاضره
الواثق المعطاء ومستقبله المشرق الواعد
وكما عبرنا بالتزامنا بنموذجنا الديمقراطي عن تصدينا الجماعي للإرهاب والانغلاق
فإننا مدعوون لترسيخ مكانة بلادنا البارزة بمواصلة التفاعل الإيجابي مع التحولات المتسارعة
والمتشابكة للعولمة.
وقدمنا على أن يستفيد المغرب من الفرص التي يتيحها هذا الواقع العالمي الجديد
،
ويتفادى آثاره السلبية المحتملة من خلال جعل سياستنا الخارجية تعمل وفق المنظور الاستراتيجي
للأمن الشمولي الذي تنصهر فيه مختلف الاهتمامات والأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية
والإنسانية والبيئة ، إضافة لتسوية النزاعات التقليدية.
والتزاما بهذا المنظور، دعونا إلى دبلوماسية جريئة ونافذة ، جاعلين من الجوار والتضامن
والشراكة التوجهات الأساسية لعملها الفعال.
ومن هذا المنطلق، فإننا حريصون على تمتين علاقات بلدنا مع جيرانه الأقربين، وفي
مقدمتهم أشقاءنا في الاتحاد المغاربي الذي لا سبيل إلى بنائه على أساس سليم إلا بإيجاد حل
سياسي ونهائي للنزاع المفتعل حول أقاليمنا الجنوبية في إطار سيادتنا الوطنية ووحدتنا الترابية.
وكيفما كان الحال، فإننا نؤكد أن المغرب قد طوى على الصعيد الداخلي استرجاعه
المشروع للأقاليم الجنوبية، وأنه معبأ بكل قواه للدفاع عن وحدته الترابية، كما أنه يؤكد
استمرار تجاوبه مع كل الإرادات الحسنة والمبادرات التوافقية المنصفة للطي النهائي للمشكل
المفتعل حولها.
كما نولي عناية خاصة لجوارنا الأورومتوسطي بالإسهام في التفعيل الأمثل لمسار برشلونة ،
تجسيدا للأمن الشامل بمختلف أبعاده، معربين عن تقديرنا العميق لتجاوب شركائنا في
الاتحاد الأوروبي مع تطلعنا لإقامة علاقة متقدمة معه أقل من العضوية وأكثر من الشراكة.
أما التضامن، فيشمل مواصلة دعمنا لقضايا أمتنا العربية والإسلامية، وفي طليعتها
القضية العادلة للشعب الفلسطيني الشقيق، والالتزام الدائم بإقامة سلام عادل وشامل بالشرق
الأوسط، على أساس مقررات الشرعية الدولية ومبادرات والتزامات الأطراف المعنية، خاصة
منها «خريطة الطريق للرباعي الدولي ومبادرة السلام العربية لقمة بيروت.
كما أن تجاوز عقود من السلبيات والإحباطات لن يتحقق إلا بإعادة توجيه التضامن
العربي نحو الاندماج الاقتصادي وفق إعلان أكادير، وإقامة نظام عربي جديد ومتماسك,
وبنفس الروح التضامنية سنواصل دعم مسار التنمية المستديمة والمساهمة في إخماد بؤر الصراع
باتخاذ مبادرات المصالحة لإحلال السلام في القارة الإفريقية، تأكيدا لانتمائنا العريق إليها أو
على صعيد بلدان الجنوب، نهوضا بالتزامنا كرئيس لمجموعة السبعة والسبعين زائد الصين،
بإقامة علاقات اقتصادية دولية متوازنة ومنصفة لها.
عال المغربية
أما الشراكة التي نحرص على توسيع مجالها الاقتصادي النوعي، فينبغي أن تشكل
توجها فعالا لدبلوماسيتنا سواء مع بلدان الجوار والتضامن أو مع الدول التي نتطلع لإقامة
شراكة معها، وفي طليعتها فضلا عن أصدقائنا في الاتحاد الأوروبي وفيدرالية روسيا
والولايات المتحدة الأمريكية التي نعبر عن ارتياحنا الكبير للتقدم الذي أحرزه مسار إبـرام
اتفاقية للتبادل الحر معها.
شعبي العزيز،
إذا كانت قوى الشر والظلام قد استهدفت ضرب انفتاح المغرب والمساس بنظامه
الديمقراطي وتقاليده العريقة في التسامح الديني، فإن أعمالها الإجرامية لم تنل مطلقا من
عزيمتك الصلبة في تحدي الصعاب وسترمي بها ذاكرة الشعب المغربي الحافلة بالأمجاد
إلى مهملات التاريخ بعد استخلاص كل العبر منها. وفي مقدمة تلكم العبر، التحام العرش
بالشعب الذي يتجلى مداه في الشدائد والمسرات. وهذا ما أكدته، شعبي العزيز، بفرحتك
العارمة بازدياد ولي عهدنا صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن ، ضاربا أروع الأمثلة على
تشبثك الراسخ بنظامك الملكي الدستوري وعلى الالتحام المكين بين العرش والشعب الذي
هو من نعم الله الكبرى على هذا البلد الأمين، وهو ما جعل أسرتنا الملكية تعيش في قلب
الشعب المغربي مثلما يعيش الشعب المغربي في قلب هذه الأسرة، ولا سيما في وجدان خديمك
الأول، ملكك الضامن لدوام الدولة واستمرارها المؤتمن على سيادتها ، الساهر على أمنك
واستقرارك وتقدمك.
،
والله العلي القدير ندعو أن يجعلنـا علـى هـدي أسلافنا الميامين في حرصهم على صيانة
وحدة المغرب وحريات أبنائه وأمنهم وكرامتهم ، وفي طليعتهم جدنا ووالدنا المنعمان الملكان
محمد الخامس والحسن الثاني قدس الله روحيهما. كما نترحم على شهدائنا الأبرار الذين
بذلوا أرواحهم في سبيل أن يعيش المغاربة في وطن حر، موحد وراء قيادته الساهرة على عزته
وازدهاره.
ويطيب لنا في هذا اليوم الأغر، أن نشيد بما تتحلى به قواتنا المسلحة الملكية والدرك
الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية، من يقظة وتعبئة في سبيل الحفاظ
على الأمن والاستقرار، ولا سيما تلك المرابطة في أقاليمنا الجنوبية، ونجدد بهذه المناسبة
الغالية تأكيد عزمنا الراسخ على تمكينها جميعا من الوسائل المادية والبشرية والقانونية
للقيام بواجبها على الوجه المطلوب في حفظ الحوزة الترابية وأمن الأشخاص والممتلكات.
كما نسأله تعالى أن يديم الأواصر المتينة الجامعة بيني وبينك رصيدا لا ينفذ، يعبئ
طاقاتك في المسيرة التي تخوضها بقيادتنا ، للبناء الجماعي لمغرب الوحدة والديمقراطية
والتقدم ضارعا إليه جلت قدرته أن يصلح لي ولكم أبناءنا وبناتنا ، ويعيننا على أن نوفر لهم
مستقبلا أفضل إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2004
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
«الحمد
شعبي العزيز،
لقد ارتأينا ، ونحن نخلد في هذا اليوم الذكرى الخامسة لتحملنا أمانة قيادتك ألا يكون
خطاب العرش لهذا العام مجرد حصيلة لما حققناه من منجزات على أهميتها ، بل نريده رؤية
مستقبلية للمضي قدما في توجهنا الاستراتيجي لبناء مغرب موحد ، ديمقراطي ومتضامن منفتح
ومتقدم، مغرب يعيش في انسجام وتفاعل مع عصره باذلا كل ما في وسعه لتحقيق الازدهار
لأبنائه، وفيا لجيرانه وشركائه مساهما في توطيد الأمن والسلم في محيطه الجهوي والدولي.
ولبلوغ هذا الهدف الأسمى الذي يتطلب استمرارية تتجاوز المدة الزمنية للانتداب البرلماني أو
الحكومي، المرتبط بضوابط دستورية واستحقاقات سياسية محددة، لا بد من وضع جدولة
عقلانية، لبلورته في برامج كبرى، تعتمد الأسبقيات الملحة، وفق الإمكانات المتاحة.
وقد تولينا، منذ اعتلائنا العرش، ووفاء للبيعة الوثقى، المجسدة للعهد المتبادل بيننا .
تحديد التوجهات الكبرى لمشروعنا المجتمعي الديمقراطي التنموي، على أن تقوم المؤسسات
الدستورية، والهيئات السياسية، والقوى الحية في البلاد ، بتجسيد هذه التوجهات على أرض
الواقع، من خلال برامج مضبوطة في أهدافها، ووسائل تمويلها، وآماد إنجازها وتقييمها.
وانطلاقا من ذلك، فإن مجهودات المغرب يجب أن تنصب خلال الخمس سنوات القادمة
باعتبارها موعدا لعدد من الاستحقاقات الهامة، على سبعة محاور رئيسية وهي: إيجاد حل
نهائي لقضية الصحراء، وتحصين الانتقال الديمقراطي، والإسراع به قدما إلى الأمام، وترسيخ
مبادئ المواطنة الملتزمة عبر استكمال ميثاق التربية والتكوين وإصلاح الحقلين الديني
والثقافي ووضع عقد اجتماعي جديد، والنهوض بالتنمية القروية وبالقطاع الفلاحي، وبناء
اقتصاد عصري منتج ومتضامن وتنافسي ، لكسب الرهانات الحيوية للعولمة والتبادل الحر،
وتعزيز مكانة بلدنا ، كقطب جهوي وفاعل دولي في عالم يعرف تحولات حاسمة ومتسارعة.
شعبي العزيز،
ستظل أسبقية الأسبقيات بالنسبة للمغرب، إيجاد حل سياسي نهائي ومتفق عليه، بالنسبة
للخلاف المفتعل حول صحرائنا . ولن ندخر جهدا مع الأمم المتحدة والدول المجاورة، وغيرها
من شركاء المملكة من أجل بلوغ ذلك ، عبر تمكين أقاليمنا الصحراوية، من اختصاصات
واسعة للتدبير الديمقراطي لشؤونها الجهوية، في إطار احترام سيادة المملكة، ووحدتها الترابية
والوطنية، ومقدساتها وثوابتها . ويندرج هذا الحل السياسي ضمن منظور جيو-استراتيجي
واقتصادي، تستعيد المنطقة الجنوبية بفضلهما دورها التاريخي، بصفتهـا فضـاء حيويـا
للمبادلات الاقتصادية والعلاقات الإنسانية، في مناخ يسوده الوئام والأمن، خدمة لسكانها ،
ولكل شعوب جيراننا وشركائنا ، وتحقيقا للازدهار المشترك، المبني على الاندماج الاقتصادي
المغاربي، باعتبار ذلك الوسيلة الناجعة، لضمان استقرار المنطقة وأمنها ورخائها.
كما أن هذا الحل يجسد حرصنا الأكيد على تحصين الانتقال الديمقراطي،
والسير به قدما، بصفة لا رجعة فيها. وإننا لنعتبر هذا الانتقال الهادف إلى التحديث
الديمقراطي، ورشا مفتوحا ، وبناء متواصلا حققنا فيه مكاسب أساسية بمصداقية
الانتخاب الحر للمؤسسات وتوسيع فضاء المشاركة والحريات العامة، وتحديث وتوطيد
استقلال القضاء والنهوض بأوضاع المرأة، وإقرار مدونة متقدمة للأسرة وغيرها من
الإصلاحات المؤسسية العميقة.
لمملكة المغربي
وإدراكا منا بأن أي إصلاح رهين بتأهيل الفاعلين والهيئات، فإنه ينبغي الانكباب، في
إطار من التشاور، على إعداد قانون للأحزاب السياسية ، لتأهيلها للقيام بدورها الدستوري،
في تمثيل وتأطير المواطنين، وتأهيل نخب للمشاركة الديمقراطية، وخدمة الصالح العام،
تكون صلة وصل قوية بين الدولة والمواطن في تكامل مع تشجيع المبادرات الميدانية للمجتمع
المدني. وإننا لحريصون على تقوية الهيئات السياسية، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد ،
بما يكفل انبثاق مشهد سياسي قائم على أقطاب قوية، متمايزة في رؤاها الواضحة. وهذا
ما يجعلنا نتساءل : هل سننتظر عشية الاستحقاق الانتخابي لسنة 2007 للبحث عن تراض
صوري ومرتجل، من شأنه أن يكرس بلقنة الخريطة السياسية ؟ كلا. لذلك ندعو الطبقة
السياسية إلى تحمل مسؤوليتها، في جعل انتخابات 2007 تشكل منعطفا هاما، لإعطاء دفعة
قوية ونوعية للمسار الديمقراطي، وبروز فضاء سياسي جديد، يتسم بأغلبية متماسكة،
ومعارضة بناءة ، تتنافسان وتتناوبان ، بحسب نتائج الاقتراع، على حسن تدبير الشأن العام، من
خلال نخب متجاوبة مع عصرها، لا تختزل نفسها في اليمين أو اليسار، وإنما تجعل من الحكم
القويم، المحك الحقيقي، لممارسة العمل السياسي، بمفهومه النبيل.
وبما أن إصلاح الفضاء السياسي سيظل ناقصا بدون استكمال الإصلاح الشامل للمشهد
الإعلامي، لترابطهما العضوي في دمقرطة الدولة والمجتمع، فإننا عازمون على مواصلة
الإصلاحات الأساسية للمشهد الإعلامي الوطني، بما في ذلك إيجاد قانون منظم لاستطلاع
الرأي، منتظرين من الحكومة العمل على انبثاق مؤسسات إعلامية مهنية، حرة ومسؤولة،
بما في ذلك تمكين قطاع الصحافة المكتوبة، بتشاور وتعاقد مع مختلف الفاعلين من هيئة
مهنية تمثيلية تسهر على تنظيمه وضبطه قانونيا وأخلاقيا وتحصينه من الممارسات المخلة
بنبل رسالته.
فمنظورنا للإصلاح المؤسسي يستهدف عقلنة وتجديد المؤسسات، على درب توطيد
دعائم دولة عصرية، وترسيخ ثقافة المواطنة التي تتلازم فيها حقوق الإنسان بواجباته
وبأجهزة حمايتهما من التجاوزات المنافية للقانون. بيد أن المواطنة الفاعلة لن تستقيم إلا
بالتنشئة الصالحة المرتكزة على الأركان الثلاثة المتكاملة للعقيدة السمحة والثقافة
المنفتحة والتربية السليمة.
وإذا كنا قد قطعنا تقريبا نصف الطريق في تفعيل العشرية الوطنية للتربية والتكوين
وفتحنا أوراشا هامة وسجلنا تقدما لا يستهان به هذا المجال الصعب، فإنه يجب تكريس
السنوات الخمس المتبقية لتدارك التعثر في هذا الإصلاح الحيوي بتعبئة كل الجهود
لاستكمال الإصلاح الكيفي لا الكمي فقط، لمنظومتنا التربوية، وتبويء المدرسة المكانة
التي تستحقها في المجتمع. وفي هذا الصدد، قررنا تنصيب المؤسسة الدستورية للمجلس الأعلى
للتعليم، ليتولى ، في تركيبة تجمع بين التمثيلية والتخصص، المهام المنوطة به، كقوة اقتراحية
وتقويمية قارة ومتجردة للإصلاح العميق والمستمر لمنظومة التعليم، مشيدين بما أنجزته
اللجنة الوطنية الخاصة للتربية والتكوين من عمل رائد في هذا الورش المصيري، بروح
وطنية وتبصر وإقدام، منتظرين من هذا المجلس مواصلة جهودها المخلصة، في تفعيل هذا
الإصلاح الحاسم، ليأخذ مساره الصحيح، وسرعته القصوى.
«
كما أننا مصممون على مواصلة التفعيل الأمثل لإصلاح الشأن الديني، لترسيخ قيم ديننا
الإسلامي الحنيف، والحفاظ على وحدة المذهب المالكي، مع اعتماد اجتهاد منفتح، يتماشى
مع مستجدات العصر، تحصينا لأجيالنا من التيارات الدخيلة والهدامة. وإن إصلاح الحقل
الديني، لا يستهدف فحسب التكامل مع الحقلين التربوي والثقافي، وإنما ينبغي أن يشمل
كذلك إصلاح الحقل السياسي الذي هو مجال الاختلاف الديمقراطي. وهو ما يقتضي أن
يكون العمل السياسي بعيدا عن إقحام الدين فيه، لقدسية مبادئه المنزهة عن نوازع التفرقة،
بسد الطريق أمام توظيفه السياسوي المغرض. فالسياسة والدين في نظام الملكية الدستورية
المغربية لا يجتمعان إلا في الملك أمير المؤمنين حريصين في تقلدنا لهذه الأمانة العظمى، على أن
تزاول السياسة، في نطاق المنظمات والمؤسسات والفضاءات الخاصة بها، وأن يمارس الشأن
الديني داخل المجالس العلمية، والهيئات المؤهلة ، والمساجد وأماكن العبادات، في ظل احترام
حرية ممارسة الشعائر الدينية التي نحن لها ضامنون.
وبموازاة ذلك، فإننا ندعو إلى إيلاء الثقافة، بمفهومها الحضاري، المكانة اللائقة بها،
باعتبارها ركنا أساسيا في توجهنا الاستراتيجي، الرامي لتمكين المغرب من مشروع ثقافي
هادف، في مناخ من الحرية، المشجع على الإبداع والابتكار، المجسد للتنوع، والتفاعل بين
الثقافات الجهوية والوطنية والكونية.
وفي عصر يعد الاستقرار والتطور الديمقراطي، محفزا أساسيا للاستثمار، فإنه يتعين
علينا توظيف ما حققناه من مكاسب في هذا الشأن، لصالح تنمية مستدامة بوتيرة عالية.
وإن حرصنا على الحفاظ على التوازنات الكبرى، تعزيزا للثقة والمصداقية اللتين يحظى بهما
المغرب لدى شركائه ، من مؤسسات مالية دولية ومستثمرين في ظرفية دولية صعبة، لا
يعادله إلا تأكيدنا لأهمية البعد الاجتماعي، ولتعبئة المصادر الوطنية لتمويل مشاريعنا التنموية
على غرار صندوق الحسن الثاني للتنمية، والتعريف بما يضمنه المغرب من شروط الاستقبال
والجاذبية، للمقاولات التي تبحث عن محيط ملائم للاستثمار.
وإدراكا منا بأن بناء اقتصاد عصري رهين بإيجاد التجهيزات الأساسية، باعتبارها
دعامة للتحديث الاقتصادي والإقلاع التنموي، وأساسا للشراكة المثمرة، والتبادل الحر،
والتفاعل الحضاري، فإن إنجاز مشروعنا الاستراتيجي، يتطلب الإسراع باستكمال مختلف
البنيات التحتية، ولا سيما منها الشبكات الطرقية، سواء لفك العزلة عن العالم القروي،
أو إنجاز البرنامج الوطني الطموح للطرق السيارة، وخصوصا منها الرابطة بين شمال المغرب
وجنوبه ( طنجة – أكادير) عبر مراكش، وبين شماله الغربي وشرقه (فاس – وجدة) عبرتازة.
،
وإننا لنشيد، في هذا الصدد، بالنهج القويم الذي يسير عليه إنجاز المشروع الكبير لطنجة
المتوسط الذي يجب أن نعتبره نموذجا يحتذى في سواه من المشاريع الكبرى. هدفنا في ذلك
تمكين كل جهات المملكة ، من الاستثمار الأمثل لمؤهلاتها الغنية في مجال التنمية الجهوية،
والاندماج في النسيج الاقتصادي الوطني، مما سيعمق انتماء المغرب لفضائه الأورو-متوسطي،
ولمحيطه المغاربي والإفريقي والعربي، حتى يصبح قطبا محوريا وشريكا فاعلا في المبادلات
الدولية، مندمجا في الاقتصاد العالمي.
وتلكم سبيلنا لبناء اقتصاد خلاق للثروات وفرص للشغل لفائدة الشباب المغربي
جاعلين من مؤهلاتنا الطبيعية والحضارية، رافعة قوية للنهوض بقطاع السياحة، باعتباره من
مقومات التنمية والانفتاح.
ولكون العالم القروي، هو الأكثر معاناة للعجز الاجتماعي، فإن التأهيل الشامل
لاقتصادنا الوطني، لن يتم إلا باستراتيجية ناجعة للتنمية القروية، المبنية على تحويل القطاع
الزراعي التقليدي، إلى فلاحة عصرية ومنتجة.
لذلك ينبغي نهج سياسة فلاحية جديدة، توطد ما حققه المغرب من تجهيزات ومنجزات،
وتعتمد الاستثمار الأمثل لخصوصيات تربة كل جهة للرفع من الإنتاجية في الزراعة، والصناعات
الفلاحية الأنسب لمؤهلاتها وثرواتها الطبيعية، مستشعرين مدى إكراهات البيئة، وندرة الموارد
المائية، وزحف التصحر. وسيظل إصلاح القطاع العمومي يتصدر اهتماماتنا. وبرغم ما عرفه
هذا القطاع من تطور، فإنه لم يصل بعد إلى تحقيق التطلعات الكاملة لمواطنينا ، والاستثمار
الأمثل لكل القدرات التي تزخر بها بلادنا . لذا ، يتعين إصلاح التدبير العمومي وعصرنة
أجهزة الدولة، وعدم تمركزها، باعتماد خطة طموحة وجريئة، لتحديث القطاع
العام، وإيجاد إدارة ذات موارد بشرية مؤهلة، قائمة على الاستحقاق، والجاذبية
والتنافسية، وترشيد الإنفاق العمومي، وتخليق الحياة العامة.
ولن يأخذ الإقلاع الاقتصادي وتيرته القصوى بدون توفير المناخ الاجتماعي المشجع على
الاستثمار والتشغيل. لذا، فإننا ندعو إلى إيجاد عقد اجتماعي جديد ينبثق عن تشاور واتفاق
بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين. وينبغي أن يأخذ هذا العقد صيغة ميثاق يرتكز
على مجموعة تدابير شمولية ومتكاملة تتضمن الالتزام بسلم اجتماعي وتعزيز إصلاح مدونة
الشغل بتنظيم حق الإضراب لوضع حد لممارسته غير المقننة التي تزج بالاقتصاد الوطني في
دوامة الإضراب العشوائي الذي يفضي إلى الإضراب المضاد عن الاستثمار والنفور منه. كما
يجب تفعيل وتوسيع الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، ومكافحة كل أشكال الفقر
والإقصاء، وترسيخ التضامن بين الأجيال باتخاذ التدابير اللازمة والمستعجلة لإنقاذ مستقبل
أنظمة التقاعد ، قبل فوات الأوان، وتوفير شروط الحياة الكريمة، بإيجاد سكن محترم
للمواطنين والقضاء، طبقا لتوجيهاتنا ، على أحياء الصفيح وعلى السكن غير اللائق. ولأن
توجهنا الاستراتيجي لبناء مغرب التقدم يشمل جميع المواطنين، حيثما كانوا ، ولا سيما منهم
المقيمين بالخارج، فقد دعونا، منذ اعتلائنا العرش، إلى سياسة جديدة في مجال الهجرة
تساير التحولات البنيوية المتسارعة التي تعرفها جاليتنا بالخارج وتستجيب لتطلعات مختلف
أجيالها وطموحاتها لتنمية المغرب وتحديثه وإشعاعه الخارجي، سياسة شمولية متعددة في
أبعادها المؤسسية والديبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، متكاملة ومتناسقة في
عمل الأجهزة المكلفة بها، متنوعة في صيغ مساهمة جاليتنا بالخارج في كل مجالات الحياة
الوطنية. وفي هذا السياق، فإننا بصدد دراسة أفضل السبل لضمان مشاركة ناجعة وذات
مصداقية لجاليتنا بالخارج في كل مؤسسات وفضاءات بناء المجتمع الديمقراطي التنموي.
وسنحرص على أن يتم ذلك في إطار من التشاور المثمر ، مواصلين جهودنا للنهوض بأحوال
هذه الفئة العزيزة من شعبنا الوفي، بمقاربة اندماجية تستهدف تقوية التضامن بين جميع
المواطنين في الداخل والخارج، ليساهم كل من موقعه في خدمة وطنه المحتاج إلى كل أبنائه،
باعتباره نموذجا للتشبع بالقيم الإسلامية والكونية، من إخاء وتسامح واعتدال، واثقين بأن
المغاربة بالخارج سيظلون خير مجسد للتفاعل الإيجابي بين مختلف الحضارات والثقافات.
شعبي العزيز،
إن وسيلتنا لبلوغ هذه الأهداف الكبرى هي الحكم القويم الذي تتكامل فيه السياسة
الداخلية، القائمة على تعبئة كل إمكاناتنا الذاتية، مع سياسة خارجية قادرة على التفاعل
مع التحولات الدولية المتسارعة. وذلك بالاستثمار الأمثل للتطور الديمقراطي للمغرب ورصيده
الحضاري، وموقعه الجيو-استراتيجي المتميز، كشريك دولي وقطب جهوي، لحسن الجوار
والاعتدال والتسامح. ولتحقيق ذلك، فإننا حريصون على بلورة مفهومنا للديبلوماسية الفاعلة،
الرسمية منها والموازية، المرتكزة على البعد الاقتصادي والأمن الشامل المتحركة في الدوائر
الرئيسية الثلاث، للجوار والتضامن والشراكة. ديبلوماسية متجددة الهياكل، وملتزمة
بالحوار والشرعية الدولية كوسيلة فعالة للمكافحة الجذرية للكراهية والتطرف والإرهاب
ولانتشار أسلحة الدمار الشامل، حيثما كانت، والنضال مع دول الجنوب من أجل تحقيق
التنمية المستدامة، في إطار الاندماج الإقليمي والانخراط الإيجابي في عولمة ذات بعد إنساني
وإيجاد نظام عالمي جديد أكثر توازنا وإنصافا .
المغربية
ففيما يخص علاقاتنا بجوارنا المباشر، نؤكد عزمنا الصادق على إعطائها انطلاقة
جديدة، لا سيما مع الجزائر الشقيقة، وذلك بتفعيلها وتنقية أجوائها تجسيدا لطموح شعبينا
إلى بناء مستقبل يطبعه التضامن والإخاء. وفي نفس السياق، نؤكد إرادتنا الثابتة على الرقي
بمستوى العلاقات المتميزة مع موريتانيا الشقيقة التي نوليها مكانة خاصة، مجددين عزمنا
الراسخ على العمل الجاد، بالتشاور مع تونس وليبيا الشقيقتين، لتفعيل بناء الاتحاد المغاربي
في إطار من الوضوح والالتزام والمصالح المشتركة واحترام سيادة الدول الأعضاء ووحدتها
الترابية، بما يجعل من هذا الاتحاد فضاء للديمقراطية والتقدم والاستقرار والازدهار وقوة
تفاوضية استراتيجية في محيطه الأورو-متوسطي، ومع التكتلات الإقليمية والدولية.
وبنفس الحزم والعزم، فإننا لم نفتأ نجعل قارتنا الإفريقية في صدارة سياستنا الخارجية،
مكرسين جهودنا لتعزيز علاقاتنا مع كافة بلدانها الشقيقة، ولا سيما منها الأقل نموا ،
عاملين على المساهمة في إنجاح مبادرة (النيباد ) والمشاركة في العمليات الأممية، لحفظ الأمن
والسلام والاستقرار في منطقة الساحل وقارتنا الإفريقية بأسرها.
وبالنظر لكون منطقة غرب إفريقيا والساحل تمثل امتدادا طبيعيا لجوار المغرب، فقد
حرصنا ، من خلال زيارتنا الأخيرة لخمسة من بلدانها الصديقة على تجسيد ما تحظى به من
مكانة خاصة، ضمن رؤيتنا الاستراتيجية، بحكم الروابط الحضارية العريقة التي تجمعنا
بها، والتي نسعى لتوطيدها بالمزيد من التعاون والتكامل الاقتصادي، والتضامن الفاعل
لمواجهة المخاطر التي تهدد أمنها واستقرارها.
أعضائه،
وعلى مستوى آخر، فإننا مرتاحون للتطور النموذجي الذي تشهده العلاقات الاستراتيجية
المتعددة الأبعاد، مع الدول الأوروبية المجاورة. وفي هذا الصدد، فإننا نعتز بعلاقات الشراكة
النموذجية والراسخة والمتجددة التي تجمعنا بفرنسا. كما أننا عازمون على فتح صفحة جديدة
في علاقاتنا مع المملكة الإسبانية التي نتقاسم وإياها رصيدا تاريخيا وحضاريا ، يزخر بمؤهلات
واعدة، جديرة بالرقي بها إلى المستوى المتميز لعلاقة استراتيجية بين بلدين تجمعهما الشراكة
وحسن الجوار. كما نشيد بالتطور الكيفي الذي عرفته علاقاتنا مع باقي الدول الأوروبية،
في التزام بسياسة القرب الجغرافي والتاريخي مع الاتحاد الأوروبي الذي نشاطر جميع
نفس انشغالات الحفاظ على الأمن والسلم والاستقرار وتحقيق التنمية المشتركة. وإننا نعتبر
أن إعطاء مدلول ملموس للجوار والمصيرنا المشترك، ينبغي أن يمر عبر الارتقاء بشراكتنا إلى
وضعية متقدمة، متجاوبة مع سياسة الاتحاد الأوروبي، ومنصفة للجهود التي بذلها المغرب، في
مجال الإصلاحات الاقتصادية وترسيخ الديمقراطية، مستحضرين البعد الإنساني والحضاري
في علاقاتنا بأوروبا ، وغيرها من شركائنا ، خاصة من خلال تواجد جالية مغربية ، تحظى
بكامل عنايتنا واهتمامنا
،
وسيواصل المغرب القيام بدوره في الدفاع عن القضايا المصيرية والمصالح العليا للبلدان
العربية والإسلامية وسيلتنا إلى ذلك العمل على تغليب نهج الحوار والتفاوض على منطق
المواجهة والعنف. وهو ما يقتضي انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة، والعمل
على التطبيق الفوري لخارطة الطريق، كمرحلة في اتجاه إيجاد سلام عادل ودائم وشامل،
يضمن حقوق جميع شعوب المنطقة، بما فيها الشعب العراقي الشقيق في السيادة والحرية،
والاستقرار والازدهار، ويكفل إقامة دولة فلسطينية تتوفر على كل مقومات الاستمرار،
عاصمتها القدس الشريف، تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل. وبصفتنا رئيسا للجنة القدس،
فإننا سنواصل عملنا الدؤوب من أجل الحفاظ على هوية هذه المدينة المكلومة، كمهد ورمز
للتعايش والتسامح بين أبناء الديانات السماوية. كما نشدد على ضرورة تمتين التضامن
العربي والإسلامي وتحديث هياكله وآلياته ، لتأهيله كي يحقق التطور الديمقراطي والاندماج
الاقتصادي المنشودين
وضمن رؤيتنا الشاملة لانفتاح المغرب على العولمة ، تندرج سياسة الشراكة والتبادل
الحر، وإبرام الاتفاقيات التفضيلية التي ينهجها ،المغرب، في سياق تأهيل اقتصادنا ، وتكريس
الاختيارات الاستراتيجية لبلدنا وبقدر ما نعتز بتمتين شراكتنا الاستراتيجية مع الولايات
المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، فإننا عازمون على تطوريها وتنويعها وتوسيعها لتشمل،
علاوة على شركائنا في إعلان أكادير، أصدقاءنا كروسيا والصين والهند وكندا واليابان
التي تربطنا بهم منذ أمد طويل، علاقات متينة مبنية على التقدير المتبادل، والمصالح
المشتركة.
وكما نجح المغرب في اجتياز المنعطفات الحاسمة، فإني واثق أنك ، شعبي العزيز، ستعرف
كيف تعبئ قواك الحية لرفع كل التحديات، وكسب رهانات هذه المرحلة الهامة، ملتحما
بقيادتنا في مواصلة السير على النهج القويم، لجدنا ووالدنا المنعمين جلالة الملكين محمد
الخامس والحسن الثاني، طيب الله ثراهما ، وأحسن جزاءهما ، عن جليل أعمالهما، لبناء مغرب
الحرية والديمقراطية، والوحدة والتقدم. كما نترحم على الشهداء الأبطال الذي استرخصوا
أرواحهم في سبيل حرية الوطن ووحدته وسيادته، مشيدين بجهود قواتنا المسلحة الملكية،
والدرك الملكي، والأمن الوطني والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، ولا سيما القوات المرابطة
في أقاليمنا الجنوبية ، الساهرة تحت قيادتنا ، على وحدتنا الترابية، مؤكدين حرصنا على
تمكين أجهزتنا الأمنية من كل الوسائل القانونية والمادية والبشرية، لتنهض بدورها الفعال
في الحفاظ على الأمن والاستقرار، في ظل سيادة القانون.
وإن خديمك الأول ليعاهد الله ويعاهدك، على أن نظل ساهرين على صيانة المقدسات
والثوابت، مسلحين بالثقة في بلدنا، والإرادة الراسخة في صنع مستقبلنا، وإنجاز ما رسمناه
من توجهات استراتيجية، يعتبر الانتقال الديمقراطي فيها الوسيلة الناجعة ليأخذ الإقلاع
الاقتصادي وتيرته القصوى، بنمو قوي ومستمر في مجتمع متوازن ومتضامن، تقوم فيه كل
الفئات الاجتماعية، ولا سيما الوسطى منها ، بدورها الفاعل في التحفيز على قيم المبادرة
والابتكار، والمواطنة الملتزمة، مستمدين من الله تعالى القوة والسداد ، للسيربك ومعك، على
هذا المسار الطويل إلى الأمام، بحزم وعزم، وحكمة وإقدام.
،
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
الحمد
بمناسبة عيد العرش المبيد
30 يوليوز 2005
لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
يكتسي احتفالنا بعيد العرش لهذه السنة ، طابعاً متميزاً ، لتزامنه مع الذكرى الخمسين
للاستقلال. لذلك، ارتأيت أن أجعل من خطابي لك اليوم، في الذكرى السادسة لتقلدي أمانة
قيادتك، وقفة جماعية، لاستلهام روح الوطنية العالية التي بفضلها استرجع المغرب سيادته،
ولترسيخ قيم المواطنة المسؤولة، باعتبارها الغاية والوسيلة للنهوض بالأوراش الكبرى،
للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي تعاهدنا على إنجازها، ضمن إجماع شامل حول ثوابت
الأمة وخياراتها الكبرى، مستمدين من الالتحام الوثيق بين العرش والمغاربة الذي شكل
على الدوام، مصدر قوتنا التي لا تنضب عدة لتشييد مغرب الوحدة والديمقراطية والتقدم.
وذلكم هو التحدي الأكبر الذي ما فتئنا نعمل على رفعه بالإصلاحات العميقة المتوالية.
وكما أن لكل بناء ثابت ومرصوص دعائمه ، وأن للدِّين أركانه ، ولكل دولة قوية ركائزها
القومية الخاصة، فإن للمواطنة الكاملة التي تنشدها لكافة المغاربة، مرجعياتها الدينية
والوطنية التاريخية المتمثلة في الإسلام والملكية والوحدة الترابية والديمقراطية.
فالإسلام السني المالكي، المعتدل والمنفتح الذي ظلت إمارة المؤمنين ساهرة على حمايته،
ونقاء عقيدته السمحة ، مع ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، قد شكل عبر العصور،
البوتقة التي انصهرت فيها كل مكونات الهوية الوطنية الموحدة الغنية بروافدها الحضارية
المتعددة. وبقدر تمسكنا بما يميز الملكية المغربية من مشروعية دينية ودستورية، وروح
شعبية ، ووطنية تاريخية، فقد ارتقينا بها إلى ملكية مواطنة، من خلال ما حققناه من تطور
،
ديمقراطي، وعمل تنموي، وتحرك ميداني. ملكية فاعلة تجسد خصوصيات الهوية المغربية،
في تجاوب مع الإرادة الشعبية، والمقومات الحديثة للحكامة الجيدة، وضمان الوحدة والثقة
والاستقرار اللازمة لإنجاز المشاريع الهيكلية، والاختيارات الوطنية الكبرى، بما تقتضيه
من تعبئة واستمرارية، مهما كان توالي انتداب المؤسسات الدستورية.
كما أن تعلقك ، شعبي العزيز أباً عن جد، بوحدتك الترابية، ليُعد جزءاً لا يتجزأ من
وطنيتك العريقة، ومقوما أساسيا للمواطنة العصرية الفاعلة. وهو ما جعل من تشبثك، على
الدوام، بمغربية صحرائك، قضية وجود لا مسألة حدود. وإننا لنشيد بما أبديته، في الآونة
الأخيرة، من إجماع وتعبئة ، وبما أبانت عنه جاليتنا الوفية المقيمة بالخارج، من غيرة وطنية
صادقة، وما تحلت به مختلف السلطات العمومية، المدنية والعسكرية، الأمنية والدركية
والمساعدة ، من يقظة وحزم ورباطة جأش ، والتزام بسيادة القانون في مواجهة المؤامرات
الفاشلة ، للمس برموز سيادتك، واستفزاز شعورك الوطني.
كما ننوه بتصديك، بالتزام وإباء، ورفضك القاطع للمتاجرة السياسوية الانتهازية،
والاستغلال الدنيء للأوضاع المأساوية للأسرى المغاربة، المعتقلين بالتراب الجزائري في خرق
سافر لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.
ومن منطلق التزامه الصادق بمواثيقه في شموليتها ؛ فإن المغرب لن يفرط في أي واحد من
مواطنيه. ولن يكف عن مطالبة المجموعة الدولية، بتحمل مسؤوليتها كاملة في هذا الملف
الذي لن يطوى، بكيفية حقيقية ومنصفة إلا بالكشف عن مصير كل المفقودين، وجبر
أضرار المسرحين ورفع الحصار عن المرحلين الذي يشكلون حالة شاذة في العالم.
فهم لا يعاملون كلاجئين، سواء بمنع المندوبية الأممية السامية المختصة من الإشراف
على مخيماتهم، ومن إحصائهم والتأكد من هويتهم، أو بعدم تمكينهم من حق اختيار العودة
إلى وطنهم الأم المغرب، بكامل حريتهم. وبهذه المناسبة ، نتوجه إلى كافة رعايانا الأوفياء،
المتشبثين بمغربيتهم، والذين يعانون من الحصار الظالم، المضروب عليهم بتندوف، للعودة إلى
أهلهم وذويهم. فالوطن الغفور الرحيم الذي يفتح ذراعيه لجميع أبنائه التائبين، العائدين إلى
حضنه الحليم، يوفر لهم كل شروط المواطنة الكاملة ، والعيش الحر الكريم.
وتأكيدا لتشبث المغرب بالشرعية الدولية، فإننا نجدد الإعراب عن استعداده الدائم
للتفاوض الجاد ، لإيجاد الحل السياسي التوافقي النهائي للنزاع المفتعل حول مغربية صحرائه،
والذي يحظى بدعم المنتظم الدولي، بما يخول أقاليمنا الجنوبية حكما ذاتيا، في ظل سيادة
المملكة ووحدتها الوطنية والترابية.
وإن تمسك المغرب بهذا الموقف الواقعي والمنصف، ليقوم على استراتيجية متعددة الأبعاد.
فعلاوة على تجسيده للتوجه الديمقراطي لبلادنا ، فإنه يأخذ بعين الاعتبار حرصنا على تحقيق
الاندماج المغاربي، على أسس سليمة ومتينة. كما أنه يراعي أمن واستقرار ورخاء شعوب
حوض المتوسط، وكذا بلدان الساحل الإفريقي الشقيقة والصديقة، وتحصين هذه المنطقة
الحساسة ، من الوقوع في متاهة الإرهاب والبلقنة التي لن يستطيع أحد أن يكون بمنأى عن
مخاطرها الوخيمة ، وفتنها الكامنة والمتربصة.
وعملا على إشراك مختلف فعاليات أقاليمنا الجنوبية، في تدبير شؤونها، قررنا إعادة
هيكلة المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، لتمكينه من تمثيلية متوازنة، وذات
مصداقية، تجعل منه قوة اقتراحية، ومؤسسة فاعلة للنهوض بهذه الأقاليم العزيزة علينا ،
والدفاع عن مغربيتها.
وإيمانا منا بأن الديمقراطية تعد من المقومات الأساسية، لقيام مواطنة حقيقية، فقد
عملنا على تطوير مؤسساتها، وتفعيل آلياتها. ومن ثم، أقدمنا على تمكين العائلة المغربية
من مدونة متقدمة ورائدة للأسرة، باعتبارها المنبت الأول ، للتربية على المواطنة الصالحة.
وتجسيدا لتجاوبنا الدائم مع الانشغالات الحقيقية لكل المواطنين، سواء منهم
المقيمون داخل المملكة أو خارجها، ومع تطلعاتهم المشروعة والمعقولة، فقد قررنا،
بصفتنا ملكا – أميرا للمؤمنين، تخويل الطفل من أم مغربية حق الحصول على الجنسية
المغربية.
وبذلكم نؤكد عزمنا الراسخ على تعزيز ما حققناه من تقدم رائد ، بما كرسته
مدونة الأسرة من حقوق والتزامات، قائمة ليس فقط على مبدإ مساواة الرجل والمرأة،
ولكن بالأساس على ضمان حقوق الطفل، والحفاظ على تماسك العائلة، وصيانة
هويتها الوطنية الأصيلة.
وحرصا من جلالتنا على التفعيل الديمقراطي والشمولي لهذا الإصلاح، النابع من
الفضيلة والعدل، وصيانة الروابط العائلية؛ فإننا نصدر توجيهاتنا للحكومة، قصد
الإسراع باستكمال مسطرة البت والمصادقة على طلبات الحصول على الجنسية
المغربية، المستوفية لكافة الشروط القانونية. كما نكلفها أيضا بأن ترفع إلى نظرنا
السامي اقتراحات عقلانية لتعديل التشريع المتعلق بالجنسية وملاءمته مع مدونة
الأسرة، على ضوء تحقيق أهدافها النبيلة المنشودة من قبل كل مكونات الأمة ،
،
وضرورة التنشئة على المواطنة المغربية المسؤولة.
وإدراكا للدور الحيوي الذي تنهض به المدرسة، في تكامل مع الأسرة، لبناء مجتمع
التضامن والإنصاف وتكافؤ الفرص الذي نعمل على ترسيخ دعائمه ، وكذا تأهيل أجيالنا
الصاعدة، لممارسة حقوقها ، وأداء واجباتها، واندماجها في عالم المعرفة والاتصال، فقد جعلنا
في صدارة الإصلاحات الشاملة والعميقة التي نقودها، اعتماد ميثاق وطني للتربية والتكوين.
،
وفي سياق حرصنا الموصول على التفعيل الأمثل له لتنمية مواردنا البشرية التي هي ثروتنا
الحقيقية، سنتولى تنصيب المجلس الأعلى للتعليم الذي وضعنا ظهيره الشريف، لينهض بدوره،
كمؤسسة دستورية، للتشاور والاقتراح البناء، والتوقع، والتقييم الموضوعي، لهذا الورش
الحيوي.
وبموازاة مع ذلك، فإننا عازمون على تقوية الهيئات المكلفة بتأطير وتمثيل المواطنين. وفي
طليعتها الأحزاب السياسية الناهضة بدورها الديمقراطي، في إيجاد نخب قادرة على التدبير
الجيد للشأن العام. هدفنا الأسمى تمكين بلادنا من مؤسسات تمثيلية ذات مصداقية ، منبثقة
من انتخابات حرة ، من شأنها إبراز مشهد سياسي معقلن قائم على أغلبية منسجمة، متوافقة
على برنامج حكومي مشترك، ومعارضة بناءة، كقطبين متنافسين ومتكاملين، في خدمة
المصالح العليا للوطن والمواطنين.
وبنفس الحرص ، تنتظر من المنظمات النقابية والغرف المهنية، المساهمة بدورها الفعال في
تحفيز المقاولات باعتبارها شريكا في نجاحها واستمرارها. كما نشيد بالجهود السخية
التي تبذلها فعاليات المجتمع المدني، لإشاعة روح المواطنة ، وتشجيع الاقتصاد الاجتماعي،
الموفر لشروط العيش الكريم.
ولكون وسائل الإعلام شريكا فاعلا في ترسيخ المواطنة الإيجابية، فإن غيرتنا
الصادقة على حسن قيامها برسالتها النبيلة في تنوير الرأي العام، وترسيخ البناء
الديمقراطي، لا يعادلها إلا حرصنا على أن تكون ملتزمة بضوابط قانونية وأخلاقية
ومهنية، مجسدة للتوفيق بين الحرية والمسؤولية واحترام النظام العام، في نطاق سيادة
القانون، وسلطة القضاء السلطة القضائية
وفي هذا السياق، ندعو بكل إلحاح، الحكومة وكل الفاعلين في هذا المجال، إلى
الإسراع بإخراج المنظومة الجديدة، الكفيلة بإصلاح وتأهيل الصحافة، للنهوض بدورها في
ترسيخ المواطنة المسؤولة، مثلما ساهمت بالأمس في بلورة الروح الوطنية.
كما ننتظر في هذا الصدد، من كل الفاعلين في الحقل السياسي والإعلامي، أن
تنصب جهودهم على تشكيل قوة اقتراحية، للتعبير الموضوعي والنزيه، عن الانشغالات
الحقيقية للرأي العام وتعميق وعيه وتعبئته حول ما يتطلبه كسب معركة المغرب
الأساسية. تلكم المعركة التي لا يجوز اختزالها في مواسم انتخابية، ولا جعلها منطلقا
لحسابات ضيقة أو وهمية.
،
إنها بالأساس المعركة الحقيقية للنهوض بالتنمية البشرية التي ارتأينا مشاطرتك عمق
تصورنا الاستراتيجي لمساراتها الثلاثة.
ذلكم أن اعتزازنا بما حققناه من تقدم في المسار الأول، لتحديث الدولة – الوطنية،
وترسيخ التشبث بهويتها الموحدة ، وبرموز سيادتها، لا ينبغي أن يحجب عنا كون تشييد دولة
المؤسسات يمر حتما عبر الإقرار بحرمة المؤسسات نفسها ، وبأن دولة الحق لا تستقيم بغير
صيانة حق الدولة.
وفي هذا الصدد، فإننا معتزون بما حققناه جميعا على درب بلوغ المقاصد النبيلة، للمصالحة
التي أطلقنا مسلسلها الرائد، سواء مع تاريخ المغرب العريق، بإعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية
التي نؤكد عزمنا الراسخ على مواصلة النهوض بها ، بوصفها مكونا أصيلا للهوية المغربية
الموحدة، أو مع المعاصر منه بالمبادرة الشجاعة لإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة التي لم
تدخر جهدا فيما هو منوط بها ، بالإضافة إلى إعطائنا المصالحة بعدا جغرافيا وعمقا تنمويا ،
بجعل المناطق المحرومة والمهمشة في صدارة اهتمامنا.
بيد أن ما نريده لهذا المسلسل المقدام من طابع شمولي ومواطنة فاعلة، لن يكتمل إلا
بمصالحة المغاربة مع المبادرة الذاتية والاقتصاد والإنتاج. وهو أمر متاح لنا ، بفضل ما نتوفر عليه
من رصيد وطني رائد ، في اختيار الليبرالية واقتصاد السوق، وكذا ما أنجزته بلادنا من بنيات
تحتية حيوية ، كبناء السدود، وتعميم التزود بالماء الشروب، وكهربة العالم القروي. بالإضافة
إلى الاستثمار الموفق لعائدات الخوصصة، من خلال صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية
والاجتماعية، والتقدم الكبير في مجال الأخذ بالتقنيات الحديثة للإعلام والاتصال، فضلا
عن الإشعاع الدولي، والمصداقية المشهود بها للمغرب عالميا.
وبموازاة مع جعل السياحة قاطرة للتنمية ، وقطبا للاستثمار، وجسرا للتفاعل الحضاري،
ونموذجا للقطاعات التي نتوفر فيها على استراتيجية واضحة المعالم؛ فإننا عازمون على مواصلة
إنجاز البرامج الضخمة للسكن اللائق.
وفي هذا الاتجاه، نلح على أن يندرج ذلك ضمن مخططات ،عمرانية، لجعل كل قرية
ومدشر ، مراكز للأنشطة الاقتصادية، المدرة لفرص الشغل والدخل القار، والارتباط بالأرض.
كما نؤكد على تفعيل دور الوكالات الحضرية للارتقاء بمدننا إلى فضاءات للعيش
الكريم، والتآلف والتساكن الإنساني، بدل أن تكون مجرد بنايات متراكمة، مفتقرة
للروح الحضارية.
وبمنظور شمولي، فإننا مصممون على تعميق وعقلنة الجهوية ، لإقامة مناطق مندمجة
ومتجانسة جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. وبنفس العزم، سنمضي قدما في تحقيق
المشاريع الهيكلية الكبرى لطنجة المتوسط، وتوسيع شبكة الطرق السيارة، وتحسين
ظروف ومناخ الاستثمار المنتج. علاوة على ترسيخ ثقافة التضامن، وتعزيز دور المجتمع المدني.
شعبي العزيز،
مهما يكن رصيدنا الإيجابي وطموحنا الكبير، للنهوض بالمسلسل الإصلاحي والأوراش
الواعدة المفتوحة فيه، فإنه يتعين علينا أن نصارح أنفسنا ، وبكل شجاعة ومسؤولية، بأن
المواطنة الحقيقية ، ستبقى ناقصة وصورية وهشة وغير مكتملة، ما لم يتم توطيدها بمضمون
اقتصادي واجتماعي، وتدعيمها بحمولة ثقافية، وتحصينها بروح أخلاقية.
ولذلكم أطلقنا المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ذات العمق الاستراتيجي، والبعد
الجهوي المندمج والطابع التضامني لمحاربة العجز الاجتماعي، والتفاوت المجالي.
وإذا كنا قد شرعنا في تفعيلها ، بتمكينها من الكفاءات البشرية العالية، والموارد
المالية القارة، والوسائل الناجعة فإننا ننتظر من الطبقة السياسية والقوى الحية للأمة التي نشيد
بالتفافها ،حولها، ما هو أهم، ألا وهو الانخراط الفعلي في تجسيدها في برامج ميدانية ملموسة.
بيد أنه لن يتأتى تحقيق التنمية الشاملة إلا بتأهيل وتحديث اقتصادنا، وكسب رهانات
الانخراط في الاقتصاد العالمي والتبادل الحر، لتسريع وتيرة النمو، وتقوية التنافسية
والإنتاجية، وخلق الثروات، بهدف إيجاد الشغل.
،
وفي هذا الصدد، نجدد التأكيد على أننا نعتبر توفير فرص العمل المنتج للشباب، في
– توفير فرص الـ
صدارة انشغالنا ، بالنظر لكونه استثمارا لطاقات، ما أحوج بلادنا إلى سواعدها وعقولها.
وبقدر ما نوجه الحكومة ، إلى أن تواصل إيلاء قضية تشغيل الشباب، أسبقية الأسبقيات،
ندعو الجميع إلى اعتبار أن معالجة هذه المعضلة تستوجب تضافر جهودهم؛ منتظرين منهم
أن يجعلوا من المناظرة الوطنية المقبلة للتشغيل، ليس مجرد لقاء ظرفيا بين فرقاء، منغلقين في
مواقف ضيقة وجامدة، لا تفضي إلا إلى الطريق المسدود، وإنما ينبغي أن تشكل قطيعة مع
الأساليب التقليدية التبسيطية التي برهنت عن عدم جدواها .
،
وبعبارة أوضح، نريدها تحولا عميقا بين شركاء متعاونين، يجمعهم الوعي بالمصير
المشترك، في انفتاح على الحوار البناء، والاجتهاد الخلاق والمبادرة الذاتية والجماعية،
لابتكار الحلول الناجعة، واستكشاف الآفاق الواعدة، مع استحضار الإكراهات الموضوعية.
وفي هذا السياق، فإن التشبع بالمواطنة المسؤولة، يقتضي التوعية بمحدودية الإمكانات
المتوفرة، وبتزايد الحاجيات الملحة، ولا سيما إزاء ما يفرضه ارتفاع فاتورة النفط، والآفات
والكوارث الطبيعية غير المتوقعة من تحملات مادية استثنائية ومنهكة».
،
«ولرفع هذه التحديات، فإنه يتعين على الجميع، أن يتحمل مسؤولياته الكاملة: بدءا
بالدولة التي يجب أن تنهض بدورها الاستراتيجي في الضبط والتقنين، والتوقع والتحفيز
وترشيد النفقات وتحرير القطاع العام، وإعادة هيكلة قطاعات الفلاحة والصناعة
والخدمات. ومرورا بالقطاع الخاص الذي يتعين عليه الانخراط القوي في أوراش التنمية، سواء
بمقاولاته المواطنة التي نشيد بجهودها. أو بتلك التي تعاني صعوبات موضوعية، والتي نؤكد
ضرورة دعمها. ولا سيما الصغرى منها والمتوسطة وانتهاء بوضع حد لاقتصاد الريع، سواء على
صعيد المقاولة أو القطاع البنكي.
،
وسيظل نجاحنا في هذه المسارات، بل وفي كل الإصلاحات التي أطلقناها رهينا
بأخذنا بالحكامة الجيدة، باعتبارها الآلية الناجعة لتحقيق المواطنة المثلى. وفي هذا
الصدد، يتعين على وجه الخصوص، مواصلة إصلاح القضاء ، بكل جدية وحزم،
باعتبار العدالة المستقلة والنزيهة ، عاملا أساسيا لتوفير الثقة، وسيادة القانون اللازمين
لتحفيز الاستثمار والتنمية.
كما يجب الإسراع بتحديث الإدارة، بما يكفل فعاليتها، حتى تجعل من خدمة
الصالح العام، ومن القرب من المواطن شغلها الشاغل. وبموازاة ذلك، نؤكد على وجوب
تخليق الحياة العامة، بمحاربة كل أشكال الرشوة، ونهب ثروات البلاد والمال العام.
وإننا لنعتبر أي استغلال للنفوذ والسلطة إجراما في حق الوطن لا يقل شناعة
عن المس بحرماته. وفي هذا الشأن، نؤكد على الالتزام بروح المسؤولية والشفافية
والمراقبة والمحاسبة والتقويم، في ظل سيادة القانون، وسلطة القضاء، بما هو جدير به
من استقلال ونزاهة وفعالية.
وتلكم سبيلنا لتحقيق المواطنة المغربية البناءة، وتأهيلها للانخراط في منظومة القيم
الكونية، ولا سيما في عالم أصبح قرية صغيرة متميزة بتعدد الفاعلين المؤثرين في توجهاته
المتسارعة والحاسمة.
ولكي يكون لنا حضورنا الوازن في معتركه، فإننا مطالبون بتعزيز انتهاجنا لاستراتيجية
هجومية، من خلال تفعيل الديبلوماسية الموازية، البرلمانية والحزبية والاقتصادية والثقافية،
والإعلامية والجمعوية، وذلك في نطاق خطة متكاملة ومتناسقة، قائمة على ترسيخ ما أقدمنا
عليه من توسيع الدوائر الثلاث لحسن الجوار، والتضامن الفاعل، والشراكة الاستراتيجية ،
وتعميق ارتكازها على التعريف الموصول ، بعدالة وقدسية قضية وحدتنا الترابية، ونهج التسوية
السلمية للمنازعات والاندماج الاقتصادي الإقليمي والتفاعل المثمر مع بلدان الشمال، لإقامة
نظام عالمي أوفر أمناً، وأكثر توازنا وإنصافا ، وأقوى التزاما بالشرعية الدولية، وبالقيم
الكونية السامية، فضلا عن توطيد تعاون جنوب-جنوب ، من خلال مشاريع ملموسة، تلبي
الحاجيات الملحة للسكان، الأكثر خصاصة وتضررا».
وفي هذا الصدد، فإننا إذ نؤكد موصول دعمنا الميداني والفاعل للتنمية البشرية
المستدامة، للبلدان الإفريقية؛ فإننا نشيد على وجه الخصوص، بما أبانت عنه الأطر الطبية
لقواتنا المسلحة الملكية، من تفان في تجسيد تضامننا الإنساني والأخوي النبيل، مع شعوبها
الشقيقة.
وإذا كنا معتزين بما حققناه من مكاسب في المسار السياسي، لترسيخ الدولة العصرية
القوية بالديمقراطية وسلطة القانون، فإنه يتعين علينا العمل على تحصينها وترسيخها.
وبنفس الحرص القوي، يجب أن نضاعف الجهود في المسار الثاني المتعلق بإنجاز الإصلاح
والأوراش الهيكلية، للارتقاء بها من مرحلة الإقلاع إلى طور السرعة القصوى، ومن تراكم
النتائج الكمية إلى جودة التقدم النوعي لتلتحق بقاطرة القطاعات المتطورة. أما المسار
الحيوي للتنمية البشرية والحكامة الجيدة المؤسسية والاقتصادية، فيقتضي منا التعبئة
القوية لكسب رهاناته المصيرية. وذلك بحسن استثمار رصيدنا الوطني الغني، في الالتحام بين
العرش والشعب، وطاقتنا المتجددة، المتمثلة في توجهنا الديمقراطي المتميز؛ باعتبارهما
أمضى سلاح لكسب معركة النهضة الشاملة. وسنسير بإذن الله تعالى، على درب التقدم
،
،
معاً
والإصلاح، لتحقيق ما تتطلع إليه شعبي العزيز من سؤدد وازدهار، إسوة بأسلافنا الميامين،
وفي طليعتهم جدنا ووالدنا المنعمان صاحبا الجلالة الملك محمد الخامس، محرر المغرب،
والملك الحسن الثاني باني دولته الحديثة، خلد الله في الصالحات ذكراهما، واثقين من وعد
الله الصادق، لكل العاملين المخلصين: «إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا». صدق
الله
العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
«الحمد
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2007
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
،
نخلد اليوم الذكرى الثامنة لاعتلائنا العرش في مرحلة تاريخية، حافلة بإصلاحات
عميقة، وقضايا مصيرية. وفي سياق تحولات متسارعة، وتحديات، لا سبيل لرفعها إلا برؤية
شمولية واضحة وبالتخطيط المحكم للأسبقيات الملحة، والاستمرارية في تعزيز ما تحقق
من منجزات. والنهوض بالإصلاحات التي لا مناص منها لبناء مغرب المستقبل. مغرب المبادرات
والإنجازات، والأوراش وكسب الرهانات، مهما كان حجم التحديات. سبيلنا انتهاج المقاربة
الديمقراطية التشاركية، في اعتماد على الذات وعلى مواردنا البشرية التي هي أفضل نعمة
يمكن أن يطلبها الإنسان من خالقه. وإني أخاطبك ، بصفتي أميرا للمؤمنين، مؤتمنا على
قيادتك، بالبيعة والدستور. كما أتوجه إليك ، باعتباري ملكا – مواطنا أستشعر الانشغالات
الحقيقية لكل مغربي ومغربية، من خلال تفقدي الميداني لأحوالهم. وهو ما يجعلني حريصا ،
في نفس الوقت، على التوجهات الكبرى، والانشغالات اليومية للمغاربة قاطبة. ضمن نسق
متكامل من الأسبقيات، لتعزيز الإصلاحات البنيوية المنجزة، وتسريع التفعيل الأمثل لتلك
التي هي في طريق الإنجاز، والنهوض بأخرى جديدة.
شعبي العزيز،
تعرف قضية وحدتنا الترابية منعطفا حاسما ، أفرزته المبادرة المغربية للتفاوض بشأن
تخويل أقاليمنا الجنوبية حكما ذاتيا، في إطار سيادة المملكة، ووحدتها الوطنية والترابية.
وإننا لمرتاحون لموقف مجلس الأمن والأمم المتحدة، في دعمها لمبادرتنا، ووصفها بالجدية
والمصداقية، ولكل رعاية أممية مسؤولة وبناءة للتفاوض الجاد والصادق بشأنها. كما نشيد
بالقوى الفاعلة في المنتظم الدولي، والبلدان الشقيقة والصديقة التي ساندتها. وهو ما جعلهـا
تفرض نفسها على الأجندة الدولية، باعتبارها شكلا ومضمونا نمطا حديثا لتقرير المصير،
مطابقا للشرعية الدولية غير المغلوطة.
ونود التأكيد، باسمك شعبي العزيز على عزم المغرب الصادق على التفاوض الجاد،
،
على أساس أمرين: أولهما أن بلادنا قد شاركت بحسن نية في الجولة الأولى من المفاوضات.
والمغرب على استعداد دائم للتفاوض على الحكم الذاتي فقط، كل الحكم الذاتي، ولا
شيء غير الحكم الذاتي. وثانيهما ، أن الحكم الذاتي المتوافق حوله، لن يكون إلا في إطار
سيادة المملكة المغربية الكاملة والدائمة، غير القابلة للتصرف، والتي لا مساومة فيها.
ووحدتها الوطنية المتلاحمة التي لا تفريط فيها . وحوزتها الترابية غير القابلة للتجزئة. ومهما
يكن مسار المفاوضات شاقا وطويلا، فإن يدنا ستبقى ممدودة إلى كل الأطراف الحقيقية،
المعنية بالتسوية السياسية لهذا النزاع المفتعل لإقناعها بالفرصة التاريخية التي تتيحها. غايتنا
جعلها انتصارا لجميع الأطراف، وللحق والمشروعية ، وفرصة لتغليب روح الأخوة وحسن الجوار،
والوحدة المغاربية.
وإننا لواثقون من كسب مسار تقرير المصير التوافقي، بعون الله ، وبفضل الإجماع الوطني،
بمشاركة جميع الصحراويين دونما إقصاء أو تمييز. داعين كافة رعايانا الأوفياء، أبناء
الصحراء المغربية، المغتربين عن الوطن، أينما كانوا ، ولا سيما المحاصرين بتندوف، للعمل
على توسيع انخراط كل إخوانهم في هذه المبادرة المحققة لمصالحتهم ولم شملهم ، وصون
كرامتهم.
وفي هذا السياق، نتوجه بعبارات الإشادة والتقدير لقواتنا المسلحة الملكية.
ك الـ
المعد
ولا سيما تلك المرابطة بأقاليمنا الجنوبية. مؤكدين لها سابغ رضانا . واعتزاز الشعب
المغربي بصمودها ، وبتضحياتها، في سبيل صيانة وحدة الوطن. وسنظل حريصين على النهوض
بالأوضاع الاجتماعية لكل فئاتها، بما فيها المتقاعدون في القضائية
ولتعزيز التحول الإيجابي الذي أفرزته هذه المبادرة الواعدة، فإننا مطالبون بدعمها
بمبادرات ديمقراطية وتنموية، في إطار استراتيجية شمولية. علاوة على التعبئة الجماعية،
وتمتين الجبهة الداخلية فالمبادرة غرس طيب، علينا أن نتعهده بالرعاية المستمرة. وسيلتزم
المغرب بكل اتفاق سياسي على أساسها مع جميع الأطراف الفعلية.
وكيفما كان الحال، فلن يكون المغرب رهينة لحسابات الغير، بل سيمضي قدماً في
تطوره السياسي. سلاحنا الذي لا تحده قوة، هو رصيدنا الديمقراطي الثمين، والذي يحق لنا
الاعتزاز به كنموذج متقدم في منطقتنا.
وفي هذا السياق، فإن على الجميع أن يجعل من انتخاب مجلس النواب المقبل، موعدا
جديدا لترسيخ الممارسة الديمقراطية المألوفة، وتجسيد إرادتك الحقيقية، وإفراز أغلبية
حكومية ذات مصداقية ومعارضة فاعلة وبناءة ، على أساس برامج ملموسة وهادفة، وليس
شعارات فارغة مبتذلة للإصلاح والتغيير، فمن شأن ذلك أن يفضي إلى مزايدات عبثية،
شعارها : إصلاح الإصلاح وتغيير التغيير
وستجدني شعبي الوفي دوما في مقدمة المتصدين لكل خطاب مشكك في جدوى
الانتخابات والأحزاب الوطنية، وكذا لكل الممارسات المغرضة التي تستهدف مصداقيتها.
فما بلغناه من نضج سياسي، يقتضي نبذ المفاهيم الخاطئة العدمية والتضليلية لحرمة الاقتراع.
فالانتخابات ليست صراعاً حول هوية الدولة أو مقومات نظامها ، من إسلام وسطي منفتح،
،
وملكية دستورية، ووحدة وطنية وترابية وديمقراطية اجتماعية. فتلكم ثوابت تعد محط
إجماع وطني راسخ . ولا وجود لدولة بدون ثوابت ومقدسات. كما أن جوهر الاقتراع، لا يكمن
في التنافس حول الاختيارات الكبرى للأمة التي هي موضع توافق وطني، وعماد التطور
العصري كدولة القانون والمؤسسات والمواطنة القائمة على الالتزام بحقوق وواجبات
الإنسان والليبرالية الاقتصادية، والمبادرة الحرة، والتضامن والعدالة الاجتماعية، والانفتاح
على العالم. وهو ما نحن مؤتمنون على استمراره مهما تغيرت الظرفيات، وذلك في نطاق
منظورنا للملكية المواطنة.
،
وحتى لا تتحول ثوابت الأمة وخياراتها إلى مجرد شعارات؛ فإننا نسجل بارتياح التوجه
الجديد للأحزاب الجادة. وهذا هو الأهم لطرح برامج انتخابية محددة وواضحة.
وذلكم هو المجال الفسيح لجدوى الانتخابات المفتوحة أمام تنافس الهيئات
الحزبية، وتحديد أسبقيات الولاية التشريعية القادمة لحسن تدبير الشأن العام، وفق
الاختيار الشعبي الحر. وهنا أريد التأكيد أن النظام الذي ارتضيناه، هو الملكية
الفاعلة التي لا تختزل في مفهوم أو سلط منفصلة تنفيذية، أو تشريعية أو قضائية.
إنها الملكية المغربية الأصيلة التي عززناها بالمواطنة التنموية، في التزام بمشروعيتها ،
الدينية والتاريخية والدستورية والديمقراطية، ووفاء لكفاحها الوطني، وتضحياتها من
أجل سيادة الوطن ووحدته وتقدمه، وما يميز شعبها وعرشها من تجاوب عميق.
،
ومهما كانت مشروعية الديمقراطية النيابية التقليدية، فإننا نرى من الضروري استكمالها
بالديمقراطية التشاركية العصرية. الأمر الذي يمكننا من الإفادة من كل الخبرات الوطنية
والجهوية والمجتمع المدني الفاعل، وكافة القوى الحية للأمة ومشاربها وتياراتها ، أيا كان
موقعها، والتي لها مكانتها لدى جلالتنا ، ورأيها المحترم في الشأن العام، في نطاق سيادة
القانون ودولة المؤسسات، وهذا ما يشمل القضايا المصيرية للأمة. وفي جميع الأحوال، فإننا
ملتزمون بعرض مقترحاتها على المؤسسات الدستورية والهيئات المختصة، للبت فيها. كما
ننتظر من أحزابنا الوطنية، إبراز نخب مؤهلة لحسن تدبير الشأن العام، والمساءلة
والمحاسبة على حصيلة أعمالها.
ومن هنا أعول عليك شعبي الوفي، في استشعار جسامة المسؤولية الملقاة عليك، في حسن
اختيارك لممثليك، من خلال انتخابات نزيهة، سيكون لنا موعد قريب للوقوف معك على ما
يلزم لجعلها محطة هامة للمضي قدما من أجل تتويج الإصلاح المؤسسي التدريجي بتغيير
شامل وأسمى.
بيد أن هذا لا ينبغي أن يحجب عنا وجوب إعطاء الأسبقية في المرحلة الراهنة، لمسألتين
ملحتين: أولاهما ، دعم ومواكبة الدينامية الإيجابية التي خلقتها مبادرة الحكم الذاتي في
تعبئة شاملة لخوض المراحل المقبلة. والثانية : كسب رهان الاستحقاقات الانتخابية القريبة
لإفراز مشهد سياسي معقلن وسليم عماده أغلبية منسجمة، تنبثق عنها حكومة متراصة.
حكومة فعالة، قائمة على أقطاب محددة، متكاملة وناجعة ، وفق أولويات السياسة العامة
للبلاد. وليس مجرد اعتبارات سياسوية ضيقة، أو حسابات عددية. فمجالات العمل السياسي
النبيل واسعة. ولا تنحصر فقط في الفوز بمقعد برلماني، أو منصب حكومي، بل تشمل المجال
الفسيح والأقرب للمواطن، من خلال الصلاحيات الواسعة المخولة للجماعات المحلية، سواء
كانت من الأغلبية أو من المعارضة ، بفعل الانتخابات التي تمكنها من سلطة فعلية في تدبير
شؤونك اليومية.
شعبي العزيز،
المملكة المغربية
إن تحصين مكاسبنا الديمقراطية، رهين بمواصلة مسارنا التنموي، وتوطيـد الأمـن
والاستقرار وإدارة القرب. وفي هذا الصدد، فإننا حريصون على إعطاء دفعة قوية للمشاريع
الواعدة، للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، باعتبارها ورش عهد مفتوح باستمرار. وسنظل
ساهرين ميدانيا على المتابعة والتقويم المستمر، لحسن إنجاز مشاريعها . ولن نسمح بأي توظيف
مغرض أو مصلحي، يحولها لمجرد شعار أجوف فهدفنا الأسمى ينبغي أن يظل النهوض بأوضاع
الفئات التي تعاني آفات الفقر والأمية، والتهميش والإقصاء، بما يكفل تحصينها من نزوعات
التطرف والانغلاق والإرهاب. وفي هذا الصدد، نجدد التأكيد أن الجميع مسؤول عن تحرير
الطاقات الخلاقة والمتنورة للشباب، واستثمارها في الأعمال الخيرة، بدل تركها لقمة سائغة
للظلاميين الذي يشحنون ضعاف النفوس والعقول، بحملها على الأفعال الانتحارية، المحرمة
شرعا وقانونا.
وفي هذا السياق، نجدد تنويهنا بالإدارة الترابية، وبأسرة الأمن الوطني، والدرك الملكي،
والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، مؤكدين موصول عنايتنا بكافة الساهرين على شؤون
الدفاع والأمن رعاية منا لأوضاعهم الاجتماعية، وتكفلا بأسرهم بما هو جدير بتضحياتهم،
في سبيل أمن المواطنين وحوزة الوطن. كما نعتز بما أبانوا عنه من يقظة وتعبئة وتفان في
التصدي للأفعال الإجرامية من عدوان وإرهاب وترهيب.
،
«
ونود الإشادة بروح المواطنة المسؤولة التي أبداها المواطنون والمواطنات. إيماناً منهم بأن
الأمن شأن المجتمع بأكمله. واثقين أن الإرهاب المقيت لن ينال من توجهنا الذي لا رجعة فيه،
حريصين على تجفيف منابعه، باعتماد مقاربة شمولية متعددة الأبعاد ، تقوم على تعزيز الأمن
الوطني الذي أمرنا بمده بالوسائل المادية والبشرية اللازمة في تكامل للعمل التنموي، مع
الإبداع الثقافي والفكري، كفاعل قوي، في محاربة التطرف والظلاميين، مؤكدين ضرورة
نهوض العلماء، والمثقفين وهيئاتهم، بمسؤولياتهم في التوجيه والتنوير. وإذا كان من طبيعة
الفكر أن يمر بفترات مد وجزر، فإنه من غير المقبول جعل أزمة الفكر تترك المجال فارغا
للترويج لفكر الأزمة. فبلادنا في أمس الحاجة لبعث صحوة دينية متنورة، ونهضة فكرية
عصرية.
شعبي العزيز،
لقد حققنا العديد من المكاسب، في إنجاز المشاريع المبرمجة في القطاعات التي توافرت
للحكومة فيها رؤية واضحة، مما جعل المغرب يصبح ، ولله الحمد ، ورشا كبيرا ، تنتشر في
ربوعه المشاريع الهيكلية الوطنية منها والجهوية والمحلية. وما كان لنا لنحقق ذلك، لولا ثقة
المواطنين والمستثمرين، والمصداقية التي يحظى بها المغرب لدى شركائه الأجانب، بفضل
التزامه بالحكامة الجيدة.
ولدعم هذه المكاسب على الجميع أن يشمر على ساعد الجد وقوة الإرادة، لاستكمال
الإصلاحات المنجزة والجارية، بإطلاق أوراش حيوية أخرى. ودعم المبادرات الحرة، بتشجيع
وتحفيز الشباب على إحداث مقاولات صغرى ومتوسطة. فضلا عن مساندة المقاولات الكبرى
المواطنة . غايتنا المثلى توفير فرص الشغل المنتج للشباب، وذلك هو المحك الحقيقي لمصداقية
أي برنامج سياسي.
وهنا أقول: كفى من مجرد التشخيص النظري للأوضاع ولمكامن الاختلالات. فلدينا من
الدراسات الموضوعية التي أنجزتها الهيئات والمؤسسات ما يشفي الغليل. ولم يبق أمامنا إلا
اقتراح برامج قابلة للإنجاز، آخذة بعين الاعتبار أسبقيات كل فترة.
ويأتي القضاء في طليعة القطاعات ذات الأسبقية في المرحلة المقبلة. فالعدل بقدر ما
هو أساس للملك، فهو قوام دولة الحق، وسيادة القانون والمساواة أمامه. ودعامة للتنمية
وتشجيع الاستثمار. لذا يتعين على الجميع التجند لتحقيق إصلاح شمولي للقضاء
لتعزيز استقلاله الذي نحن له ضامنون هدفنا ترسيخ الثقة في العدالة، وضمان الأمن
القضائي الذي يمر عبر الأهلية المهنية والنزاهة والاستقامة وسيلتنا صيانة حرمة
القضاء وأخلاقياته، ومواصلة تحديثه وتأهيله هيكلة وموارد بشرية ومادية، وإطارا
قانونيا عصريا.
،
وبنفس الحزم والعزم، فإننا نولي نفس الاهتمام للتفعيل الأجود لإصلاح الورش المصيري
للتربية والتكوين الذي لا مستقبل للأجيال الصاعدة، بدون الجرأة في معالجة معضلاته.
ذلكم أنه برغم الجهود الصادقة ، لتفعيل ميثاق التربية والتكوين الذي يظل إطاراً مرجعياً
مؤسسا ، فإن النتائج الكمية لم تحقق التغيير النوعي، والتأثير الملموس في التربية القويمة،
والاستجابة لحاجيات الاقتصاد.
لذلك، يتعين الانكباب قبل فوات الأوان على مواصلة تعزيز الحكامة الجيدة في هذا
القطاع، وإيجاد حلول موضوعية للقضايا العالقة، وفي طليعتها إشكالية التمويل، وعقلنة
تدبير الموارد، ولغات التدريس، وتحديث البرامج والمناهج، والتركيز على محو الأمية. مع
إعادة الاعتبار للمدارس العمومية، وتشجيع التعليم الحر، في نطاق تكافؤ الفرص. وترسيخا
للحكامة الترابية، فإننا مصممون على توطيد اللاتمركز والجهوية مع وجوب تلازم الجهوية
الناجعة، مع تفعيل نظام اللاتمركز الواسع والملموس، في إطار أقطاب محددة، تفوض لها
السلطات المركزية، الصلاحيات والموارد اللازمة، من خلال مقاربة جهوية مندمجة.
وفي هذا الصدد، نؤكد من جديد توجهنا الراسخ لإقامة جهوية متدرجة ومتطورة. جهوية
متضامنة تشمل كل مناطق المملكة، على أساس تقسيم جديد وصلاحيات موسعة. ضمن مسار
مغربي-مغربي، بإرادتنا الوطنية الخالصة مراعاة لخصوصيات كل جهة، بما فيها أقاليمنا
الجنوبية. تلكم الأقاليم العزيزة التي خصصنا لها، دون سواها، مبادرة للحكم الذاتي كحل
توافقي ونهائي للخلاف بشأنها. والكل في نطاق السيادة والوحدة الوطنية والترابية.
ومن القضايا المصيرية التي من الضروري استحضارها بقوة وجوب تعزيز المكاسب
المحققة في مجال التنمية القروية باقتراح استراتيجية للتنمية الفلاحية.
استراتيجية طموحة، تعتمد سياسة زراعية جديدة ومقاربة شمولية وتنموية مستدامة
لإشكالية ندرة الماء، وعقلنة استعمالاته. كما تقوم على اعتبار الجفاف ظاهرة شبه هيكلية ،
يتعين معالجتها بسياسات عمومية ناجعة. ولكي نجعل التنمية المستدامة لبلدنا تسير بخطى
متوازنة بين الحواضر والبوادي ، فإنه ينبغي النهوض بالتنمية الحضرية، ضمن سياسات
متناسقة للمدينة، من شأنها جعل حواضرنا مجالا رحبا للعيش الكريم، وتجسيد القيم
المغربية الأصيلة في حسن الجوار والتضامن والتمازج الاجتماعي.
ومن القضايا الأساسية، مشكل الطاقة الذي يجب التصدي له عبر رؤية مستقبلية
للأمن الطاقي لبلدنا، وتنويع الموارد الطاقية الوطنية بأخرى بديلة، وترشيد استعمالها.
شعبي العزيز
ضماناً
مثلما ينبني مذهبنا في الحكم على تلازم الديمقراطية والتنمية، فإنه يقوم على تكامل
سياستنا الداخلية والخارجية. فبفضل تطورنا المؤسسي والتنموي المشهود بهما عالميا، تعززت
مكانة المغرب وإشعاعه الخارجي. وفي هذا الصدد، نعرب عن ارتياحنا وإشادتنا بالخطوات
الإيجابية التي حققتها دبلوماسيتنا بقيادتنا . وذلك بنهج أسلوب حديث فاعل ومتفاعل، وفي
ظرفية جهوية ودولية صعبة، محملة بشتى المخاطر والتحولات والمناورات. ويعود الفضل في
ذلك لتعبئة كل القوى الحية للأمة، وتضافر جهود الدبلوماسية الرسمية والموازية. ضمن خطة
مقدامة، قائمة على التعريف بعدالة قضيتنا الوطنية، وبالمصالح العليا لبلادنا، وانخراطنا
القوي في القضايا الدولية الكبرى.
ولتعزيز هذا التقدم، فإنه ينبغي للحكومة توفير كل الإمكانات المادية، والكفاءات
البشرية لدبلوماسيتنا، دعما لحضورها في مختلف أرجاء العالم، والمنتديات والمؤسسات
الدولية. ولتكون في مستوى التحديات الجهوية والدولية
،
وبفضل سياسته الخارجية الرصينة، فقد أصبح المغرب شريكا فاعلا في الأجندة الدولية،
مساهما في مقوماتها الأساسية. بما في ذلك الحفاظ على السلم والأمن ومحاربة الإرهاب. وتعزيز
التعايش والتفاعل بين الحضارات والديانات، والالتزام بحقوق الإنسان والنهوض بأوضاع المرأة،
وكذا تحقيق التنمية المستدامة والمحافظة على البيئة ، في إطار الحكامة الجيدة.
ولتجسيد الالتزام بهذه المقومات ، فإن للمغرب أسبقيات جيو-سياسية محددة. فبروح
التضامن، ما فتئنا نعمل على مساندة ودعم شعوب قارتنا الإفريقية الشقيقة، وخاصة في بلدان
الساحل وجنوب الصحراء، والإسهام في تحقيق أمنها واستقرارها وتنميتها البشرية، والحفاظ
على سيادتها ووحدتها الوطنية والترابية، والتصدي للمعضلات التي تعانيها . فضلا عن دعم
التعاون بين بلدان الجنوب، والانخراط في المشروع الطموح للاتحاد المتوسطي.
وبنفس الإرادة الصادقة، نعمل على توطيد وشائج الأخوة المتينة، والتعاون المثمر
والتضامن الفعال التي تجمعنا بالدول العربية الشقيقة، ولا سيما في المجال الاقتصادي،
باعتباره أساس العمل العربي المشترك. كما نؤكد دعمنا للقضايا العادلة لأمتنا. وفي طليعتها
،
حق الشعب الفلسطيني الشقيق، في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. دولة
مبنية على سيادة القانون وحكم المؤسسات بالقيادة الشرعية لأخينا فخامة الرئيس محمود
عباس الذي ندعم جهوده الصادقة من أجل تحقيق المصالحة، وصون وحدة الشعب الفلسطيني،
في التزام بالشرعية الوطنية والدولية ، ومبادرة السلام العربية والأوفاق المبرمة بين الأطراف
المعنية. كما نساند كل المبادرات الهادفة لاستتباب الأمن والاستقرار، بكل من العراق ولبنان
والسودان والصومال في نطاق احترام سيادتها وحوزتها. وعلى هذا الأساس، يشكل بناء
الاتحاد المغاربي، توجهاً راسخاً في سياستنا الخارجية، ونقطة تقاطع لأولوياتها.
شعبي العزيز،
إذا كان من ميزة، يمكن أن ينعت بها المغرب في المرحلة الراهنة، فهي وصف مجلس
الأمن الدولي، ومن خلاله المجتمع العالمي قاطبة، لمبادرتنا للتفاوض بشأن الحكم الذاتي،
بالجدية والمصداقية. وإننا لنعتبر أن هذا الاعتراف الدولي، ينطبق على كل الإصلاحات
العميقة التي أنجزناها جميعا، والتحولات التي نقودها بمعيتك، بكل حزم وعزم. بيد أن هذه
الجدية والمصداقية بقدر ما هي تشريف لنا، فإنها مسؤولية وتكليف، ومدعاة لمضاعفة
الجهود، والتعبئة الشاملة من أجل الحفاظ على هذا الرصيد الثمين
ذلكم الرصيد الذي بنيناه بالثقة في قدراتنا الذاتية، وتقدير العالم لصواب اختياراتنا ،
وصدق التزامنا. وسأظل، كما
كما عهدتني شعبي الأبي، الملك – المواطن. وفي طليعة المناضلين،
ميدانيا، في كل أرجاء الوطن وخارجه، حريصا على ترسيخ الوحدة والديمقراطية، والتنمية
والتقدم والتضامن والتفاعل القوي، مع العالم الخارجي وتحولاته، في حفاظ على الهوية المغربية
الأصيلة. غايتنا المثلى تحقيق المواطنة الكريمة، لكل مغربي ومغربية داخل الوطن أو في ديار
المهجر. سبيلنا في ذلك ، إيمان عميق، وعزم وثيق. ونضال وصمود لا هوادة فيهما. وإقدام مسؤول
لا يعرف التهور، وإرادة لا يشوبها الفتور وأمل وازن لا يخالطه الغرور، سلاحنا القوي هـو
الالتحام الدائم بين العرش والشعب الذي مكننا على الدوام من تخطي كل مصاعب الطريق.
الأمة،
مستلهمين باستمرار روح التضحية والتفاني في خدمة الوطن التي جسدها محرر
جدنا المقدس، جلالة الملك محمد الخامس، وباني الدولة الحديثة، والدنا المنعم جلالة الملك
الحسن الثاني، نور الله ضريحهما. مستحضرين بكامل التقدير تضحيات رفاقهم في الوطنية
الحقة، ومنوهين بالمنخرطين بقيادتنا لاستكمال بناء مغرب المواطنة الملتزمة، بتوفيق من الله
وعونه. «ربنا آتنـا مـن لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
الحمد
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2008
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
لقد
حرصت،
،، منذ توليت أمانة قيادتك، على أن أجعل من خطاب العرش محطة لترسيخ
الخيارات الكبرى، واستشراف التوجهات المستقبلية التي نسهر دائماً . على بلورتها ، بروح
الثقة، وبعد النظر، والإرادة القوية، في وفاء للبيعة، بما تقوم عليه من التزامات متبادلة بين
العرش والشعب.
وكما عهدتني ، فقد ارتأيت أن أجعل من هذه المناسبة، فرصة لمشاطرتك الصادقة
الانشغال العميق بإيجاد أنجع السبل لتجسيد إرادتنا الراسخة في توفير العيش الكريم لكل
أبناء وطننا العزيز وبنفس الحزم، أريد أن أجعل من خطابي لك اليوم، وقفة مسؤولة للإجابة
على التحديات والرهانات المطروحة على بلادنا ، وذلك في سياق ظرفية دولية صعبة، مطبوعة
بتقلبات الاقتصاد العالمي غير المسبوقة، والمتمثلة في الارتفاع المهول لأسعار الطاقة والمواد
الغذائية الأساسية، وتراجع النشاط الاقتصادي في العديد من البلدان ولا سيما المتقدمة منها.
وهو ما كان له تداعيات على القدرة الشرائية للفئات المعوزة والمتوسطة وعلى اقتصادنا
على غرار كافة بلدان المعمور.
وقد استطاع بلدنا ، والله الحمد ، مواجهة هذه الإكراهات، وذلك بفضل نجاعة الأوراش
والإصلاحات التنموية التي نقودها ، والتي بدأت تعطي ثمارها ، وهو ما مكن نسيجنا الاقتصادي
والاجتماعي، من التصدي لصعوبات المحيط الجهوي والدولي.
وقد تجلى ذلك، في مواصلة المغرب لتقدمه بخطى ثابتة لتوطيد البناء الديمقراطي
وإنجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال الحفاظ على توازناته الما كرو- اقتصادية
والمالية وخلق أقطاب جهوية للتنمية، وتقوية قدراته على خلق فرص الشغل وتحسين المؤشرات
الاجتماعية.
ومهما كان تحسن هذه المؤشرات، فإنه لا ينبغي أن يحجب عنا أن الطريق ما يزال
شاقا وطويلا لتحقيق طموحنا الكبير في الرفع من معدلات التشغيل باعتباره يشكل الحماية
الاجتماعية الحقيقية لمواطنينا ولشبابنا على الخصوص.
ولن يتأتى ذلك إلا بالرفع من وتيرة النمو والتوزيع العادل لثماره وتحرير المبادرات الخلاقة
المدرة للثروات ولفرص العمل.
كما يتعين توطيد المكانة المركزية لمؤسسة الأسرة وتعزيز دينامية المجتمع المدني
وفعالياته المسؤولة للنهوض بالتكافل الاجتماعي والمواطنة التضامنية، في تشبث دائم بقيمنا
العريقة الدينية والثقافية القائمة على الاعتدال والوسطية.
لذا، نؤكد إرادتنا الراسخة، في ضرورة أن يكون الهدف الاستراتيجي لكافة السياسات
العمومية، هو توسيع الطبقة الوسطى، لتشكل القاعدة العريضة وعماد الاستقرار والقوة
المحركة للإنتاج والإبداع.
،
وإن عزمنا الوطيد على جعل الفئات الوسطى مرتكز المجتمع المتوازن الذي نعمل على
بلوغه، مجتمع منفتح لا انغلاق فيه ولا إقصاء، مجتمع تتضامن فئاته الميسورة، باستثماراتها
المنتجة ومبادراتها المواطنة وما تدره من شغل نافع، مع غيرها، في المجهود الوطني الجماعي
للنهوض بأوضاع الفئات المعوزة وتمكينها من أسباب المواطنة الكريمة.
شعبي العزيز
ورة وتة المغربية
مهما كانت أهمية الإصلاحات والأوراش الكبرى، فلن تعطي ثمارها كاملة إلا بتسريع
وتيرة النمو لتواكب الحاجيات المتزايدة، وهو ما يقتضي الحسم في الخيارات المطروحة.
فهل نكتفي بحلول ظرفية محدودة الأثر؟ أم نواصل خياراتنا الاستراتيجية التي يتعين
مضاعفة الجهود لإنضاج وجني ثمارها ؟ كلا. فتحديات مغرب اليوم، لا يمكن رفعها بوصفات
جاهزة أو بإجراءات ترقيعية أو مسكنة أو بالترويج لمقولات ديماغوجية ترهن الحاضر بالهروب
إلى مستقبل نظري موهوم.
إن أساس نجاح أي إصلاح، يكمن في ترسيخ الثقة والمصداقية والتحلي بالأمل والعمل
والاجتهاد، وعدم الانسياق لنزوعات التيئيس والتشكيك والعدمية، خاصة في الظروف
الصعبة. ومهما كانت محدودية النتائج الآنية، فإن المبادرة والمثابرة والنفس الطويل، يجب أن
تكون عماد تدبير الشأن العام.
لذا، نهجنا بكل وثوق، خيار التنمية الهيكلية والبشرية، في حرص على توازن مسارها
الشاق والطويل، بحيث لا تتم التضحية بمستقبل البلاد وأجيالها الصاعدة لفائدة اعتبارات آنية
أو ظرفية. ولا مجال لعدم تلبية حاجيات ملحة، باسم نظرة قد تكون بعيدة المدى، ولكنها
تتجاهل الواقع المعيش.
ومن ثمة، كان عملنا الدؤوب، على تحقيق تنمية مستدامة تسير على سكتين
متكاملتين. فمن جهة، نحرص على إنجاز الأوراش التنموية الكبرى، وبموازاة ذلك، وعلما
منا بأنها لا تعطي ثمارها في الأمد المنظور نعمل بمواكبتها ، بتحسين المعيش اليومي الملح
للمواطن بالبرامج المحلية لمحاربة الفقر والهشاشة.
وهو ما نعمل على بلوغه بجعل تحرير المبادرات وتعبئة الطاقات، قوام المشاريع المندمجة
والملموسة ، لمبادرتنا الوطنية للتنمية البشرية، مؤكدين تعهدها بالوقوف الميداني والتقويم
المستمر، لتوطيد المكاسب والتصدي لمكامن الخلل، غايتنا المثلى وضع الإنسان في صلب
عملية التنمية في مغرب نريد أن تكون موارده البشرية ثروته الأساسية.
شعبي العزيز
إن النهج القويم للإصلاح يرتكز على ترسيخ ثقة المواطن في سيادة القانون والأمن
المملكة المغير
القضائي.
ومن هنا، نحرص على مواصلة تحديث جهاز القضاء وصيانة استقلاله وتخليقه،
ليس فقط لإحقاق الحقوق ورفع المظالم، وإنما أيضا لتوفير مناخ الثقة والأمن القضائي
كمحفزين على التنمية والاستثمار. لذا نجدد التأكيد، على جعل الإصلاح الشامل
للقضاء في صدارة أوراشنا الإصلاحية.
ولهذه الغاية، ندعو حكومتنا للانكباب على بلورة مخطط مضبوط للإصلاح
العميق للقضاء، ينبثق من حوار بناء وانفتاح واسع على جميع الفعاليات المؤهلة المعنية،
مؤكدين، بصفتنا ضامنا لاستقلال القضاء، حرصنا على التفعيل الأمثل لهذا المخطط
من أجل بلوغ ما نتوخاه للقضاء من تحديث ونجاعة في إطار من النزاهة والتجرد
والمسؤولية.
،
إن ثقتنا في الهيئات والمؤسسات السياسية، يجب أن تدعمها ثقتنا في الفاعلين الاقتصاديين
والاجتماعيين. لذا، فإننا عازمون على إقامة المؤسسة الدستورية للمجلس الاقتصادي
والاجتماعي، حرصا منا على ضمان مشاركتهم ضمن إطار مؤسسي، في اقتراح السياسات
الاقتصادية والاجتماعية، وفي إيجاد هيئة دائمة للحوار الاجتماعي المسؤول. ولدعم قـرب
السلطات العمومية من الحاجيات الحقيقية للمواطن، وتحسين جودة الخدمات التي تقدمها
له الإدارة والمجالس المنتخبة، ندعو الحكومة لاعتماد نهج للحكامة الترابية المحلية، يقوم
على النهوض باللامركزية والجهوية الموسعة بالإسراع باللاتمركز. ومهما كان عمق
الإصلاح المؤسسي، فإن نجاحه رهين بتعزيزه بإصلاحات هيكلية أو مكملة، نرفع بها من
قوتنا الاقتصادية والاجتماعية، بالنهوض بالقطاعات الأساسية للتعليم والفلاحة والطاقة والماء
والنمو الصناعي. وإذا كنا قد وضعنا التعليم في صدارة هذه القطاعات، فلأننا نعتبره المحك
الحقيقي لأي إصلاح عميق. ولكي يأخذ إصلاح منظومتنا التربوية سرعته القصوى، ووجهته
الصحيحة، ندعو الحكومة لحسن تفعيل المخطط الاستعجالي.
وسنحرص على ألا يخلف المغرب موعده مع هذا الإصلاح المصيري. لذلك على الجميع
أن ينخرط فيه بقوة. فظروف النجاح متوفرة، من إرادة حازمة لجلالتنا وتعبئة جماعية لكل
المؤسسات والسلطات والفاعلين والتنظيمات هدفنا الجماعي، إعادة الاعتبار وترسيخ
الثقة في المدرسة العمومية المغربية، كمؤسسة للتنشئة الجماعية على قيم المواطنة الملتزمة
وتكريس تكافؤ الفرص. وفي سياق هذه الإصلاحات العميقة، نؤكد الأهمية المركزية
لإصلاح وتحديث الفلاحة ، فهي بالنسبة لنا، لا تشكل قطاعا اقتصاديا واعدا فحسب، وإنما
هي أيضا، أحد المقومات الأساسية لهويتنا الحضارية المتميزة بارتباط المغربي بالأرض.
ومن هذا المنظور، بادرت الحكومة لبلورة توجيهاتنا لإصلاحها، من خلال استراتيجية
تهدف إلى تحديثها وعقلنة تدبيرها لكسب رهان الإنتاجية والتنافسية والأمن الغذائي. وإننا
ننتظر من الحكومة تفعيل ما نريده من إطلاق مسيرة فلاحية واعدة، بنهج مقاربة تشاورية ،
إدماجية وتشاركية، وبتمكينها من كافة الوسائل اللازمة للنجاح.
الوسائل اللازمة للنجاح، خائية
ولأن الفلاحة مرتبطة بالماء، فنحن مدعوون جميعا ، أكثر من أي وقت مضى، لاستشعار
ما يواجه بلادنا في المستقبل من صعوبات حقيقية في مجال تدبير ثروته المائية قد تعيق بثقلها
كل مشاريع التنمية البشرية والاقتصادية.
،
إن المغرب يواجه تحدي تدبير تزايد الطلب على الماء وتعاقب فترات الجفاف وتقلص مخزون
المياه الجوفية والتبذير اللامسؤول لهذه الثروة الحيوية، لذا فإن اعتماد استراتيجية مضبوطة
لرفع هذا التحدي، بات أمرا حتميا.
ومن ثم فإننا سنواصل تعبئة وتخزين المياه وتوسيع دائرة الاستفادة من الماء الشروب، لا
سيما داخل العالم القروي. كما ندعو إلى انبثاق وعي وطني حضاري في اقتصاد استعمال
الماء باعتباره موردا طبيعيا ثمينا.
وكذلك الشأن بالنسبة لما يواجه المغرب من تحديات في قطاع الطاقة ، إذ يتعين علينا أن
نتكيف من الآن فصاعدا مع تحولاته العالمية العميقة، المتوجهة نحو الاستفحال. لذلك ينبغي
انتهاج سياسة تجمع بين التدبير العقلاني للمنتوجات الطاقية وبين اعتماد استراتيجية ناجعة
للاقتصاد في الاستهلاك دون المس بالإنتاجية، وانتهاج حماية وتنويع المصادر الطاقية.
ولا خيار للمغرب أمام ضرورة الرفع من قدرته على الإنتاج المحلي للطاقة، وفتح المجال
أمام الاستثمارات الواعدة بتوفيرها، وتكريس الجهود لجعل الطاقات البديلة والمتجددة
عمادا للسياسة الوطنية في هذا القطاع. ونغتنم هذه المناسبة ، للإشادة بكل حرارة، بالدعم
الأخوي والتضامن الفعال لأخوينا الأعزين الأكرمين ، خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد
الله بن عبد العزيز آل سعود ، عاهل المملكة العربية السعودية، وصاحب السمو الشيخ
خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد رصدنا هبة هذين البلدين
الشقيقين ومساهمة صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، للصندوق الخاص
الذي أحدثناه لتنمية الطاقات لدعم البرامج الملتزمة بالنجاعة في اقتصاد الطاقة، وكذا
تشجيع المستثمرين على استعمال الطاقات البديلة والمتجددة.
،
وبموازاة ذلك، ندعو الحكومة إلى اعتماد استراتيجية جديدة في المجال الصناعي
والخدماتي وتنمية تكنولوجيات العصر، تقوم على الاستغلال الأمثل لما تتيحه العولمة من
فرص تدفق الاستثمار، وتهدف إلى تقوية المقاولة المغربية وتشجيع الاستثمار الصناعي الحامل
للقيمة المضافة، وفتح المجال أمام الاقتصاد الوطني، لاقتحام أنشطة صناعية جديدة ذات
تقنيات مبتكرة، وأسواق واعدة لتصدير منتوجاتها وخدماتها. فعزمنا يوازي طموحنا ،
لإدماج المغرب بمقاولاته وجامعاته، في الاقتصاد العالمي للمعرفة.
شعبي العزيز،
تظل أسبقية الأسبقيات، هي تحصين الوحدة الترابية للمملكة.
وقد أسفرت الجهود الدؤوبة لدبلوماسيتنا المقدامة، عن تطور إيجابي جوهري، تجسد في
تأكيد الإقرار الأممي بجدية ومصداقية مبادرتنا الشجاعة للحكم الذاتي، والدعم الدولي
المتنامي لأحقية المملكة في سيادتها على صحرائها ، وبعدم و
م واقعية وهم الانفصال.
وعلى هذا الأساس، والتزاما بقرار مجلس الأمن 1813 ، فإننا نجدد استعداد المغرب
للتفاوض الجوهري، بحسن نية وعلى كافة المستويات، لإيجاد حل سياسي، توافقي ونهائي،
لهذا النزاع الذي طال أمده. وفي هذا الصدد، نؤكد الإرادة الراسخة للمغرب في مواصلة
نهج اليد الممدودة، بهدف إصلاح ذات البين وترسيخ الثقة بالحوار والمصالحة الشاملة، مع
الأطراف المعنية . ولهذه الغاية، فإننا سنواصل اتخاذ المبادرات الصادقة، والتجاوب مع كل
الإرادات الحسنة من أجل تطبيع العلاقات المغربية – الجزائرية، وإقامة شراكة بناءة مع
هذا البلد الجار الشقيق، منطلقنا الوفاء لروابط حسن الجوار بين شعبينا الشقيقين. هدفنا
الأسمى، التجاوب مع طموحات الأجيال الصاعدة لتسخير طاقات الشعبين الشقيقين، المغربي
والجزائري، لرفع التحديات الحقيقية للتنمية والتكامل، بدل هدرها في متاهات نزاع موروث
عن عهد متجاوز يعود إلى القرن الماضي. ومهما كان اختلاف وجهات النظر في هذا النزاع،
فإنه لا يبرر استمرار إغلاق الحدود ، كإجراء أحادي يعيشه الشعبان الجاران الشقيقان
كعقاب جماعي يتنافى مع أواصر أخوتهما التاريخية ومستقبلهما المشترك ومع مستلزمات
الاندماج المغاربي.
وبنفس الحزم، نؤكد رفض المغرب لأية محاولة لفرض الأمر الواقع أو المس بحوزة التراب
الوطني. وفي هذا السياق، نشيد بالتجند الدائم لقواتنا المسلحة الملكية والدرك الملكي
والأمن الوطني والإدارة الترابية والقوات المساعدة والوقاية المدنية، بقيادتنا، في التحام مع
الشعب المغربي، لصيانة الأمن والاستقرار والنظام العام والدفاع عن حوزة الوطن.
وسنواصل المجهود التنموي الجبار، لفائدة مواطنينا المرابطين بالصحراء المغربية والعمل
على توفير ظروف العودة الحرة لإخواننا الصحراويين المغتربين حيثما كانوا ورفع المعاناة عنهم
وضمان الحياة الآمنة الكريمة لهم، في أحضان الوطن الموحد ، وفي نطاق اتحاد مغاربي مندمج
بين دوله الخمس، وفي ذلك استجابة لمنطق العصر، بتكتل بلداننا في تجمع يشكل قطبا قويا
للأمن والاستقرار والتقدم والازدهار ، وشريكا فاعلا لتجمعات أوسع.
وهو ما سنواصل العمل من أجله، في فضاءاتنا
نا الجهوية والدولية، تضامنا عربيا -إسلاميا
ناجعا، ووضعا متقدما مع أوروبا، واتحادا واعدا من أجل المتوسط، واندماجا إفريقيا إيجابيا.
ومع جوارنا من بلدان الساحل ، وشراكة بناءة مع دول الشمال، وتعاونا مثمرا بين أقطار
الجنوب.
وفي هذا السياق، نجدد التزامنا الجهوي والعالمي بمواجهة عصابات الإرهاب ونزوعات
التطرف المقيت، وكذا إسهامنا الصادق في الجهود الأممية لفض النزاعات، وإخماد بؤر التوتر
بالطرق السلمية، مؤكدين، بصفتنا رئيسا للجنة القدس، دعمنا لوحدة الشعب الفلسطيني
الشقيق ولكفاحه السلمي من أجل إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف. وسنظل
مدافعين عن سيادة الدول ووحدتها الوطنية والترابية في سوريا ولبنان والعراق والسودان
والصومال وحيثما كانت مهددة أو مغتصبة.
،
شعبي العزيز، مهما تكن شمولية وأهمية أي إصلاح تنموي عميق، فإنه سيظل محدود
الأثر إذا لم يعزز بمواصلة التأهيل السياسي الشامل والمشاركة المواطنة في إنجازه الجماعي.
وهو ما يجعلنا أكثر وثوقا ، في تعميق الديمقراطية، بانتظام الاستحقاقات الانتخابية وتكريس
شفافيتها ونزاهتها من قبل كل الفاعلين، وتشكيل الحكومة على أساس نتائج الاقتراع. بيد
أن النجاح في الاستحقاقات، يلقي على عاتق الفاعلين مسؤولية استخلاص الدروس من بعض
الفجوات.
لذا ، نؤكد على ضرورة المساهمة الفعالة للهيئات السياسية الجادة في حمل مشعل الإصلاح
والتحديث وانبثاق مشهد سياسي معقلن بأحزاب قوية، متكتلة في أقطاب متجانسة ، تنهض
بدورها الدستوري في التأطير الناجع والتمثيل الملتزم والتنافس الانتخابي الحر، على حسن
تدبير الشأن العام.
،
وسأظل ، شعبي العزيز، كما عهدتني ، ملكا لجميع المغاربة، على اختلاف مكوناتهم،
ورمزا لوحدة الأمة ، ومؤتمنا على سيادة المملكة وحوزتها الترابية وضامنا لحقوق الأفراد
والجماعات.
فملكيتنا المواطنة ، تاج فوق رؤوس كل المغاربة، في التزام دستوري عميق ووفاء متبادل،
لعقد البيعة الوثيق وللأرواح الطاهرة لبناة صرح الدولة المغربية العريقة، وفي طليعتهم جدنا
ووالدنا المنعمان جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، خلد الله في الصالحات
ذكراهما.
«ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا». صدق
الله
الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
الحمد
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2009
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
نخلد اليوم الذكرى العاشرة لاعتلائنا العرش، وهي مناسبة جديرة بأن نجعل منها لحظة
قوية للوقوف الموضوعي على أحوال الأمة، واستشراف مستقبلها.
ومن هذا المنطلق ، أشاطرك الاقتناع بأن المغرب قد قطع أشواطا كبرى، في البناء
الديمقراطي التنموي، شكلت منعطفا هاما في تاريخه. وبروح المسؤولية ، أصارحك بأن ما
اعترض هذا المسار من عوائق واختلالات، يتطلب الانكباب الجاد على إزاحتها وتصحيحها ،
لاستكمال بناء مغرب الوحدة والديمقراطية والتنمية، وتأهيل بلادنا ، لرفع تحديات سياق
عالمي، مشحون بشتى الإكراهات والتحولات.
المغربية
سبيلنا إلى ذلك، الإسراع بوتيرة الأوراش الإنمائية وتعزيزها بإصلاحات جديدة، وتدبيرها
ми
بالحكامة الجيدة.
ومهما كان الطريق شاقا وطويلا، فإنه لن يزيدنا إلا إصرارا على المضي قدما ببلادنا على
درب التقدم. عمادنا في ذلك ثوابت وطنية راسخة ، لم نفتأ نتعهدها بالتجديد.
الأعلى للسلطة القضـ
وفي صدارتها وحدة الإسلام السني المالكي الذي نتقلد ، كأمير للمؤمنين، أمانة تحديث
صرحه المؤسسي وفضائه العلمي. غايتنا تحصين اعتداله وتسامحه من التطرف والانغلاق
وترسيخ تعايش عقيدتنا السمحة مع مختلف الديانات والثقافات.
وبنفس العزم نحرص على توطيد وحدة الهوية المغربية، جاعلين من إعادة الاعتبار
لروافدها المتعددة، مصدر غنى وقوة لوحدتنا الوطنية. كما عززنا الإجماع الوطني، حول
صيانة الوحدة الترابية باقتراح مبادرة الحكم الذاتي، بعمقها الديمقراطي، وأفقها المغاربي
وباعتبار الملكية قطب الرحى للثوابت الوطنية ، فقد أضفينا عليها طابع المواطنة،
وذلك بترسيخ دولة الحق والقانون، وديمقراطية المشاركة، وانتهاج الحكامة الجيدة،
وسياسة القرب، وكذا بإنصاف المرأة والفئات والجهات المحرومة.
كما كرسنا جوهرها كملكية ملتحمة بكل مكونات الأمة، متسامية عن النزعات
والفئات، ملتزمة بالنهوض بالمسؤولية الريادية والقيادية للعرش في الائتمان على القضايا
العليا للوطن والمواطنين والانتصار للتقدم
،
وتجسيدا لهذا التوجه عملنا على أن يكون المواطن هو الفاعل والمحرك، والغاية من كل
مبادراتنا ومشاريعنا الإصلاحية والتنموية. ومن ثم، كان إطلاقنا للمبادرة الوطنية للتنمية
البشرية . وإن ارتياحنا لنتائجها الأولى، لا يعادله إلا عزمنا على التصدي لما قد يعترضها من
صعوبات وعوائق.
لذا، قررنا إعطاء دفعة جديدة وقوية لهذا الورش الدائم، انطلاقا من توجيهاتنا التالية:
أولا : توخي المزيد من النجاعة والمكتسبات. ولأجل ذلك، ندعو كافة الفاعلين عنـد
إعداد مشاريعها إلى مراعاة نوعيتها واستمراريتها والتقائها مع مختلف البرامج القطاعية،
ومخططات التنمية الجماعية.
،
ثانيا : ضرورة إخضاع مشاريعها للتقييم والمراقبة، والأخذ بتوصيات المرصد الوطني لهذه
المبادرة.
ثالثا : التركيز على المشاريع الصغرى الموفرة لفرص الشغل وللدخل القار، لا سيما في هذه
الظرفية الاقتصادية الصعبة.
شعبي العزيز،
إن منظورنا المتكامل للتنمية الشاملة، يقوم على تلازم رفع معدلات النمو، مع التوزيع
العادل لثماره، وعلى جعل التماسك الاجتماعي الغاية المثلى للتنمية البشرية والنجاعة
الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق عملنا على تزويد المغرب بالبنية التحتية اللازمة لتقدمه، وإطلاق
مشاريع هيكلية كبرى، وانتهاج استراتيجيات طموحة للقطاعات التي تشكل الركائز
الأساسية والمستقبلية لاقتصادنا، كالسياحة والصناعة والسكن والطاقة والموارد المائية،
وكذا القطاع الحيوي للفلاحة، بإطلاق مخطط المغرب الأخضر.
وإننا لنجدد حمدنا الله تعالى على ما جاد به علينا من موسم فلاحي جيد ، خفف من وطأة
الظرفية الاقتصادية الصعبة على بلادنا ، وخاصة العالم القروي.
وبفضل صواب اختياراتنا، ونجاعة برامجنا الإصلاحية، وترسيخنا للتضامن الاجتماعي
والمجالي استطاعت بلادنا أن تواجه نسبيا، التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، لأزمة مالية
عالمية عصيبة.
بيد أن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا ما أبانت عنه هذه الأزمة غير المسبوقة من اختلالات
هيكلية، ومن مضاعفة حدة بعضها، لذا ، ندعو إلى تعبئة جماعية لكل السلطات والفعاليات
من أجل تقويمها، بما تقتضيه الظرفيات الصعبة، من إرادة قوية، ومن ابتكار للحلول
الشجاعة، بعيدا عن كل أشكال السلبية والانتظارية، والتدابير الترقيعية.
وفي هذا الصدد، نحث الحكومة على مضاعفة جهودها ، ببلورة مخططات وقائية
واستباقية ومقدامة، للتحفيز الاقتصادي وتوفير الحماية الاجتماعية.
وبقدر ما نحن مؤتمنون على مقدساتنا الدينية والوطنية، فإننا حريصون على التزام الجميع
بثوابت اقتصادية واجتماعية، تعد من صميم الحكامة التنموية الجيدة التي يتعين التشبث بها
في جميع الأحوال، ولا سيما في مواجهة الظرفيات الدقيقة.
فعلى الصعيد الاقتصادي، يجب التحلي باليقظة الدائمة في مواجهة التقلبات الاقتصادية
الدولية، والحزم في الحفاظ على التوازنات الأساسية، باعتبارها ثمرة إصلاحات هيكلية،
ومجهودا جماعيا لكافة مكونات الأمة ، لا يجوز التفريط فيها ، مهما كانت الإكراهات.
كما ينبغي انتهاج أنجع السبل الكفيلة بضمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية،
وإحكام التنسيق، والأخذ بالتقييم المستمر للسياسات العمومية، وذلك في تفاعل مع التحولات
الدولية، وانفتاح إيجابي على العولمة.
فالأزمة، مهما كان حجمها ، لا ينبغي أن تكون مدعاة للانكماش، وإنما يتعين أن
تشكل حافزا على الاجتهاد ، لأنها تحمل في طياتها فرصا يجب العمل على استثمارها ، وذلك
بمبادرات اقتصادية مقدامة، تتوخى تعزيز الموقع الاقتصادي الجهوي والعالمي للمغرب.
ولهذه الغاية، ندعو للتفاعل المجدي بين مختلف المخططات ، قصد الرفع من جودة وتنافسية
المنتوج المغربي، بما يكفل إنعاش الصادرات، وبما يقتضيه الأمر من حفاظ على التوازنات
المالية الخارجية، وما يستلزمه من العمل على استثمار رصيدنا في المبادلات التجارية على
أفضل وجه.
وتعزيزا للمناخ الاقتصادي الملائم للاستثمار والتنمية، يتعين الالتزام بحسن تدبير
الشأن العام، بما ينطوي عليه من تخليق وحماية للمال العام من كل أشكال الهدر
والتبذير، ومحاربة لكل الممارسات الريعية والامتيازات اللامشروعة.
،
وإن المغرب، وهو يواجه كسائر البلدان النامية تحديات تنموية حاسمة وذات أسبقية، فإنه
يستحضر ضرورة الحفاظ على المتطلبات البيئية.
والتزاما منه بذلك ، نؤكد وجوب انتهاج سياسة متدرجة وتأهيلية شاملة، اقتصادا وتوعية،
ودعما من الشركاء الجهويين والدوليين. وفي هذا الصدد، نوجه الحكومة إلى إعداد مشروع
ميثاق وطني شامل للبيئة يستهدف الحفاظ على مجالاتها ومحمياتها ومواردها الطبيعية، ضمن
تنمية مستدامة.
كما يتوخى صيانة معالمها الحضارية ومآثرها التاريخية، باعتبار البيئة رصيدا مشتركا
للأمة، ومسؤولية جماعية لأجيالها الحاضرة والمقبلة.
وفي جميع الأحوال، يتعين على السلطات العمومية أن تأخذ بعين الاعتبار في كناش
تحملات المشاريع الإنمائية عنصر المحافظة على البيئة.
ويشكل الإصلاح القويم لنظام التربية والتعليم والتكوين المسار الحاسم لرفع التحدي
التنموي. فعلى الجميع أن يستشعر أن الأمر لا يتعلق بمجرد إصلاح قطاعي، وإنما بمعركة
مصيرية لرفع هذا التحدي الحيوي. سبيلنا إلى ذلك الارتقاء بالبحث والابتكار وتأهيل مواردنا
البشرية التي هي رصيدنا الأساسي لترسيخ تكافؤ الفرص، وبناء مجتمع واقتصاد المعرفة،
وتوفير الشغل المنتج لشبابنا . السلطة القضائية
وبموازاة المجال الاقتصادي، يعد الجانب الاجتماعي ركيزة أساسية، لما نقوده ونتابعه
ميدانيا من أوراش تنموية في كافة ربوع المملكة. وفي هذا الإطار، نعتبر أن توطيد العدالة
الاجتماعية يشكل قوام مذهبنا في الحكم.
ومن هنا ندعو الحكومة لتجسيد هذا التوجه الراسخ، وذلك بإعطاء الأسبقية للفئات
والجهات الأشد خصاصة في الاستفادة من السياسات الاجتماعية للدولة.
وهذا ما يقتضي تقويم السياسات المتبعة بكل آلياتها ومجالاتها في التزام بمقومات
الإنصاف والعقلنة والفعالية وانتهاج الاجتهاد في ابتكار الحلول الخلاقة بكل مسؤولية
وإقدام، بعيدا عن أية نزوعات سياسوية أو توظيف شعبوي.
،
وحرصا منا على بلوغ أهداف هذه السياسات الاجتماعية المتجددة، في مناخ سليم، فإننا
ندعو لإقرار ميثاق اجتماعي جديد. ولأجل ذلك، نؤكد ضرورة تفعيل المجلس الاقتصادي
والاجتماعي، كإطار مؤسسي للحوار، وكقوة اقتراحية لبلورة هذا الميثاق، بما يخدم تنمية
بلادنا، ويمكنها من مواصلة مسارها الإصلاحي، ويجعلها قادرة على مواجهة الظرفيات
الصعبة، والحفاظ على ثقة شركائنا ، وتعزيز جاذبية المغرب للاستثمارات والكفاءات.
وتعزيزا للتآزر الاجتماعي بالتضامن المجالي ندعو الحكومة لبلورة استراتيجية
متجددة، تستهدف تحسين ظروف عيش ساكنة المناطق الجبلية، والنهوض بمؤهلاتها
الاقتصادية والثقافية والبيئية. وإننا لواثقون من انخراط جميع المغاربة، في بناء ما نتوخاه من
إرساء نموذج مجتمعي متضامن ومتوازن، بروح المواطنة الملتزمة، والعمل الجاد، والثقة في
النفس. وفي هذا الصدد، نؤكد التنويه بمواطنينا في المهجر، لتشبثهم الراسخ بوطنهم الأم، في
السراء والضراء. فبالرغم من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن تعلقهم القوي بتجديد
العهد ببلدهم المغرب يشهد إقبالا متزايدا، وصلة الرحم مع ذويهم تعرف تواصلا مستمرا.
وإننا لندعو الحكومة إلى مواصلة العناية بأحوالهم داخل الوطن وخارجه.
شعبي العزيز،
إن الحكامة الجيدة هي حجر الزاوية في البناء التنموي الديمقراطي. وقد قطعت بلادنا ،
بالاقتراع المحلي الأخير ، شوطا جديدا في ترسيخ يخ الممارسة الديمقراطية العادية، ولا سيما من
الممل
خلال تعزيز التمثيلية النسوية في المجالس الجماعية.
بيد أن الأهم هو نجاح المغرب في رفع تحدي التنمية المحلية الجهوية، وهو ما يظل رهينـا
بتوافر النخب المؤهلة ، لذا ندعو المنتخبين المحليين إلى تحمل مسؤوليتهم في الاستجابة للحاجيات
اليومية الملحة للمواطنين من خلال برامج واقعية.
وهو ما يتطلب القرب منهم ، وحسن تدبير شؤونهم، وإيثار الصالح العام، وتضافر الجهود
مع الفعاليات الإنتاجية والجمعوية، والسلطات العمومية، وذلك في نطاق من الالتزام التام
من قبل الجميع بسيادة القانون والحزم الدائم في ردع أي إخلال به.
وفي سياق تصميمنا على الارتقاء بالحكامة الترابية، قررنا فتح ورش إصلاحي أساسي
بإقامة جهوية متقدمة، نريدها نقلة نوعية في مسار الديمقراطية المحلية. ولهذه الغاية سنتولى
قريبا، تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية. منتظرين منها أن تعرض على سامي نظرنا في
غضون بضعة أشهر تصورا عاما لنموذج مغربي لجهوية متقدمة تنهض بها مجالس ديمقراطية
بما يلزم من التوزيع المتناسق للاختصاصات بين المركز والجهات. كما ندعوها للتفكير
المعمق في جعل أقاليمنا الجنوبية نموذجا للجهوية المتقدمة، بما يعزز تدبيرها الديمقراطي
لشؤونها المحلية ويؤهلها لممارسة صلاحيات أوسع.
وبموازاة ذلك، نحث الحكومة على الإسراع بإعداد ميثاق للاتمركز الإداري، إذ لا
جهوية ناجعة بدونه، وذلك بما يقتضيه الأمر، من تجاوز للعقليات المركزية المتحجرة.
وإننا لنعتبر الجهوية المتقدمة واللا تمركز الواسع، محكا حقيقيا للمضي قدما في إصلاح
وتحديث هياكل الدولة.
وإدراكا منا بأن الحكامة الجيدة لن تستقيم إلا بالإصلاح العميق للقضاء،
سنخاطبك ، قريبا ، إن شاء الله بخصوص الشروع في تفعيل هذا الإصلاح، بعد توصلنا
بخلاصات الاستشارات الموسعة في هذا الشأن.
شعبي العزيز،
،
بنفس روح الحزم والعزم عملنا على إعطاء دبلوماسيتنا دفعة قوية، جاعلين قوامها الحزم
في المبادئ ، والواقعية في التوجه، والنجاعة في الآليات، والنتائج الملموسة.
وغايتها التجند للدفاع عن القضية المقدسة للوحدة الترابية للمملكة، وعن المصالح العليا
لبلادنا، وتعزيز إشعاعها الجهوي والدولي، وكذا التعبئة لخدمة تنميتها بدبلوماسية اقتصادية.
كما أضفينا عليها روحا جديدة، عمادها التفاعل بين سياساتنا الوطنية والأجندة
الدولية، وإعادة تركيزها في ستة فضاءات أساسية، وفي صدارتها التزامنا الراسخ ببناء
اتحاد مغاربي مستقر ومندمج ومزدهر. للسلطة القضائية
ومساهمة من بلادنا في توفير ظروف تفعيل العمل المغاربي المشترك، كخيار استراتيجي
لتحقيق تطلعات شعوبه الخمسة للتنمية المتكاملة والاستجابة لمتطلبات الشراكة الجهوية
التكتلات الدولية، نؤكد إرادتنا الصادقة لتطبيع العلاقات المغربية-الجزائرية، وذلك
وفق منظور مستقبلي بناء يتجاوز المواقف المتقادمة والمتناقضة مع الروح الانفتاحية للقرن الحادي
والعشرين، ولا سيما تمادي السلطات الجزائرية في الإغلاق الأحادي للحدود البرية.
وعصر
إن هذا الموقف المؤسف يتنافى مع الحقوق الأساسية لشعبين جارين شقيقين، في ممارسة
حرياتهم الفردية والجماعية في التنقل والتبادل الإنساني والاقتصادي.
وبنفس الروح المغاربية، سنواصل جهودنا الدؤوبة وتعاوننا الداعم للمساعي الأممية البناءة
للوصول إلى حل سياسي توافقي ونهائي للخلاف الإقليمي حول مغربية صحرائنا.
ومن هنا ، نؤكد تشبثنا بالمبادرة المقدامة للحكم الذاتي، لجديتها ومصداقيتها المشهود
بها دوليا ، بركائزها الضامنة لحقوق الإنسان والهادفة لتحقيق المصالحة ولم الشمل بين
كافة أبناء صحرائنا المغربية، وبأفقها المغاربي والجهوي البناء المتطلع لرفع التحديات التنموية
للمنطقة وضمان التقدم والرفاهية لساكنتها.
وبنفس العزم، سنواصل جهودنا لتعزيز أواصر الأخوة العربية والإسلامية، سواء بإعطائها
مضمونا اقتصاديا وتنمويا فعليا أو من خلال نصرتنا الدائمة للقضايا العادلة لأمتنا. وفي
طليعتها ، عملنا كرئيس للجنة القدس على صيانة هويتها ووضعيتها كعاصمة للدولة
الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، مؤكدين انخراطنا في إجماع المجتمع الدولي على
رؤية الدولتين، ومرحبين بالتزام الإدارة الأمريكية بالحل العادل بما يقتضيه من مستلزمات
وتوافقات.
ويتمثل الفضاء الثالث في تجسيد تضامن وتعاون المملكة مع الدول الإفريقية الشقيقة،
وفي مقدمتها بلدان الساحل المجاورة، بالمثابرة على إقامة شراكات حقيقية معها، قائمة
على المصالح المشتركة، وتحقيق التنمية المستدامة، واضعين تجاربنا وخبرتنا في خدمتها ،
كنموذج للتعاون جنوب- جنوب بمشاريع تنموية بشرية وهيكلية.
وفي سياق حرصنا على التفعيل الأمثل للوضع المتقدم والمتميز لشراكتنا مع الاتحاد
الأوروبي، ندعو لتضافر جهود كافة الفعاليات الوطنية، للتأهيل لكسب تحدياته وحسن
استثمار الفرص التي يتيحها في جميع المجالات.
وبموازاة ذلك، ينبغي مواصلة الإسهام الجاد في كسب الرهانات الجهوية الجديدة، ومن
كسب الجهوية الجديد
بينها تفعيل المبادرة الواعدة للاتحاد من أجل المتوسط. . الرهانات
وفي نفس السياق، يتعين المضي قدما في تنويع شراكاتنا وتطوير علاقاتنا المتميزة مع
مختلف جهات العالم.
واستكمالا لمنظورنا الشامل للعمل الدبلوماسي، يتعين تعزيز انخراطنا الفعال في الأجندة
متعددة الأطراف وفي حل القضايا العالمية الشمولية.
شعبي العزيز،
إننا نجدد في هذه المناسبة التاريخية عهدنا الوثيق على مواصلة قيادتك، أوفياء للبيعة
المتبادلة.
وبنفس الطموح وصدق العزيمة ووضوح الرؤية، نؤكد الالتزام الراسخ بمضاعفة الجهود ،
ليأخذ مسارنا التنموي وتيرته القصوى سلاحنا في ذلك، الالتحام الراسخ بين العرش والشعب
وتعبئة كل الطاقات لرفع التحديات، بالمثابرة في العمل والثقة في المستقبل.
أوفياء في ذلك للروح الطاهرة لكل من جدنا ووالدنا المنعمين جلالة الملكين، محمد
الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما.
،
وبكامل التقدير ننوه بالقوات المسلحة الملكية والإدارة الترابية وبكافة القوات
العمومية من درك ملكي وأمن وطني وقوات مساعدة ووقاية مدنية في صيانة حوزة الوطن
وأمنه واستقراره.
وبدعاء صادق من قلب خديمك الأول، المفعم بمحبتك ، أسأل الله تعالى أن يحفظ كل
المغاربة، حيثما كانوا ، في أنفسهم وذويهم، وأن يوالي نعمه على هذا البلد الأمين.
كما أضرع إليه جلت قدرته أن يكلل الجهود الخيرة لكل مغربي ومغربية ، داخل الوطن
وخارجه، بالنجاح والتوفيق فيما يسعد أحوالهم ويبلغهم آمالهم ويحقق بعملنا الجماعي لوطننا
الغالي دوام الوحدة والاستقرار، والتقدم والازدهار.
إنه نعم المولى ونعم النصير.
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني». صدق
، بصيرة أنا ومن
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
الله
العظيم.
المجاس الى على السلطة القضائية
الحمد
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2010
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
نخلد اليوم الذكرى الحادية عشرة لاعتلائنا العرش، وهي مناسبة مجيدة لتجديد أواصر
البيعة المتبادلة، والإجماع الوطيد على ثوابت المغرب في وحدة الوطن والتراب والهوية، وعلى
مقدسات الأمة التي نحن كأمير للمؤمنين لها ضامنون؛ عقيدة إسلامية سمحة بخصوصيتها
المغربية القائمة على المذهب السني المالكي، والاحترام المتبادل بين الأديان السماوية، والانفتاح
على الحضارات. وقد ارتأينا أن نكرس خطابنا لهذه السنة، للوقوف الموضوعي على ما قطعناه
من أشواط متقدمة، وما يتعين إزاحته من معيقات، ورفعه من تحديات، لاستكمال مقومات
النموذج التنموي الديمقراطي الذي أردناه مغربيا متميزا، عماده تنمية متناسقة مرتكزة على
نمو اقتصادي متسارع يعزز التضامن الاجتماعي، وقوامه تنمية مستدامة تراعي مستلزمات
الحفاظ على البيئة ، ومنهجه الحكامة الجيدة.
ومن هذا المنطلق، أقدمنا ، منذ تولينا أمانة قيادتك، على انتهاج تحول نوعي في مسارنا
التنموي، باعتماد اختيارات صائبة وناجعة تقوم على أربع دعامات أساسية:
أولاها : قيام الدولة، تحت قيادتنا ، بدورها الاستراتيجي في تحديد الاختيارات الأساسية،
والنهوض بالأوراش الكبرى، والتحفيز والتنظيم وتشجيع المبادرة الحرة والانفتاح الاقتصادي
المضبوط.
أما الدعامة الثانية فهي توطيد الصرح الديمقراطي، إذ ما فتئنا نعمل على ترسيخ دولة
القانون، واعتماد إصلاحات حقوقية ومؤسسية عميقة، وتوسيع فضاء الحريات والممارسة
السياسية الناجعة القائمة على القرب والمشاركة.
بيد أن هذه المكاسب السياسية، على أهميتها، ستظل شكلية ما لم تقترن بالنهوض
بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمواطنينا وبتوطيد التضامن، وجعلهمـا محـورا
،
للسياسات العمومية.
ومن هنا تبرز ضرورة الدعامة الثالثة القائمة على جعل المواطن في صلب عملية التنمية.
وهو ما جسدناه في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي حققت على مدى خمس سنوات، نتائج
ملموسة في محاربة الفقر والإقصاء والتهميش، وذلك ما يحفزنا على مواصلة تطوير برامجها
بالوقوف الميداني والتقويم والتعميم، لتشمل كافة المناطق والفئات المعوزة.
أما الدعامة الرابعة، فهي تمكين الاقتصاد الوطني من مقومات التأهيل والإقلاع بتوفير
التجهيزات الهيكلية واعتماد مخططات طموحة، أخذت تعطي ثمارها الملموسة على المستويات
الاستراتيجية والقطاعية والاجتماعية.
فعلى المستوى الاستراتيجي، أتاحت هذه التجهيزات والمخططات تحديث اقتصادنا والرفع
من إنتاجيته وتنافسيته ومن حجم الاستثمار العمومي، وإقامة أقطاب للتنمية الجهوية المندمجة.
كما مكنت بلادنا، من إطار قار وواضح للتنمية الاقتصادية، ومن الصمود في وجه
تداعيات الأزمة المالية العالمية، فضلا عن ترسيخ موقع المغرب كوجهة محفزة للاستثمارات
المنتجة، ومحور أساسي للمبادلات التجارية الجهوية والعالمية.
وبنفس الإرادة والطموح، فإننا عازمون على مواصلة إنجاز التجهيزات الكبرى بكل
مناطق المملكة، تعزيزا للتقدم الذي حققه المغرب في مجالات توسيع شبكات ومحطات النقل
والمواصلات، وإقامة مناطق حرة ، وأقطاب صناعية مندمجة ، وإنجاز مركبات مينائية كبرى
وفي صدارتها مركب طنجة – المتوسط الذي جعلنا منه في ظرف وجيز قطبا استراتيجيا
صناعيا وتجاريا واستثماريا، يحظى بثقة شركائنا .
أما على المستوى القطاعي، فإننا نحث الحكومة والبرلمان وكافة الفاعلين على مضاعفة
ومة والبرلمان وكـافـة
الجهود للتطبيق الأمثل لكل الاستراتيجيات التنموية.
ففيما يخص الفلاحة، فإننا إذ نحمد الله تعالى على ما من به على بلادنا من أمطار الخير
،
جعلتنا نحقق موسما زراعيا جيدا ، نؤكد عنايتنا بالعالم القروي بدعم مواصلة إنجاز مخطط
المغرب الأخضر ضمن منظورنا التضامني والبيئي والمجالي. هذا المنظور الهادف إلى تنمية مناطق
الواحات بتوسيع المساحات المغروسة بالنخيل والمحافظة على رصيدنا النباتي والغابوي، ولا سيما
شجرة الأركان، باعتبارها ثروة فلاحية مغربية أصيلة ، ومن مقومات منظومتنا الإيكولوجية.
أما قطاع الصيد البحري، فإن نظرتنا المستقبلية لتطويره، ترتكز على جعل الاستثمار في
تربية الأسماك محورا لمخطط «أليوتيس وموردا جديدا ، يعزز تحديث وعقلنة استغلال ثرواتنا
السمكية.
وفيما يتعلق بالسياحة، فإن النقلة النوعية لتفعيل رؤية 2010، ولا سيما بارتفاع عدد
السياح إلى أزيد من تسعة ملايين وافد، تشكل خير محفز للانخراط في الرؤية الجديدة
للعشرية القادمة 2020-2010.
وبنفس روح المبادرة، يجب الدفع بمخطط «إقلاع بالإقدام على صناعات ومهن جديدة
ذات صبغة عالمية، بموازاة مع تسهيل إحداث المقاولات، وخاصة منها الصغرى والمتوسطة.
أما قطاع السكن، فإن المجهود التحفيزي الكبير الذي تبذله الدولة، يتطلب انخراط
كافة الفاعلين والتزام السلطات الحكومية المعنية بالحزم والفعالية والتطبيق الصارم
للقانون، وتركيز جهودها لتحقيق ما نتوخاه من تمكين ذوي الدخل المحدود وقاطني الأحياء
الصفيحية من الحصول على سكن اجتماعي لائق وفق برامج مضبوطة.
وتظل غايتنا المثلى من الأوراش التنموية، ليس فقط تحفيز الاستثمار والمبادرة الحرة،
وإنما بالأساس، تأثيرها الإيجابي على تحسين ظروف العيش لمواطنينا ، خاصة المعوزين منهم،
وتوفير فرص الشغل للشباب.
شعبي العزيز،
إن النتائج المشجعة التي بلغتها المخططات القطاعية لا ينبغي أن تحجب عنا كونها ستظل
محدودة النجاعة بدون إزاحة ثلاثة عوائق رئيسية، وفي مقدمتها ضعف التنافسية، مؤكدين
على ضرورة التفعيل الأمثل للاستراتيجية الوطنية للمناطق اللوجستيكية.
أما العائق الثاني، فيتعلق باختلال تناسق حكامة هذه المخططات الذي يجب إزاحته
باعتماد الآليات اللازمة لتفاعلها، ضمن منظور استراتيجي مندمج ، لا مجال معه للنظرة
القطاعية الضيقة.
ويظل العائق الثالث، بل التحدي الأكبر، هو تأهيل الموارد البشرية. وهنا تجب المصارحة
بأنه من مسؤولية الجميع، الإقدام على اتخاذ قرارات شجاعة، لتحقيق الملاءمة بين التكوين
العلمي والمهني والتقني وبين مستلزمات الاقتصاد العصري، وتشجيع البحث العلمي
والابتكار، والانخراط في اقتصاد ومجتمع المعرفة والاتصال.
،
وبدون ذلك، فإن النظام التعليمي الذي طالما واجه عراقيل ديماغوجية حالت دون تفعيل
الإصلاحات البناءة، سيظل يستنزف طاقات الدولة ومواهب الفئات الشعبية في أنماط عقيمة
من التعليم، تنذر بجعل رصيدنا البشري عائقا للتنمية، بدل أن يكون قاطرة لها.
شعبي العزيز،
مهما بلغ نموذجنا التنموي من تطور، فإنه يتعين على الجميع، خاصة في سياق الأزمة
العالمية، مضاعفة التعبئة واليقظة والاستباق والمبادرة لتحقيق طموحنا الكبير، للارتقاء
بالمغرب إلى المكانة الجديرة به في مصاف الدول المتقدمة. وهو ما يجعلنا أكثر عزما على
تمكين بلادنا من مقومات تنموية ومؤسسية جديدة، كفيلة بتحقيق نقلة حاسمة نحو الانخراط
الإيجابي في العولمة وفي المسار الجديد للتنمية البيئية الخضراء، وكسب رهانات الحكامة
الجيدة، وتوسيع الطبقة الوسطى.
ولن يتأتى ذلك إلا بمواصلة الإصلاحات والانخراط في التوجهات الأربعة التالية :
أولها : النهوض بالتنمية المستدامة، وفي صلبها المسألة البيئية، باعتبارها قوام النمو
الأخضر والاقتصاد الجديد بما يفتحه من آفاق واسعة لانبثاق أنشطة مبتكرة واعدة بالتشغيل.
ومن هنا، ندعو الحكومة لتجسيد التوجهات الكبرى للحوار الواسع بشأن إعداد ميثاق
وطني لحماية البيئة والتنمية المستدامة، في خطة عمل مندمجة بأهداف مضبوطة وقابلة
للإنجاز في كل القطاعات.
وبموازاة ذلك، نحث الحكومة على بلورة هذا الميثاق في مشروع قانون-إطار نريده مرجعا
للسياسات العمومية لبلادنا.
المملكة المغربية
وفي هذا الصدد، ينبغي الانخراط القوي في تنفيذ استراتيجية النجاعة الطاقية، لا
سيما الطاقات المتجددة والنظيفة، وذلك بمواصلة الاستغلال الأمثل للطاقة الريحية، وتعميم
محطاتها على كل المناطق الملائمة بلادنا – أمل لمساحة الرب
سلة
وفي نفس السياق، يتعين الإقلاع القوي بمشروعنا الكبير لإنتاج الطاقة الشمسية الذي
رصدنا له وكالة مختصة واستثمارات ضخمة، داعين لمضاعفة الجهود لجلب شراكات
مثمرة لإنجاز هذا المشروع الرائد عالميا.
كما يجب استثمار المكاسب المشهود بها للمغرب في مجال السدود، وتعزيزها بسياسة
جديدة للماء تقوم على تعبئة موارده وعقلنة استعمالها.
أما التوجه الثاني، فهو رفع تحديات الانفتاح والتنافسية ، وذلك بالإقدام على الإصلاحات
الضرورية لإعادة هيكلة القطاعات التي أبانت الأزمة العالمية عن محدوديتها والاستفادة من
بوادر انتعاش الاقتصاد العالمي.
كما يجب الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الأساسية، وترشيد الإنفاق العمومي
وتحديث الإطار القانوني المحفز في مجال الأعمال، وكذا حسن استثمار مصداقية
القطاع البنكي والمالي الوطني والثقة التي يحظى بها المغرب كقطب لحركة
رؤوس الأموال والاستثمارات العالمية
.
ويتعلق التوجه الثالث، بتوطيد الحكامة الجيدة التي نحن عازمون على مواصلة إنجاز ما
تقتضيه من إصلاحات تنموية ومؤسسية وسياسية، وفي صدارتها الجهوية الموسعة التي لا نعتبرها
فقط نمطا جديدا للحكامة الترابية، وإنما هي في العمق، إصلاح وتحديث لهياكل الدولة.
وبموازاة مع انشغالنا البالغ بإصلاح القضاء، عماد سيادة القانون، ليأخذ وجهته
الصحيحة، وفق جدولة مضبوطة ، فإننا حريصون على حسن انطلاق المجلس الاقتصادي
والاجتماعي، ليساهم في توطيد الحكامة التنموية الجيدة.
أما التوجه الرابع، فهو تركيز السياسات العمومية على توسيع قاعدة الطبقة الوسطى،
باعتبارها ركيزة للتوازن الاجتماعي والتنمية والتحديث.
شعبي العزيز،
إن ترسيخ مكانة المغرب وإشعاعه الجهوي والدولي يقتضي تعميق التكامل بين
السياستين الداخلية والخارجية، ومواصلة انتهاج دبلوماسية فعالة، لتمتين انفتاح بلادنا على
محيطها، خدمة لمصالحها العليا.
واعتبارا لانتمائه المتعدد، فإن المغرب يعطي الأسبقية في علاقاته الخارجية، لجواره
ولمحيطه القريب والمتنوع، عاملا على جعل رهاناته المتعددة، فرصا ،حقيقية، يتعين استثمارها ،
لخدمة المصالح الجوهرية لكل شعوب المنطقة.
وإذ نعتبر الاندماج المغاربي تطلعا شعبيا عميقا، وضرورة استراتيجية وأمنية ملحة، وحتمية
اقتصادية، يفرضها عصر التكتلات ، فإننا حريصون على مواصلة التشاور والتنسيق، لتعميق
علاقاتنا الثنائية مع الدول المغاربية الشقيقة، وذلك في انتظار أن تتخلى الجزائر عن معاكسة
منطق التاريخ والجغرافيا والمشروعية بشأن قضية الصحراء المغربية، وعن التمادي في مناوراتها
اليائسة لنسف الدينامية التي أطلقتها مبادرتنا للحكم الذاتي لأقاليمنا الجنوبية.
هذه المبادرة المقدامة التي تظل مقترحا واقعيا ، يتسم بروح الابتكار والتوافق لإيجاد حل
نهائي لهذا النزاع الإقليمي في نطاق منظمة الأمم المتحدة، مؤكدين استعداد المغرب لمواصلة
دعم جهود المنظمة الأممية وأمينها العام ومبعوثه الشخصي.
وفي جميع الأحوال، فإن المغرب سيظل مدافعا عن سيادته ووحدته الوطنية والترابية، ولن
يفرط في شبر من صحرائه.
وسنمضي قدما في تفعيل الرؤية الطموحة التي حددناها في الخطاب الأخير للمسيرة
الخضراء، سواء بجعل الصحراء المغربية في صدارة إقامة الجهوية الموسعة ، أو بمواصلة جهودنا
الدؤوبة للتنمية التضامنية لأقاليمنا الجنوبية ، أو بحرصنا على إعادة الهيكلة العميقة للمجلس
الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية.
كما سنكثف جهودنا لرفع الحصار عن رعايانا بمخيمات تندوف، وتمكينهم من حقهم
المشروع في العودة إلى الوطن الأم ، وجمع شملهم بعائلاتهم وذويهم، طبقا للاتفاقيات الدولية
ذات الصلة.
وتجسيدا لانتمائه الإفريقي، فإن المغرب سيظل وفيا لانتهاج سياسة إفريقية متناسقة،
هادفة لتحقيق التنمية البشرية، وتعزيز الأمن الإقليمي، خاصة في إطار التعاون مع بلدان
الساحل والصحراء، ومع الدول الإفريقية الأطلسية، لمواجهة المخاطر الأمنية المتعددة.
ووفاء منا لأواصر الأخوة والتضامن العربي الإسلامي، ما فتئنا نساهم بفعالية في نصرة
القضايا العادلة لأمتنا، وفي الجهود الهادفة لإيجاد حل شامل وعادل ودائم بمنطقة الشرق
الأوسط على أساس حل الدولتين. ونهوضا بأمانة رئاسة جلالتنا للجنة القدس، كرمز للضمير
الجماعي الإسلامي في الدفاع عن الهوية الأصيلة لهذه المدينة السليبة وحرمة مقدساتها ،
نؤكد ضرورة تضافر كل المبادرات والجهود عربيا وإسلاميا ودوليا وفق استراتيجية
متكاملة ومتناسقة، وتحرك عالمي تضامني، انطلاقا من قرارات الشرعية الدولية للتصدي
الحازم للانتهاكات والمخططات التوسعية الإسرائيلية المتمادية في سياسة فرض الأمر الواقع
ومحاولات الاستفراد الإسرائيلي بمصير القدس الشريف.
،
ومن هنا، سنواصل الدفاع عن طابعها الروحي والحضاري والقانوني كعاصمة للدولة
الفلسطينية المستقلة. كما نجدد حرص المغرب على الالتزام بتطوير الشراكة الأورو-متوسطية
الواعدة، والوضع المتقدم مع الاتحاد الأوروبي الذي يتطلب تعبئة جميع السلطات والفعاليات
الوطنية في نطاق عمل جماعي ومتناسق لتحديد فضاءاته ومداه ووتيرته، بغية الاستثمار الأمثل
لما يتيحه من فرص.
وعلاوة على انشغالاته الإقليمية، ما فتئ المغرب يعمل على تطوير وتنويع شركائه، ولا
سيما من خلال اتفاقيات متعددة الأبعاد، خاصة منها اتفاقيات التبادل الحر، والشراكات
التعاقدية والتفضيلية.
كما أن بلادنا تضع في صدارة أسبقياتها ، الانخراط القوي في الإجماع الدولي المتجدد من
أجل انبثاق حكامة عالمية إنسانية قائمة على الإنصاف والمسؤولية والتشارك.
شعبي العزيز،
في هذا اليوم المجيد، نستحضر، بكل إجلال وترحم وخشوع، الأرواح الطاهرة لرواد
التحرير والاستقلال وبناء صرح دولتنا الحديثة، جدنا ووالدنا المنعمين، جلالة الملكين،
محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما ، وكافة شهداء الوطن الأبرار.
كما نوجه إشادة خاصة، للقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والإدارة
الترابية والقوات المساعدة والوقاية المدنية على تفانيهم تحت قيادتنا في الدفاع عن حوزة
الوطن وسيادته وأمنه وإسهامهم في عمليات الإغاثة الإنسانية.
،
وإذ ننوه بالعبقرية الخلاقة لشعبنا الوفي، وبروح الغيرة الوطنية والمسؤولية العالية لكافة
فئاته، نعرب عن اعتزازنا بأفراد جاليتنا المغربية المقيمة بالخارج لتشبثهم القوي بوطنهم
وإقبالهم المتزايد على صلة الرحم بأهلهم وببلدهم، رغم تداعيات الأزمة على بلدان إقامتهم،
وكذا لانخراطهم الفاعل في تقدمه وفي الدفاع عن قضاياه ومصالحه العليا.
ووفاء لعهدنا المشترك، سنواصل عملنا الجماعي بكل طموح وثقة لاستكمال بناء مغرب
الوحدة والديمقراطية والتنمية رصيدنا في ذلك الإرادة الحازمة لخديمك الأول والتلاحم
المتين بين العرش والشعب الذي شكل عبر تاريخنا الوطني مصدر قوة لرفع التحديات في إيمان
الله الصادق: «ولينصرن الله من ينصره، إن الله
لقوي عزيز». صدق الله
العظيم.
بوعد
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
سلطة القضائية
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2011
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
إنه لمن دواعي الاعتزاز أن نحتفل بالذكرى الثانية عشرة لاعتلائنا العرش، في ظل الدستور
الجديد للمملكة الذي ارتضيناه ، ملكا وشعبا ، باستفتاء الأمة، تعاقدا متجددا، مرسخا
للعهد الوثيق بين العرش والشعب.
ونود ، بداية، الإشادة بالمشاركة المكثفة، والانخراط القوي للشعب المغربي كافة، في
المدن والبوادي ، داخل الوطن وخارجه، أفرادا وجماعات نساء ورجالا، شبابا وكهولا،
أحزابا ونقابات وجمعيات، لجنة استشارية وآلية سياسية ، ونخبا فكرية، في إنجاز هذا
التحول الكبير الذي تحقق بإرادة وطنية مستقلة وهو ما يجعله مبعث اعتزاز لجميع المغاربة،
وموضع تقدير دولي للنموذج المغربي المتميز.
كما نود التنويه بما بذلته جميع السلطات العمومية، والتمثيليات الدبلوماسية للمملكة،
من جهود دؤوبة، لحسن تنظيم هذا الاستفتاء الدستوري، بما يقتضيه الأمر من التزام
بالقانون، ونزاهة وشفافية وحياد.
والآن، وبعد أن قال الشعب كلمته الحاسمة، بالمصادقة على الدستور الجديد ، بمضامينه
المتقدمة، بما يجعله دستورا لجميع المغاربة، فقد ارتأينا أن يكون خطابنا لك اليوم، منصبا
حول المرحلة الموالية للمصادقة عليه. إنها مرحلة تفعيله الأمثل، روحا ومنطوقا ، والذي نحن به
ملتزمون، وله ضامنون، وعلى حسن تطبيقه ساهرون.
بيد أن أي دستور، مهما بلغ من الكمال، فإنه ليس غاية في حد ذاته، ولا نهاية المطاف،
وإنما هو أساس متين، لتعاقد سياسي جديد، على المضي قدما في ترسيخ دولة القانون
وحقوق الإنسان والحكامة الجيدة والتنمية، وذلك بإرساء مؤسسات ناجعة وذات مصداقية.
ومهما كانت فعالية هذه المؤسسات، فستظل صورية، ما لم تنعكس نتائج عملها على
الوطن صيانة لسيادته وأمنه ووحدته، وتنميته وتقدمه ؛ وعلى المواطنين: حرية، ومساواة،
وكرامة، وعدالة اجتماعية.
وإذا كنا قد حققنا ، شعبي العزيز، طموحنا الوطني الكبير، للدخول في عهد ديمقراطي
جديد، فإن التحدي الأكبر هو تأهيل وتعبئة كل الفاعلين ليصبح هذا الدستور واقعا
ملموسا ، وممارسة يومية، تجسد دمقرطة الدولة والمجتمع معا، وتفتح آفاقا مستقبلية، واعدة
بالعيش الحر الكريم، وخاصة لشبابنا وللفئات الشعبية.
،
ويظل عمادنا لرفع تحديات المرحلة المقبلة الإيمان القوي بثوابتنا الوطنية، والثقة الكاملة
في ذاتنا وقدراتنا، وفي مصداقية مؤسساتنا ، ووجاهة اختياراتنا، وفي دينامية مجتمعنا،
والعمل الدؤوب، والاستثمار الأمثل لمناخ الثقة الذي كرسه الإقرار الشعبي الجماعي للدستور.
شعبي العزيز،
إن نهوضنا بأمانتنا الدستورية، في ضمان حسن سير المؤسسات الدستورية، يتجسد ، قبل
كل شيء، خلال هذه المرحلة الهامة في حرصنا على حسن إقامتها في أقرب الآجال، وفق
المرتكزات الثلاثة التالية :
،
. أولا : الالتزام بسمو الدستور روحا ومنطوقا ، كنهج قويم ووحيد لتطبيقه. ومن ثم، نعتبر
أن أي ممارسة أو تأويل، مناف لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفوضا مخالفا لإرادتنا،
ملكا وشعبا.
• ثانيا : إيجاد مناخ سياسي سليم، جدير بما أفرزه هذا الدستور من مغرب جديد ،
، جدير بما أفرزه هذا الدستور مـ
مفعم
بروح الثقة والعمل، والإقدام والتعبئة والأمل، والالتزام بتجسيد جوهره المتقدم على أرض
الواقع.
• ثالثا : العمل بروح التوافق الإيجابي على تفعيل المؤسسات الدستورية، بالاعتماد الجيد
للنصوص القانونية اللازمة والإصلاحات السياسية الهادفة لانبثاق مشهد سياسي
ومؤسسي جديد وسليم جدير بدستورنا المتقدم، وكفيل بعدم إنتاج ما يشوب المشهد
الحالي من سلبيات واختلالات.
فكل تباطؤ من شأنه رهن دينامية الثقة، وهدر ما يتيحه الإصلاح الجديد من فرص
التنمية، وتوفير العيش الكريم لشعبنا الأبي، فضلا عن كون كل تأخير يتنافى مع الطابع
المؤقت للأحكام الانتقالية للدستور.
وعلى هذا الأساس، ندعو كافة الفاعلين المعنيين، إلى اعتماد جدولة زمنية مضبوطة ،
تمكنهم وسائر المواطنين من رؤية واضحة لإقامة المؤسسات الدستورية، في الأماد القصيرة
والمتوسطة.
،
فعلى المدى القريب، ينبغي إعطاء الأسبقية لإقرار القوانين الجديدة، المتعلقة
بالمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وفي هذا الصدد، تجدر البداية بانتخاب مجلس النواب الجديد، لنتولى بناء على نتائج
الاقتراع الخاص به، وطبقا لأحكام الدستور، تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي
سيتصدر نتائج انتخاباته، وليتأتى، بإذن الله، تشكيل حكومة جديدة، منبثقة من أغلبية
برلمانية ، متضامنة ومنسجمة
أما بالنسبة لمجلس المستشارين، فإن إقامته رهينة بالمصادقة على القوانين التنظيمية
والتشريعية، المتعلقة بالجهوية المتقدمة وبالجماعات الترابية الأخرى وبالغرفة الثانية ، وكذا
بإجراء الاستحقاقات الانتخابية الخاصة بها، وفق جدولة زمنية محددة، يتم إكمالها بتنصيب
مجلس المستشارين، بتركيبته الجديدة، قبل متم سنة 2012 .
وفي هذا الإطار، نحث جميع الفاعلين المعنيين على العمل البناء لتوفير الظروف الملائمة ،
لجعل هذا المسار الانتخابي المتعدد والمتوالي يتم في التزام بقيم النزاهة والشفافية، والتحلي
بالمسؤولية العالية، وجعل المصالح العليا للوطن والمواطنين فوق كل اعتبار.
وانطلاقا مما رسخه الدستور، من إقامة سلطة قضائية مستقلة، فإنه يتعين العمل،
في الأمد المنظور، على إقرار التشريعات المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية،
وبالمحكمة الدستورية.
. أما على المدى المتوسط، فيظل التأهيل التشريعي العام من أهم الأوراش التي على
الحكومة والبرلمان النهوض بها قبل نهاية الولاية التشريعية المقبلة. وهو ما يقتضي بلورة خارطة
طريق مضبوطة، لإعداد واعتماد مختلف القوانين التنظيمية، وإقامة المؤسسات المرتبطة
بها، الحقوقية منها والتنموية.
وإذا كان من الطبيعي أن يعترض التطبيق السليم للدستور الجديد، كأي مسار تاريخي،
بعض الصعوبات، وأن تقف أمامه بعض المعيقات؛ فإن على الجميع، كل من موقعه، التعبئة
الشاملة، والمشاركة المواطنة والملتزمة في بناء هذا الصرح الدستوري المتقدم بروح ا
والعمل الجماعي؛ بعيدا عن نزوعات التيئيس والعدمية، والممارسات التضليلية البالية.
الثقة
شعبي العزيز،
إن استكمال بناء الصرح المؤسساتي والتنموي للدستور الجديد، يظل رهينا بالعمل الجاد
من أجل التأهيل العميق والفعلي للمشهد السياسي، واستثمار مناخ الثقة لإعادة الاعتبار للعمل
السياسي النبيل في بلادنا.
وفي هذا الصدد، فإن الأحزاب السياسية التي كرس الدستور الجديد مكانتها، كفاعل
محوري في العملية الديمقراطية، أغلبية ومعارضة، مدعوة المضاعفة جهودها لتحقيق مصالحة
المواطنين، وخاصة الشباب، مع العمل السياسي، بمفهومه الوطني النبيل، سواء في نطاق
الأحزاب التي أناط بها الدستور مهمة المساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، أو بالانخراط
في المؤسسات الحكومية، الممارسة للسلطة التنفيذية، أو في المؤسسة البرلمانية، ذات السلطات
التشريعية والرقابية الواسعة، أو في هيئات وآليات الديمقراطية المحلية، أو التشاركية، أو
المواطنة.
وفي نفس السياق، فإن المنظومة الدستورية الجديدة، تتطلب من الفاعلين السياسيين
التنافس الجاد في بلورة مشاريع مجتمعية متميزة، وتجسيدها في برامج تنموية خلاقة وواقعية،
وكذا في اختيار النخب المؤهلة لحسن تدبير الشأن العام، وطنيا وجهويا ومحليا.
بيد أن التكريس الدستوري لمبدإ ربط القرار السياسي بنتائج صناديق الاقتراع، يلقي
على عاتق المواطنات والمواطنين النهوض بالأمانة الجسيمة لحسن اختيار ممثليهم. فعلى الجميع
أن يستشعروا أن الأحزاب والاختيارات التي يريدها الشعب، والمؤسسات المنبثقة عن إرادته،
هي التي ستتولى الحكم نيابة عنه، وتتخذ القرارات المتعلقة بتدبير الشأن العام، طيلة مدة
انتدابها، باختيار منه. على السلطة القضائية
كما أن على المنتخبين استحضار أن تلازم المسؤولية بالمحاسبة قد صار قاعدة لها
سموها الدستوري، وجزاؤها القانوني، وضوابطها الأخلاقية الملزمة.
وبموازاة ذلك، يجدر تفعيل التكريس الدستوري لكل من دور المجتمع المدني، ووسائل
الإعلام والاتصال في البناء السياسي والحقوقي والتنموي بما يمكنهما من النهوض
بمسؤوليتهما الفاعلة، كقوة اقتراحية، وكرافعة ناجعة وشريك أساسي في توطيد هذا
البناء.
شعبي العزيز،
إن التعاقد الدستوري والسياسي الجديد، بما يكفله من منظومة متكاملة لحقوق
الإنسان، وواجبات المواطنة، سيبقى صوريا ما لم يقترن بانبثاق تعاقد اجتماعي واقتصادي
تضامني ، يجعل كل مواطن ومواطنة يلمس الأثر الإيجابي لهذه الحقوق على معيشه اليومي،
وعلى تقدم وطنه.
ومن هنا، فإن تفعيل آليات الدستور الجديد ، لا يجوز أن يحجب عنا ضرورة مواصلة جهود
التنمية ، بل يتعين أن يكون ، بحكامته الجيدة، رافعة قوية لتسريع وتيرتها في حفاظ على
التوازنات الماكرو – اقتصادية والمالية التي صارت قاعدة دستورية.
كما أن توسيع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي جاء بها الدستور
الجديد، يقتضي مواصلة رفع التحدي الأكبر، للتصدي للبطالة والفقر، والهشاشة والأمية،
وذلك من خلال إطلاق جيل جديد من الإصلاحات العميقة لتيسير أسباب ولوج كل مواطن،
لجوهر هذه الحقوق من تعليم نافع، وعمل منتج، وتغطية صحية، وسكن لائق، وبيئة سليمة،
وكذا من تنمية بشرية، ولا سيما من خلال مواصلة التفعيل الأمثل لبرامج المبادرة الوطنية
للتنمية البشرية.
وبنفس العزم، فإن التعاقد الاقتصادي الجديد، يقتضي الاهتمام بمنظومة الإنتاج
الاقتصادي، وإذكاء روح المبادرة الحرة، خاصة من خلال تشجيع المقاولات الصغرى
والمتوسطة، بما ينسجم مع روح الدستور الجديد الذي يكرس دولة القانون في مجال
الأعمال، ومجموعة من الحقوق والهيئات الاقتصادية، الضامنة لحرية المبادرة الخاصة،
ولشروط المنافسة الشريفة، وآليات تخليق الحياة العامة، ولضوابط زجر الاحتكار
والامتيازات غير المشروعة، واقتصاد الريع والفساد والرشوة
شعبي العزيز،
إن القانون الأسمى الجديد للمملكة، بما يكرسه من تشبث بالمرجعيات والقيم الكونية
المثلى، ومن سمو للمواثيق الدولية، كما صادقت عليها المملكة ، على التشريعات الوطنية ،
يشكل رافعة قوية لعمل الدبلوماسية الوطنية، في خدمة المصالح العليا والقضايا العادلة
للمغرب، وتعزيز إشعاعه الجهوي والدولي.
وإننا لواثقون بأن هذا التطور المؤسسي والتنموي المتميز بإرسائه لدعائم الجهوية الموسعة،
والحكامة الترابية، بكل مناطق المملكة، وفي صدارتها أقاليمنا الجنوبية، سيشكل دعما
قويا لمبادرة الحكم الذاتي، كحل سياسي ونهائي للنزاع المفتعل حول صحرائنا، وذلك من
خلال تفاوض جاد، مبني على روح التوافق والواقعية، وفي إطار المنظمة الأممية، وبالتعاون مع
أمينها العام ومبعوثه الشخصي.
وإذ نؤكد أن قضية وحدتنا الترابية ستظل أسبقية الأسبقيات في سياستنا الداخلية
والخارجية، فإننا ماضون في الدفاع عن سيادتنا ووحدتنا الترابية التي لا مجال فيها للمساومة.
وانطلاقا من ثوابت سياستنا الخارجية التي عملنا ، منذ اعتلائنا العرش، على ترسيخها ،
فإننا عازمون على المضي قدما في خدمة المصالح العليا للوطن، وتوطيد روابط انتمائه الإقليمي،
وتنمية علاقاته الدولية، مهما كانت الإكراهات الناجمة عن السياقات الدولية المضطربة ،
والأوضاع الإقليمية الصعبة.
كما أن تعزيز انخراط المغرب في المنظومة الحقوقية الدولية، طبقا لما كرسه الدستور
الجديد من دسترة قواعد الحكامة الجيدة، كفيل بترسيخ مصداقية بلادنا كشريك اقتصادي
ذي جاذبية قوية في ميدان الاستثمار، عماده في ذلك رصيده الهام في مجال الشراكات والتبادل
الحر مع عدة دول ومجموعات، سواء في جوارنا المباشر ، أو مع قوى اقتصادية أخرى وازنة.
أما بالنسبة لروابط انتمائنا الإقليمي، فإننا سنظل متشبثين ببناء الاتحاد المغاربي، كخيار
استراتيجي ومشروع اندماجي لا محيد عنه مع ما يقتضيه الأمر من تصميم ومثابرة، لتذليل
العقبات التي تعرقل مع كامل الأسف، تفعيله ضمن مسار سليم ومتجانس.
وفي هذا الصدد، فإن المغرب لن يدخر جهدا لتنمية علاقاته الثنائية مع دول المنطقة؛ مسجلين
الوتيرة الإيجابية للقاءات الوزارية والقطاعية الجارية المتفق عليها مع الجزائر الشقيقة.
وإننا لملتزمون، وفاء لأواصر الأخوة العريقة بين شعبينا الشقيقين، ولتطلعات الأجيال
الصاعدة، بإعطاء دينامية جديدة منفتحة على تسوية كل المشاكل العالقة من أجل تطبيع
كامل للعلاقات الثنائية بين بلدينا الشقيقين، بما فيها فتح الحدود البرية، بعيدا عن كل
جمود أو انغلاق، مناف لأواصر حسن الجوار وللاندماج المغاربي وانتظارات المجتمع الدولي،
والفضاء الجهوي.
وعلى مستوى انتمائه العربي والإسلامي، فإن المغرب الذي يتابع بانشغال ما يجري
في بعض البلدان العربية الشقيقة من تحولات يعتبر أنه لا مناص من التعاطي مع قضايانا
وتحدياتنا، بروح جريئة واستشرافية بالحوار التوافقي البناء، بعيدا عن كل أشكال
التعامل التقليدي الذي برهن عن محدوديته وعدم جدواه، وذلك لتطويق المخاطر المهددة
لسلامة الدول ووحدتها الترابية
وإن خدمة المصالح الحيوية للأمة العربية في هذا الاتجاه، ليقتضي، قبل كل شيء،
الاعتماد على روح التعاون والتكامل، والشراكة المثلى بين كل مكونات الوطن العربي،
وتكتلاته الإقليمية.
وتظل القضية الفلسطينية في صدارة اهتماماتنا ، ولا سيما في هذه الظرفية التي تشهد
انبثاق آمال عريضة ، أفرزتها المواقف الإيجابية لبعض الأطراف الدولية الكبرى، والآثار
المنشودة من المصالحة الفلسطينية.
وبصفتنا رئيسا للجنة القدس، فإننا نوجه نداء للرباعية الدولية، لتحمل مسؤولياتها في
هذه المرحلة الدقيقة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مجددين التأكيد على أن السلام
العادل والدائم والشامل في منطقة الشرق الأوسط، يمر عبر ضمان حقوق جميع شعوب المنطقة
في الحرية والاستقرار والازدهار، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للاستمرار، عاصمتها
القدس الشرقية.
أما علاقاتنا مع عمقنا الإفريقي الذي يشكل مجالا لفرص واعدة، فإننا حريصون على
نهج مقاربة متجددة، قائمة على التضامن ومبنية على تعزيز الأمن والاستقرار، خاصة في
منطقة الساحل والصحراء، فضلا عن خلق شروط تنمية بشرية ، تسهم في النهوض بالإنسان
الإفريقي، طبقا لأهداف الألفية للتنمية.
كما أن ما يجري من أحداث ومتغيرات في منطقة جنوب المتوسط، يؤكد ضرورة تحقيق
نقلة نوعية في مسارات الشراكة بين الشمال والجنوب من أجل خلق فضاء اقتصادي وإنساني
متضامن ومنسجم، تتقاسم شعوبه قيم الديمقراطية والتنمية المشتركة.
ويمكن لشراكة المغرب مع الاتحاد الأوروبي، بمختلف أبعادها ، أن تشكل مصدر إلهام
لصياغة هذه المقاربة المتكافئة ، ذات المنافع المتبادلة.
وسيواصل المغرب تعاونه مع باقي الشركاء، في القارتين الأمريكية والآسيوية، في إطار
شراكات استراتيجية مثمرة، بما يضفي المزيد من الحيوية على شراكاتنا عبر العالم.
شعبي العزيز،
في هذا الظرف التاريخي المتميز بتدشين عهد دستوري جديد، نستحضر بكل خشوع
وإكبار ، الأرواح الطاهرة لجدنا المقدس بطل الحرية والاستقلال، جلالة الملك محمد
الخامس، ووالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، باني الدولة المغربية العصرية، وكافة
شهداء الوطن الأبرار، أكرم الله مثواهم.
كما نتوجه بالإشادة إلى قواتنا المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني،
والإدارة الترابية، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، على تفانيهم وتجندهم الدائم، تحت
قيادتنا للدفاع عن حوزة الوطن وسيادته ، وصيانة أمنه واستقراره.
شعبي العزيز،
كما أن لكل زمن رجاله ونساءه ، ولكل عهد مؤسساته وهيئاته، فإن دستور 2011،
بصفته دستورا متقدما من الجيل الجديد للدساتير، يستلزم بالمقابل جيلا جديدا من النخب
المؤهلة ، المتشبعة بثقافة وأخلاقيات سياسية جديدة قوامها التحلي بروح الغيرة الوطنية،
والمواطنة الملتزمة والمسؤولية العالية وخدمة الصالح العام.
كما يتطلب انتهاج السياسات المقدامة الكفيلة بتحصين المكتسبات، وتقويم
الاختلالات، والنهوض بالإصلاحات الشاملة.
وذلكم هو السبيل الأمثل لتحقيق طموحنا الجماعي لبناء مغرب جديد ، موحد ومتقدم،
يحقق المواطنة الكاملة لكل أبنائه، ويحفظ كرامتهم ، ويصون وحدة الوطن وسيادته.
«ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيء لنا من أمرنا رشدا». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
الله تقال و براة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة عيد العرش المبيد
30 يوليوز 2012
«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
نخلد اليوم الذكرى الثالثة عشرة لاعتلائنا العرش، باعتبارها مناسبة متجددة تجسد
عمق ما يربطك بالعرش من أواصر الولاء الدائم والبيعة الوثقى والتلاحم العميق.
كما أنها مناسبة مواتية لتأكيد الخيارات الأساسية لبلادنا التي كرسها الدستور الجديد
للمملكة الذي أجمعت الأمة على اعتباره ميثاقا متميزا، بما يفتحه أمامك، شعبي العزيز،
من آفاق المشاركة الفعالة. وهو ما يحملنا جميعا مسؤولية العمل المشترك لاستكمال نموذجنا
المتميز في توطيد صرح الدولة المغربية العصرية، المتشبعة بقيم الوحدة والتقدم والإنصاف
والتضامن الاجتماعي في وفاء لهويتنا العريقة.
المغربية
لقد دخلت بلادنا مرحلة جديدة، لم تكن محض مصادفة، ولا من صنع ظروف طارئة ،
بقدر ما تعد ثمرة سياسة متبصرة واستراتيجية متدرجة، انتهجناها منذ اعتلائنا العرش
بإرادة سيادية كاملة، في تجاوب تام مع تطلعاتك المشروعة. فكان في مقدمة انشغالاتنا ترسيخ
تلاحم المجتمع المغربي بتحقيق مصالحة المغاربة مع ذاتهم وتاريخهم ، وذلك من خلال عمل هيئة
الإنصاف والمصالحة، وكذا رد الاعتبار للأمازيغية كمكون من مكونات الهوية، ورصيد
مشترك لجميع المغاربة، وتوسيع فضاء الحريات وحقوق الإنسان، مع تخويل المرأة وضعا ،
في إطار مدونة الأسرة، يحفظ لها كرامتها وينصفها ويمكنها من سبل المشاركة
في الحياة العامة.
كما أقدمنا على إصلاحات اقتصادية عميقة لتعزيز البنيات التحتية للمدن المغربية
وتحسين تهيئتها، وفك العزلة عن العالم القروي من خلال تزويده بالتجهيزات اللازمة، عاملين
على توفير المناخ الملائم لتحفيز الاستثمار، علاوة على نهج سياسة للتأهيل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، عززنا أوراش العمل الاجتماعي والتنموي بإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية
البشرية منذ سنة 2005، وفق رؤية شمولية لمحاربة الإقصاء والتهميش والفقر.
وبصفتنا أميرا للمؤمنين ما فتئنا نعمل بمقتضى البيعة المقدسة التي نتولى أمانتها
العظمى، على أن تظل المملكة المغربية نموذجا في الالتزام بالإسلام السني الوسطي السمح
الذي لا مكان فيه للتطرف والتعصب والغلو والانغلاق.
كما ارتقينا بالمجلس العلمي الأعلى إلى مؤسسة دستورية، قائمة بالمهام الموكولة إليها
في الفتوى وتقديم المشورة لجلالتنا في كل ما يهم الشأن الديني.
وبانخراطنا الجاد في هذه الإصلاحات، تمكنا من فتح ورش المراجعة الدستورية، وفق
مقاربة تشاركية، بيد أن إطلاق هذا المسار الطموح لم يكن هدفا في حد ذاته، وإنما
هو سبيل لاستكمال دولة الحق والمؤسسات وتحقيق التنمية الشاملة، وذلك شريطة أن
يتحمل الجميع نصيبه من الالتزام المسؤول حكومة وممثلين للأمة ومنتخبين محليين وأحزابا
سياسية ونقابات وفاعلين اقتصاديين ومجتمعا مدنيا، وفاء للميثاق الذي أجمعت عليه الأمة
باعتمادها للدستور الجديد.
وفي هذا الصدد، سأظل شعبي العزيز على ما تعهده في خديمك الأول من اهتمام
بانشغالات المواطنين، حريصا على الوقوف الميداني على ظروف عيشهم والتجاوب مع انتظاراتهم
بجميع فئاتهم. وفي نفس السياق، ما فتئنا نصغي لمشاعر جاليتنا المقيمة بالخارج، مولين
اهتماما خاصا لكافة أفرادها، مشيدين بتعلقهم القوي ببلدهم ووفائهم لهويتهم، وبدورهم
البناء في تنمية وطنهم الأم. وفي ظل الظروف الصعبة التي تجتازها بعض بلدان إقامتهم، لا
يسعنا إلا أن نعبر عن مساندتنا وتضامننا مع المتضررين منهم.
شعبي العزيز، لما كان تفعيل اختياراتنا على أرض الواقع يقتضي تحديد الأسبقيات
وترتيبها، وفق مقاربة مضبوطة المراحل والآماد ، فقد جعلنا من هذا النهج خارطة
طريق لتفعيل ما نقدم عليه من إصلاحات. وانطلاقا من كون دولة الحق والقانون هي
مصدر كل تقدم، فقد جعلنا العدالة في مقدمة أوراشنا الإصلاحية.
وحيث إن الدستور الجديد يضع استقلال القضاء في صلب منظومته، فإن
الشروط باتت متوافرة لإنجاح هذا الورش الكبير، متطلعين إلى أن تعمل الهيئة العليا
لإصلاح العدالة، وفق مقاربة تشاركية منفتحة، لإعداد توصيات عملية ملموسة ،
في أقرب الآجال.
وتشكل الجهوية المتقدمة التي أطلقناها ، وكرسها الدستور الجديد ، ورشا كبيرا يتعين
تدبيره بكامل التأني والتبصر، ليكون تفعيلها كفيلا بإحداث تغيير جوهري وتدريجي، في
تنظيم هياكل الدولة، وفي علاقات المركز بالجماعات الترابية. ولكسب رهانات هذا المسار،
يتعين فسح المجال لتجديد النخب والمشاركة الواسعة والمكثفة للنساء والشباب، وفتح الآفاق
أمام المواطنات والمواطنين المؤهلين، المتحلين بروح المسؤولية والنزاهة. كما نهيب بالحكومة
الشروع في إصلاح الإدارة العمومية، لتمكينها من مواكبة متطلبات هذه الرؤية الترابية الجديدة.
وهو ما يطرح مسألة اللاتمركز الذي ما فتئنا ندعو إليه منذ أزيد من عشر سنوات.
ومن هذا المنطلق، فالحكومة مطالبة باعتماد ميثاق اللاتمركز، بما يمكن الإدارة من
إعادة انتشار مرافقها ، ومساعدتها على التجاوب الأمثل مع حاجيات المصالح اللامتمركزة،
وجعلها تستشعر المسؤولية الحقيقية في وضع المشاريع وحسن تسييرها. وذلك بموازاة مع
الانكباب على الورش الكبير للإصلاحات اللازمة لتفعيل التنظيم الترابي الجديد ، في إطار
حكامة جيدة تضع التنمية البشرية في صلب اهتمامها، إذ لا سبيل إلى رفع التحديات التي
تواجه هذه الحكامة إلا بتحقيق تنمية بشرية عادلة ومنصفة، كفيلة بالتصدي للعجز الحاصل
في المجال القروي، والخصاص الذي يعيق النمو في الوسط الحضري.
وإذا كان القضاء والجهوية والحكامة الترابية، في صدارة أسبقياتنا، فإنه ينبغي
إضافة إلى ذلك، إيلاء عناية خاصة لتفعيل المؤسسات المنصوص عليها في الدستور
الجديد، ذات الصلة بالحكامة الجيدة، ومحاربة الرشوة، وبالتنمية الاقتصادية
والاجتماعية بصفة عامة.
شعبي العزيز، إن الركود الاقتصادي الذي يعيشه العالم منذ 2008، وما نتج عنه من بعيشه
تغيرات على صعيد العلاقات الدولية في إطار العولمة ، وكذا التحولات الاجتماعية والسياسية
التي يعيشها المحيط الإقليمي، يحثنا على مواصلة الإصلاحات، ويعزز اقتناعنا بصـواب
الخيارات السوسيو – اقتصادية التي أخذنا بها منذ أمد بعيد . حيث مكنتنا من إطلاق أوراش
كبرى، كفيلة بدعم البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية التي تتطلبها بلادنا ، وذلك في
إطار الاستراتيجيات القطاعية التي تمت بلورتها وفق معايير ناجعة ، لبلوغ الأهداف المتوخاة.
وفي هذا الصدد، انصبت جهودنا على النهوض بمختلف المجالات الصناعية، والتكنولوجيات
الحديثة، من خلال تهيئة أقطاب وفضاءات اقتصادية مندمجة ، كفيلة بتوسيع آفاق الاستثمار،
وتحسين القدرات التنافسية لمقاولاتنا.
واعتبارا لما نوليه من أهمية بالغة للقطاع الفلاحي، فإنه يتعين مضاعفة العناية بمخطط
المغرب الأخضر الذي يعد عاملا أساسيا للتنمية الفلاحية. وهو ما يتطلب تكثيف أنشطته،
بقصد توسيع وتنويع المنتوج المغربي والرفع من مردوديته، وتقوية قدرات الفلاحين الصغار
في إطار برامج تضامنية، تساهم في تحسين الظروف المعيشية لساكنة العالم القروي، لا سيما
في الظرفية المناخية الصعبة التي عرفها المغرب خلال السنة الأخيرة.
لذا، نجدد دعوتنا للحكومة من أجل توفير شروط التكامل بين مختلف الاستراتيجيات
القطاعية، واعتماد آليات لليقظة والمتابعة والتقويم، تساعد على تحقيق التناسق فيما بينها ،
وقياس نجاعتها، وحسن توظيف الاعتمادات المرصودة لها، مع الاجتهاد في إيجاد بدائل
للتمويل، من شأنها إعطاء دفعة قوية لمختلف هذه الاستراتيجيات.
وفي هذا الإطار، نؤكد على ضرورة تطوير الآليات التعاقدية المتعلقة بالشراكة بين
القطاعين العام والخاص، هدفنا تحقيق الاستفادة المثلى من الاستثمارات المتاحة.
وإدراكا منا لأهمية هذه الشراكة، اعتمدنا مقاربة مبتكرة، من خلال إحداث الهيئة
المغربية للاستثمار التي تضم صناديق الاستثمارات القطاعية الوطنية. هذه الهيئة التي تتوخى
تعزيز الاستثمار في مختلف المجالات المنتجة وتحفيز الشراكات مع المؤسسات الدولية. غايتنا
تمكين بلادنا من فرص التمويل التي تتيحها الصناديق السيادية الخارجية، وبصفة خاصة
صناديق دول الخليج الشقيقة التي نشيد بإسهامها الفعال في دعم المشاريع التنموية ببلادنا.
وفي هذا الصدد، ينبغي التذكير بأن القطاع السياحي يشكل عاملا قويا في النهوض
بالتشغيل، وتنمية الثروة الوطنية، انطلاقا مما يتوفر عليه المغرب من مؤهلات طبيعية متنوعة،
وخصوصيات حضارية وتراثية غنية.
وقد اعتمدنا منذ سنة 2001، استراتيجية شاملة، قوامها برامج محددة، ساهمت في
تطوير هذا القطاع وتنميته، وذلك ما جعلنا نعمل على تدعيمه في نطاق رؤية 2020، المعززة
بصندوق وصال» للاستثمار السياحي، والقائمة أساسا على التنمية المستدامة. وهو ما يجعل
المغرب وجهة سياحية متميزة في الفضاء المتوسطي.
شعبي العزيز،
لقد حرصنا على جعل العنصر البشري، وخاصة شبابنا الواعد، في صلب كل المبادرات
التنموية، وغايتها الأساسية. وهو ما نعمل على تجسيده في مختلف مشاريع وبرامج المبادرة
الوطنية للتنمية البشرية.
واعتبارا لما حققته هذه المبادرة من نتائج إيجابية في النهوض بالفئات المعوزة، قررنا تقوية
أنشطتها، ولا سيما منها المدرة للدخل، وتوسيع مجالاتها بإطلاق البرنامج التأهيلي الخامس،
الكفيل بسد الخصاص بالمناطق الأكثر هشاشة التي تفتقر إلى التجهيزات الأساسية
الضرورية، داعين الحكومة إلى توفير شروط تفعيل هذا البرنامج.
ومن منطلق حرصنا القوي على تحقيق الإنصاف، ومساعدة الأشخاص الأكثر حرمانا ،
حرصنا على تفعيل نظام المساعدة الطبية لفائدتهم (راميد) ، هذا النظام الذي كان ثمرة
إعداد طويل المدى، انخرط فيه المغرب منذ عشر سنوات، بقصد النهوض بالفئات المعوزة،
وهو ما يستوجب من الحكومة بذل كل الجهود لإنجاح هذا النظام، من خلال استهداف دقيق
للفئات المعنية، والتكفل بالخدمات المحددة بطرق مناسبة.
ولجعل هذا النظام يحافظ على هدفه الإنساني، يتعين الحرص على ألا يقع استغلاله من
طرف أي توجهات سياسوية، من شأنها تحريفه عن مساره النبيل مع ما يترتب على ذلك من
إخلال في هذا المجال أو فيما سواه من المجالات الاجتماعية.
،
كما نحثها على التجاوب مع المتطلبات الاجتماعية للمواطنين، مع الحرص على تحقيق
حكامة جيدة للسياسة المالية لبلادنا، بهدف تحصين قدراتها التنموية، والحفاظ على
مصداقيتها على الصعيد الدولي.
واقتناعا منا بضرورة الحفاظ على مستقبل أجيالنا القادمة، لم نفتأ نؤكد على تلازم
التنمية.
مع ضمان حماية بيئتنا ، بما يكفل التنمية المستدامة لبلادنا. لذا، نعمل بكل حزم،
على الحفاظ على ثرواتنا الطبيعية، وحسن تدبيرها واستثمارها للنهوض بالاقتصاد الوطني.
وفي إطار هذا التوجه، يندرج البرنامج الطموح الذي أطلقناه لإنتاج الطاقات المتجددة من مصادر
ريحية وشمسية، لتخفيض وارداتنا من الطاقات التقليدية، وتخفيف عبئها على الاقتصاد
نيض واردا
الوطني.
شعبي العزيز،
ستظل الدبلوماسية المغربية وفية لثوابتها العريقة في التعامل مع العالم الخارجي، على
أساس الثقة في الذات، واحترام الشرعية الدولية، والالتزام بكل ما يعزز السلم والأمن
الدوليين ومناصرة القضايا العادلة، وتقوية علاقات التعاون الدولي في كل مجالاته.
ففيما يتعلق بمحيطنا المغاربي المباشر، فإن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة،
تمنحنا فرصة تاريخية للانتقال بالاتحاد المغاربي من الجمود إلى حركية تضمن تنمية مستدامة
ومتكاملة.
لقد سبق لنا أن دعونا إلى انبثاق نظام مغاربي جديد لتجاوز حالة التفرقة القائمة بالمنطقة،
والتصدي لضعف المبادلات ، بقصد بناء فضاء مغاربي قوي ومنفتح.
وإلى أن يتم تحقيق هذا المبتغى الاستراتيجي، سيواصل المغرب مساعيه في أفق تقوية
علاقاته الثنائية مع كافة الشركاء المغاربيين، بمن فيهم جارتنا الشقيقة الجزائر، وذلك
استجابة للتطلعات الملحة والمشروعة لشعوب المنطقة، لا سيما ما يتعلق بحرية تنقل الأشخاص
والسلع ورؤوس الأموال والخدمات.
ولهذه الغاية، تؤكد المملكة المغربية عزمها على الاستمرار في الانخراط بحسن نية في
مسلسل المفاوضات، الهادف إلى إيجاد حل نهائي للخلاف الإقليمي المفتعل حول الصحراء
المغربية، على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي المشهود له بالجدية والمصداقية من طرف
المجتمع الدولي، وذلك في إطار سيادة المغرب ووحدته الترابية.
،
وإن انخراط المغرب في هذا المسلسل لا يعادله إلا عزمه على التصدي بكل حزم لأي
محاولة للنيل من مصالحه العليا ، أو للإخلال بالمعايير الجوهرية للمفاوضات.
وفي أفق التوصل إلى حل سياسي دائم في إطار الأمم المتحدة، وانطلاقا من الشرعية
التاريخية للمغرب، ورجاحة موقفه القانوني، فإن المغرب منكب على تحقيق الجهوية المتقدمة
في الصحراء المغربية، ومواصلة إنجاز أوراش التنمية الاجتماعية والاقتصادية في هذه المنطقة
الأثيرة لدينا، ولدى قلوب المغاربة أجمعين.
المغربية
وبالنسبة للعالم العربي، فإن الواقع السياسي الراهن، يحتم أكثر من أي وقت مضى
القيام بتطوير العمل العربي المشترك في أفق الاستجابة لتطلعات شعوبه في إطار من التضامن
الفعال، والالتزام المتبادل تجاه ما يقتضيه بناء المستقبل العربي، من ترسيخ أسباب التعاون
المثمر، وتقاسم المصالح العليا لأبنائه.
وفي هذا الصدد، نثمن القرارات التي تم اتخاذها لتجسيد الشراكة الاستراتيجية التي
تجمع بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي، مؤكدين التزامنا الراسخ بتعميق علاقاته
مع هذه الدول الشقيقة، وتعزيزها في جميع المجالات.
بید
أنه لا يجوز بأي حال أن تحجب التطورات الحالية، ضرورة التعاطي دوليا مع القضية
الفلسطينية الجوهرية، بشكل فعال وملموس، فقد بات من الضروري إعادة النظر في طريقة
تعامل المجتمع الدولي مع هذه القضية، علما أن الغاية التي لا محيد عنها تتمثل في ضرورة قيام دولة
فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وقابلة للحياة، داخل حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
،
أما منطقة الساحل والصحراء، فإنها تشهد مخاطر عديدة، تشكل تهديدا للوحدة الترابية
والوطنية للدول، مما يقتضي من المجتمع الدولي أن يوليها اهتماما عاجلا من خلال القيام
بمبادرات حازمة.
وبخصوص الدول الإفريقية جنوب الصحراء، فإن المملكة المغربية تظل منخرطة في
المشاريع الفعالة للتعاون معها، هدفها دعم برامج التنمية البشرية المحلية في القطاعات ذات
الأولوية.
وأما بالنسبة للقارة الأوروبية، فإن علاقة المغرب مع الاتحاد الأوروبي قد دخلت مرحلة
جديدة، نعتبرها إطارا مرجعيا لمقاربة جيو-سياسية واعدة، تتوخى إعادة النظر في أسس
الفضاء الأورو-متوسطي، بناء على وحدة المصالح والمبادرات المشتركة.
لقد حان الوقت لإعطاء دفعة وتوجه جديد للاتحاد من أجل المتوسط، كي يصبح محفزا
حقيقيا ، وقاطرة لتحقيق الرخاء المشترك ، بضفتي البحر الأبيض المتوسط.
وفي سياق العلاقات المتطورة مع جميع دول الاتحاد الأوروبي، نود الإشادة بعمق الروابط
التاريخية، وبالآفاق الواسعة التي تجمع المغرب بالجارة إسبانيا ، المدعومة بالأواصر الوطيدة
التي تجمعنا بجلالة الملك خوان كارلوس الأول، وبالوشائج التاريخية بين الأسرتين الملكيتين
في البلدين الجارين.
المملكة المغربية
وفي هذه الظرفية الصعبة التي نجتازها، نعرب مجددا عن التزامنا بتسهيل سبل إتاحة
الفرص، لتوفير ظروف اقتصادية جديدة وملائمة من أجل خلق ثروات مشتركة، تجسيدا
لعمق التضامن الفعلي بين بلدينا. على السلطة القضائية
وقد أصدرنا توجيهاتنا السامية للحكومة، لتفعيل هذا الشأن، بما يقتضيه الأمر من
اهتمام وسرعة في التنفيذ.
وفضلا عن العلاقات بدول الجوار، فإن المملكة تواصل مجهوداتها لتعزيز وتنويع
شراكاتها الواعدة مع باقي مناطق المعمور، وذلك بالتركيز على التنمية البشرية، في إطار
تعاون ملموس جنوب – جنوب مع شركائنا في مختلف البلدان النامية.
وسيواصل المغرب بذل مساعيه الحثيثة، في إطار المنظمات الدولية، مؤكدا التزامه
بالدفاع عن التعاون متعدد الأطراف، وفقا للأهداف النبيلة لميثاق منظمة الأمم المتحدة.
شعبي العزيز،
إننا ، ونحن نستحضر في هذه المناسبة الوطنية الخالدة، تقييم المنجزات الإصلاحية،
والمبادرات التنموية، واستشراف الآفاق المستقبلية الواعدة والشروع في تفعيل الدستور، لا
يسعنا إلا أن نستشعر بكل وفاء مدى الإجلال للأرواح الطاهرة لقائدي تحرير المغرب وبناء
دولته العصرية، جدنا المقدس، جلالة الملك محمد الخامس، ووالدنا المنعم جلالة الملك الحسن
الثاني، طيب الله ثراهما، وكافة شهداء الحرية والاستقلال والوحدة الترابية الأبرار الذي
صدقوا ما عاهدوا الله عليه، جزاهم الله عن وطنهم وأمتهم خير الجزاء.
كما نتوجه بعبارات الإشادة والتقدير إلى قواتنا المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن
الوطني والإدارة الترابية والقوات المساعدة والوقاية المدنية على تجندهم الدائم وعملهم الدؤوب
وراء قيادتنا للدفاع عن حوزة المغرب وسيادته والسهر على أمنه واستقراره.
والله تعالى نسأل ، في هذه الأيام الرمضانية المباركة الجديرة باستجابة المولى جلت قدرته،
أن يلهمنا وكافة من يتحملون أمانة النهوض بمصالح الأمة وخدمة الصالح العام كامل
السداد والتوفيق، في ظل ترسيخ دولة الحق والمؤسسات والمواطنة الكريمة والتعايش
والوئام والوحدة الوطنية والترابية
إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا ». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2013
«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
إن احتفالك بذكرى عيد العرش المجيد ، سيرا على تقاليدك العريقة، لا ينحصر مغزاه
فقط في تجسيد ولائك الدائم لخديمك الأول، المؤتمن على قيادتك، وصيانة وحدتك، إنه
يؤكد أيضا، وبصورة متجددة، رسوخ البيعة المتبادلة بيني وبينك ، للمضي بالمغرب في طريق
التقدم والازدهار والتنمية والاستقرار، كما يجسد وفاءك لثوابت الأمة ومقدساتها.
،
لقد عملنا منذ اعتلائنا العرش على إطلاق العديد من الأوراش الاقتصادية والاجتماعية،
في موازاة مع الإصلاحات السياسية والمؤسساتية، في تجاوب مع تطلعاتك، وقد جعلنا كرامة
المواطن المغربي وازدهاره في صلب اهتمامنا إنها مسيرة متواصلة قوامها مبادرات جريئة،
وأعمال حازمة، ومقاربات تشاركية، مع الاستغلال الأنجع لكل الإمكانات المتاحة.
وخلال هذه المسيرة، عملت كل الحكومات السابقة، وبتوجيهاتنا، على تكريس
جهودها المشكورة ، لبلورة رؤيتنا التنموية والإصلاحية، وهكذا وجدت حكومتنا الحالية بين
يديها، في المجال الاقتصادي والاجتماعي، إرثاً سليماً وإيجابيا، من العمل البناء، والمنجزات
الملموسة، ومن ثم لا يسعنا إلا أن نشجعها على المضي قدما ، بنفس الإرادة والعزم، لتحقيق
المزيد من التقدم، وفق المسار القويم الذي نسهر عليه.
شعبي العزيز،
إن عزمنا الراسخ على تجسيد خيارنا، في استكمال المؤسسات الدستورية، ومقومات
الحكامة الجيدة، في ظل دولة الحق والقانون لا يعادله إلا عملنا الدؤوب، في سبيل
تحقيق مشروعنا الذي قوامه النمو الاقتصادي المستمر، والتنمية المستدامة، والتضامن
الاجتماعي.
وبذلك، حقق المغرب تقدماً كبيراً على مستوى البنيات الأساسية، حيث تم تزويد مختلف
مدننا وقرانا بالماء الصالح للشرب والكهرباء، وغيرهما، كما تم تحقيق تطور ملموس،
على مستوى التجهيزات الكبرى، كالموانئ والمطارات، وتعزيز الشبكة الطرقية، والتدبير
الأمثل للموارد المائية، وإطلاق مشاريع تطوير النقل السككي، والنقل الحضري، كل ذلك
غير من ملامح مختلف الأقاليم، وأعطى المغرب وجها جديدا، ووفر الظروف الملائمة لتطوير
الاستراتيجيات المعتمدة في شتى القطاعات.
كما أن التنفيذ التدريجي للاستراتيجيات القطاعية، قد مكن بلادنا من إحراز تقدم
ملموس، وزاد من جلب الاستثمار الأجنبي، على الرغم من وضعية اقتصادية ومالية عالمية صعبة.
وإذ نؤكد التزامنا بتشجيع الاستثمار ، فإننا نجدد دعوتنا للحكومة، لإعطاء الأسبقية،
لكل ما يُحفز على النمو، وتوفير فرص الشغل، في تكامل بين متطلبات الاستهلاك المحلي،
وبين قابلية إنتاجنا للتصدير، بما يعنيه ذلك من انعكاسات إيجابية على ميزان الأداءات.
وفي نفس التوجه انكب المغرب منذ سنوات على تنمية مهن صناعية عالمية، في إطار
مخطط «إقلاع»، وقد أعطى ، والله الحمد ، نتائج تشجعنا على الاستمرار في نفس النهج. وفي
هذا الصدد، ندعو الحكومة إلى توفير الظروف الملائمة لتنويع وتوسيع نسيجنا الصناعي،
وذلك وفق سياسة ،إرادوية، تقوي الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
درس من انتا
ويندرج في نفس التوجه، تمكين المغرب من إنتاج الطاقات المتجددة الذي يجسد رؤيتنا
للتنمية المستدامة، ومن هذا المنطلق، كان تنفيذ برنامج الطاقة الشمسية، المتمثل في انطلاق
أوراش بناء «مجمع النور بورزازات ، بموازاة الاستحقاقات المسجلة في إطار الطاقة الريحية.
فهذه الأوراش، علاوة عما لها من أهمية بيئية، ستجعلنا أقل تبعية للطاقات المستوردة، وهو
ما يتطلب سياسة تكوين ناجعة، وتطوير الكفاءات الوطنية، مما سيساعد على تفعيل الميثاق
الوطني للبيئة.
وبرغم الأزمة المالية العالمية، فإن القطاع السياحي في المغرب استطاع أن يحمي نفسه من
تداعياتها السلبية، بفضل الجهود والمبادرات التي سهرنا على تفعيلها خلال السنوات الأخيرة،
ومن شأن ذلك أن يحفز جميع الشركاء والفاعلين في هذا القطاع من أجل تحقيق رؤية 2020.
كما أن اعتماد استراتيجية فلاحية متقدمة، ينبع من إيماننا الراسخ بأهمية هذا القطاع
الحيوي. وإننا لنحمد الله على ما أنعم به علينا هذه السنة، من أمطار الخير، وما نتج عنها
من محاصيل وافرة.
،
لقد عمل برنامج «المغرب الأخضر على تحديث القطاع الفلاحي آخذا بعين الاعتبار،
الاهتمام الموصول بصغار الفلاحين من أجل تحسين ظروفهم المعيشية.
وحرصا منا على تجسيد رعايتنا لهذه الفئة، فإننا سنظل نخصها بالاستثناء الضريبي الذي
سينتهي العمل به في آخر السنة الجارية، بالنسبة للاستثمارات الفلاحية الكبرى، وسوف
نحتفظ بسريان هذا الاستثناء على الفلاحة المتوسطة والصغرى.
كما ندعو الحكومة ، إلى إحداث وكالة خاصة، تعمل على ملاءمة الاستراتيجية
الفلاحية، مع محيط المجال الترابي لساكنتها ، ولا سيما في المناطق الجبلية التي تعرف تخلفا
في استغلال الأراضي، وذلك في تكامل تام مع برامج التهيئة المجالية.
وبنفس التوجه عملنا على النهوض بقطاع الصيد البحري، من خلال مخطط «أليوتيس»
الذي حقق تقدماً ملموسا وواعدا، يتعين دعمه.
ويظل هدفنا الأساسي من النمو الاقتصادي هو تحقيق العدالة الاجتماعية التي هي أساس
التماسك الاجتماعي.
ومن هذا المنظور، يتعين اعتبار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، ورشا متطورا باستمرار،
إنه خارطة طريق ، لرؤية تنموية شاملة ومقدامة، لا تقتصر فقط على الفئات الفقيرة والأسر
المعوزة، وإنما تنفتح على كل الأوراش التنموية الهادفة إلى تقليص الفوارق الاجتماعية
والمجالية، مؤكدين ضرورة تقوية وتوسيع البرامج الحالية لهذه المبادرة بآليات أخرى، تعطي
الأولوية للمشاريع المدرة للدخل.
وننوه بهذه المناسبة، بالنتائج غير المسبوقة ، للبرامج الوطنية المؤطرة في مجال مكافحة
الأمية، ولا سيما التي أطلقناها بالمساجد منذ سنة 2004 ، حيث سيبلغ عدد المستفيدين هذه
السنة، نحو مليون ونصف، وهو ما يعني تمكينهم من الانخراط في التنمية الشاملة لبلادهم.
واعتبارا لما تقتضيه التنمية البشرية، من تكامل بين مقوماتها المادية والمعنوية، فإننا
حريصون على إعطاء الثقافة ما تستحقه من عناية واهتمام، إيمانا منا بأنها قوام التلاحم بين
أبناء الأمة، ومرآة هويتها وأصالتها.
ولما كان المغرب غنيا بهويته المتعددة الروافد اللغوية والإثنية، ويملك رصيداً ثقافيا
وفنيا ، جديراً بالإعجاب، فإنه يتعين على القطاع الثقافي أن يجسد هذا التنوع، ويشجع كل
أصناف التعبير الإبداعي، سواء منها ما يلائم تراثنا العريق أو الذوق العصري، بمختلف
أنماطه وفنونه في تكامل بين التقاليد الأصيلة، والإبداعات العصرية.
،
ولن يتم حفاظنا على هويتنا، وصيانتها من مخاطر الانغلاق والتحريف إلا بالفهم السليم
لديننا، ومن ثم ما فتئنا، منذ اعتلائنا العرش حريصين، بصفتنا أميرا للمؤمنين، وحاميا
لحمى الملة والدين على صيانة الهوية الإسلامية لشعبنا، باعتبارها تشكل نموذجا مغربيا
متميزا في الممارسة للإسلام عقيدة سمحة ووحدة مذهبية مالكية، قائمة على الوسطية
والاعتدال، وتفعيلا لهذا التوجه، قمنا بإطلاق استراتيجية» للنهوض بالشأن الديني، عززناها
بخطة «ميثاق العلماء»، جاعلين في مقدمة أهدافها، توفير الأمن الروحي للمملكة، والحفاظ
على الهوية الإسلامية المغربية.
شعبي العزيز
ما فتئنا منذ تولينا أمانة قيادتك ، نضع إصلاح القضاء، وتخليقه وعصرنته، وترسيخ
استقلاله، في صلب اهتماماتنا ، ليس فقط لإحقاق الحقوق ورفع المظالم، وإنما أيضا
لتوفير مناخ الثقة ، كمحفز على التنمية والاستثمار.
وفي هذا الصدد، نسجل بارتياح التوصل إلى ميثاق لإصلاح المنظومة القضائية،
حيث توافرت له كل الظروف الملائمة، ومن ثم فإنه يجب أن نتجند جميعا من أجل
إيصال هذا الإصلاح الهام إلى محطته النهائية.
ومهما تكن أهمية هذا الإصلاح، وما عبأنا له من نصوص تنظيمية، وآليات فعالة،
فسيظل «الضمير المسؤول» للفاعلين فيه، هو المحك الحقيقي لإصلاحه، بل وقوام نجاح
هذا القطاع برمته.
وإننا ، إذ نستحضر ما تم إنجازه في المسيرة التنموية والإصلاحية التي نقودها، نرى من
الضروري أن نعبر عن اعتزازنا بما يتحلى به أفراد جاليتنا في الخارج من روح المواطنة، والتعلق
الدائم بوطنهم الأم. إذ برغم تأثير الأزمة المالية العالمية هذه السنة على أوضاعهم المالية، فإنهم
يتحملون مشاق الأسفار ، ومنهم من يقطع المسافات الطويلة عبر أوروبا ، لزيارة بلدهم، وصلة
الرحم مع ذويهم، لذلك نشيد بوطنيتهم الصادقة، ونعبر عن ترحيبنا بهم، مشمولين بكامل
عطفنا ورعايتنا.
شعبي العزيز،
لقد تم تحقيق المزيد من التعاطف الدولي مع قضيتنا الأولى، على أساس الإلمام بحيثيات
وملابسات وحدتنا الترابية، الأمر الذي يتجلى في الدعم المتنامي لمبادرتنا الوجيهة، المتمثلة في
الحكم الذاتي.
ومما نسجله في هذا الصدد، أن القرار الأخير لمجلس الأمن، قد أكد بصفة حازمة،
المعايير التي لا محيد عنها ، للتوصل إلى الحل السياسي، التوافقي والواقعي، كما يبرز هذا
القرار، بصفة خاصة، البعد الإقليمي لهذا الخلاف، وكذا مسؤولية الجزائر التي تعد معنية
به، سواء على المستوى السياسي، أو على المستوى القانوني الإنساني المتعلق بالوضعية المهينة
لمخيمات تندوف.
وعملا بنفس القرار، يتعين ألا يتم التعاطي مع مسألة حقوق الإنسان إلا من خلال الآليات
الوطنية، وخاصة المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يحظى بالمصداقية الدولية، وبمبادرات
سيادية قوية، تتفاعل إيجابياً مع المساطر الخاصة للأمم المتحدة.
وفي مواجهة الموقف المتعنت للأطراف الأخرى لإبقاء الوضع على ما هو عليه، وكذا
حملاتها التضليلية، سيعمل المغرب على مواصلة الدينامية التي أطلقها على الصعيد الداخلي،
والتي تسعى في المقام الأول إلى تحقيق المزيد من الحكامة الاقتصادية والاجتماعية الجيدة،
من خلال النموذج التنموي الجهوي الذي يسهر على إعداده المجلس الوطني الاقتصادي
والاجتماعي والبيئي والذي نتطلع إلى تفعيله بكل نجاعة والتزام.
،
،
كما تتضمن هذه الدينامية، في المقام الثاني، تعزيز الحكامة الترابية والمؤسساتية، عبر
الاستثمار الأمثل للآفاق التي تتيحها الجهوية المتقدمة.
أما في المقام الثالث ، فستعنى هذه الدينامية بتحسين الحكامة السياسية الأمنية،
الدينامية :
لحماية الحريات الفردية والجماعية للمواطنين وللممتلكات في إطار مراعاة
المقتضيات والضمانات التي يكفلها القانون.
الالسلطة القضائية
ويتطلب هذا المسار المنصف والوجيه ، من حيث طبيعته وأبعاده، تعبئة كافة القوى الحية،
ومواكبتها للجهود التي تبذلها السلطات العمومية، في هذا المجال.
شعبي العزيز ما فتئ المغرب منذ اعتلائنا العرش، يعرف على مستوى علاقاته الخارجية،
تطورا موصولا وتقدما ملحوظا في انسجام تام مع مختلف السياسات العمومية التي ينهجها
في الداخل.
،
وفي هذا السياق، لم نزل نعمل على نهج سياسة دولية متوازنة متعددة الاتجاهات، حيث
تمكنا من تقوية علاقاتنا مع شركائنا التقليديين بصورة ملموسة، ومن فتح آفاق جديدة
وواعدة، مع الشركاء الجدد.
وفي هذا الإطار، ظل المغرب يتطلع إلى انبثاق نظام مغاربي جديد، يمكن دوله الخمس،
من بناء مستقبل مشترك ، تجسده على أرض الواقع آليات التكامل والاندماج، وحرية الانتقال
للأشخاص والأموال والممتلكات، بعيداً عن افتعال المعيقات، وفرض الشروط، وذلك في
تناغم مع التغيرات التي عرفتها الساحة الإقليمية.
وإن المغرب لتحدوه نفس القناعة، فيما يخص العالم العربي، حيث يسعى بتوافق مع جميع
دوله إلى بلورة منهجية جديدة للعمل العربي المشترك.
وفي هذا السياق، قررنا بمناسبة زيارتنا لبلدان مجلس التعاون الخليجي، إرساء قواعد
شراكة استراتيجية بين المملكة، وهذه المجموعة الإقليمية المنسجمة والواعدة، مسجلين
بكل ارتياح النتائج الإيجابية الأولى لهذه الشراكة.
ونود بهذه المناسبة، أن نوجه عبارات الشكر والامتنان على قرار الدعم المالي للمغرب،
من لدن إخواننا المبجلين : خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، عاهل المملكة
العربية السعودية، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية
المتحدة، وصاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، وكذا
صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وخلفه، صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل
ثاني أمير دولة قطر. هذا الدعم المتمثل في تقديم هبة مليار دولار سنويا للمغرب على مدى
خمس سنوات، وعلى تفعيل هذا القرار.
ة المغربية
ومن جهة أخرى، ما فتئنا نواصل جهودنا على رأس لجنة القدس للدفاع عن القضية
أراضيه، على أساس مبادرة السلام العربية. الم العلي العقيق، ضمن دولة مستقل
الفلسطينية العادلة من أجل أن يعيش الشعب الفلسطيني الشقيق، ضمن دولة مستقلة داخل
كما نتابع دعمنا ،والتزامنا بالحفاظ على الهوية الحضارية والدينية لمدينة القدس
الشريف، ولا سيما من خلال لجنة القدس، والذراع الميداني لها ، وكالة بيت مال القدس» ،
هذه الوكالة التي تقوم بإنجاز العديد من المشاريع الملموسة ، ومما لا شك فيه أن هذه الوكالة
ستحقق أكثر ما يمكن من النفع العام، إذا ما تلقت الدعم المادي من مختلف الدول الإسلامية،
طبقا للالتزامات المشتركة التي تعهدت بها هذه الدول عند إنشاء هذه الوكالة المتخصصة.
وقد واصل المغرب سياسته التضامنية، تجاه الدول الإفريقية الشقيقة، مكرسا بذلك
قناعته العميقة، بخصال التعاون جنوب-جنوب
وفي هذا الصدد، قمنا بزيارات رسمية خلال هذه السنة، لثلاث دول إفريقية شقيقة،
ساعين إلى توطيد الأواصر التي تجمع المغرب بقارته، وقد كانت هذه الزيارات، مناسبة
لوقوفنا على طلب هذه الدول، للاستثمارات والخبرة المغربية، ومن ثم ندعو الفاعلين المغاربة،
للتجاوب مع هذا الطلب، لتحقيق المزيد من الاندماج والتقارب والتكامل بين اقتصادياتنا.
كما واصلت المملكة استراتيجيتها الانفتاحية، والمبنية على التفاعل الإيجابي مع
شركائها الأوروبيين، ومن ثم، فإن المغرب حريص على تعزيز علاقاته الثنائية مع المملكة
الإسبانية، والجمهورية الفرنسية، بمناسبة الزيارات التي قام بها كل من جلالة العاهل
الإسباني، خوان كارلوس الأول، وفخامة الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند. كما تتواصل
المساعي المشتركة، بهدف توطيد أكثر للشراكة مع الاتحاد الأوروبي، في إطار الوضع
المتقدم الذي يتميز به المغرب، وذلك من خلال فتح آفاق جديدة وواعدة لهذا التعاون.
وقد امتد هذا الإشعاع الدبلوماسي إلى كل القارات الأخرى والفاعلين الدوليين فيها ،
ساهرين على تقوية علاقاتنا معهم.
وفي السياق ذاته، عمل المغرب على رفع صوت إفريقيا ، والعالم العربي عاليا في مجلس
الأمن، بصفته عضوا غير دائم فيه.
وفي هذا الصدد، نود التأكيد باسم المغرب، عن تضامنه مع الشعب السوري الشقيق الذي
يعاني مآسي الصراع الدموي الرهيب والمدمر، مؤيدين لخياراته المصيرية، ووحدته الترابية.
كما نقف إلى جانب جمهورية مالي الشقيقة، في الحفاظ على وحدتها الترابية، وخيارها
الوطني في صيانة هويتها من التطرف والنزوعات الإرهابية.
محلد
وسنواصل عملنا وفق هذه التوجهات الدبلوماسية المغربية، المرتكزة على آليات التعاون
المتجددة، المتأقلمة مع المتغيرات الدولية.
شعبي العزيز،
في هذا اليوم الوطني الأغر الذي يصادف أيام رمضان الأبرك، نستحضر بكل إجلال
وترحم، الأرواح الطاهرة، لرواد التحرير والاستقلال، وبناة صرح الدولة المغربية الحديثة، وفي
طليعتهم جدنا ووالدنا المنعمان، جلالة الملكين، محمد الخامس، والحسن الثاني، أكرم الله
مثواهما، وخلد في الصالحات ذكرهما ، وكافة شهداء التحرير والمقاومة والوحدة الترابية ،
أجزل الله ثوابهم.
كما نشيد بالقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة،
والإدارة الترابية، والوقاية المدنية، على تفانيهم بقيادتنا في الدفاع عن أمن الوطن واستقراره
وسأظل، شعبي العزيز، كما تعهدني أواصل قيادة مسيرتك الديمقراطية، والتنموية،
في تفان وإخلاص من أجل مغرب موحد وقوي، متقدم ومزدهر، داعياً العلي القدير، أن يوثق
أواصر التلاحم بيني وبينك، هذا التلاحم الذي هو سلاحنا القوي، لرفع التحديات، وبلوغ
أسمى الغايات، كما أدعوه سبحانه أن يتقبل صيامك وقيامك ، ويسعدك في الحال والمآل.
«ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2016
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
تتوالى السنوات، بعون الله وتوفيقه منذ أن تحملنا أمانة قيادتك، وهي أمانة جليلة بشرف
خدمتك، وجسيمة بما تنطوي عليه من مسؤوليات أمام الله ، وأمام التاريخ، وعظيمة بما تحمله
من التزامات تجاه جميع المغاربة.
ونحتفل اليوم بالذكرى السابعة عشرة لعيد العرش المجيد، ونحن أكثر اعتزازا بما
يجمعنا من روابط البيعة الوثقى، والتلاحم المتين، وأقوى عزما على مواصلة العمل من أجل
تحقيق تطلعاتك المشروعة.
فما أريده لكل المغاربة أينما كانوا في القرى والمدن، وفي المناطق المعزولة والبعيدة، هو
ا كانوا في القرى.
تمكينهم من العيش الكريم في الحاضر، وراحة البال والاطمئنان على المستقبل، والأمن
والاستقرار على الدوام، في تلازم بين التمتع بالحقوق، وأداء الواجبات.
توق، وأداء الواجبات. ثمة
شعبي العزيز،
لقد تمكنا خلال السبعة عشرة سنة الماضية من إنجاز إصلاحات سياسية عميقة وأوراش
اقتصادية كبرى ومشاريع للتنمية البشرية غيرت وجه المغرب.
غير أن هناك الكثير مما يجب القيام به خاصة، ونحن على أبواب مرحلة جديدة ستنطلق
مع الانتخابات التشريعية المقبلة.
وبصفتي الساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات وعلى صيانة الاختيار
الديمقراطي، فإنني لا أشارك في أي انتخاب، ولا أنتمي لأي حزب، فأنا ملك لجميع المغاربة
مرشحين، وناخبين، وكذلك الذين لا يصوتون.
كما أنني ملك لكل الهيئات السياسية دون تمييز أو استثناء، وكما قلت في خطاب
سابق، فالحزب الوحيد الذي أعتز بالانتماء إليه هو المغرب.
ومن تم، فشخص الملك، يحظى بمكانة خاصة في نظامنا السياسي، وعلى جميع الفاعلين
مرشحين وأحزابا تفادي استخدامه في أي صراعات انتخابية أو حزبية.
إننا أمام مناسبة فاصلة لإعادة الأمور إلى نصابها : من مرحلة كانت فيها الأحزاب تجعل
من الانتخاب آلية للوصول لممارسة السلطة، إلى مرحلة تكون فيها الكلمة للمواطن الذي
عليه أن يتحمل مسؤوليته، في اختيار ومحاسبة المنتخبين.
فالمواطن هو الأهم في العملية الانتخابية وليس الأحزاب والمرشحين، وهو مصدر السلطة التي
يفوضها لهم ، وله أيضا سلطة محاسبتهم أو تغيير هم، بناء على ما قدموه خلال مدة انتدابهم.
لذا أوجه النداء لكل الناخبين بضرورة تحكيم ضمائرهم، واستحضار مصلحة الوطن
والمواطنين، خلال عملية التصويت بعيدا عن أي اعتبارات كيفما كان نوعها.
كما أدعو الأحزاب لتقديم مرشحين، تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة، وروح
المسؤولية والحرص على خدمة المواطن.
فأحزاب الأغلبية مطالبة بالدفاع عن حصيلة عملها خلال ممارستها للسلطة، في حين
يجب على أحزاب المعارضة تقديم النقد البناء واقتراح البدائل المعقولة في إطار تنافس مسؤول
من أجل إيجاد حلول ملموسة ، للقضايا والمشاكل الحقيقية للمواطنين.
ومن جانبها فإن الإدارة التي تشرف على الانتخابات تحت سلطة رئيس الحكومة ،
ومسؤولية وزير الداخلية ووزير العدل والحريات، مدعوة للقيام بواجبها، في ضمان
نزاهة وشفافية المسار الانتخابي
وفي حالة وقوع بعض التجاوزات، كما هو الحال في أي انتخابات، فإن معالجتها
يجب أن تتم طبقا للقانون من طرف المؤسسات القضائية المختصة.
غير أن ما يبعث على الاستغراب، أن البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات
العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية
المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين.
ولا يفوتني هنا أيضا ، أن أنبه لبعض التصرفات والتجاوزات الخطيرة التي تعرفها فترة
الانتخابات، والتي يتعين محاربتها، ومعاقبة مرتكبيها.
فبمجرد اقتراب موعد الانتخابات، وكأنها القيامة، لا أحد يعرف الآخر، والجميع
حكومة ،وأحزابا مرشحين وناخبين، يفقدون صوابهم، ويدخلون في فوضى وصراعات، لا
علاقة لها بحرية الاختيار التي يمثلها الانتخاب.
وهنا أقول للجميع، أغلبية ومعارضة : كفى من الركوب على الوطن، لتصفية حسابات
شخصية، أو لتحقيق أغراض حزبية ضيقة.
شعبي العزيز،
إن تمثيل المواطنين في مختلف المؤسسات والهيئات أمانة جسيمة، فهي تتطلب الصدق
والمسؤولية، والحرص على خدمة المواطن، وجعلها فوق أي اعتبار.
وكما أكدنا ذلك عدة مرات، فإن القيام بالمسؤولية ، يتطلب من الجميع الالتزام بالمفهوم
الجديد للسلطة الذي أطلقناه منذ أن تولينا العرش.
ومفهومنا للسلطة هو مذهب في الحكم، لا يقتصر ، كما يعتقد البعض، على
الولاة والعمال والإدارة الترابية، وإنما يهم كل من له سلطة، سواء كان منتخبا ، أو
يمارس مسؤولية عمومية ، كيفما كان نوعها.
والمفهوم الجديد للسلطة يعني المساءلة والمحاسبة التي تتم عبر آليات الضبط
والمراقبة، وتطبيق القانون، وبالنسبة للمنتخبين فإن ذلك يتم أيضا، عن طريق الانتخاب،
وكسب ثقة المواطنين.
كما أن مفهومنا للسلطة يقوم على محاربة الفساد بكل أشكاله: في الانتخابات
والإدارة والقضاء، وغيرها، وعدم القيام بالواجب، هو نوع من أنواع الفساد.
والفساد ليس قدرا محتوما ، ولم يكن يوما من طبع المغاربة، غير أنه تم تمييع
استعمال مفهوم الفساد، حتى أصبح وكأنه شيء عادي في المجتمع.
والواقع أنه لا يوجد أي أحد معصوم منه سوى الأنبياء والرسل والملائكة.
وهنا يجب التأكيد أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات.
ولا أحد يستطيع ذلك بمفرده، سواء كان شخصا، أو حزبا ، أو منظمة جمعوية ، بل
أكثر من ذلك، ليس من حق أي أحد تغيير الفساد أو المنكر بيده، خارج إطار القانون.
فمحاربة الفساد هي قضية الدولة والمجتمع الدولة بمؤسساتها، من خلال تفعيل
الآليات القانونية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة، وتجريم كل مظاهرها ، والضرب بقوة
على أيدي المفسدين.
والمجتمع بكل مكوناته، من خلال رفضها، وفضح ممارسيها ، والتربية على الابتعاد
عنها، مع استحضار مبادئ ديننا الحنيف، والقيم المغربية الأصيلة، القائمة على العفة
والنزاهة والكرامة.
شعبي العزيز،
إننا نؤمن بأن التقدم السياسي، مهما بلغ من تطور، فإنه سيظل ناقص الجدوى، ما لم تتم
مواكبته بالنهوض بالتنمية.
وتقوم التنمية في منظورنا ، على التكامل والتوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
والبيئية.
كما أن رفع التحديات التنموية المتعددة والمتداخلة، يتطلب من جميع المغاربة، فرديا
وجماعيا ، الانخراط في المعركة الاقتصادية الحاسمة التي يعيشها العالم.
فالتقدم الذي نطمح إليه ببلادنا ، لا يقتصر فقط على مجرد مؤشرات، غالبا ما تتجاهل
مسار كل بلد وخصوصياته؛ وإنما نريده أن يشكل تحولا اقتصاديا واجتماعيا حقيقيا ،
تشمل ثماره جميع المواطنين. لمملكة المغربية
وإذا كان من حقنا أن نعتز بما حققناه من مكاسب تنموية، فإن على جميع الفاعلين
في القطاعين العام والخاص، مضاعفة الجهود من أجل الارتقاء بالمغرب إلى مرتبة جديدة من
التقدم بين الدول الصاعدة، والتي سبق لنا أن حددنا مقوماتها.
وهو
،
ما يقتضي العمل الجاد للرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني والتقييم الموضوعي
للسياسات العمومية، والتحيين المستمر للاستراتيجيات القطاعية والاجتماعية.
ورغم الإكراهات المرتبطة أحيانا بالسياق الدولي، وأحيانا أخرى بالاقتصاد الوطني، فإن
المغرب، والحمد لله، في تقدم مستمر دون نفط ولا غاز، وإنما بسواعد وعمل أبنائه.
6
وخير دليل على ذلك، تزايد عدد الشركات الدولية ، ك «بوجو» مثلا، والشركات
الصينية التي ستقوم بإنجاز المشروع الاستراتيجي للمنطقة الصناعية بطنجة، على مساحة
تتراوح بين 1000 و 2000 هكتار، وكذا الشركات الروسية وغيرها التي قررت الاستثمار
في المغرب، وتصرف الملايين على مشاريعها.
هذه الشركات لا يمكن أن تخاطر بأموالها دون أن تتأكد أنها تضعها في المكان
الصحيح، بل إنها تعرف وتقدر الأمن والاستقرار الذي ينعم به المغرب، والآفاق المفتوحة
أمام استثماراتها.
كما أن العديد من الشركات العالمية، عبرت عن اهتمامها بالاستثمار في مشروع « نور –
ورززات» الذي يعد أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم.
كما يتزايد عدد الأجانب الذي يختارون المغرب للإقامة والاستقرار، وخاصة من فرنسا
وإسبانيا. ومنهم من يقوم بإحداث شركات خاصة.
فهؤلاء الأجانب يعيشون في أمن واطمئنان في ظل حماية أمير المؤمنين، وتحت مسؤولية
الدولة المغربية، إضافة إلى أن المغاربة يعاملونهم بكل ترحيب وتقدير.
وبنفس الإرادة والعزم نعمل على ضمان أمن المغاربة وسلامتهم، وعلى صيانة استقرار
البلاد، والحفاظ على النظام العام.
شعبي العزيز،
إن صيانة الأمن مسؤولية كبيرة، لا حد لها ، لا في الزمان، ولا في المكان، وهي أمانة
عظمى في أعناقنا جميعا.
وأود هنا، أن أعبر لمختلف المصالح الأمنية، عن تقديرنا للجهود الدؤوبة، والتضحيات
الجسيمة التي يقدمونها في القيام بواجبهم الوطني.
كما أشيد بالفعالية التي تميز عملها، في استباق وإفشال المحاولات الإرهابية التي تحاول
يائسة ترويع المواطنين والمس بالأمن والنظام العام.
6
وإننا نقدر الظروف الصعبة التي يعمل فيها نساء ورجال الأمن، بسبب قلة الإمكانات.
فهم يعملون ليلا ونهارا، ويعيشون ضغوطا كبيرة، ويعرضون أنفسهم للخطر، أثناء القيام
بمهامهم.
لذا، ندعو الحكومة لتمكين الإدارة الأمنية، من الموارد البشرية والمادية اللازمة لأداء
مهامها، على الوجه المطلوب.
كما يتعين مواصلة تخليق الإدارة الأمنية، وتطهيرها من كل ما من شأنه أن يسيء
لسمعتها، وللجهود الكبيرة التي يبذلها أفرادها ، في خدمة المواطنين.
إن مصداقية العمليات الأمنية، تقتضي الحزم والصرامة في التعامل مع المجرمين،
ومع دعاة التطرف والإرهاب، وذلك في إطار الالتزام بالقانون واحترام الحقوق
والحريات، تحت مراقبة القضاء.
وأمام تزايد التحديات الأمنية، والمؤامرات التي تحاك ضد بلادنا، أدعو لمواصلة
التعبئة واليقظة.
كما أؤكد على ضرورة التنسيق بين المصالح الأمنية، الداخلية والخارجية، ومع
القوات المسلحة الملكية ، بكل مكوناتها ، ومع المواطنين. فالكل مسؤول عندما يتعلق
الأمر بقضايا الوطن
فأمن المغرب واجب وطني ، لا يقبل الاستثناء، ولا ينبغي أن يكون موضع صراعات
فارغة، أو تهاون أو تساهل في أداء الواجب، وإنما يقتضي التنافس الإيجابي، في صيانة وحدة
الوطن، وأمنه واستقراره
فليس من العيب أن تكون الدولة قوية برجالها وأمنها ، وأن يكون المغاربة جنودا مجندين
للدفاع عن قضايا وطنهم.
أما على المستوى الخارجي، فإن التنسيق والتعاون الذي تعتمده المصالح الأمنية ببلادنا ،
مع نظيراتها في عدد من الدول الشقيقة والصديقة، قد ساهم في إفشال العديد من العمليات
الإرهابية، وتجنيب هذه الدول مآسي إنسانية كبيرة.
شعبي العزيز، على للسلطة القضائية
إن انشغالنا بقضايا المواطنين داخل المغرب لا يعادله إلا العناية التي نوليها ، لشؤون أفراد
الجالية المقيمة بالخارج.
فنحن نقدر مساهمتهم في تنمية بلدهم، وفي الدفاع عن مصالحه العليا.
كما نعتز بارتباطهم بوطنهم، وبتزايد عدد الذين يحرصون ، كل سنة، على صلة الرحم
بأهلهم، رغم ما يتحملونه من تعب ومشاق السفر، وما يواجهونه من صعوبات.
وإذا كنا نعيد ونؤكد ، كل مرة ، وفي كل مناسبة ، شكرنا لهم ، وعلى ضرورة الاهتمام
بقضاياهم، سواء داخل الوطن، أو في بلدان الإقامة، فنحن لا نبالغ في ذلك، لأنهم في الواقع،
يستحقون ذلك وأكثر.
وقد سبق أن شددنا على ضرورة تحسين الخدمات المقدمة لهم، ووقفنا على بعض النماذج
التي تم اعتمادها لهذا الغرض.
ورغم الإصلاحات والتدابير التي تم اتخاذها إلا أنها تبقى غير كافية. وهو ما يقتضي جدية
أكبر، والتزاما أقوى من طرف القناصلة والموظفين في خدمة شؤون الجالية.
شعبي العزيز،
إن السياسة الخارجية لبلادنا، تعتمد دبلوماسية القول والفعل، سواء تعلق الأمر بالدفاع عن
مغربية الصحراء، أو فيما يخص تنويع الشراكات، أو الانخراط في القضايا والإشكالات
الدولية الراهنة.
فإذا كان البعض قد حاول أن يجعل من 2016 سنة الحسم ، فإن المغرب قد نجح في جعلها
سنة الحزم»، في صيانة وحدتنا الترابية. فمن منطلق إيماننا بعدالة قضيتنا ، تصدينا بكل حزم،
للتصريحات المغلوطة، والتصرفات اللامسؤولة التي شابت تدبير ملف الصحراء المغربية، واتخذنا
الإجراءات الضرورية التي تقتضيها الظرفية، لوضع حد لهذه الانزلاقات الخطيرة.
وسنواصل الدفاع عن حقوقنا، وسنتخذ التدابير اللازمة لمواجهة أي انزلاقات لاحقة. ولن
نرضخ لأي ضغط، أو محاولة ابتزاز في قضية مقدسة لدى جميع المغاربة.
شعبي العزيز،
المملكة المغربية
إن حرص المغرب على تنويع شركائه ، لا يوازيه إلا انخراطه القوي، في مختلف القضايا
والإشكالات الدولية الراهنة.
على للسلطة القضائي
فالمغرب يعد شريكا فعالا في محاربة الإرهاب، سواء فيما يتعلق بالتعاون الأمني، مع عدد
من الدول الشقيقة والصديقة ، أو من خلال نموذجه المتميز في تدبير الشأن الديني.
وهو
ما أهله ليتقاسم مع هولندا، الرئاسة المشتركة للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب.
كما أن بلادنا تنخرط بقوة في الجهود الدولية لمواجهة التغيرات المناخية، حيث ستحتضن
في نونبر المقبل، المؤتمر الثاني والعشرين، للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة، حول
التغيرات المناخية.
وهي مناسبة لإبراز التزام المغرب، بالعمل على تنفيذ اتفاق باريس، ومواصلة دعم الدول
النامية، بإفريقيا والدول الجزرية الصغيرة التي تعتبر المتضرر الأكبر من تداعيات التغير المناخي.
وبصفته بلدا فاعلا في مجال التعاون الثلاثي، فإن المغرب يجعل في صدارة سياسته، توجيه
العمل الدولي للاهتمام بقضايا التنمية، وخاصة في إفريقيا.
شعبي العزيز،
إن عملنا لا يهتم كثيرا بالحصيلة والمنجزات، وإنما بمدى أثرها في تحسين ظروف عيش
المواطنين.
ذلك أننا نضع البعد الإنساني في طليعة الأسبقيات. فما يهمنا هو المواطن المغربي، والإنسان
بصفة عامة، أينما كان.
وإننا نحمد الله تعالى، أن وفقنا لجعل المغرب على ما هو عليه اليوم: فضاء لأوراش البناء
والتنمية، وواحة أمن واستقرار؛ رغم إكراهات سياق دولي، مطبوع بتوالي الأزمات، وتزايد
التوترات.
ونود بهذه المناسبة المجيدة، أن نعرب عن تقديرنا وشكرنا ، لكل القوى الحية، ولكل
المغاربة الأحرار الغيورين على وطنهم على انخراطهم القوي، إلى جانبنا، في بناء مغرب
الوحدة والحرية والتقدم ، ووقوفهم الحازم في مواجهة المؤامرات الدنيئة التي تحاك ضد بلادنا.
كما نوجه تحية تقدير، للقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والقوات المساعدة،
والأمن الوطني، والوقاية المدنية، والإدارة الترابية، على تفانيهم وتجندهم الدائم، للدفاع عن
وحدة الوطن وسيادته، والسهر على أمنه واستقراره.
والله تعالى نسأل أن يوفقنا في الامانة التي ورثناها :
مانة التي ورثاها عن أجدادنا، مستحضرين، بكل
إكبار وخشوع ، أرواحهم الطاهرة، وفي مقدمتهم جدنا المقدس جلالة الملك محمد الخامس،
ووالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواهما ، وكافة شهداء الوطن الأبرار.
وسنواصل مسارنا الجماعي، بكل حزم وعزم من أجل عزة المغرب، وخدمة أبنائه.
وستجدني شعبي العزيز، كما عهدتني دوما، خديمك الأول، حاملا لانشغالاتك
وقضاياك، متجاوبا مع تطلعاتك، في كل الظروف والأحوال.
« قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2017
الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
تحل اليوم الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش المجيد، في سياق وطني حافل بالمكاسب
والتحديات.
وهي مناسبة سنوية ، لتجديد روابط البيعة المتبادلة التي تجمعنا، والوقوف معك، على
أحوال الأمة.
إن المشاريع التنموية والإصلاحات السياسية والمؤسسية التي نقوم بها، لها هدف واحد ،
هو خدمة المواطن، أينما كان لا فرق بين الشمال والجنوب، ولا بين الشرق والغرب، ولا بين
سكان المدن والقرى.
صحيح أن الإمكانات التي يتوفر عليها المغرب محدودة. وصحيح أيضا أن العديد من
المناطق تحتاج إلى المزيد من الخدمات الاجتماعية الأساسية. إلا أن المغرب، والحمد لله، يتطور
باستمرار. وهذا التقدم واضح وملموس، ويشهد به الجميع في مختلف المجالات.
ولكننا نعيش اليوم، في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها ، أو القبول بها. فبقدر ما
يحظى به المغرب من مصداقية، قاريا ودوليا، ومن تقدير شركائنا ، وثقة كبار المستثمرين،
ك «بوينغ» و «رونو» و «بوجو» ، بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض
المجالات الاجتماعية، حتى أصبح من المخجل أن يقال أنها تقع في مغرب اليوم.
فإذا كنا قد نجحنا في العديد من المخططات القطاعية، كالفلاحة والصناعة والطاقات
المتجددة، فإن برامج التنمية البشرية والترابية التي لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش
المواطنين، لا تشرفنا ، وتبقى دون طموحنا.
وذلك راجع بالأساس، في الكثير من الميادين، إلى ضعف العمل المشترك، وغياب البعد
الوطني والاستراتيجي، والتنافر بدل التناسق والالتقائية، والتبخيس والتماطل ، بدل المبادرة
والعمل الملموس.
وتزداد هذه المفارقات حدة، بين القطاع الخاص الذي يتميز بالنجاعة والتنافسية، بفضل
نموذج التسيير، القائم على آليات المتابعة والمراقبة والتحفيز وبين القطاع العام، وخصوصا
الإدارة العمومية التي تعاني من ضعف الحكامة، ومن قلة المردودية.
فالقطاع الخاص يجلب أفضل الأطر المكونة في بلادنا والتي تساهم اليوم في تسيير أكبر
الشركات الدولية بالمغرب، والمقاولات الصغرى والمتوسطة الوطنية.
أما الموظفون العموميون، فالعديد منهم لا يتوفرون على ما يكفي من الكفاءة، ولا على
الطموح اللازم، ولا تحركهم دائما روح المسؤولية.
بل إن منهم من يقضون سوى أوقات معدودة، داخل مقر العمل، ويفضلون الاكتفاء براتب
شهري ،مضمون على قلته بدل الجد والاجتهاد والارتقاء الاجتماعي.
إن من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء
من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين.
وعلى سبيل المثال، فإن المراكز الجهوية للاستثمار تعد، باستثناء مركز أو اثنين
مشكلة وعائقا أمام عملية الاستثمار، عوض أن تشكل آلية للتحفيز، ولحل مشاكل
المستثمرين على المستوى الجهوي دون الحاجة للتنقل إلى الإدارة المركزية.
من الاستثمـ
وهو ما ينعكس سلبا على المناطق التي تعاني من ضعف الاستثمار الخاص، وأحيانا من
انعدامه، ومن تدني مردودية القطاع العام، مما يؤثر على ظروف عيش المواطنين.
فالمناطق التي تفتقر لمعظم المرافق والخدمات الصحية والتعليمية والثقافية، ولفرص
الشغل، تطرح صعوبات أكبر، وتحتاج إلى المزيد من تضافر الجهود ، لتدارك التأخير
والخصاص، لإلحاقها بركب التنمية.
وفي المقابل، فإن الجهات التي تعرف نشاطا مكثفا للقطاع الخاص، كالدار البيضاء
والرباط ومراكش وطنجة، تعيش على وقع حركية اقتصادية قوية، توفر الثروة وفرص الشغل.
ولوضع حد لهذا المشكل، فإن العامل والقائد، والمدير والموظف والمسؤول الجماعي
وغيرهم مطالبون بالعمل، كأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقة
تشرف الإدارة، وتعطي نتائج ملموسة ، لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس.
شعبي العزيز
إن اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة. إلا أن المشكل يكمن في العقليات التي لم
تتغير، وفي القدرة على التنفيذ والإبداع.
فالتطور السياسي والتنموي الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب، على تعامل
الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين، مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة.
فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى
الواجهة، للاستفادة سياسيا وإعلاميا من المكاسب المحققة.
،
أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل
الأمور إليه.
وهو ما يجعل المواطنين يشتكون لملك البلاد، من الإدارات والمسؤولين الذين يتماطلون في
الرد على مطالبهم، ومعالجة ملفاتهم، ويلتمسون منه التدخل لقضاء أغراضهم.
والواجب يقتضي أن يتلقى المواطنون أجوبة مقنعة، وفي آجال معقولة، عن تساؤلاتهم
وشكاياتهم، مع ضرورة شرح الأسباب وتبرير القرارات ولو بالرفض الذي لا ينبغي
أن يكون دون سند قانوني، وإنما لأنه مخالف للقانون، أو لأنه يجب على المواطن
استكمال المساطر الجاري بها العمل
المغربية
وأمام هذا الوضع، فمن الحق المواطن أن يتساءل : ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء
الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال والسفراء والقناصلة، إذا كانون هم
في واد ، والشعب وهمومه في واد آخر؟ فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عددا من
المواطنين، وخاصة الشباب للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في
الانتخابات. لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا
السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل.
وإذا أصبح ملك المغرب غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد
من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟
لكل هؤلاء أقول: «كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة،
وإما أن تنسحبوا.
فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون.
ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين. وأنا
أزن كلامي، وأعرف ما أقول … لأنه نابع من تفكير عميق.
شعبي العزيز،
إن مسؤولية وشرف خدمة المواطن تمتد من الاستجابة لمطالبه البسيطة، إلى إنجاز
المشاريع صغيرة كانت، أو متوسطة، أو كبرى.
وكما أقول دائما، ليس هناك فرق بين مشاريع صغيرة وأخرى كبيرة، وإنما هناك
مشاريع تهدف لتلبية حاجيات المواطنين.
فسواء كان المشروع في حي ، أو دوار أو مدينة أو جهة ، أو يهم البلاد كلها، فهو يتوخى
نفس الهدف، وهو خدمة المواطن. وبالنسبة لي، حفر بئر، مثلا، وبناء سد، لهما نفس الأهمية
بالنسبة للسكان.
وما معنى المسؤولية ، إذا غاب عن صاحبها أبسط شروطها ، وهو الإنصات إلى انشغالات
المواطنين؟
أنا لا أفهم كيف يستطيع أي مسؤول، لا يقوم بواجبه ، أن يخرج من بيته، ويستقل
سيارته، ويقف في الضوء الأحمر، وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء، وهو يعلم بأنهم
يعرفون بأنه ليس له ضمير.
،
ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم، رغم أنهم يؤدون القسم أمام الله والوطن، والملك،
ولا يقومون بواجبهم؟ ألا يجدر أن تتم محاسبة أو إقالة أي مسؤول، إذا ثبت في حقه
تقصير أو إخلال في النهوض بمهامه؟
وهنا أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول
من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدا. فكما يطبق القانون على جميع
المغاربة، يجب أن يطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة
مناطق المملكة.
إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا
مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب.
شعبي العزيز، إني ألح هنا على ضرورة التفعيل الكامل والسليم للدستور. كما أؤكد
أن الأمر يتعلق بمسؤولية جماعية تهم كل الفاعلين حكومة وبرلمانا، وأحزابا، وكافة
المؤسسات، كل في مجال اختصاصه.
ومن جهة أخرى، عندما يقوم مسؤول بتوقيف أو تعطيل مشروع تنموي أو اجتماعي،
لحسابات سياسية أو شخصية، فهذا ليس فقط إخلالا بالواجب، وإنما هو خيانة، لأنه يضر
بمصالح المواطنين، ويحرمهم من حقوقهم المشروعة.
ومما يثير الاستغراب، أن من بين المسؤولين من فشل في مهمته. ومع ذلك يعتقد أنه يستحق
منصبا أكبر من منصبه السابق.
فمثل هذه التصرفات والاختلالات هي التي تزكي الفكرة السائدة لدى عموم المغاربة،
بأن التسابق على المناصب، هو بغرض الاستفادة من الريع واستغلال السلطة والنفوذ.
ووجود أمثلة حية على أرض الواقع، يدفع الناس، مع الأسف، إلى الاعتقاد بصحة هذه
الأطروحة.
غير أن هذا لا ينطبق ، والله الحمد ، على جميع المسؤولين الإداريين والسياسيين، بل هناك
شرفاء صادقون في حبهم لوطنهم، معروفون بالنزاهة والتجرد ، والالتزام بخدمة الصالح العام.
شعبي العزيز،
المملكة المغربية
،
لقد أبانت الأحداث التي تعرفها بعض المناطق مع الأسف عن انعدام غير مسبوق لروح
المسؤولية. فعوض أن يقوم كل طرف بواجبه الوطني والمهني، ويسود التعاون وتضافر الجهود ،
لحل مشاكل الساكنة، انزلق الوضع بين مختلف الفاعلين إلى تقاذف المسؤولية، وحضرت
الحسابات السياسية الضيقة، وغاب الوطن، وضاعت مصالح المواطنين.
إن بعض الأحزاب تعتقد أن عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها ، واجتماع مكاتبها
السياسية ولجانها التنفيذية، أو خلال الحملات الانتخابية.
أما عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع المواطنين، وحل مشاكلهم، فلا دور ولا وجود لها.
وهذا شيء غير مقبول، من هيئات مهمتها تمثيل وتأطير المواطنين، وخدمة مصالحهم.
ولم يخطر لي على البال أن يصل الصراع الحزبي، وتصفية الحسابات السياسوية،
إلى حد الإضرار بمصالح المواطنين. فتدبير الشأن العام، ينبغي أن يظل بعيدا عن المصالح
الشخصية والحزبية، وعن الخطابات الشعبوية، وعن استعمال بعض المصطلحات الغريبة التي
تسيئ للعمل السياسي.
إلا أننا لاحظنا تفضيل أغلب الفاعلين لمنطق الربح والخسارة للحفاظ على رصيدهم
السياسي أو تعزيزه على حساب الوطن، وتفاقم الأوضاع.
إن تراجع الأحزاب السياسية وممثليها ، عن القيام بدورها، عن قصد وسبق إصرار أحيانا ،
وبسبب انعدام المصداقية والغيرة الوطنية أحيانا أخرى قد زاد من تأزيم الأوضاع.
وأما هذا الفراغ المؤسف والخطير، وجدت القوات العمومية نفسها وجها لوجـه مـع
الساكنة، فتحملت مسؤوليتها بكل شجاعة وصبر وضبط النفس ، والتزام بالقانون في
الحفاظ على الأمن والاستقرار. وهنا أقصد ،الحسيمة، رغم أن ما وقع يمكن أن ينطبق
على أي منطقة أخرى.
وذلك عكس ما يدعيه البعض من لجوء إلى ما يسمونه بالمقاربة الأمنية، وكأن المغرب
فوق بركان ، وأن كل بيت وكل مواطن له شرطي يراقبه.
بل هناك من يقول بوجود تيار متشدد ، وآخر معتدل، يختلفان بشأن طريقة التعامل مع
هذه الأحداث. وهذا غير صحيح تماما.
والحقيقة أن هناك توجها واحدا ، والتزاما ثابتا ، هو تطبيق القانون، واحترام المؤسسات،
وضمان أمن المواطنين وصيانة ممتلكاتهم.
ويعرف المغاربة بأن أصحاب هذه ا
ية بأن أصـ
وكلامهم ليست له أي مصداقية. وكأن الأمن هو المسؤول عن تسيير البلاد، ويتحكم في
الوزراء والمسؤولين، وهو أيضا الذي يحدد الأسعار، الخ…
ذه الأطروحة المتجاوزة يستغلونها كرصيد للاسترزاق،
في حين أن رجال الأمن يقدمون تضحيات كبيرة، ويعملون ليلا ونهارا ، وفي ظروف صعبة
من أجل القيام بواجبهم في حماية أمن الوطن واستقراره، داخليا وخارجيا، والسهر على راحة
وطمأنينة المواطنين وسلامتهم.
ومن حق المغاربة، بل من واجبهم ، أن يفتخروا بأمنهم ، وهنا أقولها بدون تردد أو مركب
نقص : إذا كان بعض العدميين لا يريدون الاعتراف بذلك، أو يرفضون قول الحقيقة، فهذا
مشكل يخصهم وحدهم.
شعبي العزيز،
إن النموذج المؤسسي المغربي من الأنظمة السياسية المتقدمة إلا أنه يبقى في معظمه
حبرا على ورق، والمشكل يكمن في التطبيق على أرض الواقع. وإني أحرص كل
الحرص على احترام اختصاصات المؤسسات، وفصل السلط.
ولكن إذا تخلف المسؤولون عن القيام بواجبهم ، وتركوا قضايا الوطن والمواطنين عرضة
للضياع، فإن مهامي الدستورية تلزمني بضمان أمن البلاد واستقرارها وصيانة مصالح الناس
وحقوقهم وحرياتهم.
وفي نفس الوقت، فإننا لن نقبل بأي تراجع عن المكاسب الديمقراطية. ولن نسمح بأي
عرقلة لعمل المؤسسات. فالدستور والقانون واضحان، والاختصاصات لا تحتاج إلى تأويل.
وعلى كل مسؤول أن يمارس صلاحياته دون انتظار الإذن من أحد . وعوض أن يبرر عجزه
بترديد أسطوانة «يمنعونني من القيام بعملي، فالأجدر به أن يقدم استقالته التي لا يمنعه منها
أحد. فالمغرب يجب أن يبقى فوق الجميع، فوق الأحزاب، وفوق الانتخابات، وفوق المناصب
الإدارية.
شعبي العزيز،
إني أعتز بخدمتك حتى آخر رمق ، لأنني تربيت على حب الوطن، وعلى خدمة أبنائه.
آخر رمق، لأننى تربيت :
وأعاهدك الله ، على مواصلة العمل الصادق، وعلى التجاوب مع مطالبك، ولتحقيق
تطلعاتك.
لمجلس الاعلى للسلطة القضائية
واسمح لي أن أعبر لك عن صادق شعوري، وكل ما يخالج صدري، بعد ثمانية عشرة سنة،
من تحمل أمانة قيادتك. لأنه لا يمكن لي أن أخفى عنك بعض المسائل التي تعرفها حق المعرفة.
ومن واجبي أن أقول لك الحقيقة، وإلا سأكون مخطئا في حقك.
ستلاحظ شعبي العزيز أنني لم أتحدث عن قضية وحدتنا الترابية، ولا عن إفريقيا ، أو
غيرها من مواضيع السياسة الخارجية. وبطبيعة الحال، فقضية الصحراء المغربية لا نقاش
فيها، وتظل في صدارة الأسبقيات.
إلا أن ما نعمل على تحقيقه اليوم، في جميع جهات المغرب، هو مسيرتك الجديدة. مسيرة
التنمية البشرية والاجتماعية والمساواة والعدالة الاجتماعية التي تهم جميع المغاربة، إذ لا
يمكن أن نقوم بمسيرة في منطقة من المناطق دون أخرى.
إننا نستطيع أن نضع أنجع نموذج تنموي، وأحسن المخططات والاستراتيجيات. إلا أنه:
• بدون تغيير العقليات
• وبدون توفر الإدارة على أفضل الأطر،
، وبدون اختيار الأحزاب السياسية لأحسن النخب المؤهلة لتدبير الشأن العام
،
. وفي غياب روح المسؤولية والالتزام الوطني، فإننا لن نحقق ما ننشده لجميع المغاربة،
من عيش حر كريم.
أنا لا أريد ، شعبي العزيز أن تظن بعد الاستماع إلى هذا الخطاب بأنني متشائم، أبدا…
فأنت تعرف أنني واقعي وأقول الحقيقة، ولو كانت قاسية والتشاؤم هو انعدام الإرادة،
وغياب الآفاق والنظرة الحقيقية للواقع.
ولكننا ، والحمد لله ، نتوفر على إرادة قوية وصادقة ، وعلى رؤية واضحة وبعيدة المدى. إننا
نعرف من نحن، وإلى أين نسير.
والمغرب والحمد لله استطاع عبر تاريخه العريق تجاوز مختلف الصعاب بفضل التلاحم
القوي بين العرش والشعب.
وها نحن اليوم، نقطع معا ، خطوات متقدمة في مختلف المجالات، ونتطلع بثقة وعزم، إلى
تحقيق المزيد من المكاسب والإنجازات. ة المغربية
قال تعالى: «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكمتم بين الناس أن
تحكموا بالعدل صدق ا الله
العظيم.
للسلطة القضائية
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى
«الحمد
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2018
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
لقد
من الله تعالى على المغرب، عبر تاريخه العريق، بنعمة الوحدة والتلاحم في كل
الظروف والأحوال.
وما الاحتفال بعيد العرش الذي نخلد اليوم ذكراه التاسعة عشرة إلا تجسيد للبيعة التي
تربطني بك، والعهد المتبادل بيننا، على الوفاء الدائم لثوابت المغرب ومقدساته، والتضحية في
سبيل وحدته واستقراره.
فكان هذا العهد بين ملوك هذا الوطن وأبنائه وما يزال بمثابة الحصن المنيع الذي
يحمي المغرب من مناورات الأعداء، ومن مختلف التهديدات.
كما مكننا من تجاوز الصعاب، ومن تحقيق العديد من المكاسب والمنجزات التي نعتز
بها، في ظل الوحدة والأمن والاستقرار.
ومن تحقيق العديد من المكلومة الطبية
فالمغرب هو وطننا ، وهو بيتنا المشترك. ويجب علينا جميعا أن نحافظ عليه، ونساهم في
تنميته وتقدمه.
إن الوطنية الحقة تعزز الوحدة والتضامن وخاصة في المراحل الصعبة. والمغاربة الأحرار
لا تؤثر فيهم تقلبات الظروف، رغم قساوتها أحيانا، بل تزيدهم إيمانا على إيمانهم، وتقوي
عزمهم على مواجهة الصعاب، ورفع التحديات.
وإني واثق أنهم لن يسمحوا لدعاة السلبية والعدمية، وبائعي الأوهام، باستغلال بعض
الاختلالات، للتطاول على أمن المغرب واستقراره، أو لتبخيس مكاسبه ومنجزاته. لأنهم
يدركون أن الخاسر الأكبر، من إشاعة الفوضى والفتنة، هو الوطن والمواطن، على حد سواء.
«
وسنواصل السير معا والعمل سويا، لتجاوز المعيقات الظرفية والموضوعية، وتوفير
الظروف الملائمة لمواصلة تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية، وخلق فرص الشغل، وضمان
العيش الكريم.
شعبي العزيز،
إن تحقيق المنجزات وتصحيح الاختلالات ومعالجة أي مشكل اقتصادي أو اجتماعي،
يقتضي العمل الجماعي والتخطيط والتنسيق بين مختلف المؤسسات والفاعلين، وخاصة بين
أعضاء الحكومة، والأحزاب المكونة لها.
كما ينبغي الترفع عن الخلافات الظرفية، والعمل على تحسين أداء الإدارة، وضمان
السير السليم للمؤسسات، بما يعزز الثقة والطمأنينة داخل المجتمع، وبين كل مكوناته.
ذلك أن قضايا المواطن لا تقبل التأجيل ولا الانتظار، لأنها لا ترتبط بفترة دون غيرها ،
والهيئات السياسية الجادة هي التي تقف إلى جانب المواطنين في السراء والضراء.
والواقع أن الأحزاب تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها إلا أنه يتعين عليها استقطاب
نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون
مشاكل ومتطلبات اليوم. كما يجب عليها العمل على تجديد أساليب وآليات اشتغالها.
فالمنتظر من مختلف الهيئات السياسية والحزبية، التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين،
والتفاعل مع الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع فور وقوعها ، بل واستباقها ، بدل تركها
تتفاقم، وكأنها غير معنية بما يحدث.
شعبي العزيز
سر العلم للسلطة القضائية
إن الشأن الاجتماعي يحظى عندي باهتمام وانشغال بالغين كملك وكإنسان. فمنذ أن
توليت العرش، وأنا دائم الإصغاء لنبض المجتمع ، وللانتظارات المشروعة للمواطنين، ودائم
العمل والأمل من أجل تحسين ظروفهم.
وإذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن يبعث على
الارتياح والاعتزاز ، فإنني في نفس الوقت أحس أن شيئا ما ينقصنا ، في المجال الاجتماعي.
وسنواصل العمل، إن شاء الله في هذا المجال بكل التزام وحزم، حتى نتمكن جميعا من
تحديد نقط الضعف ومعالجتها.
«
فحجم الخصاص الاجتماعي، وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، من أهم
الأسباب التي دفعتنا للدعوة، في خطاب افتتاح البرلمان، إلى تجديد النموذج التنموي الوطني.
فليس من المنطق أن نجد أكثر من مائة برنامج للدعم والحماية الاجتماعية من مختلف
الأحجام، وترصد لها عشرات المليارات من الدراهم، مشتتة بين العديد من القطاعات الوزارية،
والمتدخلين العموميين.
وبالإضافة إلى ذلك، فهي تعاني من التداخل، ومن ضعف التناسق فيما بينها، وعدم
قدرتها على استهداف الفئات التي تستحقها.
فكيف لهذه البرامج، في ظل هذا الوضع، أن تستجيب بفعالية، لحاجيات المواطنين وأن
يلمسوا أثرها ؟
ولا داعي للتذكير هنا ، بأننا لا نقوم بالنقد من أجل النقد، وإنما نعتبر أن النقد الذاتي
فضيلة وظاهرة صحية، كلما اقترن القول بالفعل وبالإصلاح.
وفي هذا الصدد، فإننا نعتبر المبادرة الجديدة لإحداث السجل الاجتماعي الموحد» بداية
واعدة، لتحسين مردودية البرامج الاجتماعية، تدريجيا وعلى المدى القريب والمتوسط.
وهو نظام وطني لتسجيل الأسر، قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، على أن
يتم تحديد تلك التي تستحق ذلك فعلا، عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال
التكنولوجيات الحديثة.
إن الأمر يتعلق بمشروع اجتماعي استراتيجي وطموح، يهم فئات واسعة من المغاربة. فهو
أكبر من أن يعكس مجرد برنامج حكومي لولاية واحدة أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعل
حزبي أو سياسي.
شعبي العزيز،
إن طموحي للنهوض بالأوضاع الاجتماعية، يفوق بكثير وضع آلية أو برنامج مهما بلغت
أهميته.
لذا، أدعو الحكومة وجميع الفاعلين المعنيين للقيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة،
للبرامج والسياسات الوطنية، في مجال الدعم والحماية الاجتماعية، وكذا رفع اقتراحات
بشأن تقييمها.
وهو ما يتطلب اعتماد مقاربة تشاركية ، وبعد النظر والنفس الطويل، والسرعة في
التنفيذ أيضا، مع تثمين المكاسب والاستفادة من التجارب الناجحة.
وفي انتظار أن يعطي هذا الإصلاح ثماره كاملة، فإننا نحث على اتخاذ مجموعة من
التدابير الاجتماعية المرحلية في انسجام مع إعادة الهيكلة التي نتوخاها.
وإني أدعو الحكومة إلى الانكباب على إعدادها في أقرب الآجال، وإطلاعـي علـى
تقدمها بشكل دوري.
وحتى يكون الأثر مباشرا وملموسا ، فإني أؤكد على التركيز على المبادرات المستعجلة
في المجالات التالية :
أولا : إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول
الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج «تيسير» للدعم المالي للتمدرس والتعليم الأولي، والنقل
المدرسي والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف، من التكاليف التي
تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين.
ثانيا : إطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، بتعزيز مكاسبها، وإعادة
توجيه برامجها للنهوض بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة، ودعم الفئات في وضعية صعبة،
وإطلاق جيل جديد من المبادرات المدرة للدخل ولفرص الشغل.
ثالثا : تصحيح الاختلالات التي يعرفها تنفيذ برنامج التغطية الصحية «RAMED»،
بموازاة مع إعادة النظر، بشكل جذري في المنظومة الوطنية للصحة التي تعرف تفاوتات
صارخة، وضعفا في التدبير.
،
رابعا : الإسراع بإنجاح الحوار الاجتماعي، حيث ندعو مختلف الفرقاء الاجتماعيين، إلى
استحضار المصلحة العليا والتحلي بروح المسؤولية والتوافق قصد بلورة ميثاق اجتماعي
متوازن ومستدام، بما يضمن تنافسية المقاولة، ويدعم القدرة الشرائية للطبقة الشغيلة،
بالقطاعين العام والخاص.
وهنا أقول للحكومة بأن الحوار الاجتماعي واجب ولابد منه، وينبغي اعتماده بشكل
غير منقطع. وعليها أن تجتمع بالنقابات وتتواصل معها بانتظام، بغض النظر عما يمكن أن
يفرزه هذا الحوار من نتائج.
وارتباطا بهذا الموضوع، فإنني كنت ولا أزال مقتنعا بأن أسمى أشكال الحماية الاجتماعية
هو الذي يأتي عن طريق خلق فرص الشغل المنتج، والضامن للكرامة.
والواقع أنه لا يمكن توفير فرص الشغل، أو إيجاد منظومة اجتماعية عصرية ولائقة إلا
بإحداث نقلة نوعية في مجالات الاستثمار، ودعم القطاع الإنتاجي الوطني.
ولهذه الغاية، فإنه يتعين على الخصوص، العمل على إنجاح ثلاثة أوراش أساسية:
أولها : إصدار ميثاق اللاتمركز الإداري داخل أجل لا يتعدى نهاية شهر أكتوبر
المقبل، بما يتيح للمسؤولين المحليين اتخاذ القرارات، وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية
والاجتماعية، في انسجام وتكامل مع الجهوية المتقدمة.
،
وثانيها : الإسراع بإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، وبتفعيل إصلاح المراكز الجهوية
للاستثمار وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها، مثل الموافقة على
القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين عوض الإجماع المعمول به حاليا ، وتجميع كل
اللجان المعنية والاستثمار في لجنة جهوية موحدة، وذلك لوضع حد للعراقيل والتبريرات
التي تدفع بها بعض القطاعات الوزارية.
وثالثها : اعتماد نصوص قانونية ، تنص :
من جهة، على تحديد أجل أقصاه شهر، لعدد من الإدارات للرد على الطلبات
المتعلقة بالاستثمار مع التأكيد على أن عدم جوابها داخل هذا الأجل، يعد بمثابة
موافقة من قبلها
«
المملكة المغربية
ومن جهة ثانية : على ألا تطلب أي إدارة عمومية من المستثمر وثائق أو معلومات
تتوفر لدى إدارة عمومية أخرى؛ إذ يرجع للمرافق العمومية التنسيق فيما بينها وتبادل
المعلومات، بالاستفادة مما توفره المعلوميات والتكنولوجيات الحديثة.
وإننا نتوخى أن تشكل هذه الإجراءات الحاسمة حافزا قويا وغير مسبوق للاستثمار،
وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات التي تقدمها للمواطن، والحد من التماطل
الذي ينتج عنه السقوط في الرشوة، كما يعرف ذلك
جميع
المغاربة.
كما ستشكل دافعا لإصلاح الإدارة، حيث ستمكن من تفعيل مبدإ المحاسبة،
والوقوف على أماكن التعثر التي تعاكس هذا الإصلاح.
ويتعين العمل على جعل هذه الإجراءات أمرا واقعا ، فيما يخص مجال الاستثمار، على أن
يتم تعميمها على كافة علاقات الإدارة مع المواطن.
غير أن النصوص مهما بلغت جودتها ، تبقى رهينة بمدى جدية والتزام كل مسؤول
إداري، بحسن تطبيقها.
كما نؤكد على ضرورة تحيين برامج المواكبة الموجهة للمقاولات، بما في ذلك تسهيل
ولوجها للتمويل والرفع من إنتاجيتها، وتكوين وتأهيل مواردها البشرية.
ويبقى الهدف المنشود هو الارتقاء بتنافسية المقاولة المغربية، وبقدرتها على التصدير،
وخلق فرص الشغل، ولا سيما منها المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تستدعي اهتماما خاصا؛
لكونها تشكل 95 في المائة من النسيج الاقتصادي الوطني.
ذلك أن المقاولة المنتجة تحتاج اليوم إلى مزيد من ثقة الدولة والمجتمع، لكي يستعيد
الاستثمار مستواه المطلوب، ويتم الانتقال من حالة الانتظارية السلبية، إلى المبادرة الجادة
والمشبعة بروح الابتكار.
فاستعادة الحيوية الاقتصادية تظل مرتبطة بمدى انخراط المقاولة، وتجديد ثقافة الأعمال،
واستثمار المؤهلات المتعددة التي يتيحها المغرب، مع استحضار رهانات التنافسية الدولية، بل
والحروب الاقتصادية أحيانا.
شعبي العزيز،
إن حرصنا على النهوض بالأوضاع الاجتماعية، ورفع التحديات الاقتصادية، لا يعادله إلا
وضاع الاجتماعية ، و
عملنا على الحفاظ على الموارد الاستراتيجية لبلادنا وتثمينها ؛ وفي مقدمتها الماء، اعتبارا لدوره
الرئيسي في التنمية والاستقرار. قال تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي». صدق الله العظيم.
فالمخطط الوطني للماء، يجب أن يعالج مختلف الإشكالات المرتبطة بالموارد المائية خلال
ت المرتبطة بالموارد المائي
الثلاثين سنة القادمة.
كما أن الحكومة والمؤسسات المختصة، مطالبة باتخاذ تدابير استعجالية، وتعبئة كل
الوسائل لمعالجة الحالات الطارئة ، المتعلقة بالنقص في تزويد السكان بالماء الصالح للشرب،
وتوفير مياه سقي المواشي، خاصة في فصل الصيف.
ولهذه الغاية، ما فتئنا نؤكد على ضرورة مواصلة سياسة بناء السدود التي يعد المغرب
رائدا فيها. وقد حرصت على السير على هذا النهج، حيث تم بناء ثلاثين سدا من مختلف
الأحجام، خلال الثمانية عشر سنة الماضية.
شعبي العزيز،
إن المغرب، بماضيه وحاضره ومستقبله، أمانة في أعناقنا جميعا. لقد حققنا معا، العديد
من المنجزات في مختلف المجالات. ولن نتمكن من رفع التحديات وتحقيق التطلعات إلا في إطار
الوحدة والتضامن والاستقرار والإيمان بوحدة المصير، في السراء والضراء، والتحلي بروح
الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة
وما أحوجنا اليوم، في ظل ما تعرفه بلادنا من تطورات، إلى التشبث بقيمنا الدينية والوطنية
الراسخة ، واستحضار التضحيات التي قدمها أجدادنا من أجل أن يظل المغرب بلدا موحدا ،
كامل السيادة وموفور الكرامة.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نستحضر ، بكل إجلال وإكبار، الأرواح الطاهرة لشهداء
المغرب الأبرار، وفي مقدمتهم جدنا ووالدنا المنعمان جلالة الملك محمد الخامس، وجلالة الملك
الحسن الثاني، أكرم الله مثواهما.
كما نوجه تحية تقدير إلى كافة مكونات قواتنا المسلحة الملكية، والدرك الملكي،
والقوات المساعدة، والأمن الوطني، والوقاية المدنية على تجندهم الدائم، تحت قيادتنا ،
للدفاع عن وحدة الوطن وصيانة أمنه واستقراره.
ونود أن نشيد بالعمل الإنساني والاجتماعي الذي تقوم به القوات المسلحة الملكية داخل
الوطن وخارجه، وخاصة من خلال المستشفى الميداني بغزة للتخفيف من معاناة أشقائنا
الفلسطينيين، ودعم صمودهم، وكذا بمخيم الزعتري، لينضاف إلى دورها الإنساني والطبي
سابقا، بالعديد من الدول الإفريقية الشقيقة.
السلطة القضائية
وستجدني شعبي العزيز، كما عهدتني دائما، خديمك الأول، الحريص على الإنصات
لانشغالاتك، والتجاوب مع مطالبك، والمؤتمن على حقوقك ومقدساتك.
قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب». صدق الله
العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2019
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
لقد مرت عشرون سنة، منذ أن حملني الله أمانة قيادتك. وهي أمانة عظيمة، ومسؤولية
جسيمة.
وقد عاهدتك، وعاهدت الله تعالى، على أن أعمل صادقا على أدائها.
ويشهد الله أنني لم ولن أدخر أي جهد ، في سبيل الدفاع عن مصالحك العليا ، وقضاياك
العادلة.
كما يشهد الله أنني جعلت من خدمتك شغلي الشاغل، حتى ينعم جميع المغاربة، أينما
كانوا ، وعلى قدم المساواة بالعيش الحر الكريم.
وإننا نحمده سبحانه على مـا مـن عـلينـا بـه ، من نعمة الوحدة والتلاحم والبيعة المتبادلة
بين العرش والشعب، وروابط المحبة والوفاء بيني وبينك، والتي لا تزيدها السنوات إلا قوة
ورسوخا.
كما نحمده على الإجماع الوطني الذي يوحد المغاربة، حول ثوابت الأمة ومقدساتها ،
والخيارات الكبرى للبلاد :
• وأولها : الملكية الوطنية والمواطنة التي تعتمد القرب من المواطن، وتتبنى انشغالاته
وتطلعاته، وتعمل على التجاوب معها؛
، وثانيها : الخيار الديمقراطي والتنموي الذي نقوده بعزم وثبات.
. وثالثها : الإصلاحات العميقة التي أقدمنا عليها، والمصالحات التي حققناها ،
الكبرى التي أنجزناها ؛
والمشاريع
وبفضل كل ذلك، تمكنا والحمد لله، من مواصلة مسيرة بناء المغرب الحديث، ومن
تجاوز الصعوبات التي اعترضت مسارنا.
كما نشكره تعالى، على ما خصنا به من توفيق وسداد، في مبادراتنا ومساعينا ، في
سبيل خدمة شعبنا ووطننا.
صحيح أننا لم نتمكن أحيانا ، من تحقيق كل ما نطمح إليه. ولكننا اليوم، أكثر عزما
على مواصلة الجهود ، وترصيد المكتسبات، واستكمال مسيرة الإصلاح، وتقويم الاختلالات
التي أبانت عنها التجربة.
شعبي العزيز،
لقد أنجزنا نقلة نوعية على مستوى البنيات التحتية، سواء تعلق الأمر بالطرق السيارة،
والقطار فائق السرعة، والموانئ الكبرى، أو في مجال الطاقات المتجددة، وتأهيل المدن
والمجال الحضري
كما قطعنا خطوات مشهودة، في مسار ترسيخ الحقوق والحريات، وتوطيد الممارسة
الديمقراطية السليمة.
إلا أننا ندرك بأن البنيات التحتية، والإصلاحات المؤسسية على أهميتها، لا تكفي
وحدها.
ـات التحتية، والون المغربية
ومن منطلق الوضوح والموضوعية، فإن ما يؤثر على هذه الحصيلة الإيجابية، هو أن آثار
هذا التقدم وهذه المنجزات، لم تشمل، بما يكفي،
ي ، مع الأسف، جميع فئات المجتمع المغربي.
ذلك أن بعض المواطنين قد لا يلمسون مباشرة ، تأثيرها في تحسين ظروف عيشهم، وتلبية
حاجياتهم اليومية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية الأساسية والحد من الفوارق
الاجتماعية، وتعزيز الطبقة الوسطى.
ويعلم الله أنني أتألم شخصيا، ما دامت فئة من المغاربة، ولو أصبحت واحدا في المائة،
تعيش في ظروف صعبة من الفقر أو الحاجة.
لذلك، أعطينا أهمية خاصة لبرامج التنمية البشرية، وللنهوض بالسياسات الاجتماعية،
والتجاوب مع الانشغالات الملحة للمغاربة.
وكما قلت في خطاب السنة الماضية، فإنه لن يهدأ لي بال، حتى نعالج المعيقات، ونجد
الحلول المناسبة للمشاكل التنموية والاجتماعية.
ولن يتأتى لنا ذلك إلا بعد توفر النظرة الشمولية، ووجود الكفاءات المؤهلة، والشروط
اللازمة، لإنجاز المشاريع المبرمجة.
شعبي العزيز،
لقد أبان نموذجنا التنموي، خلال السنوات الأخيرة، عن عدم قدرته على تلبية الحاجيات
المتزايدة لفئة من المواطنين وعلى الحد من الفوارق الاجتماعية، ومن التفاوتات المجالية. وهو
ما دفعنا للدعوة لمراجعته وتحيينه.
إنني في الحقيقة، لا أميل شخصيا لإحداث اللجان الخاصة؛ لأنها أحسن طريقة لدى
البعض، لدفن الملفات والمشاكل.
ولكننا بادرنا لإحداثها في بعض القضايا ذات البعد الوطني، كالجهوية والدستور،
ومدونة الأسرة، وهيئة الإنصاف والمصالحة، وحرصنا شخصيا، على متابعة أشغالها ؛
فكانت نتائجها إيجابية وبناءة.
وفي هذا الإطار، قررنا إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي التي سنقوم في الدخول
المقبل، إن شاء الله، بتنصيبها.
وقد راعينا أن تشمل تركيبتها مختلف التخصصات المعرفية، والروافد الفكرية، من
كفاءات وطنية في القطاعين العام والخاص، تتوفر فيها معايير الخبرة والتجرد ، والقدرة على
فهم نبض المجتمع وانتظاراته، واستحضار المصلحة الوطنية العليا.
وهنا أود التأكيد، أن هذه اللجنة لن تكون بمثابة حكومة ثانية، أو مؤسسة رسمية
حكومة ثانية.
،، أو مؤسس
موازية؛ وإنما هي هيئة استشارية، ومهمتها محددة في الزمن.
وعليها أن تأخذ بعين الاعتبار التوجهات الكبرى، للإصلاحات التي تم أو سيتم اعتمادها ،
في عدد من القطاعات، كالتعليم والصحة والفلاحة والاستثمار والنظام الضريبي؛ وأن تقدم
اقتراحات بشأن تجويدها والرفع من نجاعتها.
وإننا ننتظر منها أن تباشر عملها ، بكل تجرد وموضوعية، وأن ترفع لنا الحقيقة، ولو
كانت قاسية أو مؤلمة، وأن تتحلى بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول
إن الأمر لا يتعلق بإجراء قطيعة مع الماضي، وإنما نهدف لإضافة لبنة جديدة في مسارنا
التنموي، في ظل الاستمرارية.
ويبقى الأهم هو التحلي بالحزم والإقدام، وبروح المسؤولية العالية، في تنفيذ الخلاصات
والتوصيات الوجيهة التي سيتم اعتمادها ، ولو كانت صعبة أو مكلفة.
وسأعود لهذا الموضوع في مناسبة مقبلة، إن شاء الله.
وفي انتظار ذلك، فإن العمل يجب أن يتواصل بمزيد من الالتزام والمسؤولية، في تدبير الشأن
العام، والتجاوب مع انشغالات المواطنين.
وينبغي التركيز على الخصوص، على الرفع من مستوى الخدمات الاجتماعية الأساسية،
ومن أداء المرافق العمومية.
وبموازاة ذلك، ندعو الحكومة للشروع في إعداد جيل جديد من المخططات القطاعية
الكبرى، تقوم على التكامل والانسجام، من شأنها أن تشكل عمادا للنموذج التنموي، في
صيغته الجديدة.
شعبي العزيز،
إن تجديد النموذج التنموي الوطني، ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو مدخل للمرحلة
الجديدة التي نريد، بعون الله وتوفيقه، أن نقود المغرب لدخولها.
مرحلة جديدة قوامها : المسؤولية والإقلاع الشامل.
ؤولية والإقلاع الشامل. عربية
وهي مرحلة واعدة، لأن ما يزخر به المغرب من طاقات ومؤهلات ، تسمح لنا بتحقيق أكثر
مما أنجزناه. ونحن بالفعل، قادرون على ذلك.
المخفضائية
ويظل طموحنا الأسمى هو أن يلتحق المغرب بركب الدول المتقدمة.
غير أن المرحلة الجديدة التي نحن مقبلون عليها ، حافلة أيضا بالعديد من التحديات
والرهانات الداخلية والخارجية التي يتعين كسبها ؛ وفي مقدمتها :
. أولا : رهان توطيد الثقة والمكتسبات لكونها أساس النجاح ، وشرط تحقيق الطموح
ثقة المواطنين فيما بينهم، وفي المؤسسات الوطنية التي تجمعهم، والإيمان في مستقبل أفضل.
. ثانيا : رهان عدم الانغلاق على الذات، خاصة في بعض الميادين التي تحتاج للانفتاح على
الخبرات والتجارب العالمية، باعتبار ذلك عماد التقدم الاقتصادي والتنموي، بما يتيحه من
استفادة من فرص الرفع من تنافسية المقاولات والفاعلين المغاربة.
فالانفتاح هو المحفز لجلب الاستثمارات ونقل المعرفة والخبرة الأجنبية. وهو الدافع
لتحسين جودة ومردودية الخدمات والمرافق، والرفع من مستوى التكوين، وتوفير المزيد من
فرص الشغل.
صحيح أن الدولة والقطاع العام، والهيئات المهنية الوطنية، قاموا بمجهودات كبيرة ،
للنهوض بدورهم ، والارتقاء بمستوى عملهم.
إلا أن بعض القطاعات والمهن الحرة ،مثلا، تحتاج اليوم إلى الانفتاح على الخبرات
والكفاءات العالمية، وعلى الاستثمار الخاص، الوطني والأجنبي.
وقد عبرت العديد من المؤسسات والشركات العالمية، عن رغبتها في الاستثمار
والاستقرار بالمغرب
وبقدر ما يبعث ذلك على الارتياح، للثقة التي يحظى بها المغرب، فإن القيود
التي تفرضها بعض القوانين الوطنية، والخوف والتردد الذي يسيطر على عقلية بعض
المسؤولين؛ كلها عوامل تجعل المغرب أحيانا في وضعية انغلاق وتحفظ سلبي.
فالذين يرفضون انفتاح بعض القطاعات التي لا أريد تسميتها هنا ، بدعوى أن ذلك يتسبب في
فقدان مناصب الشغل، فإنهم لا يفكرون في المغاربة، وإنما يخافون على مصالحهم الشخصية.
بل بالعكس، فإن الاستثمار الأجنبي في هذه القطاعات، سيدعم جهود الدولة، ليس فقط
في توفير الشغل، وإنما أيضا في تحفيز التكوين الجيد ، وجلب الخبرات والتجارب الناجحة.
• ثالثا : رهان التسريع الاقتصادي والنجاعة المؤسسية لبناء اقتصاد قوي وتنافسي، من
خلال مواصلة تحفيز المبادرة الخاصة، وإطلاق برامج جديدة من الاستثمار المنتج، وخلق المزيد
من فرص الشغل.
كما يتطلب الرفع من نجاعة المؤسسات، وتغيير العقليات لدى المسؤولين.
،
فالقطاع العام يحتاج دون تأخير إلى ثورة حقيقية ثلاثية الأبعاد : ثورة في التبسيط
وثورة في النجاعة، وثورة في التخليق.
وقد سبق أن دعوت إلى ضرورة تغيير وتحديث أساليب العمل والتحلي بالاجتهاد والابتكار
«
في التدبير العمومي.
• رابعا : رهان العدالة الاجتماعية والمجالية لاستكمال بناء مغرب الأمل والمساواة للجميع.
مغرب لا مكان فيه للتفاوتات الصارخة ، ولا للتصرفات المحبطة، ولا لمظاهر الريع،
وإهدار الوقت والطاقات.
لذا، يجب إجراء قطيعة نهائية مع هذه التصرفات والمظاهر السلبية، وإشاعة قيم العمل
والمسؤولية، والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
شعبي العزيز،
إن نجاح هذه المرحلة الجديدة يقتضي انخراط جميع المؤسسات والفعاليات الوطنية
المعنية، في إعطاء نفس جديد ، لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا.
كما يتطلب التعبئة الجماعية، وجعل مصالح الوطن والمواطنين تسمو فوق أي اعتبار،
حقيقة ملموسة، وليس مجرد شعارات.
وإلى جانب الدور الهام الذي يجب أن تقوم به مختلف المؤسسات الوطنية، أريد هنا، أن
أؤكد على ضرورة انخراط المواطن المغربي، باعتباره من أهم الفاعلين في إنجاح هذه المرحلة.
لذا، أدعو جميع المغاربة، للمساهمة الإيجابية فيها ، بروح المواطنة الفاعلة؛ لأن النتائج
التي نطمح إليها ، والمشاريع والمبادرات التي نقدم عليها، لها هدف واحد هو تحسين ظروف
عيش المواطنين.
فالمرحلة الجديدة ستعرف، إن شاء الله، جيلا جديدا من المشاريع. ولكنها ستتطلب
أيضا نخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة، على
مستوى المؤسسات والهيئات السياسية والاقتصادية والإدارية بما فيها الحكومة.
،
وفي هذا الإطار، نكلف رئيس الحكومة بأن يرفع لنظرنا، في أفق الدخول المقبل،
مقترحات لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية
المستوى، وذلك على أساس الكفاءة والاستحقاق.
وهذا لا يعني أن الحكومة الحالية والمرافق العمومية ، لا تتوفر على بعض الكفاءات.
ولكننا نريد أن نوفر أسباب النجاح لهذه المرحلة الجديدة، بعقليات جديدة، قادرة على الارتقاء
بمستوى العمل، وعلى تحقيق التحول الجوهري الذي نريده.
شعبي العزيز،
إن الاحتفال بعيد العرش المجيد ، أبلغ لحظة لتأكيد تعلقنا الراسخ بمغربية صحرائنا ،
ووحدتنا الوطنية والترابية، وسيادتنا الكاملة على كل شبر من أرض مملكتنا.
وإذ نعرب عن اعتزازنا بما حققته بلادنا من مكاسب، على الصعيد الأممي والإفريقي
والأوروبي، فإننا ندعو إلى مواصلة التعبئة، على كل المستويات، لتعزيز هذه المكاسب،
والتصدي لمناورات الخصوم.
ويبقى المغرب ثابتا في انخراطه الصادق في المسار السياسي، تحت المظلة الحصرية
للأمم المتحدة.
كما أنه واضح في قناعته المبدئية، بأن المسلك الوحيد للتسوية المنشودة، لن يكون إلا
ضمن السيادة المغربية الشاملة ، في إطار مبادرة الحكم الذاتي.
ذلك أن التحديات الأمنية والتنموية التي تواجهنا ، لا يمكن لأي بلد أن يرفعها بمفرده.
ومن هذا المنطلق ، فإننا نؤكد مجددا التزامنا الصادق بنهج اليد الممدودة، تجاه أشقائنا
في الجزائر، وفاء منا لروابط الأخوة والدين واللغة وحسن الجوار التي تجمع، على الدوام،
شعبينا الشقيقين.
وهو ما تجسد مؤخرا، في مظاهر الحماس والتعاطف التي عبر عنها المغاربة، ملكا
ع مظاهر الحساس والتعاطف
وشعبا، بصدق وتلقائية، دعما للمنتخب الجزائري، خلال كأس إفريقيا للأمم بمصر
الشقيقة؛ ومشاطرتهم للشعب الجزائري مشاعر الفخر والاعتزاز بالتتويج المستحق بها ؛
وكأنه بمثابة فوز للمغرب أيضا.
فهذا الوعي والإيمان بوحدة المصير، وبالرصيد التاريخي والحضاري المشترك، هو الذي
يجعلنا نتطلع، بأمل وتفاؤل، للعمل على تحقيق طموحات شعوبنا المغاربية الشقيقة، إلى الوحدة
والتكامل والاندماج.
شعبي العزيز،
إن المغرب ملك لجميع المغاربة، وهو بيتنا المشترك. وعلينا جميعا، كل من موقعه، أن
نساهم في بنائه وتنميته، وأن نحافظ على وحدته وأمنه واستقراره.
مغرب يتسع لكل أبنائه، ويتمتع فيه الجميع دون استثناء أو تمييز، بنفس الحقوق،
ونفس الواجبات، في ظل الحرية والكرامة الإنسانية.
وإننا نستحضر هنا ، بكل إجلال وإكبار، جميع المغاربة الأحرار الذي قدموا التضحيات
الجسام، في سبيل الحرية والاستقلال، وساهموا في بناء المغرب الحديث، مغرب التنمية
والديمقراطية والتقدم.
وفي مقدمتهم جدنا المقدس جلالة الملك محمد الخامس، ووالدنا المنعم جلالة الملك
الحسن الثاني، أكرم الله مثواهما.
كما نوجه تحية إشادة ،وتقدير، لكافة مكونات قواتنا المسلحة الملكية، والدرك
الملكي، والقوات المساعدة، والأمن الوطني، والوقاية المدنية، لتجندهم الدائم، تحت قيادتنا ،
للدفاع عن وحدة الوطن، وصيانة أمنه واستقراره
قال تعالى: «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما
استخلف الذين من قبلهم». صدق الله
العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة عيد العرش المجيد
30 يوليوز 2022
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
يشكل الاحتفال بعيد العرش المجيد الذي يصادف حلول العام الهجري الجديد ، مناسبة
سنوية لتجديد روابط البيعة المتبادلة بين العرش والشعب.
وإننا نحمد الله تعالى الذي وهبنا هذا التلاحم الوثيق عبر التاريخ، في السراء والضراء.
،
ويأتي احتفال هذه السنة، بهذه الذكرى العزيزة على كل المغاربة، في ظروف متقلبة،
مطبوعة باستمرار تداعيات كوفيد 19 وانعكاسات التقلبات الدولية على الاقتصاد الوطني
والعالمي.
المملكة المغربي
ولن نتمكن من رفع التحديات الداخلية والخارجية إلا بالجمع بين روح المبادرة
ومقومات الصمود ، لتوطيد الاستقرار الاجتماعي، والنهوض بوضعية المرأة والأسرة،
وتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني. للسلطة القضائية
شعبي العزيز
إن بناء مغرب التقدم والكرامة الذي نريده، لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة
رجالا ونساء، في عملية التنمية.
لذا نشدد مرة أخرى، على ضرورة المشاركة الكاملة للمرأة المغربية، في كل
المجالات.
وقد حرصنا منذ اعتلائنا العرش على النهوض بوضعية المرأة، وفسح آفاق الارتقاء
أمامها ، وإعطائها المكانة التي تستحقها.
ومن أهم الإصلاحات التي قمنا بها إصدار مدونة الأسرة، واعتماد دستور 2011
الذي يكرس المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، وينص على مبدا
كهدف تسعى الدولة إلى تحقيقه.
المناصفة،
فالأمر هنا ، لا يتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية ، وإنما بإعطائها حقوقها القانونية
والشرعية. وفي مغرب اليوم، لا يمكن أن تحرم المرأة من حقوقها.
وهنا، ندعو لتفعيل المؤسسات الدستورية المعنية بحقوق الأسرة والمرأة، وتحيين
الآليات والتشريعات الوطنية للنهوض بوضعيتها.
،
وإذا كانت مدونة الأسرة قد شكلت قفزة إلى الأمام، فإنها أصبحت غير كافية؛
لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق، تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون
تحقيق أهدافها.
ومن بينها عدم تطبيقها الصحيح، لأسباب سوسيولوجية متعددة، لا سيما أن فئة
من الموظفين ورجال العدالة، مازالوا يعتقدون أن هذه المدونة خاصة بالنساء.
والواقع أن مدونة الأسرة، ليست مدونة للرجل، كما أنها ليست خاصة بالمرأة؛
وإنما هي مدونة للأسرة كلها. فالمدونة تقوم على التوازن، لأنها تعطي للمرأة حقوقها ،
وتعطي للرجل حقوقه، وتراعي مصلحة الأطفال.
لمغربية
لذا، نشدد على ضرورة التزام الجميع، بالتطبيق الصحيح والكامل، لمقتضياتها
القانونية.
ية المجلس الأعلى للسلطة القضائية
كما يتعين تجاوز الاختلالات والسلبيات التي أبانت عنها التجربة، ومراجعة بعض
البنود التي تم الانحراف بها عن أهدافها، إذا اقتضى الحال ذلك.
وبصفتي أمير المؤمنين، وكما قلت في خطاب تقديم المدونة أمام البرلمان، فإنني
لن أحل ما حرم الله ، ولن أحرم ما أحل الله، لا سيما في المسائل التي تؤطرها نصوص
قرآنية قطعية.
ومن هنا، نحرص أن يتم ذلك، في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، وخصوصيات
المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح والتشاور والحوار، وإشراك
جميع المؤسسات والفعاليات المعنية.
وفي نفس الإطار، ندعو للعمل على تعميم محاكم الأسرة، على كل المناطق
وتمكينها من الموارد البشرية المؤهلة ، ومن الوسائل المادية، الكفيلة بأداء مهامها على
الوجه المطلوب.
وعلى الجميع أن يفهم أن تمكين المرأة من حقوقها، لا يعني أنه سيكون على
حساب الرجل؛ ولا يعني كذلك أنه سيكون على حساب المرأة.
ذلك أن تقدم المغرب يبقى رهينا بمكانة المرأة ، وبمشاركتها الفاعلة، في مختلف
مجالات التنمية.
شعبي العزيز،
كما تعرف، فإن الوضعية، خلال السنوات الأخيرة، كانت مطبوعة بتأثير أزمة
كوفيـد 19، على مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن العديد من الناس، خاصة من الفئات الهشة والفقيرة ، تأثروا كثيرا على المستوى
الاقتصادي والاجتماعي.
ولكننا تمكنا ، والحمد لله، من تدبير هذه المرحلة الصعبة، بطريقة فريدة، بفضل
تضافر جهود المواطنين والسلطات.
المملكة المغـ
وقد بذلت الدولة مجهودات جبارة، وتحملت تكاليف باهظة، لمواجهة آثار هذا الوباء،
حيث قامت بتقديم مساعدات مادية مباشرة للأسر المحتاجة، وبدعم القطاعات المتضررة.
كما عملت على توفير المواد الأساسية، دون انقطاع ، وبكميات كافية ، في كل مناطق
كميات
البلاد.
وكان المغرب، بشهادة الجميع من الدول الأولى التي بادرت بشراء اللقاح، وتوفيره
بالمجان، لجميع المواطنين والأجانب المقيمين بالمغرب، رغم ثمنه الباهظ.
وفي نفس الظروف، بدأنا في تنزيل المشروع الكبير، لتعميم الحماية الاجتماعية، وتأهيل
المنظومة الصحية الوطنية.
وأطلقنا مجموعة من المشاريع الهادفة لتحقيق السيادة الصحية، وضمان أمن وسلامة
المواطنين.
وهكذا، وفي ظرف أقل من سنة، بلغ عدد المنخرطين في نظام التأمين الإجباري عن
المرض، أكثر من ستة ملايين من العاملين غير الأجراء وعائلاتهم.
وسيتم استكمال التغطية الصحية الإجبارية، في نهاية هذه السنة، من خلال تعميمها على
المستفيدين من نظام « RAMED ».
كما أننا عازمون ، بعون الله وتوفيقه على تنزيل تعميم التعويضات العائلية تدريجيا.
ابتداء من نهاية 2023 ، وذلك وفق البرنامج المحدد لها.
وسيستفيد من هذا المشروع الوطني التضامني، حوالي سبعة ملايين طفل، لا سيما من
العائلات الهشة والفقيرة، وثلاثة ملايين أسرة بدون أطفال في سن التمدرس.
ولهذه الغاية، ندعو للإسراع بإخراج السجل الاجتماعي الموحد، باعتباره الآلية الأساسية
لمنح الدعم، وضمان نجاعته.
شعبي العزيز،
بفضل تضافر جهود الدولة والقطاعين العام والخاص، تمكن الاقتصاد الوطني من
الصمود في وجه الأزمات والتقلبات، وحقق نتائج إيجابية، في مختلف القطاعات الإنتاجية.
لكن مرحلة الانتعاش، لم تدم طويلا، بسبب الظروف العالمية الحالية.
فقد تسببت هذه العوامل الخارجية، إضافة إلى نتائج موسم فلاحي متواضع، في ارتفاع
أسعار بعض المواد الأساسية. وهو مشكل تعاني منه كل الدول.
منه كل الـد
وإدراكا منا لتأثير هذه الأوضاع، على ظروف عيش فئات كثيرة من المواطنين، قمنا
بإطلاق برنامج وطني للتخفيف من آثار الجفاف على الفلاحين، وعلى ساكنة العالم القروي.
كما وجهنا الحكومة لتخصيص اعتمادات مهمة، لدعم ثمن بعض المواد الأساسية،
وضمان توفيرها بالأسواق.
وهذا ليس بكثير في حق المغاربة.
وفي هذا الإطار، تمت مضاعفة ميزانية صندوق المقاصة ، لتتجاوز 32 مليار درهم، برسم
سنة 2022.
وبموازاة ذلك، ندعو لتعزيز آليات التضامن الوطني، والتصدي بكل حزم ومسؤولية ،
للمضاربات والتلاعب بالأسعار
ورغم التقلبات التي يعرفها الوضع الدولي، علينا أن نبقى متفائلين، ونركز على نقط
قوتنا .
ولا بد أن نعمل على الاستفادة من الفرص والآفاق التي تفتحها هذه التحولات، لا سيما في
مجال جلب الاستثمارات وتحفيز الصادرات والنهوض بالمنتوج الوطني.
وهنا ندعو الحكومة والأوساط السياسية والاقتصادية للعمل على تسهيل جلب
الاستثمارات الأجنبية التي تختار بلادنا في هذه الظروف العالمية، وإزالة العراقيل أمامها.
لأن أخطر ما يواجه تنمية البلاد، والنهوض بالاستثمارات، هي العراقيل المقصودة التي
يهدف أصحابها لتحقيق أرباح شخصية، وخدمة مصالحهم الخاصة. وهو ما يجب محاربته.
شعبي العزيز،
إن التزامنا بالنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لا يعادله إلا حرصنا المتواصل،
على معالجة أولويات المغرب على الصعيدين الجهوي والدولي.
وفي هذا الإطار، أشدد مرة أخرى بأن الحدود التي تفرق بين الشعبين الشقيقين، المغربي
والجزائري، لن تكون أبدا ، حدودا تغلق أجواء التواصل والتفاهم بينهما.
بل نريدها أن تكون جسورا ، تحمل بين يديها مستقبل المغرب والجزائر، وأن تعطي المثال
للشعوب المغاربية الأخرى.
وبهذه المناسبة، أهيب بالمغاربة لمواصلة التحلي بقيم الأخوة والتضامن، وحسن الجوار
التي تربطنا بأشقائنا الجزائريين؛ الذين نؤكد لهم بأنهم سيجدون دائما، المغرب والمغاربة إلى
جانبهم، في كل الظروف والأحوال.
أما فيما يخص الادعاءات التي تتهم المغاربة بسب الجزائر والجزائريين، فإن من يقومون
بها، بطريقة غير مسؤولة ، يريدون إشعال نار الفتنة بين الشعبين الشقيقين.
وإن ما يقال عن العلاقات المغربية الجزائرية، غير معقول ويحز في النفس. ونحن لم ولن
نسمح لأي أحد، بالإساءة إلى أشقائنا وجيراننا.
وبالنسبة للشعب المغربي، فنحن حريصون على الخروج من هذا الوضع، وتعزيز التقارب
والتواصل والتفاهم بين الشعبين.
،
وإننا نتطلع للعمل مع الرئاسة الجزائرية، لأن يضع المغرب والجزائر يدا في يد ، لإقامة
علاقات طبيعية، بين شعبين شقيقين، تجمعهما روابط تاريخية وإنسانية، ومصير مشترك.
شعبي العزيز،
إن تاريخ المغرب حافل بالدروس والإنجازات التي تؤكد أننا نتجاوز دائما الأزمات، بفضل
التلاحم الدائم بين العرش والشعب، وبفضل تضحيات المغاربة الأحرار.
واليوم، لا يسعني إلا أن أعبر لك شعبي العزيز عن شكري وتقديري، على ما أبنت عنه
في كل الظروف والأحوال ، من حب لوطنك وحرص على وحدتك الوطنية والترابية، والتزام
بالدفاع عن رموزك ومقدساتك.
وأغتنم هذه المناسبة المجيدة، لأوجه تحية إشادة وتقدير، لكل مكونات قواتنا المسلحة
الملكية، وقوات الدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة والوقاية المدنية، على
تجندهم الدائم تحت قيادتنا ، للدفاع عن وحدة الوطن وأمنه واستقراره.
كما نستحضر، بكل إجلال، الأرواح الطاهرة لشهداء المغرب الأبرار، وفي مقدمتهم
جدنا ووالدنا المنعمان، جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما.
وخير ما نختم به قوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا ، فإذا فرغت فانصب
وإلى ربك فارغب». صدق الله العظيم. لكة المغربية
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
2. خطب ملكية سامية بمناسبة ذكرى ثورة الملح والشعب
بمناسبة ذكرى ثورة الملح والشعب
20 غشت 2001
«الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
إن تخليدنا لذكرى ثورة الملك والشعب، وعيد الشباب، ليجعلنا نستحضر، بكل خشوع
وإجلال، الجهاد الوطني والملحمة الخالدة لثورة الملك دفاعا عن حرية شعبه، وثورة الشعب فداء
لملكه ، جدنا المقدس جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه.
6
،
كما إن إحياءنا لهذه الذكرى، يجعلنا نستشعر بكل اعتزاز وإكبار، مواصلة والدنا
المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه للجهاد الأكبر، بتشييده للدولة
العصرية للقانون والمؤسسات في إطار الملكية الدستورية الديمقراطية التي حرص على أن
تكون اجتماعية، وبتوفيره للبنيات الأساسية للتنمية.
وقد آلينا على نفسنا منذ قلدنا الله عز وجل، أمانة قيادتك، السير على النهج القويم
لجدنا ووالدنا المنعمين في إعطاء التنمية الاقتصادية والاجتماعية المكانة السامية للجهاد
الأكبر؛ مولين فائق اهتمامنا للتنمية البشرية، جاعلين منها أساس وغاية مذهبنا في الحكم.
واستلهاما من تخليدنا لهاتين المناسبتين وقيمهما التي تحثنا على التضامن والالتزام بأداء
الأمانة والمسؤولية والإقدام في قيادتنا للجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي الذي يحتل فيه
التصدي لكل مظاهر العجز الاجتماعي مكانة الصدارة، فقد ارتأينا أن نجعل من احتفائنا
بهما، في هذه السنة، فرصة المشاطرتك الانشغال العميق والتفكير الجدي، في محاربة أحد
تجليات العجز الاجتماعي الصارخة المتمثلة في السكن غير اللائق الذي عاينا مظاهره
المتخلفة، خلال تفقدنا الميداني، على امتداد السنتين الماضيتين، لأحوال رعايانا الأوفياء في
مختلف ربوع مملكتنا ، شمالا وجنوبا ، وشرقا وغربا.
لقد بذل والدنا المنعم نور الله ضريحه جهودا موصولة، وأولى عناية فائقة للإسكان
والتجهيز والتعمير، حتى أن التاريخ يذكره بالملك الباني. كما أن وارث سره، خديمك الأول،
لم يفتأ يولي السكن الاجتماعي الأولوية القصوى في السياسات الوطنية، سواء من خلال
مشاريع الدولة والمؤسسات التابعة لها ، أو عن طريق جعل تمويل السكن الاجتماعي اللائق،
يتصدر برامج صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أو بتشجيع مبادرات
القطاع الخاص والمجتمع المدني في هذا المجال.
بيد أن الطابع المعقد لإشكاليته المتعددة الأبعاد، وما يتطلبه من وسائل هائلة ، وعدم
تحمل الأجهزة المكلفة بمحاربته مسؤوليتها كاملة في هذا الشأن؛ جعل مشكل السكن غير
اللائق يتفاقم؛ بحيث إن ما يقرب من سبعمائة وسبعين ألف عائلة ، أي ما يزيد من أربعة ملايين
نسمة، تقيم بالسكن الصفيحي والعشوائي. وعلى سبيل المثال، فإن المحور الساحلي الممتد من
مدينة القنيطرة إلى مدينة آسفي يستقطب حوالي خمسين بالمائة من مجموع مدن الصفيح على
الصعيد الوطني.
أما فيما يخص السكن العشوائي، فإن أزيد من ثلثيه يتمركز بمدن ولايات طنجة
وتطوان وأكادير والرباط سلا ووجدة. وإذا ما استمر ارتفاع وتيرة السكن غير اللائق بنحو
أربعين ألف وحدة سكنية في كل سنة، أي بنسبة أربعين في المائة مما يبنى على الصعيد
الوطني، فإن من شأن ذلك أن ينذر بأشد العواقب على توازن نسيجنا الاجتماعي، وسلامة
بيئتنا، ويعيق كل الجهود التنموية التي تقوم بها السلطات العمومية، وصندوق الحسن الثاني
للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من أجل تأهيل مدننا وقرانا ، لاستقطاب الاستثمار المنتج،
خاصة في المجال السياحي الذي نوليه أهمية خاصة، والذي تعد جمالية العمران أحد محفزاته.
ة خاصة، والذي تعد جمالية العمران أحد مـ
وكي لا يشكل ما نقوم به من توسيع لاختصاصات الجماعات المحلية، وما ينتظر بلادنا
من استحقاقات انتخابية، حقلا خصبا لانتشار خطير لهذه الظاهرة، فإن من الواجب التطبيق
الصارم للقانون، كي لا يتم تحريف تلكم الاختصاصات، وتحويل تلك الاستحقاقات إلى
أداة زبونية وانتخابوية لجلب الأصوات، بمنح رخص غير قانونية، أو بالتشجيع الضمني
للسكن غير اللائق.
وفي نفس سياق توجيهاتنا ، المعلن عنها إثر تعييننا لمجموعة من الولاة الجدد ؛ فإن المنتخبين
المسؤولين في الجماعات المحلية، مطالبون هم كذلك بحسن تطبيق القانون، في مجال
محاربة السكن غير اللائق والتحلي بروح المبادرة والواقعية بالإسراع في مواجهته عوض
الخضوع لإكراهاته، ووضع حد نهائي لتهاون عدد من الجماعات المحلية، وأجهزة الوصاية
عليها ، في القيام بتحمل مسؤوليتها كاملة في هذا المجال، وعدم إيلائها السكن الاجتماعي
ما يستحقه من عناية في مخططاتها.
ولكي لا يرهن السكن غير اللائق والتعمير العشوائي مخططاتنا التنموية، وبغية رفع
التحدي الكبير للقضاء عليه ، فإننا نهيب بحكومتنا أن تنكب على إعداد الإطار التشريعي
والتنظيمي، لمشروع برنامج وطني مضبوط ، يستهدف القضاء على السكن غير اللائق الموجود.
كما ينبغي أن يضع هذا المشروع القواعد الزجرية الكفيلة بالحيلولة دون
استمرار هذا النوع من السكن وانتشاره؛ محددا بدقة مسؤوليات كل الفاعلين في
هذا المجال، بما فيهم الجماعات المحلية والوكالات الحضرية، ومفتشيات التعمير،
ورجال السلطة الجهوية والإقليمية والمحلية، بالإضافة إلى الخواص، وقطاع الإسكان
والمؤسسات العمومية التابعة له وكل الهيئات المكلفة إما بالترخيص، أو بمراقبة
قانونية السكن، أو بمحاربة السكن غير اللائق، أو بالإنعاش العقاري. ويتعين على
هذا المشروع أن ينص، بكل ما يقتضيه الأمر من حزم وشفافية على ترتيب الجزاءات
الصارمة، الجنائية والمدنية والمالية على الممارسات اللاقانونية، أو على الإخلال
بالمسؤولية في هذا المجال.
،
،
وبالنظر للأمانة الملقاة على عاتق الجماعات المحلية في هذا الشأن، فإنها ستكون
ملزمة بأن تجعـل بـرامـج ومشاريع السكن الاجتماعي والموارد اللازمة لتمويلها، في مقدمة
مخططاتها التنموية.
كما ينبغي أن ينص هذا الإطار التشريعي والتنظيمي على المسؤولية القانونية الشخصية
للمنتخبين، وكذا على المسؤولية المالية للجماعة المحلية عن كل تهاون، أو تغاض عن تحول
جزء من دائرتها الترابية إلى مجال للسكن غير اللائق.
،
ولكي تقترن المسؤولية بتوفير الموارد اللازمة للنهوض بها، وتعزيزا للإمكانات المالية
المرصودة في الميزانية العامة للدولة، ومساهمات الجماعات المحلية وللدعم الذي يوفره
صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لتمويل برامج السكن الاجتماعي؛
فإنه ينبغي الاجتهاد في إيجاد مصادر تمويل جديدة وقارة وفعالة.
وإننا لواثقون بأن اعتماد منهج الشراكة، انطلاقا من مخططات محلية للإسكان
والتعمير، موضوعة بتشاور مع كل الأطراف المعنية، لمن شأنه التعجيل بوضع حد نهائي،
لانتشار السكن غير اللائق.
كما أننا حريصون على رفع هذا التحدي الكبير، من خلال تفقدنا الميداني المتواصل،
لكل أرجاء وفئات وطننا العزيز والوقوف في عين المكان، على مدى التزام المسؤولين بكسب
هذا الرهان الحيوي.
شعبي العزيز،
إن تزامن الاحتفاء بعيدي العرش والشباب وذكرى ثورة الملك والشعب، مع عودة رعايانا
الأوفياء المقيمين بديار المهجر، لإحياء صلة الرحم بذويهم وبوطنهم ، ليعد مصدر بهجة مضاعفة
بالنسبة لنا ؛ بالنظر لما نوليه لهذه الفئة العزيزة من شعبنا، من سابغ العطف وموصول العناية ،
المتجسدة في اعتزازنا باستقبالهم شخصيا عند حلولهم بأرض الوطن.
وإننا لنشيد بإقبالهم المتزايد على زيارة وطنهم التي شملت علاوة على الجيل الأول،
الجيلين الثاني والثالث، بحيث ارتفع عدد الوافدين هذه السنة بنسبة تفوق عشرة بالمائة مقارنة
السنة الفارطة، منوهين بما يرمز إليه هذا الإقبال الكبير، من تعلق بوطنهم، ومن ثقة في
حاضره ومستقبله.
مع
وحرصا من جلالتنا على توطيد هذا التجاوب الوجداني، فقد عملنا على وضع سياسة
جديدة شمولية ومتناسقة، كفيلة بالاستجابة لما تشهده جاليتنا بالخارج من تحولات، وما
تصبو إليه من تطلعات وبالتأهيل الشامل للأجهزة والمؤسسات والجمعيات المعنية بشؤونها ،
بكيفية تمكن من كسب الرهانات الحيوية التي تمثلها الهجرة بالنسبة لتنمية المغرب،
وتحديثه وإشعاعه الخارجي.
وتستهدف هذه السياسة الجديدة على المستوى الديبلوماسي، تقريب البعثات
الديبلوماسية والقنصلية من أماكن تواجد المهاجرين، قصد المزيد من الحرص على خدمتهم،
والدفاع عن حقوقهم وصون كرامتهم، وحل ما يعترضهم من مشاكل في بلدان الإقامة،
واستثمار بروز نخب جديدة ديناميكية، في المجالات السياسية، والعلمية والتكنولوجية،
والثقافية والرياضية، من أجل خدمة قضايا بلدهم.
أما على المستوى الاقتصادي، فيتعين إيجاد آليات جديدة لتشجيع توظيف التحويلات
المالية المتزايدة الارتفاع، ولله الحمد في الاستثمار المنتج والتنمية الوطنية. وفي الجانب الثقافي،
ينبغي تعزيز تلقين الثقافة المغربية بكل مكوناتها ، والحفاظ على الهوية الإسلامية الوسطية،
وسن سياسة إعلامية وتواصلية خلاقة وحديثة.
وفي ما يخص التناسق والتكامل، اللذين نحرص على أن يطبعا عمل المؤسسات
المعنية بقضايا المغاربة المهاجرين، فقد أصدرنا توجيهاتنا السامية قصد إعادة النظر
في هياكل ومهام، وطرق تسيير مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، كي
تجعل في طليعة أعمالها ، المساعدة على التسوية السريعة للمنازعات الإدارية والقضائية
التي تهم أفراد جاليتنا ، ومساعدتهم القانونية على صون حقوقهم وحماية ممتلكاتهم،
والتنسيق في ذلك مع السلطات العمومية الوطنية والمحلية لإمدادهم بالإرشادات
والتوجيهات الكفيلة بجعلهم يتجنبون ما يحدث لهم من مشاكل، وما يصدر عنهم
من شكايات، يمكنهم تفاديها ، بحسن استعمالهم للخدمات والإرشادات المقدمة لهم.
كما أن على هذه المؤسسة أن تسهر كذلك، على تعزيز الإشعاع الثقافي الوطني
بديار الهجرة، وتعميق التشاور والتشارك مع جمعيات المهاجرين، ذات التمثيلية والمشروعية
والمصداقية؛ فاسحين بذلك المجال لما نبتغيه من ضمان مشاركتهم، على أعلى مستوى، في
المؤسسات الوطنية؛ موفرين أحسن الظروف لدوام ارتباطهم بوطنهم.
ومن منطلق الفعالية التي أبانت عنها مؤسسة محمد الخامس في مجال العمل التضامني،
فقد سهرنا على تكفلها بالجانب الإنساني والاجتماعي، في عملية العبور والاستقبال والعودة.
شعبي العزيز،
إذا كان من حقنا أن نعتز بما لشبابنا من طاقات وعزائم واعدة في استكمال بناء المغرب
الديمقراطي الحداثي؛ فإن من واجبنا أن نتذكر بإجلال وإكبار ، أبطال المقاومة الأبرار،
والمجاهدين المخلصين رواد هذا البناء، وفي مقدمتهم جدنا ووالدنا المنعمان، صاحبا الجلالة
الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما ، وأن نأخذ العبرة من تاريخنا
الوطني، مستشعرين كل محفزاته وإيجابياته، مقبلين على صنع المستقبل، بكل ثقة وأمل
وحماس.
للسلطة القضائية
والله سبحانه وتعالى نسأل أن يوالي على وطننا العزيز، نعمة الالتحام بين العرش
والشعب، لتظل مصدر قوتنا ووحدتنا ، وإنجاز المزيد من المكاسب، في مجال تحقيق أكمل
صور العزة والكرامة لكل فئات شعبنا العزيز.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة ذكرى ثورة الملح والشعب
20 غشت 2002
الحمد
لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
نخلد اليوم الذكرى المجيدة لثورة الملك والشعب، لما ترمز إليه من معاني الوطنية وقيم
الفداء من أجل استرجاع السيادة والاستقلال وبناء مغرب ينعم بالحرية والتقدم، في ظل ملكية
دستورية ديمقراطية واجتماعية.
وما أحوجنا في الظرف الحالي، لاستلهام روح ومغزى هذه المناسبة الخالدة من أجل جعل
الاستحقاقات الانتخابية المقبلة خطوة هامة على درب توطيد المسيرة الديمقراطية التنموية،
وعمادا لرفع تحديات محيطنا الجهوي والدولي.
وانطلاقا من كون الاختيار الحر الواعي للمواطن لمن سيتولى النيابة عنه في تدبير الشأن
العام يعد بمثابة القاعدة الذهبية للديمقراطية، فإن الانتخاب يعتبر محكا للمواطنة بما هي
استشعار للمسؤولية وللمشاركة الفاط الحياة السياسية التي تعد أساس الديمقراطية.
وكما تعلم شعبي العزيز، فإن النخبة التي تتولى تدبير شؤونك تأتي من التعيين أو من
الانتخاب. وإذا كانت الأجهزة المعينة تختار وفق ضوابط محددة ويمكن إعفاؤها في حالة
إخلالها بمهامها ، فإن صفوة الانتخاب تتميز بصلاحياتها الواسعة بحكم توسيع اختصاصات
المجالس التمثيلية وبضرورة انتظار انتهاء انتدابها الذي يمتد خلال سنوات لمجازاتها أو جزائها.
ومثلما أحرص بالنسبة للمسؤولين السامين الذين أتولى تعيينهم على انتقاء أحسن العناصر
لجعلها في خدمتك، فإني أنتظر من الناخبين أن يقوموا بدورهم في اختيار أحسن العناصر
لتكون المؤسسات النيابية سندا قويا للأجهزة التنفيذية داعيا كل المواطنين لجعل الانتخاب
لحظة قوية لإبراز تشبع المغاربة بقيم الديمقراطية والحرية والاعتدال والتسامح واحترام
القانون منوها في هذا الصدد بالدور الهام الذي ينهض به المجتمع المدني في ترسيخ قيم المواطنة
الفاعلة ومهيبا بمختلف أجهزة الإعلام إلى تسخير كل وسائلها لهذا الهدف السامي.
ولأن الإسهام في تأطير المواطن وتمثيله يعد من صميم المهام الدستورية للأحزاب السياسية
ومع توافقها على نمط للاقتراع مبني على جعل التصويت اختيارا لبرامج وليس لأشخاص فإن
الاستحقاقات القادمة تعد فرصة ذهبية أمام هذه الأحزاب لإعادة الاعتبار للعمل السياسي
بمعناه النبيل بالتعبئة من أجل المشاركة المكثفة الواعية والنوعية الجيدة للمرشحين والمنافسة
الشريفة لإفراز نخبة مؤهلة وبرامج ملموسة محددة الأهداف والوسائل.
كما أن الغرف المهنية التي أناط بها الدستور نفس المهمة ستواجه نفس الاختبار لقياس
قدرتها على النهوض بدورها الاقتصادي في التحفيز على خلق الثروات والاستثمار، ذلكم
الدور الذي يؤهلها لو أنها قامت به على الوجه المطلوب، لتكون بنوكا لمشاريع الاستثمار
الجهوي وليس مجرد مطية للانتخابات.
وكذلك هو الشأن بالنسبة للنقابات العمالية المدعوة للتشبع بثقافة اجتماعية جديدة
يشكل فيها الحفاظ على فرص العمل وتقوية إنتاجية المقاولة وتنافسيتها جوهر الوطنية
الجديدة التي لا تقل أهمية عن النضال الوطني الذي قامت به الطبقة العاملة ضد الاستعمار.
كما أن الاستحقاقات القادمة المعززة بالمدونة الجماعية الجديدة ستشكل تجربة لإظهار
مدى إفراز نخبة تجعل من الجماعات المحلية فاعلا اقتصاديا وقاعدة متينة لديمقراطية القرب
وتدبير الحاجات اليومية للمواطنين.
أما السلطات العمومية القائمة بمسؤوليتها في السهر على نزاهة الاقتراع فإننا لا
مسؤوليتها –
ننتظر منها مجرد الحياد ، سلبيا كان أو إيجابيا في هذا الشأن، بل الالتزام الصارم
بتطبيق القانون وتحصين نزاهة الانتخاب التي حرصنا ، في إطار تخليق العملية الانتخابية
على توفير كل الضمانات القانونية والقضائية والإدارية لها. التحقيق العملية الولة
وإننا لنتطلع بذلك إلى اعتماد المشروعية الديمقراطية معيارا للتعاطي مع الأحزاب
السياسية، وذلك ضمن مشهد سياسي سليم تجد فيه كل المشارب السياسية الوطنية موقعها
الحقيقي، مشهد مبني على أقطاب واضحة ومركزة بين تيارات سياسية يجمعها انسجام
التوجهات، مشهد لا مكان فيه لمن يركب مطية الديمقراطية لمصادرتها. إذ لا ديمقراطية
لغير الديمقراطيين، ويظل خير ضمان لممارستك ، شعبي العزيز، لهذه الاستحقاقات هو
نظامك الملكي الدستوري الديمقراطي الذي يجعلك تخوض الانتخابات وأنت تنعم بالاستقرار
والطمأنينة على مقومات هويتك بمختلف روافدها الغنية وعلى وحدتك المذهبية والوطنية
والترابية وعلى جوهر اختياراتك.
فعلى الكل أن يتعبأ حتى لا نخلف موعدنا مع هذه المحطة الهامة في مسيرتنا الديمقراطية،
وإلا وجدنا أنفسنا تجاه مؤسسات منخورة، تضر بالديمقراطية وتغذي أسباب اليأس أو العزوف
أو التطرف.
إن هدفنا الأسمى هو تكريس مصداقية المؤسسات بشكل يمكن من ترسيخ
ديمقراطيتنا ، وجعلها أداة فعالة لكسب رهانات التنمية ودعامة قوية ترفع بها دبلوماسيتنا
تحديات محيطنا الجهوي والعالمي، في زمن غدت فيه درجة التطور الديمقراطي لأي بلد من
روافد إشعاعه الدولي، وأصبح فيه كسب تلكم التحديات رهينا بفعالية العمل الدبلوماسي.
وفي هذا السياق، فإن تأهيل جهازنا الدبلوماسي يندرج ضمن الامتداد الاستراتيجي للتأهيل
الشامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وللخيارات الوطنية الأساسية التي حددنا
معالمها في خطاب العرش الأخير.
إن من حق المغرب اليوم أن يفخر بصورته لدى الرأي العام الخارجي كبلد معتدل،
متسامح ومنفتح على محيطه الجهوي ، وشريك ذي مصداقية، متشبع بقيم السلم
والعدل في التزام تام بالشرعية الدولية، بلد يمضي قدما في تشييد دولة عصرية
ديمقراطية، في تشبث قوي بهويته وباستقلاله وسيادته.
وقد وجهنا دبلوماسيتنا كي تعمل على حسن استثمار التقدم الديمقراطي لبلدنا وإشعاعه
الروحي ورصيده التاريخي وموقعه الجيو – استراتيجي، وإلى التكيف مع التحولات العالمية
والمساهمة في إيجاد حلول سلمية للنزاعات واغتنام فرص التعاون والتبادل على الأصعدة الثنائية
والجهوية والمتعددة الأطراف، وغزو أسواق جديدة وجلب الاستثمارات والتكنولوجيات المتطورة
نزو أسواق جديدة وجلب الاستمارات وان
وتحقيق إشعاع ثقافي وطني أكبر. سن القصابية
وإننا حريصون على أن يتواصل هذا العمل بوتيرة أسرع ويتسع نطاقه في إطار منظور
استراتيجي شامل ومنهجية جماعية متناسقة ومقدامة منفتحة على مختلف الفاعلين الجدد في
العلاقات الدولية من منتخبين على الصعيدين الوطني والمحلي وفاعلين اقتصاديين ومنظمات
غير حكومية.
ولبلوغ هذا الهدف أصدرنا تعليماتنا السامية من أجل تأهيل جهازنا الدبلوماسي وتحديثه
وإعادة انتشاره. ويتعين أن تشمل هذه العملية الإصلاحية في نفس الوقت كلا من هياكل
وزارة الخارجية والتعاون ومهام التحريك والتنسيق والمتابعة المنوطة بها، وكذا أنشطة هيئاتنا
الدبلوماسية والقنصلية وأساليب عملها.
كما يجب إيلاء عناية خاصة لانتقاء الأطر الدبلوماسية وتكوينها لأن المهنة الدبلوماسية
ليست موهبة فحسب، بل تتطلب اليوم مهارة خاصة وثقافة متنوعة وكفاءة فعلية في مجال
التفاوض الدولي.
تلكم هي المقومات الضرورية لتكون الدبلوماسية المغربية لمستهل الألفية الثالثة فاعلة
وجريئة ونافذة وبدون تعدي، ويكون الدبلوماسي المغربي متمكنا من تمثيل بلاده تمثيلا
مشرفا والدفاع عن مصالحها العليا وتوسيع مبادلاتها مع مختلف الدول والسهر على صيانة
حقوق رعايانا الأوفياء المقيمين بالخارج الذين نخصهم في نطاق منظورنا للدبلوماسية الفاعلة
بعنايتنا الفائقة.
وتظل غايتنا المثلى من التفعيل الأمثل لدبلوماسيتنا، وجعلها أكثر مبادرة واقتحاما
عقلانيا، وتجديد أدواتها ، ترسيخ المكانة الدولية المرموقة للمغرب كشريك مسموع الكلمة
من طرف الدول العظمى، ومدافع حريص على مصالح البلدان النامية في زمن العولمة، وقطب
استقرار وسلم في محيطه الجهوي والدولي.
وبذلكم نثري الرصيد الدبلوماسي الثمين الذي حققه جدنا ووالدنا المنعمان جلالـة
الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما ، سائرين على نهجهما القويم
على درب تشييد مغرب الوحدة والديمقراطية والتقدم سائلين الله لهما حسن الثواب والرضوان.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته …
وبركاته …
المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة ذكرى ثورة الملح والشعب
20 غشت 2003
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
منذ خمسين سنة خلت، وفي هذه القبة التاريخية للعرش انطلقت ثورة جدنا المنعم، الملك
محمد الخامس، قدس الله روحه بتحديه جبروت الاستعمار وإيثاره التضحية بالعرش،
والمنفى مع أسرته الشريفة في سبيل استقلال المغرب لتندلع إثرها شرارة ثورة الشعب فداء
لملكه الشرعي ورمز سيادته.
وبعد مضي سنتين، حققت هذه الثورة المظفرة نهاية عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر
الحرية والاستقلال ودخلت سجل الخلود ، ليس كحدث تاريخي عابر، وإنما كمذهب
متكامل لاسترجاع السيادة وإرساء الملكية الدستورية الديمقراطية والقضاء على التخلف
والجهل والانغلاق.
وعلى هدي هذه الثورة المجيدة، أرست الإرادة المشتركة للأمة ولجدنا ووالدنا المنعمين
جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني قدس الله روحيهما، قواعد دولة حديثة، نقوم
اليوم بتوطيد دعائمها الاقتصادية والاجتماعية.
كما شكلت هذه الملحمة التاريخية التي صنعها جيل 20 غشت 1953، مدرسة للوطنية
المغربية الحقة للدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية والمذهبية في إطار الالتحام المكين بين
الشعب والعرش الذي كان السد المنيع في وجه كل المؤامرات والرافعة القوية لكل التحديات.
وعلى مدى نصف قرن من الزمن تواصلت هذه الثورة الدائمة بما ساهم به كل مغربي
ومغربية بعمله اليومي الدؤوب، كل من موقعه في أسرته ومدرسته ومهنته وجمعيته، في بناء
دولة موحدة عصرية.
وإذا كان تقدم الأمم لا يقاس بالأحداث العابرة، وإنما بالأطوار التاريخية المتلاحقة التي
يعطي فيها كل جيل أفضل ما يمكن إنجازه للجيل اللاحق، فهل قام كل منا بما يلزم لجعل
الشباب الذي نحتفل بعيده، متشبعا بروح ثورة الملك والشعب باعتبارها تضحية من أجل الوطن
لا تضحية به. وهل يحاسب كل واحد ضميره في كل وقت وحين.. ماذا أعطيت لوطني.. بدل
أن يتشكى بكل أنانية.. كم أخذت من وطني؟
وحتى لا يقع شبابنا في اختزال أبطال المقاومة في أسماء شوارع بوسط المدينة، فإن على
المغاربة جميعا أن يظلوا أوفياء لروح 20 غشت في التشبث بقيم الوطنية وتربية أبنائهم على
الوطن الذي جعله ديننا الحنيف من مقومات الإيمان.
ولن نبلغ ذلك إلا بترجمة الوطنية إلى مواطنة ونقل الوعي الوطني من مجرد حب للوطن إلى
التزام فعلي بالمساهمة في بناء مغرب يعتز المغاربة بالانتماء إليه.
لقد حققت ثورة الملك والشعب استقلال المغرب وبناء دولته العصرية، بيد أن صيانة وحدتنا
الترابية يظل أمانة تلزمنا بالتعبئة الشاملة واليقظة المستمرة والتحرك الفعال من أجل الطي
النهائي للنزاع المفتعل من قبل خصوم مغربية الصحراء المتمادين في معاكستهم لها بحقد وعداء
إلى حد كشف قناعهم عن كونهم الخصم الحقيقي الذي تمتد أطماعه من الهيمنة الكاملة
على أقاليمنا الجنوبية، من خلال بيادق الانفصاليين، إلى طرح التقسيم الذي يؤدي لا محالة
إلى بلقنة المنطقة برمتها ، بدل العمل الصادق على بناء اتحاد مغاربي قوي على أسس سليمة.
وفي مواجهة هذا الموقف العدائي الذي لم يفتأ يعاكس كل الحلول التوافقية التفاوضية
المنصفة ويروج بدلا عنها لحلول ملغومة، فإن المغرب المتواجد على صحرائه، القوي بإجماعه
المقدس حولها، المعتز بمساندة أشقائه وأصدقائه المدركين لعدالة قضيته، يؤكد بلسان
خديمك الأول، حفيد محمد الخامس بطل التحرير ووارث سر الحسن الثاني مبدع المسيرة
الخضراء رحمهما الله أننا جميعا مجندون بما يرمز إليه هذا اليوم الخالد من التحام بين
العرش والشعب للدفاع عن وحدتنا الترابية مهما كلفت من تضحيات ومهما كانت المناورات
والمؤامرات.
.
ولشعبي العزيز أجدد التأكيد بأن المعركة الحقيقية ليست بين أفراد وفئات أو أحزاب
وجمعيات، وأن الخلافات بشأن تدبير الشأن العام لا يجب أن تنسينا بأن معركتنا المصيرية
الحاسمة هي الدفاع بكل استماتة لصد كل تهديد أو خطر أو تآمر يستهدف النيل من
وحدتنا الترابية.
ولخصوم وحدتنا الترابية أؤكد باسمك شعبي العزيز أن الديمقراطية التي هي نهجنا
المتميز للتدبير الحضاري لقضايانا الوطنية هي على خلاف ما يعتقده هؤلاء الخصوم من دعائم
تقوية الجبهة الداخلية وقوام وحدة صفنا والخيار الأنسب للطي النهائي لهذا المشكل المفتعل
الذي يظل المغرب منفتحا على كل حوار بناء وصريح لحله، في إطار الحفاظ على وحدتنا
الترابية وسيادتنا الوطنية التي لن نقبل أبدا ، وأقول أبدا، أي مساومة عليها.
وبنفس الإيمان والعزيمة، فإن خديمك الأول يدعوك ، شعبي الوفي، إلى الانخراط الفعال
في ثورة جديدة للملك والشعب انطلاقا من المرجعيات والأهداف الطموحة التي حددناها في
خطاب العرش غايتها المثلى تشييد دولة ديمقراطية فعالة محصنة من كل أشكال التكفير
الديني أو الإقصاء السياسي وبناء اقتصاد متحرر منتج للثروات والتشغيل ومجتمع متضامن
ونهضة فكرية منفتحة على روح العصر وملتزمة بالهوية المغربية.
وقد ارتأينا أن يكون أفضل تعبير عن الوفاء لروح ثورة الملك والشعب في عيدها
الذهبي، وخير منطلق لمواصلتها تجسيد إرادتنا الراسخة لإنصاف المرأة المغربية التي
لا قوام للديمقراطية وحقوق الإنسان بدون رفع كل أشكال الحيف عنها وتكريمها
المستحق.
ولذلك أصدرنا تعليماتنا السامية إلى اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة
الأحوال الشخصية كي تنهي أعمالها خلال شهر شتنبر المقبل، وترفع إلى جلالتنا
حصيلة أشغالها.
وسنتولى بصفتنا أميرا للمؤمنين والممثل الأسمى للأمة اطلاعك شعبي الأبي بما
استقر عليه نظرنا السديد في شأن مشروع المراجعة الشاملة للمدونة الجديدة للأسرة،
وذلك في مناسبة قريبة، إن شاء الله.
وفي منعطف حضاري عالمي اهتزت فيه اليقينيات والمرتكزات تنتظرنا معركة صعبة
ضد الذات لتحصينها من الانسياق إلى ركوب الأجوبة السهلة عن الأسئلة الصعبة والمزايدة
الديماغوجية. فمعركتنا الحقيقية هي التعبئة لإنجاز مشاريع الإصلاح الشاقة بروح الاجتهاد
والتطور.
ولن يتأتى لنا ذلك إلا بالتمسك بالثوابت الراسخة للأمة، باعتبارها مصدر قوة الهوية
المغربية المتميزة، وتعميق روح المبادرة والإنتاج والتصدي بحزم ووعي لكل من يركب الفتنة
والتضليل والانغلاق لمصادرة مستقبل الأمة وتقدمها.
وإذا كنا قد طوينا ، بفضل تطورنا الديمقراطي، صفحة تصحيح صورة المغرب بالخارج،
فإن علينا بنفس العزم تصحيح صورة المغربي عن بلده بترسيخ ثقافة المواطنة التي تجعله يعتز
بمكاسبه عاملا على تصحيح مكامن الاختلال أو السلبيات بمشاريع إصلاحية ملموسة بدل
زرع ثقافة التشكيك والعدمية.
وفي هذا السياق وعلاوة على برامج التنشئة على حقوق وواجبات الإنسان، فقد أصدرنا
توجيهاتنا السامية إلى حكومة جلالتنا ، وخاصة وزراء التعليم كي يكون عماد هذه البرامج
تلقين أطفالنا وشبابنا التربية الوطنية والأخلاقية، كما تشبع بها جيلنا ولا سيما منها التعلق
بمقدسات الوطن والغيرة القوية على سمعته.
ومثلما كانت السبعة والعشرون شهرا التي قضاها جدنا المنعم والأسرة الملكية الشريفة
في المنفى ذروة التضحية والالتحام بين العرش والشعب من أجل سيادة المغرب ووحدته وتحرره،
فلنجعل من نفس المدة التي تفصلنا عن إحياء الذكرى الخمسينية للاستقلال فترة حافلة بالعمل
الجاد وتعبئة الشباب لتحصين وحدتنا الترابية ومكاسبنا الديمقراطية واستدراك ما تأخر من
مشاريعنا الإنمائية وترسيخ مكانة المغرب في محيطه الجهوي والدولي.
،
كما أن علينا أن نجعل من هذه الذكرى الذهبية للاستقلال وقفة تاريخية لتقييم الأشواط
التي قطعتها بلادنا على درب التنمية البشرية خلال نصف قرن، بنجاحاتها، وصعوباتها،
وطموحاتها، مستخلصين العبر من اختيارات هذه المرحلة التاريخية والمنعطفات الكبرى التي
ميزتها، مستهدفين من ذلك ترسيخ توجهاتنا المستقبلية على المدى البعيد بكل ثقة ووضوح،
مبرزين بكل تجرد وإنصاف الجهود الجبارة التي بذلت لوضع المغرب على سكة بناء الدولة
الحديثة.
رف الخالة :
وذلكم خير وفاء للذكرى ا ة لصانعي استقلال الوطن وأكبر محفز على مضاعفة
الجهود لمواصلة بناء المغرب القوي، وما ذلكم بعزيز على عزائم شبابنا المتشبع بالوطنية
التاريخية الملتزم بالمواطنة الديمقراطية.
ى وبركان سلطة القضائية
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة ذكرى ثورة الملح والشعب
20 غشت 2007
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
«الحمد
شعبي العزيز،
يتزامن احتفاؤنا اليوم، بمشاعر الاعتزاز بذكرى ثورة الملك والشعب الخالدة، وبعيد
الشباب المجيد، مع الانطلاقة الرسمية الوشيكة للحملة الانتخابية، لاقتراع سابع شتنبر المقبل.
ففي هذا الموعد الذي يشكل مرحلة متقدمة في مسارنا الديمقراطي، ستختار بإرادتك
الحرة، بين برامج ومرشحي الأحزاب المتنافسة، لعضوية مجلس النواب الجديد.
وكما وعدتك في خطاب العرش، فإنني أتوجه إليك، في موضوع الانتخابات، لا للتأثير
أو التدخل فيها الذي حرمته على نفسي مثلما يمنعه القانون على الجميع، باعتبار نزاهة
الانتخابات هي جوهر الديمقراطية وروحها.
ة المعربي
فالالتزام التام بنزاهة الانتخابات وتخليقها، وبحرمة الاقتراع، يبدأ من خديمك الأول،
الملك أمير المؤمنين رمز وحدة الأمة بكل مكوناتها، وحامي حمى الملة والدين، الحريص
على مصالحك العليا، بجعلها تسمو فوق أي اعتبار مستحضرين تطورنا السياسي، بمكاسبه
الكبرى.
،
وهكذا ، أصبحت الانتخابات منتظمة، بيد أن الانشغال بها لا يعني التأثر السلبي بظرفيتها
وانتظار تنصيب الحكومة القادمة، وهذا ما يقتضي أن تتحمل كل المؤسسات والفاعلين
مسؤولياتهم في عمل مستمر. فالقضايا المصيرية، والأوراش والإصلاحات الهيكلية الكبرى،
وضمان الأمن والاستقرار، لا تقبل التوقف والانتظار.
الله،
وبعون ، فقد تمكنا جميعا من توفير إطار عصري وفعال محفز على المشاركة
المواطنة، من معالمه البارزة : مدونة انتخابية حديثة، تفسح مجال المشاركة المتكافئة
لكل الأحزاب في الاقتراع، قانون جديد لتأهيل الأحزاب وتمويل شفاف لعملها، حياد
إداري إيجابي وحازم مراقبة قضائية مستقلة ، حضور فاعل للمجتمع المدني، ولوسائل
الإعلام في التوعية والمتابعة، فضلا عن التمثيل النسوي الذي نريده أكثر إنصافا
للمرأة.
وهذا ما جعل الممارسة السياسية تبلغ مرحلة متقدمة من النضج، حيث تتنافس على
كسب ثقة الناخبين أغلبية تدافع عن حصيلة عملها ومشاريعها المستقبلية وتحاسب عليها ، وفي
مواجهتها معارضة متعددة، تأخذ بعين الاعتبار المكاسب الوطنية وتقترح برامجها البديلة في
إطار انتخابات تنافسية.
وبدورها، فإن الحملة قد عرفت تجديدا ملحوظا ، في شكلها ومضمونها ومراحلها ، فهي
لم تعد مجرد فرصة موسمية عابرة لرفع شعارات حماسية ومطالب نضالية عامة، أو مطية
للتضليل والتدليس، بل أصبحت مفتوحة ومتضمنة لبرامج متعددة يتم التعريف بها بوسائل
اتصال حديثة ومضبوطة.
ومهما يكن التقدم السياسي الذي حققناه، فهل يجوز القول : إننا قد بلغنا درجة الكمال
الديمقراطي؟ وهل من المعقول النزوع إلى تحجيم الاقتراع باعتباره مجرد حلقة دورية، في
مسلسل انتخابي معتاد؟ كلا، إن للانتخابات حرمتها ودورها الحاسم في اختيارك ، شعبي
العزيز لمن يدبر الشأن العام ويراقبه ، أغلبية ومعارضة. كما أنها تساهم، بإرادتك الحرة،
في بلورة أسبقيات الولاية التشريعية الجديدة. لذلك، لا ينبغي تبخيس قيمتها أو التشكيك في
جدواها. كما أنه لا مبرر للمبالغة في تهويلها وكأنها غاية في حد ذاتها أو نهاية مطاف المسار
الديمقراطي الذي لا – حد لكماله.
وعلى هذا الأساس، أقول لمواطنينا : إن الانتخاب من مقومات المواطنة المسؤولة، ولإعطاء
لواطنة المـ
عملية الاقتراع شحنة قوية ودائمة، يتعين دعمها بالمشاركة الديمقراطية، مشاركة موصولة
لا تنحصر في يوم الاقتراع، بل تتطلب الانخراط الدائم في أوراش التنمية والمواطنة.
إنكم بالإدلاء بأصواتكم، لا تختارون من يمثلكم للسنوات الخمس المقبلة فقط، وإنما
تحددون أيضا مستقبلكم ومستقبل أبنائكم وبلدكم. فعليكم ألا ترهنوا مصيركم ببيع
أصواتكم وضمائركم لمن لا ضمير ولا أمانة له، ففي ذلك تنازل منبوذ عن حقكم الدستوري
في الانتخاب الحر ، وتفريط غير مقبول في شرف مواطنتكم وكرامتكم.
لذا، يتعين على الجميع التصدي بروح المواطنة وقوة القانون للعابثين بالانتخابات
والمتاجرين بالأصوات ولإفسادها بالمال الحرام والغش والتدليس والتزوير. فلا مكان
للممارسات المخالفة للقانون، في كل المجالات، مهما يكن مرتكبوها. فمحاربة الرشوة
والفساد واستغلال النفوذ وإقطاعيات الريع وتوزيع الغنائم مسؤولية الجميع سلطات
وهيئات، مواطنين وجماعات، وذلكم في نطاق دولة المؤسسات والحكامة الجيدة.
وإننا لندعو مواطنينا للانخراط في العمل السياسي النبيل غايتنا المثلى توسيع
المشاركة الشعبية في التنمية. فمن لا يمارس السياسة الفاضلة بالمواطنة الملتزمة
فإن السياسة الرذيلة تستغله بالأساليب التضليلية لأغراض مقيتة: انتهازية أو عدمية
مرفوضة، متطرفة أو إرهابية محرمة. لذا ينبغي مواصلة التصدي لنزوعاتها ولكل
أعداء الديمقراطية، سلاحنا في ذلك الدولة القوية للحق والمؤسسات، والتنمية
الشاملة، والأمن الحازم وسلطة القضاء المستقل، الحريصين على الالتزام التام
للجميع بسيادة القانون
فالسياسة ليست حكرا على فئة معينة، وإنما هي شأن كل المغاربة في الداخل والخارج.
وفي هذا الإطار، ستعرف هذه الانتخابات مكسبا جديدا بتعميم حق المشاركة فيها بأرض الوطن
على كافة أجيال جاليتنا العزيزة المقيمة بالخارج، مؤكدين لهم فائق عنايتنا بصون كرامتهم،
وتعزيز مواطنتهم الكاملة. وما هذه المشاركة الانتخابية إلا خطوة أولى في مسار تشاوري متدرج
غايته إدماجهم المشروع في مختلف المؤسسات التنفيذية والنيابية والاستشارية الوطنية.
وفي نفس السياق، ستكون الخطوة المقبلة، في المشاركة المؤسسية الفعالة لجاليتنا
بالخارج، هي إحداث مجلسها الأعلى ريثما يرفع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، مقترحاته
بشأنه، إلى نظرنا السديد. وذلك لتنصيبه في الأمد القريب.
شعبي العزيز، باعتبار الأحزاب فاعلا أساسيا في كسب رهان أي اقتراع، فإنني أتوجه
إليها بالقول: إنه لا ديمقراطية حقة، بدون أحزاب قوية، أحزاب فاعلة متحملة لمسؤوليتها
في جعل الانتخابات تنافسا شريفا بين مشاريع مجتمعية، وليس لخوض صراعات شخصية أو
استعمال الديماغوجية. فالتنافس التنموي هو المحك الفعلي للممارسة الديمقراطية السليمة.
لذلك يتعين على الأحزاب العمل الميداني على توعية وتحفيز الناخبين على المشاركة،
ببرامج واضحة ، قابلة للتطبيق. وفي نفس السياق، نجدد تعليماتنا لحكومتنا، لمواصلة اعتماد
الحياد الملتزم بسيادة القانون في مختلف مراحل العملية الانتخابية، وذلك بالردع القوي والزجر
الحازم لكل الخروقات.
كما نؤكد على الدور الحاسم للقضاء في صيانة حرمة الاقتراع ومحاربة الفساد
بكل أنواعه والبت في صحة الانتخاب في كل مراحله بتنسيق بين كافة السلطات
العمومية التي أناط بها القانون مسؤولية تنظيم الانتخاب ومراقبة نزاهته
كما أن على العدالة، ولا سيما قضاء النيابة العامة، التحلي بالمزيد من اليقظة
والتعبئة، وإجراء التحريات، بكل موضوعية وتجرد في كل الشكايات والطعون. أما
البت فيها، فيعود لقضاء الحكم، بما يلزم من سرعة ونزاهة وصرامة، وفي استشعار
لكون العدل من أمانة أمير المؤمنين، الضامن للاستقلال التام للسلطة القضائية، عن
السلطتين التنفيذية والتشريعية، وفي احترام لمبدأ فصل السلط وعدم الانسياق لأي
تأثير على الالتزام الواجب للقاضي في كل القضايا، بالتقيد بسيادة القانون.
وبفضل ما تعرفه بلادنا من تحديث ديمقراطي، فإن إنجاح الانتخابات المقبلة، يقتضي
الانخراط المسؤول لوسائل الإعلام، ولفعاليات المجتمع المدني في توعية المواطنين ومتابعة
الانتخابات وملاحظتها إلى جانب مختلف الهيئات المعنية، كل في مجال اختصاصه، وفي طليعتها
المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان باعتبار حرية الانتخاب من الحقوق الإنسانية الأساسية.
وإننا لنتطلع إلى أن يسمو كافة الفاعلين إلى المستوى الأمثل لإيثار المصلحة العليا للوطن.
وفي هذا الصدد، ندعو على وجه الخصوص، الأحزاب التي نكن لها كل التقدير، لاحترام
الإرادة الشعبية الحرة وتنزيه الاقتراع عن كل الشبهات والتركيبات المصطنعة والحسابات
الضيقة التي لا نرتضيها لمصداقية المشهد السياسي السليم المنشود.
شعبي العزيز، المملكة المغربية
لقد شكلت ثورة الملك والشعب، ملحمة تاريخية من أجل حرية الوطن والمواطنين.
فبفضل التضحيات الجسام التي بذلها جيل الوطنية، حررنا ووحدنا تباعا :
ا تباعا، أجزاء الوطن.
وها نحن اليوم، نواصل النضال ضد أي محاولة للنيل من سيادتنا ووحدتنا الترابية.
كما نقود بكل ثقة وحزم مسيرة تجديد هذه الثورة لبلوغ هدفها الأسمى والأصعب،
ألا وهو تحفيز المبادرات الخلاقة لكل مواطن ومواطنة ، وتشجيع استثمارها المنتج، هدفنا
الأسمى توفير أسباب العيش الحر الكريم لكل المغاربة.
وفي ذلكم خير وفاء، لأرواح أبطال ثورة الملك والشعب الخالدة، وفي مقدمتهم جدنا ووالدنا ،
المنعمان جلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما، ولتضحيات كل
الشهداء والمناضلين الأبرار. كما أنه خير سبيل لتكريم مواطنينا وشبابنا الذي نحرص على
تأهيله وتحفيزه على العمل، حاملا مشعل المواطنة، كما حمل أسلافه مشعل الوطنية.
وبنفس روح الغيرة الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة ستجدني شعبي العزيز، كما
عهدتني دوما ، ناهضا بأمانة قيادة كل مكونات الأمة من أجل مواصلة بناء مغرب التقدم في
تشبث بهويته الأصيلة.
إنه المغرب التنموي الديمقراطي الذي يجب عليك استحضاره، شعبي العزيز، دوما وعلى
مدى الحملة، ولا سيما عندما تخلو مع ضميرك الحي، في معزل التصويت، حيث ستختار
لنفسك ولوطنك، بكل حرية ومسؤولية، الأجدر بتقلد أمانة النيابة عنك بما تفرزه صناديق
الاقتراع باعتبارها سلطة الاحتكام الديمقراطي، المجسد لحسمك بين برامج وخطابات
متعددة، سائلين الله تعالى أن يجعلنا جميعا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه».
صدق الله العظيم.
،
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة ذكرى ثورة الملح والشعب
20 غشت 2008
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
نحتفل اليوم، بالذكرى الخامسة والخمسين لثورة الملك والشعب الخالدة باعتبارها
ملحمة تاريخية من أجل استقلال الوطن.
،
لقد جسدت هذه الثورة نموذجا لا مثيل له لتلاحم ملك بشعبه وتعلق شعب بملكه،
في كفاح مشترك من أجل الحرية والكرامة. وبلغت الملحمة أوجها عندما آثر جدنا المقدس،
المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، المنفى السحيق عن الوطن والإبعاد عن العرش،
رافضا ، بكل صمود وثبات على المبدإ التفريط في سيادة الأمة أو المساومة فيها.
،
،
وبقدر ما ضحى الملك الراحل من أجل حرية الأمة وعزتها ضحى الشعب المغربي، وفي
طليعته الجماهير الشعبية، بكل غال ونفيس فداء لملكه الشرعي إلى أن توج كفاحهما
البطولي، بالعودة المظفرة للسلطان، رمز الوحدة والسيادة الوطنية، إلى عرشه، وباستقلال
المغرب. وعلى عظمة هذا الحدث التاريخي، فإن جدنا المقدس، قد اعتبره نهاية الجهاد الأصغر
من أجل إنهاء عهد الحماية، وبداية فجر الجهاد الأكبر، لبناء المغرب الحديث.
وهو
ما تفاني رفيقه في الكفاح، والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله
مثواه، من أجل تحقيقه. وطنا موحدا ، ومؤسسات دستورية، وتطورا اقتصاديا واجتماعيا
وإشعاعا دوليا. وقد عاهدناك، منذ تحملنا أمانة قيادتك، على جعل ملحمة 20 غشت، ثورة
متجددة للملك والشعب لتحقيق ما نتوخاه لكل المغاربة، من مقومات المواطنة الكاملة،
والعيش الكريم. عمادنا في ذلك التلاحم الراسخ بين العرش والشعب، واستلهام ما تجسده
من قيم التضحية والتضامن. وما أحوج أجيالنا الصاعدة، لترسيخ تشبعها بهذه القيم،
للانخراط القوي، بإرادتها ومؤهلاتها وطموحها، في رفع التحديات الداخلية والخارجية،
لمغرب اليوم والغد . شعبي العزيز، يأتي خطابنا لك هذه السنة، في ظرفية اقتصادية دولية لا
مسبوقة، ويتزامن مع فترة مطبوعة بتحمل الأسر المعوزة لمصاريف إضافية ناجمة عن متطلبات
شهر رمضان المبارك، ومستلزمات الدخول المدرسي، تلقي بإكراهاتها على القدرة الشرائية
للمواطنين، لذا ارتأينا أن يكون حديثنا لك اليوم، محطة لتأكيد إرادتنا لتخفيف أعبائها
عن الفئات الأكثر احتياجا ضمن توجه تضامني يقوم على دعم البعد الاجتماعي للإصلاحات
العميقة في عدة قطاعات أساسية ذات الصلة المباشرة بالحياة اليومية للمواطن، وذلك تفعيلا
للتوجهات التي تضمنها خطاب العرش الأخير.
ويأتي التعليم في صدارة هذه الإصلاحات التي نوليها فائق عنايتنا. وفي هذا الصدد، ارتأينا
أن نبادر لإطلاق عملية وطنية، تهدف إلى إعطاء دفعة قوية لتعميم وإلزامية التعليم الأساسي،
ضمانا لتكافؤ الفرص، ومحاربة للانقطاع عن الدراسة. ويتمثل ذلك في منح الكتب والأدوات
المدرسية، لمليون طفل محتاج، غايتنا دعم الأسر المعوزة في مواجهتها لتكاليف الدخول
المدرسي المقبل. وسيعتمد تمويل هذه العملية أساسا على الاعتمادات المرصودة للمبادرة
الوطنية للتنمية البشرية، فضلا عن مساهمات السلطات والمؤسسات المعنية، والجماعات
المحلية، والهيئات والجمعيات ذات المصداقية. وتأكيدا لعزمنا القوي على حسن إنجاز البرنامج
الاستعجالي لإصلاح النظام التربوي، ندعو الحكومة لإعداد برنامج مضبوط لإسكان نساء
ورجال التعليم العاملين بالعالم القروي، واعتماد مختلف أنواع الشراكة والتعاقد لإنجازه. وإننا
لنتوخى من ذلك، تمكين أسرة التعليم بالبادية، وخاصة بالمناطق النائية من ظروف العمل
والاستقرار وتحفيزها على القيام بواجبها التربوي وبنفس الحزم والعزم، فإننا حريصون على
التفعيل الأمثل لإصلاح وتحديث الفلاحة، وتأهيلها للإنتاجية والتنافسية. ولهذه الغاية، فإنه
يتعين إعطاء رؤية واضحة لتحفيز وإنجاز الاستثمارات المنتجة. ومن هذا المنطلق، نوجه
الحكومة لاتخاذ الإجراءات اللازمة قصد تمديد العمل بالنظام الجبائي الفلاحي الحالي إلى
نهاية سنة 2013.
وتوخيا للعدالة الجبائية والتضامن، ندعو الجهاز التنفيذي لبلورة تصور متناسق لنظام
ضريبي ملائم ومتدرج للقطاع الزراعي، يتم اعتماده والعمل به ابتداء من القانون المالي لسنة
2014 وينبغي أن يراعي النظام الجبائي الفلاحي المنشود الأوضاع الاجتماعية الهشة للفلاحين
الصغار وضرورة التضامن معهم، وذلك بمواصلة دعم الزراعات التقليدية البسيطة والمعيشية
المحدودة.
واستكمالا لمقومات الدعم الاجتماعي، نحث الحكومة على تفعيل الآليات
التشريعية والمؤسسية الهادفة لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين وضبط الأسعار
ومحاربة الرشوة
ولهذه الغاية، ندعو الجهازين التنفيذي والتشريعي إلى الإسراع باعتماد مدونة حماية
المستهلك. وبموازاة ذلك، يتعين التطبيق الحازم لقانون حرية الأسعار والمنافسة بما في
،
ذلك تفعيل مجلس المنافسة ضمانا للحكامة الاقتصادية الجيدة. وفي سياق تخليق
الحياة العامة، ينبغي تنصيب الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة.
فالمواطن قد يتفهم أن غلاء المعيشة رهين بارتفاع الأسعار في السوق العالمية، لكنه
لا يقبل أن يكون فريسة لجشع المضاربين، وشبكة الوسطاء، أو ضحية لعدم قيام
السلطات المسؤولة بواجبها كاملا في الضبط والمراقبة والزجر.
فحرية السوق لا تعنى الفوضى والنهب، لذا يتعين على الجميع التحلي باليقظة
والحزم للضرب بقوة القانون، وسلطة القضاء المستقل، وآليات المراقبة والمحاسبة على
أيدي المتلاعبين والمفسدين، لا سيما عندما يتعلق الأمر بقوت الشعب والمضاربات في
الأسعار واستغلال اقتصاد الريع والامتيازات الزبونية أو نهب المال العام بالاختلاس
والارتشاء، واستغلال النفوذ والغش الضريبي.
شعبي العزيز،
مهما كانت نجاعة تدبير الإكراهات الظرفية، فإنه لا ينبغي اعتبارها بديلا عن مضاعفة
الجهود، لتفعيل السياسات العمومية، والمبادرات الخاصة، والأعمال الجمعوية، الهادفة
للنهوض بالأوضاع الاجتماعية.
«
إن توجهاتنا الكبرى، وبرامجنا التنموية، تتوخى تعبئة الجميع، للانخراط القوي في
ابتكار وإنجاز البرامج الهادفة لتحسين المعيش اليومي للمواطن، وخلق الثروات المدرة لفرص
العمل لشبابنا. كما أنها تسائل كافة القوى المنتجة وفي مقدمتها القطاع البنكي، فقد أصبح
من الضروري الانكباب على بلورة آليات متطورة من شأنها تحفيزه على تجسيد انخراطه
بصورة أكثر نجاعة في المجهود الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وسيظل شغلنا الشاغل تأهيل شبابنا الطموح والواعد ، للإسهام، بقيادتنا الحازمة، في
إنجاز نمو قوي للاقتصاد، وتنمية متوازنة للمجتمع، لا مجال فيها للإقصاء والتهميش وتحقيق
طموحنا لتوفير أسباب العيش الحر الكريم لكل مواطنينا، ضمن مغرب الوحدة والتقدم،
والتنمية والتضامن.
وفي ذلك خير وفاء للأرواح الطاهرة لقادة وشهداء ثورة 20 غشت، وفي طليعتهم، جدنا
ووالدنا المنعمان، أكرم الله مثواهما ، وألهمنا السداد في الحفاظ على روح ملحمتها الخالدة:
ثورة للملك دفاعا عن الشعب ، وثورة للشعب ولاء للملك.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة ذكرى ثورة الملح والشعب
20 غشت 2011
وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
«الحمد لله
شعبي العزيز،
يتميز تخليدنا اليوم، للذكرى الثامنة والخمسين لثورة الملك والشعب، بمصادقتك
على دستور متقدم، يفتح آفاقا ديمقراطية واعدة، باستكمال بناء دولة عصرية للقانون
والمؤسسات. كما يرسي دعائم جهوية موسعة ؛ وذلك ضمن تحول تاريخي، يتوخى تحديث
وعقلنة هياكل الدولة، باعتماد إصلاحات جوهرية، قائمة على الحكامة الترابية الجيدة،
وهادفة للنهوض بالتنمية المندمجة وترسيخ العدالة الاجتماعية، وضمان مقومات المواطنة
الكريمة، لكافة المغاربة.
عمادنا في ذلك، الدينامية الخلاقة لشبابنا الذي نحتفي اليوم بعيده السعيد، والمؤهل
لمواصلة حمل مشعل ملحمة عشرين غشت الخالدة، ضمن مسار ،مغربي، متميز بانخراطه في
رفع تحدياته؛ وذلك في تجاوب عميق بينك ، شعبي الوفي، وبين خديمك الأول؛ مجسدين الروح
الدائمة لثورة الملك والشعبـ
والشعال على للسلطة القضائية
وهو ما يجعلنا نعتبر التفعيل الأمثل للدستور الجديد، منطلقا لمسار من العمل السياسي،
الهادف للنهوض بالتنمية في مناخ من الالتزام الجماعي بالقانون، والتعبئة والثقة اللازمة،
لتحريك عجلة الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار المنتج والموفر لأسباب العيش الحر الكريم
لمواطنينا، ولا سيما الفئات المعوزة منهم.
وذلكم هو التحدي الكبير الذي يتعين على الجميع مضاعفة الجهود لرفعه، بمؤسسات
تشكل قاطرة للديمقراطية والتنمية. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي الذي ينبغي كسبه،
في المرحلة السياسية الحالية، ليس هو اعتبار الانتخابات المقبلة مجرد تنافس حزبي مشروع ،
للفوز بأكبر عدد من المقاعد ، بل هو الارتقاء بها، إلى معركة وطنية نوعية ، حول اختيار
أفضل البرامج والنخب المؤهلة، لتحقيق انطلاقة جيدة لتنزيل الدستور، ولإعطاء دفعة قوية
للتحول السياسي الحاسم الذي تعرفه بلادنا.
كما أن ترسيخ مناخ الثقة في الانتخابات المقبلة، لا يقتصر فقط على التوافق بشأن
الإعداد الجيد لها ؛ وإنما يقتضي، قبل كل شيء، من كل الفاعلين السياسيين، التحلي
بالوضوح في المواقف الملتزمة بتعزيز مصداقيتها ، ونبذ الأحكام المسبقة على نتائج الانتخابات
قبل إجرائها، والقطع مع التشكيك السياسوي فيها الذي لا يخدم سوى أعداء الديمقراطية،
ونزوعات السلبية والعدمية.
وهذا ما يجعل الجميع، حكومة وبرلمانا وأحزابا ومواطنين، وفعاليات جمعوية وإعلامية،
أمام محك حقيقي، يقتضي منهم تحمل مسؤولياتهم التاريخية، وجعل المصالح العليا لبلادنا ،
فوق كل اعتبار.
وفي هذا الصدد، يجب على السلطات الحكومية والقضائية، المعنية بحسن تنظيم
الانتخابات، التقيد الصارم ،بالقانون وتفعيل آليات تخليق العمل السياسي والبرلماني
وتوفير شروط المنافسة الانتخابية الحرة، والالتزام بالمساواة بين مختلف الأحزاب
وبالحياد الإيجابي. كما يتعين عليها التصدي الحازم لكل الخروقات، ومحاربة
استعمال المال وشراء الأصوات لإفساد الانتخابات، واستغلال النفوذ، أو التوظيف
المغرض للدين وللمقدسات في المعارك الانتخابية.
أجل إن العمل الحزبي والحملات الانتخابية تتطلب تمويلا شفافا ومنصفا، وهو ما
يضبط القانون قواعده، ويعاقب على أي إخلال بها. ومهما تكن جودة القوانين وحزم
السلطات، فإن الدور الذي خوله الدستور للأحزاب، يظل حاسما في تحقيق مصداقية
الانتخابات وحرمة المؤسسات.
ومن ثم فإن الأحزاب مطالبة بالتنافس في بلورة برامج انتخابية خلاقة وواقعية، تستجيب
للانشغالات الحقيقية للمواطنين. كما أنها مدعوة لتزكية المرشحين الأكفاء القادرين على
تحمل المسؤولية في السلطتين البرلمانية والحكومية، أغلبية أو معارضة. كما يجدر بها أن
تفسح المجال للطاقات الشابة والنسوية؛ بما يفرز نخبا ،مؤهلة ، كفيلة بضخ دماء جديدة في
الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية.
وهنا، نعتبر أنه بفضل ما توفره الديمقراطية الترابية، من صلاحيات واسعة لمجالسها؛
فإن العمل السياسي، ثقافة وممارسة، مقبل على تحول جوهري، يجعله لا ينحصر في المفهوم
المحدود للمناصب الحكومية والمقاعد البرلمانية.
أجل إنه سينفتح على آفاق رحبة من آلاف الانتدابات الانتخابية في المجالس الجهوية
والإقليمية والمحلية التي تشكل مؤسسات أساسية ، لتأهيل النخب الجديرة بتدبير الشأن العام.
ولن تكتمل للالتزام السياسي، مقاصده النبيلة إلا حين تعطي الطبقة السياسية للانتداب
الانتخابي المحلي أو الجهوي ، أهمية أكبر من الحرص على احتلال المناصب المركزية،
وذلك بالنظر لما يتيحه من قرب من انشغالات المواطن المشروعة، ولحاجياته الأساسية.
أما المواطن – الناخب، المساهم بتصويته الحر، في التعبير عن الإرادة الشعبية، فإني
أقول له : إنك بمشاركتك في الاقتراع، لا تمارس حقا شخصيا فقط. كلا، إنك تفوض لمن
تصوت عليه النيابة عنك في تدبير الشأن العام. وهذا ما يقتضي منك استشعار جسامة أمانة
التصويت، غير القابلة للمساومة؛ وتحكيم ضميرك الوطني، في اختيارك للبرامج الواقعية،
والمرشحين المؤهلين والنزهاء.
وللمواطن – المرشح أقول : لقد آن الأوان للقطيعة النهائية مع الممارسات الانتخابوية المشينة
التي أضرت بمصداقية المجالس المنتخبة، وأساءت لنبل العمل السياسي.
فعلى كل من ينوي الترشح للانتخابات المقبلة أن يستحضر تكريس الدستور لربط
ممارسة السلطة بالمحاسبة . واعتبارا للمكانة التي خولها الدستور للمجتمع المدني
ووسائل الإعلام في ترسيخ قيم المواطنة المسؤولة؛ فإنها مطالبة بالنهوض بدورها الفعال
في الملاحظة القانونية والمستقلة والمحايدة لسلامة العمليات الانتخابية.
شعبي العزيز،
المملكة المغربية
اء الجهوية.
إن تحديث ودمقرطة هياكل الدولة، بقدر ما يتجسد في توزيع الدستور الجديد للسلطات
المركزية؛ وفق مبدأ فصل السلط ؛ فإنه يتجلى، بصفة أقوى، في إرساء الجهوية المتقدمة،
القائمة على إعادة توزيع سلط وإمكانات المركز على الجهات. وذلك على أساس الديمقراطية
الترابية والحكامة الجيدة؛ بما يكفل تحقيق تنمية جهوية ، متضامنة ومتوازنة ومندمجة، تضع
حدا للمقولة الاستعمارية للمغرب النافع وغير النافع، وللفوارق المجالية.
ولإرساء دعائم الورش الهيكلي الكبير للجهوية المتقدمة التي نعتبرها ثورة جديدة للملك
والشعب ؛ فإنه ينبغي إعطاء الأسبقية لإعداد القانون التنظيمي الخاص بها، اعتبارا لارتباطه
بانتخاب المجالس الجهوية، وغيرها من الاستحقاقات والتدابير اللازمة لإقامة الغرفة الثانية.
وعلاوة على ذلك، ينبغي التعجيل بتفعيل صندوق التأهيل الاجتماعي، وصندوق التضامن
بين الجهات، تعزيزا لبرامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الهادفة لمحاربة الفقر والتهميش
والإقصاء الاجتماعي، بمشاريع وأنشطة مدرة للدخل، وموفرة لفرص الشغل، ولا سيما للشباب.
فشباب المغرب الواعي والمسؤول، يوجد اليوم في صلب مشروع التحديث الدستوري
والسياسي، بما خوله الدستور من حقوق وواجبات وهيئات المواطنة الفاعلة، لتعزيز انخراطه
في مختلف الإصلاحات الديمقراطية والأوراش التنموية.
وبقدر ما نولي من عناية فائقة لكافة أفراد شعبنا داخل الوطن، فإننا نجدد إشادتنا
بمواطنينا المقيمين بالخارج، لتشبثهم بانتمائهم الوطني، وحرصهم على صلة الرحم بذويهم
وببلادهم، بتوافدهم المتزايد عليها، وغيرتهم على تنميتها وتقدمها والدفاع عن قضاياها
العادلة.
وفي هذا الصدد، فإننا حريصون على التفعيل الأمثل لمقتضيات الدستور الجديد الذي
نص، لأول مرة على تمتعهم بجميع حقوق المواطنة، وصيانة مصالحهم ببلدان الإقامة،
وضمان أوسع مشاركة ممكنة لهم، في المؤسسات الوطنية، وتدبير الشأن العام.
شعبي العزيز،
إن تزامن احتفالنا بذكرى ثورة الملك والشعب مع العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك،
بما تفيضه على قلوب شعبنا من نفحات ربانية ، يشكل لحظة قوية لاستحضار مشاعر الإكبار
لأبطال الحرية والاستقلال والوحدة، وفي طليعتهم جدنا ووالدنا المنعمان، جلالة الملكين محمد
الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما.
كما نؤكد العهد المشترك بيني وبينك – شعبي العزيز على مواصلة حمل مشعل الثورة
المتجددة للملك والشعب ؛ مستلهمين منها ، ومن روح عيد الشباب السعيد، قيم التلاحم
والتضحية والصمود، والعمل المتواصل من أجل تعزيز مكانة بلادنا في سياق إقليمي ودولي
دقيق، كنموذج للتطور الديمقراطي الرصين والتقدم التنموي الدؤوب، في ظل الوحدة
والتضامن والثقة والأمل والطمأنينة والاستقرار
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته».
بمناسبة ذكرى ثورة الملح والشعب
20 غشت 2014
«الحمد
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
نخلد اليوم الذكرى الحادية والستين لثورة الملك والشعب المجيدة، ليس فقط لكونها
ملحمة وطنية من أجل الحرية والاستقلال، وإنما لتجديد العهد على جعلها ثورة متواصلة،
لتحقيق تطلعاتك المشروعة، وتعزيز مكانة المغرب، كفاعل وازن في محيطه الجهوي والدولي.
فمنذ تولينا العرش، حرصنا على أن يكون التجاوب التلقائي بيني وبينك، عماد بناء
مجتمع متقدم ومتماسك ، يتسع لكل أبنائه، ويعتز كل مغربي ومغربية بالانتماء إليه.
فالوطن للجميع، ومن واجب كل المغاربة، فرادى وجماعات أن يواصلوا انخراطهم،
بعزم وثبات، في الدفاع عن وحدة بلدهم، والنهوض بتنميته.
والمغاربة شعب طموح يتطلع دائما لبلوغ أعلى الدرجات التي وصلت إليها الدول المتقدمة.
وهذا الطموح ليس مجرد حلم ولا يأتي من فراغ، وإنما يستند إلى الواقع، وما حققه المغرب
من منجزات ملموسة، في مساره الديمقراطي والتنموي.
فأين وصل المغرب اليوم وأين يمكن تصنيف الاقتصاد الوطني بين الدول وهل يمكن
اعتباره بلدا تنافسيا أم يمكن وضعه ضمن الدول الصاعدة ؟
معروف أنه ليس هناك نموذج محدد للدول الصاعدة. فكل بلد يواصل مساره التنموي
الخاص، حسب موارده البشرية والاقتصادية والطبيعية، ورصيده الحضاري، وحسب العوائق
والصعوبات التي تواجهه.
غير أن هناك معايير ومؤهلات ينبغي توفرها للانضمام إلى هذه الفئة من الدول. وتتمثل،
على الخصوص، في التطور الديمقراطي والمؤسسي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي،
والانفتاح الجهوي والدولي.
شعبي العزيز،
كما هو معلوم، لا يمكن لأي دولة أن تنتقل بين عشية وضحاها من مرتبة إلى أخرى،
وإنما باستثمار التطورات الإيجابية التي راكمتها عبر تاريخها.
والمغرب نموذج لهذه التراكمات. فخلال 15 سنة الأخيرة، تمكن من ترسيخ مساره
الديمقراطي، وتوطيد دعائم نموذج تنموي مندمج ومستدام، يقوم على المزاوجة بين المشاريع
الهيكلية، والنهوض بالتنمية البشرية والمستدامة.
لقد عرف الاقتصاد الوطني تحولا عميقا في بنيته، وتنوعا كبيرا في مجالاته الإنتاجية،
وحقق نسبة نمو مرتفعة ،وقارة، وتمكن من الحفاظ على التوازنات الكبرى، رغم تداعيات
الأزمة الاقتصادية العالمية.
وفي هذا الإطار، مكنت الاستراتيجيات القطاعية من تحقيق نتائج ملموسة، ساهمت في
وضوح الرؤية، وفي إعادة تموقع الاقتصاد الوطني على الصعيد الجهوي والدولي.
وعلى سبيل المثال، فقد ساهم مخطط المغرب الأخضر ومخطط أليوتيس، في حصول
المغرب على جائزة المنظمة العالمية للأغذية والزراعة ، لبلوغه أهداف الألفية، المتعلقة بمحاربة
الفقر والمجاعة، سنتين قبل الموعد المحدد لها، وذلك لما يقومان عليه من توازن بين المشاريع
الكبرى ذات المردودية العالية وبين تشجيع الفلاحة المعاشية والتضامنية، والصيد
التقليدي، واعتبارا لدورهما في تحسين الدخل بصفة دائمة.
،
كما ساهم مخطط الإقلاع الصناعي الذي يرتكز على مقاربة مندمجة، بما فيهـا
توفير التكوين المهني المناسب، مدعوما بالنقلة النوعية التي حققها القطاع التجاري والمالي،
والاقتصاد الرقمي في تعزيز مكانة الاقتصاد الوطني على الصعيد القاري.
وإذا كانت البنيات التحتية من الدعائم الأساسية التي تقوم عليها الاقتصادات الصاعدة،
فإن ما يتوفر عليه المغرب من منجزات في هذا المجال، قد ساهم في الرفع من تنافسية المقاولات
والمنتوجات الوطنية.
كما تعززت جاذبية الاقتصاد الوطني بفضل الجهود المتواصلة لتحسين مناخ الأعمال،
وإحداث أقطاب اقتصادية تنافسية، كالقطب الصناعي ملوسة-طنجة.
وإننا لنعبر عن ارتياحنا للمساهمة الفاعلة لعدد من مقاولات القطاع الخاص، والمؤسسات
العمومية، في النهوض بالاقتصاد الوطني على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ويعد المكتب الشريف للفوسفاط نموذجا في هذا المجال، لما يتوفر عليه من استراتيجية
وطنية ودولية ناجعة، ووضوح الرؤية، وحسن التدبير والنجاعة. وهو ما أكد انخراط المغرب في
السوق العالمي للفوسفاط الذي أصبح رهانا كونيا، لارتباطه الوثيق بالأمن الغذائي.
ومن أهم الدعامات التي تقوم عليها الاقتصادات الصاعدة الارتكاز على التنمية
المستدامة، والاستفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الأخضر.
،
فقد عرف مجال الطاقات المتجددة، نقلة نوعية، نتيجة المشاريع الكبرى التي أطلقناها ،
بالإضافة إلى اعتماد استراتيجية النجاعة الطاقية، وسياسة طموحة لتعبئة الموارد المائية.
ويعتبر المخطط المغربي للطاقة الشمسية والريحية دليلا آخر على قدرتنا على رفع
التحديات، وذلك بفضل الرؤية الواضحة والاستباقية، والتخطيط المحكم، للأسبقيات
الملحة، بما يضمن تلبية الحاجيات الطاقية لبلادنا، وتقليص التبعية للخارج، بالاعتماد على
استغلال إمكاناتنا من موارد الطاقات المتجددة.
وإذا كان المغرب يحتاج لبعض الجهود فقط ، لمواصلة السير بخطى واثقة للانضمام إلى الدول
الصاعدة، فإن سياسة الانفتاح الاقتصادي قد عززت مكانته كمحور للمبادلات الدولية.
وهو ما تعكسه الشراكات المثمرة، سواء مع الدول العربية، وخاصة مع دول مجلس
التعاون الخليجي، أو مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يعد المغرب ثاني مستثمر بإفريقيا.
وذلك بالإضافة إلى الوضع المتقدم الذي يربط المغرب بالاتحاد الأوروبي، واتفاقيات
التبادل الحر مع عدد كبير من الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، والشراكة
الاستراتيجية التي نعمل على تعميقها مع روسيا، إضافة إلى الشراكة التي نحن بصدد بلورتها
مع الصين.
كما أن المغرب يعد صلة وصل أساسية في التعاون الثلاثي ومتعدد الأطراف، وخاصة من
أجل ضمان الأمن والاستقرار والتنمية بإفريقيا.
شعبي العزيز،
إن المكاسب والمنجزات التي تم تحقيقها ، لا ينبغي أن تكون دافعا للارتياح الذاتي، بل
يجب أن تشكل حافزا قويا على مضاعفة الجهود والتعبئة الدائمة.
فالاقتصاد المغربي إما أن يكون صاعدا ، بفضل مؤهلاته، وتضافر جهود مكوناته، وإما
أنه سيخلف موعده مع التاريخ.
لقد بلغ نموذجنا التنموي مرحلة من النضج، تجعله مؤهلا للدخول النهائي والمستحق
ضمن الدول الصاعدة. إلا أن السنوات القادمة ستكون حاسمة لتحصين المكاسب، وتقويم
الاختلالات، وتحفيز النمو والاستثمار.
فهل هذا النموذج قادر على التقدم وعلى رفع التحديات والعوائق التي تواجهه؟
،
إذا كانت الدول ترتكز بالأساس، على تنافسية مقاولاتها، وخاصة تلك التي تصدر
منتوجاتها للأسواق الدولية، فإن الاقتصاد المغربي يسجل مع الأسف، تأخرا ملحوظا، بسبب
تشتت وضعف النسيج الصناعي، ومنافسة القطاع غير المنظم.
إن هذا الوضع يتطلب تطوير مجموعات ومقاولات قوية تعزز مناعة الاقتصاد الوطني،
سواء لمواجهة المنافسة الدولية، أو من أجل تطوير شراكات مع المقاولات الصغرى، للنهوض
بالتنمية، على المستوى الوطني.
ويعد توفير الموارد البشرية المؤهلة أساس الرفع من التنافسية للاستجابة لمتطلبات التنمية،
وسوق الشغل، ومواكبة التطور والتنوع الذي يعرفه الاقتصاد الوطني.
وكما لا يخفى على أحد، فإن الحكامة الجيدة هي عماد نجاح أي إصلاح، والدعامة
الأساسية لتحقيق أي استراتيجية لأهدافها.
فإلى أي حد يمكن لنظام الحكامة ، في القطاعات الإنتاجية المغربية، أن يساهم في تأهيل
وتطوير الاقتصاد الوطني؟
أن اللحاق بركب الدول الصاعدة لن يتم إلا بمواصلة تحسين مناخ الأعمال
ن يتم إلا بمواصلة تحس
صحيح
ولا سيما من خلال المضي قدما في إصلاح القضاء والإدارة، ومحاربة الفساد، وتخليق
الحياة العامة التي نعتبرها مسؤولية المجتمع كله، مواطنين وجمعيات، وليست حكرا
على الدولة لوحدها.
كما ينبغي أيضا تعزيز الدور الاستراتيجي للدولة، في الضبط والتنظيم، والإقدام على
الإصلاحات الكبرى، لا سيما منها أنظمة التقاعد، والقطاع الضريبي، والسهر على مواصلة
تطبيق مبادئ الحكامة الجيدة، في جميع القطاعات.
شعبي العزيز،
يتميز المسار التنموي لعدد من الدول الصاعدة بظهور أعراض سلبية، تتمثل في توسيع
الفوارق بين الطبقات الاجتماعية.
لذا، فإننا حريصون على تلازم التنمية الاقتصادية، مع النهوض بأوضاع المواطن المغربي.
ذلك أننا لا نريد مغربا بسرعتين : أغنياء يستفيدون من ثمار النمو، ويزدادون غنى، وفقراء
خارج مسار التنمية، ويزدادون فقرا وحرمانا.
وفي هذا الإطار، تندرج برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي عبرت عدة دول عن
رغبتها في الاستفادة من تجربتها ، وكذا الجانب الاجتماعي للمخططات القطاعية التي تعطي
أهمية خاصة للتنمية المحلية والبشرية
لقد أردنا أن نبين ونؤكد ما هو معروف عن المغاربة، من جد وتفان في العمل. وقد أثبتوا
فعلا قدرتهم على العطاء والإبداع ، كلما توفرت لهم الوسائل اللازمة والظروف الملائمة،
للقيام بأي عمل، كيفما كان نوعه، صغيرا أو كبيرا ، فكريا أو يدويا، وذلك رغم آفة
البطالة.
ويظل العنصر البشري هو الثروة الحقيقية للمغرب، وأحد المكونات الأساسية للرأسمال
غير المادي الذي دعونا ، في خطاب العرش ، لقياسه وتثمينه نظرا لمكانته في النهوض بكل
الأوراش والإصلاحات، والانخراط في اقتصاد المعرفة.
وإن ما حققه المغرب من تقدم ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج رؤية واضحة، واستراتيجيات
مضبوطة، وجهود وتضحيات جميع المغاربة.
ينة المغربية
وفي هذا الإطار، نشيد بالحكومات المتعاقبة إلى اليوم وبروح الوطنية الصادقة،
والمسؤولية الـ
العالية التي أبانت عنها خلال تدبير أمور البلاد.
البلاد القضائية
ونود التنويه أيضا بالدور الهام للمقاولات المواطنة، في النهوض بالتنمية الاقتصادية
والاجتماعية للبلاد.
كما نشيد بالدور المتزايد لمنظمات المجتمع المدني، لمساهمتها الفعالة في دينامية التنمية.
ونخص بالتقدير والإشادة الأحزاب السياسية والنقابات الجادة التي كرسها الدستور
كفاعل أساسي لا محيد عنه في الدولة والمجتمع اعتبارا لرصيدها النضالي، ولما تتحلى به
من وطنية صادقة ، وروح المواطنة المسؤولة، في معالجة القضايا الكبرى للأمة.
كما نتقدم لكل المنظمات النقابية بعبارات الشكر، على دورها الكبير، في توطيد
السلم الاجتماعي، بمفهومه الشامل، خلال 15 سنة الأخيرة، دون، بالطبع، التفريط في
مبادئها الثابتة دفاعا عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للطبقة العاملة.
لذا، فقد استجبنا للملتمس المرفوع إلينا من قبل المنظمات النقابية، بخصوص تمثيليتها
بمجلس المستشارين الذي كان في الصيغة الأولى لمشروع الدستور الجديد، عبارة عن غرفة
لممثلي الجماعات الترابية فقط.
كما أننا حريصون على مواصلة القيام بدورها المجتمعي والتنموي، في التزام بواجباتها
الوطنية، في البناء والإصلاح والسلم الاجتماعي، بقدر استفادتها مما يخوله لها القانون من
حقوق
،
ولا يفوتنا أن نوجه تحية تقدير لنساء ورجال التعليم، وخاصة بالعالم القروي، على
جهودهم من أجل تكوين أجيال من الأطر المؤهلة التي ساهمت بنصيبها في النهوض بالأوراش
التنموية، ولما يقدمونه من تضحيات في سبيل تربية الأجيال الصاعدة.
شعبي العزيز
إن كسب رهان اللحاق بركب الدول الصاعدة ليس مستحيلا، وإن كان ينطوي على
صعوبات وتحديات كثيرة.
والمغرب، ولله الحمد ، يتوفر على جميع المؤهلات لرفع هذه التحديات. وفي مقدمتها
شبابه الواعي والمسؤول.
،
ولنا اليقين بأن شبابنا وشاباتنا قادرون بما يتحلون به من روح الوطنية ، ومن قيم
المواطنة الإيجابية، ولما يتوفرون عليه، من عبقرية خلاقة ، على النهوض بتنمية بلادهم، ورفع
تحديات دخولها نادي الدول الصاعدة.
وبذلك نواصل جميعا حمل مشعل الثورة المتجددة للملك والشعب في تلاحم وثيق بين
مكونات الأمة، ووفاء دائم للأرواح الطاهرة، لكل من بطلها الخالد، جدنا المغفور له جلالة
الملك محمد الخامس، ورفيقه في الكفاح ، والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم
الله مثواهما ، ولشهداء المقاومة والتحرير الأبرار.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
3. خطب ملكية سامية بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة
بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للمسيرة الخضراء
06 نونبر 2000
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
في مثل هذا اليوم الأغر، منذ خمس وعشرين سنة خلت، أعطى والدنا المنعم جلالة الملك
الحسن الثاني، أكرم الله مثواه ، إشارة انطلاقة المسيرة الخضراء المظفرة.
لقد انبثقت تلكم الملحمة التاريخية الفريدة عن العبقرية والحنكة النافذة لأبينا جميعا ،
وحققت للمغرب استرجاع أقاليمه الجنوبية المغتصبة، بتلاحم العرش والشعب وقوة الإيمان
والجنوح إلى الوسيلة السلمية الحضارية والاحتكام للشرعية الدولية لاسترجاع الصحراء المغربية.
إننا ونحن نحتفي اليوم بهذه الذكرى العزيزة علينا جميعا بكل إجلال وإكبار، لنستحضر
الولاء المكين لرعايانا الأوفياء بأقاليمنا الجنوبية لجلالتنا ولعرشنا العلوي المجيد ، ووطنيتهم
الوحدوية الصادقة، والتحامهم بإخوانهم في سائر جهات المملكة ضمن إجماع وطني متجدد
ضمن إجم
وفي ظل الاستقرار والأمن والطمأنينة.
لقد كانت المسيرة الخضراء شرعية في أهدافها وسلمية في وسائلها. ومنذ انطلاقتها ، ظل
المغرب مخلصا للنهج السلمي، ملتزما بالمشروعية الدولية، ومتمسكا بالأسلوب الحضاري
للحوار والاعتدال سباقا إلى اتخاذ المبادرات البناءة، مثابرا على الاستجابة لكل المساعي
الحميدة من أجل الطي النهائي للنزاع المفتعل حول استكماله لوحدة ترابه.
وبعدما اتضح للمنتظم الدولي أن مناورات الطرف الآخر قد أدخلت مخطط التسوية
الأممي في طريق مسدود، وتنفيذا لقرار مجلس الأمن الذي حث الأطراف المعنية على اقتراح
السبل الكفيلة بإيجاد حل نهائي ودائم للنزاع المفتعل، بادر الأمين العام للأمم المتحدة السيد
كوفي عنان بتكليف مبعوثه الشخصي السيد جيمس بيكر باستكشاف هذه السبل مع
الأطراف المعنية.
فاستجاب المغرب كعادته لهذه المبادرة الأممية ، وقدم في شهر يونيو خلال لقاء لندن
اقتراحات مفصلة ومدروسة لمعالجة ما استعصى من نقط في المخطط الأممي.
كما اقترح في شهر شتنبر خلال لقاء برلين على الطرف الآخر، إجراء حوار صريح وهادف
لدراسة إمكانية التوصل لحل سياسي في ظل السيادة المغربية والوحدة الوطنية والترابية،
وفي إطار احترام المبادئ الديمقراطية، وتفعيل اللامركزية الواسعة والجهوية التي من شأنها
تمكين جميع أبناء الأقاليم الجنوبية من تدبير جهتهم وتنميتها لجعلها صرحا منيعا وركيزة
قوية من ركائز الدولة المغربية الموحدة.
وعلى الرغم من استمرار الأقلية المغرر بها في تبني المواقف المتعنتة لأعداء وحدتنا الترابية
ضدا على إرادة المجتمع الدولي والقوى الفاعلة فيه التي ثمنت عاليا مواقف المغرب الإيجابية
والبناءة، فإننا على يقين أن رعايانا الأوفياء المحتجزين في تيندوف يدركون ألا مستقبل ولا
عزة لهم إلا في وطنهم المغرب، حيث يمكنهم العيش بكرامة في ظل الديمقراطية الحقة التي
ينعم بها جميع إخوانهم في سائر جهات مملكتنا.
إنك تعلم، شعبي العزيز، مدى العناية الخاصة التي نوليها لأقاليمنا الجنوبية ولرعايانا
الأوفياء هناك لتعويضهم عن سنوات الحجر والاستعمار وتبويئهم المكانة التي يستحقونها بين
أبناء وطنهم. وقد بذلت الدولة مجهودات جبارة في جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية
والتربوية والصحية لتنمية هذه الأقاليم، وخاصة في مجال تشغيل أكبر عدد من أبنائها وتأهيل
ممد
البعض الآخر ليندمج في النسيج الاقتصادي الإقليمي والوطني.
وإننا لعازمون على مضاعفة الجهد لتجنيد كل الكفاءات لضمان العيش الرغيد والآمن
لكل رعايانا في هذه الأقاليم لجعلها قطبا من أقطاب الازدهار الاقتصادي والاجتماعي الذي
ننشده لكافة جهات مملكتنا والذي تحظى فيه الجهات الجنوبية بمكانة الصدارة في عنايتنا.
ومهما كان تقديرنا لمنجزاتنا ، فإنه لا ينسينا مأساة رعايانا المحتجزين في تيندوف الذين
يعيشون ظروف الاستعباد ويخاطرون بحياتهم من أجل الالتحاق بوطنهم الأم. فلهم نقول: إن
ساعة الفرج آتية لاريب فيها ، وأن المغرب لن يألو جهدا لرفع الحصار عنهم. كما نجدد للأقلية
المغرر بها، وصية وعهد والدنا المنعم إن الوطن غفور رحيم».
وكيفما كانت تطورات الملف، فإننا ، كخديم أول لك، مؤتمن على وحدتك الوطنية
والترابية، نجدد لك شعبي العزيز، ما أكدناه في خطاب العرش من أن أي حل لن يكون إلا
في إطار الإجماع والسيادة الوطنية والشرعية الدولية.
ومثلما استرجعنا صحراءنا بالتعبئة الشعبية في المسيرة الخضراء المظفرة ضمن صفوف
مجندة، فإننا سنكسب، بإذن الله ، النزاع المفتعل حولها بمزيد من التعبئة الوطنية الشاملة من
طرف أجهزة الدولة أو مؤسساتها أو من طرف كافة الهيئات السياسية والنقابية والجمعوية
التي نهيب بها مضاعفة الجهود ، داخليا بتأطيرك وتعبئتك اليقظة حول قضيتنا الوطنية المقدسة،
وخارجيا بالتصدي الحازم لمناورات وأضاليل أعداء وحدتنا الترابية والتعريف بعدالة موقفنا في
جميع المحافل الدولية رسمية كانت أو شعبية.
شعبي العزيز،
إن فلسفة المسيرة الخضراء التي اعتمدت السلم والشرعية لاسترجاع الأرض المغتصبة هي
نفسها التي حكمت موقف المغرب من قضية قومية مقدسة والتي لخصها الشعب المغربي في
الشعار النبيل المعبر الصحراء مغربية وفلسطين عربية».
وقد كان المغرب رائدا في الدعوة للحل السلمي العادل والشامل والدائم للنزاع العربي
الإسرائيلي على قاعدة الشرعية الدولية، وبما يتيح استرجاع كل الأراضي العربية المغتصبة
وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ومن هذا المنطلق كان المغرب قد فتح مكتب اتصال مع إسرائيل كقناة لتشجيع العملية
السلمية، بيد أن تنكر الحكومة الإسرائيلية للشرعية الدولية وعدولها عن خيار السلام
وتماديها في انتهاج منطق العدوان السافر ضد الشعب الفلسطيني الأعزل قد جعلنا نبادر إلى
إغلاق هذا المكتب.
وقد اتخذنا هذا القرار انسجاما مع توجهاتنا السلمية والشرعية، ودعما لإخواننا
الفلسطينيين، ونهوضا بأمانة رئاستنا للجنة القدس الشريف، وحملا للطرف الإسرائيلي على
الإذعان لقرارات الشرعية الدولية والانصياع لخيار السلام الذي نؤمن بحتميته وسنظل عاملين
على تحقيقه.
إن موقفنا تجاه الحكومة الإسرائيلية ليس بصادر عن تعصب عرقي أو طائفي أو عقائدي.
كما أنه لا يعني تحللنا من
أمانتنا الدينية والتاريخية والدستورية في الحفاظ على حقوق
وحريات ومقدسات رعايانا ذوي الديانة اليهودية، إسوة بكافة مكونات أمتنا التي تمازجت
عبر التاريخ في ظل التسامح والتساكن والاحترام المتبادل للمقدسات الدينية.
ولن نسمح، في إطار دولة الحق والقانون التي نحن لها ضامنون بأي مساس بحريات
وأمن وممتلكات ومقدسات رعايانا الأوفياء، أيا كانت عقيدتهم. وليعلم الجميع
أننا حريصون على سيادة القانون والشرعية، وأن أي مساس بهما سيعرض مرتكبيه
لعقوبات قضائية.
شعبي العزيز،
في سياق الالتحام بين المسيرتين الوحدوية والديمقراطية، وتفعيلا لما أعلنا عنه في
خطاب العرش من توسيع فضاء الحريات وإنجاز خطوات متقدمة على درب تدعيم دولة
الحق والقانون، فقد أعدت الحكومة مشاريع قوانين تتناول بالإصلاح والتحيين مدونة
الحريات العامة المتعلقة بتأسيس الجمعيات والتجمعات العمومية والصحافة.
ويهدف هذا الإصلاح على وجه الخصوص، إلى تعزيز حريات التجمع والاجتماع
والتعبير وتبسيط المساطر الإدارية وإلغاء العقوبات السالبة للحرية أو التقليص منها
لفائدة الغرامات المالية.
كما يهدف إلى سن قواعد جديدة ومدققة لضمان شفافية وسلامة وشرعية توسيع
الموارد المالية الداخلية والخارجية للفاعلين الجمعويين، وتقوية دور السلطة القضائية في
مراقبة شرعية القرارات الإدارية المعللة بقوة القانون، وحماية قدسية الثوابت الوطنية ،
والحرص على الانسجام مع تقاليدنا الدينية والحضارية والتشريعات الدولية لحماية
حقوق الإنسان في مجال نبذ العنصرية والكراهية والعنف والتمييز على أساس ديني أو
طائفي أو المساس بحرية الغير
س
المغربية
وسنعمل على تفعيل أي إصلاح لقوانين الحريات العامة من مبدا ائتماننا الدستوري على
صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات ومن منطلق حرصنا على حماية
وصيانة التوازن بين الحرية والنظام العام وبين الحريات الجماعية والحرية الفردية.
فلنستمر ، شعبي العزيز، في استلهام روح المسيرة الخضراء، مترحمين على روح مبدعها أب
الأمة، أكرم الله مثواه، وعلى أرواح جميع شهداء الوحدة الترابية، وفي طليعتهم أفراد قواتنا
المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة، ومعتزين ببسالة ضباطنا
وجنودنا الأشاوس المرابطين في ثغور الصحراء، ومنوهين بما أبانوا عنه من رباطة جأش واستماتة
في أداء واجبهم المقدس لحماية ذلك الجزء الغالي من وطننا العزيز من كل عدوان.
ولنتحلى بفضائلها من أجل مضاعفة الجهد لمواصلة المسيرات الوحدوية والديمقراطية
والتنموية التي نخوضها جميعا لكسب الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
الحمد
بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين للمسيرة الخضراء
06 نونبر 2012
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
نخلد اليوم، بكل اعتزاز الذكرى السابعة والثلاثين للمسيرة الخضراء المظفرة، ليس
فقط لكونها ملحمة وطنية جسدت السلوك الحضاري للمغرب في استرجاع صحرائه، وإنما
باعتبارها أيضا إنجازا تاريخيا بامتياز، لم نفتأ نستلهم منه قيم الوطنية والتلاحم الوثيق بين
العرش والشعب، والإجماع الراسخ حول ثوابت الأمة ومقدساتها.
ووفاء بالقسم الخالد للمسيرة، نواصل بكل ثقة وعزم، مسارها المتجدد على درب توطيد
نموذجنا الوطني الذي ارتضاه المغاربة جميعا.
لقد تمكنت بلادنا ولله الحمد، من تحقيق مكاسب هامة، بفضل ما أقدمنا عليه،
بإرادة خالصة ووعي ومسؤولية، من إصلاحات جوهرية سياسية ومؤسسية عميقة، وما أنجزناه
من أوراش تنموية هيكلية، ومبادرات طموحة لتعزيز التماسك الاجتماعي، وضمان العيش
الحر الكريم لمواطنينا ، في تجاوب عميق مع التطلعات المشروعة لشعبنا الوفي
وذلكم هو التوجه القويم الذي أجمع عليه الشعب المغربي، من خلال انخراطه الواسع
في المسار الإصلاحي الذي نقوده، مؤكدا ثقته الكبيرة في مؤسساته الوطنية، وتوجهاته
الاستراتيجية، وهو ما تجلى في مختلف الإصلاحات العميقة، والمنجزات الكبرى التي
راكمتها بلادنا ، ومن بينها تكريس التداول الديمقراطي بين الأغلبية والمعارضة الذي عرفه
المغرب منذ سنة 1997، وذلك في إطار ممارسة سياسية طبيعية، وفي سياق حركية دائمة ،
وتوجه مستقبلي واضح الرؤية ، سواء بالنسبة للمواطنين، أو لشركاء بلادنا، دولا ومجموعات.
وفي هذا الصدد، نهيب بجميع الفاعلين والمسؤولين في مختلف المؤسسات، ليكونوا
في مستوى الأمانة الملقاة على عاتقهم. فعلاوة على السلطتين التنفيذية والقضائية، فإننا
ندعو جميع الهيئات المنتخبة، بمختلف مستوياتها، إلى الالتزام الدائم بالمفهوم الجديد
للسلطة، بكل أبعاده.
فالمنتخب يجب أن يكون في خدمة المواطن، وأن يرقى إلى مستوى الثقة التي وضعها فيه،
بعيدا عن أي اعتبارات شخصية أو فئوية ضيقة.
شعبي العزيز،
لقد شكلت المبادرة الوجيهة بتخويل الصحراء المغربية حكما ذاتيا، في إطار سيادة
المملكة ووحدتها الوطنية والترابية، منعطفا هاما في مسار التسوية النهائية لهذا النزاع
الإقليمي المفتعل، تقديرا لانسجامها مع الشرعية الدولية، ولما تتيحه لجميع أهالي المنطقة من
تدبير واسع لشؤونهم المحلية، واحترام الخصوصياتهم الثقافية.
غير أن الدينامية التي أطلقتها هذه المبادرة المقدامة، من خلال مسار جديد للمفاوضات،
لم تفض لحد الآن إلى التوصل إلى الحل السياسي التوافقي والنهائي المنشود، بفعل غياب
الإرادة الصادقة لدى الأطراف الأخرى، وتماديها في خطة العرقلة والمناورة.
وعلى الرغم من هذه المحاولات اليائسة، فإن المغرب يؤكد حرصه القوي على الدفع قدما
بهذا المسار على أساس ثوابت المفاوضات وأهدافها، كما حدد ذلك مجلس الأمن، وأكده لنا
معالي السيد بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة.
ومن هذا المنطلق، فإن المغرب يؤكد على ضرورة الالتزام بمعايير البحث عن التسوية،
وخاصة التحلي بالواقعية وروح التوافق الإيجابي، وهو ما تجسده المبادرة المغربية للحكم
الذاتي التي تحظى بالدعم المتزايد للمجتمع الدولي.
ونود التذكير بالموقف الواضح الذي عبر عنه مؤخرا السيد الأمين العام للأمم المتحدة،
والذي يشدد على أنه من مهام الأمم المتحدة، بموازاة مع مواصلة المسار التفاوضي التشجيع
على تطوير العلاقات المغربية الجزائرية التي ما فتئ المغرب يدعو إلى تطبيعها ، بما فيها فتح
الحدود، وذلك في تجاوب مع عدد من الدول والمنظمات الدولية.
وبموازاة ذلك، فإن المغرب يدعو المجموعة الدولية للانخراط القوي لوضع حد للمأساة التي
يعيشها أبناؤنا في تندوف داخل التراب الجزائري، حيث يسود القمع والقهر واليأس والحرمان
بأبشع تجلياته، في خرق سافر لأبسط حقوق الإنسان.
لذا ، نجدد نداءنا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين للقيام بحكم مسؤولياتها في مجال
الحماية ، والالتزامات الدولية للجزائر، باعتبارها بلد الاستقبال، بتسجيل وإحصاء سكان
المخيمات، تطبيقا لقرارات مجلس الأمن لسنتي 2011 و 2012.
شعبي العزيز،
إن النظام المغاربي الجديد الذي دعونا إليه في السنة الماضية، أصبح اليوم، وأكثر
من أي وقت مضى ضرورة ملحة، يتعين ترجمتها إلى واقع حقيقي وملموس، لبناء البيت
المغاربي المشترك.
وهو ما يحتم على الدول المغاربية الخمس الالتزام بالقطيعة مع منطق الجمود الذي يرهن
مستقبل الاتحاد المغاربي، بل ويجعل منه المشروع الاندماجي الجهوي الأقل تقدما بقارتنا الإفريقية.
وذلك ما يفرض العمل، بصدق وحسن نية، لبلورة آليات للتضامن والتكامل والاندماج،
كفيلة بالاستجابة لتطلعات شعوبنا الشقيقة، بما يحرر طاقاتها ، ويتيح استثمار مؤهلاتها
المشتركة، وحرية تنقل الأشخاص والمنتوجات والخدمات ورؤوس الأموال، وتحقيق النمو
وخلق الثروات، وكذا ضمان الأمن الجماعي.
وسيواصل المغرب تعزيز علاقاته مع الدول الإفريقية الشقيقة، سواء على المستوى الثنائي
أو الجهوي، رغم تمادي البعض في التشبث بموقف متجاوز ، يستند على أطروحات عقيمة وغير
قابلة للتطبيق، في تجاهل وتناقض مع التطورات الموضوعية التي يعرفها ملف الصحراء المغربية.
وبموازاة ذلك، فإن المغرب من منطلق إيمانه القوي بعدالة قضيته، وصواب توجهاته،
ووعيه الكامل بواجبه تجاه سكان صحرائه، لن يسمح، في كل الظروف والأحوال، بأن
يكون مصير صحرائه رهين حسابات الأطراف الأخرى، ومناوراتهم الفاشلة، لذلك سنواصل
مسيرات التنمية والتحديث في صحرائنا ، بمزيد من العزم والجهد الدؤوب.
كما نؤكد التزامنا بتفعيل الجهوية المتقدمة، وجعل أقاليمنا الجنوبية في صدارتها ،
لما تتيحه من مشاركة السكان في تدبير شؤونهم المحلية، ومساهمتهم في التنمية البشرية
المندمجة والمستدامة، ولما توفره من أجواء تعبوية، تقوم على حركية مجتمعية واعدة، تفرز
نخبا جديدة، لا سيما من النساء والشباب في إطار تداول ديمقراطي مفتوح على السلطة.
وفي نفس السياق، نود الإشادة بأهمية الأوراش التنموية المتعددة التي تم إطلاقها لفائدة
سكان المنطقة، في مختلف المجالات، مؤكدين على ضرورة تعزيزها، وإضفاء دينامية جديدة
عليها، على أساس الآفاق الطموحة التي تفتحها المشاريع المهيكلة التي هي في طور الإنجاز،
أو قيد البرمجة أو التقييم.
،
ولهذه الغاية، ندعو لبلورة نموذج تنموي جهوي مندمج ومضبوط ، يطبق على أوسع نطاق
ويهدف إلى تحقيق التفاعل والتكامل بين البرامج القطاعية، ورفع مختلف التحديات التي
تواجهها المنطقة، وإقامة منظومة اقتصادية جهوية محفزة للنمو وخلق الثروات، ومدرة لفرص
الشغل، ولا سيما بالنسبة للشباب.
ولتوفير شروط النجاح لهذا المشروع الطموح، واعتبارا لما يتوفر عليه المجلس الاقتصادي
والاجتماعي والبيئي، من كفاءات واختصاصات، وتركيبة تعددية، فإنه يعد المؤهل للانكباب
على إعداده، وذلك وفق مقاربة تشاركية، تتيح مشاركة السكان المعنيين، ومساهمة جميع
الفعاليات الوطنية.
شعبي العزيز
إننا ونحن نواصل عملنا الدؤوب، في سبيل تحقيق المزيد من التقدم والتنمية الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية لأقاليمنا الجنوبية، إنما نؤكد وفاءنا لقسم المسيرة الخضراء، في
التشبث بالوحدة الترابية للمملكة، وبسيادتها الكاملة، وثوابتها المقدسة، ومواصلة الإسهام
في بناء مغرب الوحدة والتقدم والرخاء.
وفي ذلك خير وفاء لروح مبدع المسيرة الخضراء، والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني
أكرم الله مثواه ، ولأرواح شهداء الوحدة الترابية.
ونغتنم هذه الذكرى الخالدة، للتنويه بقواتنا المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والقوات
المساعدة والأمن الوطني، والإدارة الترابية، والوقاية المدنية وخاصة المرابطين منهم بأقاليمنا
الصحراوية، وكذا بتجندهم الدائم للحفاظ على أمن الوطن واستقراره، وتفانيهم في الدفاع
عن حوزته.
بركات ملطة القضائية
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ..
لى
بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين للمسيرة الخضراء
06 نونبر 2014
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
نخلد اليوم، ببالغ الاعتزاز ، الذكرى التاسعة والثلاثين للمسيرة الخضراء.
وهي مناسبة للوقوف على ما عرفته أقاليمنا الجنوبية من تطور، وما طبع مسـارهـا مـن
شوائب، وما تواجهه من تحديات داخلية وخارجية.
لقد عرفت هذه المناطق العزيزة علينا، منذ استرجاعها، العديد من المنجزات في مختلف
المجالات. غير أن الأوراش التي سنقدم عليها ، إن شاء الله، خلال السنة المقبلة، تعتبر حاسمة،
لمستقبل المنطقة. ويتعلق الأمر بتفعيل الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية.
فالجهوية التي نتطلع إليها ، ليست مجرد نصوص قانونية، وتحويل اختصاصات وموارد ،
مادية وبشرية ، من المركز إلى الجهات، وإنما نريدها أن تقوم على الغيرة الوطنية الصادقة،
على الوحدة الترابية لبلادنا.
ربية لبلال على للسلطة القضائية
إننا نريد مناطق وجهات متضامنة ومتكاملة، غيورة على بعضها البعض.
فالمغاربة تلاقح حضاري أصيل، بين جميع مكونات الهوية المغربية . وهم عندنا سواسية. لا
فرق بين الجبلي والريفي والصحراوي والسوسي …
ومن هذا المنطلق، فإن البحث الأكاديمي في مكونات هويتنا، مفيد لترسيخ الوحدة
الوطنية. أما النقاش الذي يقوم على التعصب، ويميل لزرع التفرقة فلا يسمن ولا يغني من
جوع.
ومن يدعي أنه لا ينتمي لهذا المزيج فهو مخطئ. ومن يحاول إثبات عكس ذلك قد
يفقد صوابه.
،
ومن هنا، فالجهوية التي نريدها هي استثمار لهذا الغنى والتنوع البشري والطبيعي
وترسيخ لهذا التمازج والتضامن والتكامل بين أبناء الوطن الواحد، وبين جميع
مناطقه.
فالمغرب الموحد للجهات لا يعني أبدا التعصب القبلي، ولن يكون عاملا للتفرقة
والانفصال. لأنه أمر ممنوع، سواء في الدستور القديم، أو الجديد للمملكة.
شعبي العزيز،
لقد مرت أربعون سنة من التضحيات من أجل استرجاع الأرض، وتحرير الإنسان، وتكريم
المواطن المغربي بالصحراء، وكسب قلبه، وتعزيز ارتباطه بوطنه.
وإننا لنستحضر، بكل تقدير جميع الذين قدموا حياتهم في سبيل الدفاع عن الصحراء.
فهناك أمهات وآباء من جميع أنحاء الوطن، فقدوا أبناءهم في الصحراء.
وهناك أرامل تحملن أعباء الحياة ،وحدهن ، وأيتام لم يعرفوا حنان الأب من أجل الصحراء.
وهناك شباب فقدوا حريتهم، وعاشوا أسرى لسنوات طويلة، في سبيل الصحراء.
فالصحراء ليست قضية الصحراويين وحدهم. الصحراء قضية كل المغاربة. وكما قلت
في خطاب سابق : الصحراء قضية وجود وليست مسألة حدود.
والمغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
رائه والصحراء في مغربها ، إلى أن يرث
وإضافة إلى التضحية بأرواحهم، فقد قدم جميع المغاربة أشكالا أخرى من التضحيات،
المادية والمعنوية من أجل تنمية الأقاليم الجنوبية، وتقاسموا خيراتهم مع إخوانهم في الجنوب.
فالكل يعرف الوضع الذي كانت عليه الصحراء، قبل 1975 ولمن لا يعرف الحقيقة، أو
يريد تجاهلها، أقدم بعض المعطيات:
فمنذ استرجاعها، مقابل كل درهم من مداخيل المنطقة، يستثمر المغرب في صحرائه 7
دراهم، في إطار التضامن بين الجهات وبين أبناء الوطن الواحد.
كما أن مؤشرات التنمية البشرية بالمنطقة، سنة 1975، كانت أقل ب 6 بالمائة من جهات
شمال المغرب، وب 51 بالمائة مقارنة بإسبانيا.
أما اليوم، فهذه المؤشرات بالأقاليم الجنوبية، تفوق بكثير المعدل الوطني لباقي جهات
المملكة. لهذا أقول ، وبكل مسؤولية ، كفى من الترويج المغلوط لاستغلال المغرب لثروات المنطقة.
فمن المعروف أن ما تنتجه الصحراء، لا يكفي حتى لسد الحاجيات الأساسية لسكانها.
وأقولها بكل صراحة : المغاربة تحملوا تكاليف تنمية الأقاليم الجنوبية. لقد أعطوا من جيوبهم،
ومن رزق أولادهم ، ليعيش إخوانهم في الجنوب، في ظل الكرامة الإنسانية.
كما أن الكل يعرف أن المغرب حريص على استفادة سكان المنطقة من ثرواتها ، في ظل
تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية.
صحيح أن نمط التدبير بالصحراء، عرف بعض الاختلالات جعلتها، مع توالي السنوات،
مجالا لاقتصاد الريع وللامتيازات المجانية.
وهو ما أدى إلى حالة من الاستياء لدى البعض، وتزايد الشعور بالغين والإقصاء لدى فئات
من المواطنين.
إننا نعرف جيدا أن هناك من يخدم الوطن، بكل غيرة وصدق. كما أن هناك من يريد
وضع الوطن في خدمة مصالحه.
هؤلاء الذين جعلوا من الابتزاز مذهبا راسخا ، ومن الريع والامتيازات حقا ثابتا، ومن
المتاجرة بالقضية الوطنية، مطية لتحقيق مصالح ذاتية. كما نعرف أن هناك من يضعون رجلا
في الوطن إذا استفادوا من خيراته، ورجلا مع أعدائه إذا لم يستفيدوا.
وهنا أقول: كفى من سياسة الريع والامتيازات وكفى من الاسترزاق بالوطن.
غير أنه لا يجب تضخيم الأمر. فهؤلاء الانتهازيون قلة ليس لهم أي مكان بين المغاربة. ولن
يؤثروا على تشبث الصحراويين بوطنهم. للسلطة القضائية
لذا، وإنصافا لكل أبناء الصحراء، وللأغلبية الصامتة التي تؤمن بوحدة الوطن، دعونا
لإعادة النظر جذريا في نمط الحكامة بأقاليمنا الجنوبية.
وفي هذا الإطار، يندرج قرارنا بتفعيل الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي للأقاليم
الجنوبية غايتنا إجراء قطيعة مع نمط التدبير السابق، وتمكين أبناء المنطقة من المشاركة في
تدبير شؤونهم المحلية، في ظل الشفافية والمسؤولية، وتكافؤ الفرص.
ولهذه الغاية ندعو لفتح حوار وطني صريح، ومناقشة مختلف الأفكار والتصورات، بكل
مسؤولية والتزام من أجل بلورة إجابات واضحة ، لكل القضايا والانشغالات التي تهم ساكنة
المنطقة، وذلك في إطار الوحدة الوطنية والترابية للبلاد.
كما ندعو القطاع الخاص، للانخراط أكثر في تنمية الأقاليم الجنوبية.
شعبي العزيز،
إن التزامنا بتوفير شروط العيش الكريم لمواطنينا ، لا يعادله إلا حرصنا على ضمان الأمن
العام، وسلامة المواطنين في إطار دولة الحق والقانون
ومن هنا، فإن المغرب يرفض كل الممارسات التي تستهدف المس بأمنه واستقراره
وسيتصدى لها بكل حزم ومسؤولية، في إطار القانون، وتحت سلطة القضاء.
فمتى كان ترهيب المواطنين، وتخريب ممتلكاتهم التي اكتسبوها بجهدهم وعرق
جبينهم، حقا من حقوق الإنسان؟
ومتى كان الإخلال بالأمن العام، وتدمير الممتلكات العمومية، يدخل في إطار ممارسة
الحقوق والحريات؟
لقد سبق لنا في خطاب المسيرة سنة 2009، أن عبرنا عن رفضنا القاطع لهذه الممارسات،
ونبهنا إلى أن أي شخص إما أن يكون وطنيا أو خائنا. فليس هناك مرتبة وسطى بين الوطنية
والخيانة».
كما أنه ليس هناك درجات في الوطنية ، ولا في الخيانة. فإما أن يكون الشخص وطنيا ،
وإما أن يكون خائنا.
صحيح أن الوطن غفور رحيم، وسيظل كذلك. ولكن مرة واحدة، لمن تاب ورجع إلى
الصواب. أما من يتمادى في خيانة الوطن، فإن جميع القوانين الوطنية والدولية، تعتبر التآمر
مع العدو خيانة عظمى. الاعلى للسلطة القضائية
إننا نعرف أن الإنسان يمكن أن يخطئ، ولكن الخيانة لا تغتفر والمغرب لن يكون أبدا ،
مصنعا «لشهداء الخيانة».
أما الشهداء الحقيقيون هم الذين وهبوا أرواحهم في سبيل حرية واستقلال الوطن
والذين استشهدوا دفاعا عن سيادته ووحدته.
لهذا أقول: كفى من المزايدات على المغرب. وكفى من استغلال فضاء الحقوق والحريات
التي يوفرها الوطن، للتآمر عليه.
إن المغرب يتوفر على آلياته ومؤسساته الخاصة، المشهود لها دوليا بالالتزام والمصداقية،
لمعالجة كل القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان.
والمغرب هو البلد الوحيد بالمنطقة الذي يتعاون مع الآليات الخاصة للمجلس الأممي لحقوق
الإنسان.
كما أنه مستعد للانفتاح أكثر على مختلف الهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية التي
تعتمد الحياد والموضوعية في التعامل مع قضاياه.
والمغرب يرفض سياسة تبخيس مبادراته، وتضخيم الأحداث التي تقع بالأقاليم الجنوبية،
مقابل الصمت والتواطؤ، تجاه ما يقع في تندوف، وفي بلدان الجوار.
شعبي العزيز،
إن المغرب عندما فتح باب التفاوض من أجل إيجاد حل نهائي للنزاع المفتعل حول صحرائه،
فإن ذلك لم يكن قطعا ، ولن يكون أبدا حول سيادته ووحدته الترابية.
فقد سبق لي أن تفاوضت مع بعض المغاربة من تندوف، لما كنت وليا للعهد. وليس عندي
في ذلك أي مشكل، لأنني كنت أفاوض مواطنين مغاربة، ولأن الأمر يتعلق بالدفاع عن حقوق
المغرب.
فالمغرب ليس لديه أي عقدة، لا في التفاوض المباشر ، ولا عن طريق الوساطة الأممية مع
أي كان، ولكن يجب التأكيد هنا، على أن سيادة المغرب على كامل أراضيه ثابتة، وغير
قابلة للتصرف أو المساومة.
غير أن اختيار المغرب للتعاون مع جميع الأطراف، بصدق وحسن نية، لا ينبغي فهمه على
الملا علة المغربية
ة
أنه ضعف، أو اتخاذه كدافع لطلب المزيد من التنازلات. 2 القضائية
فمبادرة الحكم الذاتي، هي أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب، في إطار التفاوض من
أجل إيجاد حل نهائي لهذا النزاع الإقليمي.
وبصفتي الضامن لاستقلال البلاد، ولوحدتها الترابية، فإن من واجبي تحديد المفاهيم
والمسؤوليات في التعامل مع الأمم المتحدة، والتعبير عن رفض المغرب للمغالطات والانزلاقات
التي تعرفها هذه القضية.
وتأكيدا لموقف المغرب بهذا الشأن، أقول:
. لا لمحاولة تغيير طبيعة هذا النزاع الجهوي ، وتقديمه على أنه مسألة تصفية الاستعمار.
فالمغرب في صحرائه، لم يكن أبدا قوة محتلة، أو سلطة إدارية ، بل يمارس صلاحياته
السيادية على أرضه.
• لا لأي محاولة لمراجعة مبادئ ومعايير التفاوض، ولأي محاولة لإعادة النظر في مهام
المينورسو أو توسيعها، بما في ذلك مسألة مراقبة حقوق الإنسان.
. لا لمحاباة الطرف الحقيقي في هذا النزاع، وتمليصه من مسؤولياته.
• لا لمحاولة التوازي بين دولة عضو في الأمم المتحدة، وحركة انفصالية. ولا لإعطاء
الشرعية لحالة انعدام القانون بتندوف.
فسيادة المغرب لا يمكن أن تكون رهينة، لأفكار إيديولوجية، وتوجهات نمطية لبعض
الموظفين الدوليين. وأي انزلاقات أو مغالطات، سترهن عمل الأمم المتحدة في هذه القضية.
وبالمقابل، فالمغرب مستعد للتعاون مع كل الأطراف، للبحث عن حل يحترم سيادته، ويحفظ
ماء وجه الجميع، ويساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار بالمنطقة، وتحقيق الاندماج المغاربي
وإننا نعبر عن تقديرنا للأمين العام للأمم المتحدة، وللقوى الدولية الكبرى، وخاصة
الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى رأسها البيت الأبيض، لمساهمتها الإيجابية، في مختلف
المراحل، لإيجاد حل لهذه القضية.
وإذ نثمن دعمهم للجهود التي يبذلها المغرب وللمسار التفاوضي، على أساس مبادرة
الحكم الذاتي، فإننا نطالب اليوم، بموقف واضح من هذا النزاع.
ففي الوقت الذي يؤكدون أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان
الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب؛ فإنهم في المقابل، يتعاملون بنـوع مـن
الغموض، مع قضية وحدته الترابية.
فدون تحميل المسؤولية للجزائر، الطرف الرئيسي في هذا النزاع، لن يكون هناك حل.
وبدون منظور مسؤول للواقع الأمني المتوتر بالمنطقة، لن يكون هناك استقرار.
غير أن هذا لا يعني الإساءة للجزائر، أو لقيادتها ، أو شعبها الذي نكن له كل
التقدير والاحترام. فكلامنا موزون، ومعناه واضح، وإنما نتحدث عن الواقع والحقيقة
التي يعرفها الجميع.
هذه الحقيقة التي كلما قالها المغاربة، يتم اتهام الحكومة والأحزاب والصحافة المغربية،
بمهاجمة الجزائر.
وإذا كان المغرب ليس لديه لا بترول ولا غاز، بينما الطرف الآخر لديه ورقة خضراء،
يعتقد أنها تفتح له الطريق ضد الحق والمشروعية، فإن لدينا مبادئنا، وعدالة قضيتنا، بل لدينا
أكثر من ذلك : حب المغاربة وتشبثهم بوطنهم.
فمخطئ من يعتقد أن تدبير قضية الصحراء، سيتم عبر تقارير تقنية مخدومة، أو توصيات
غامضة، تقوم على محاولة التوفيق بين مطالب الأطراف.
جميع
ومخطئ أيضا من يحاول مقارنة الصحراء بتيمور الشرقية أو ببعض النزاعات الترابية
بأوروبا الشرقية، لأن لكل قضية خصوصياتها. فارتباط سكان الصحراء بالمغرب، ليس
وليد اليوم، بل تمتد جذوره في أعماق التاريخ.
شعبي العزيز، إننا مؤمنون بعدالة قضيتنا ، وبانتصار الحق والمشروعية على نزوعات
الانفصال.
وإننا نتطلع بكل أمل وتفاؤل، لجمع الشمل بين أبناء الصحراء، في وطنهم؛ واثقين
من انخراطهم في مسيرات جديدة للنهوض بالتنمية، وتوفير العيش الحر الكريم لكافة
المواطنين، أينما كانوا.
وذلك خير وفاء لروح مبدع المسيرة، والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله
مثواه، ولأرواح شهداء الوطن الأبرارة المغربية
كما نوجه تحية تقدير لقواتنا المسلحة الملكية بكل مكوناتها، ولقوات الأمن على
تجندها الدائم من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار والدفاع عن حوزة الوطن.
الحفاظ من والاستقرار، والدفاع عن حوزة الوطن.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى و
وبركاته
. «
بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء
06 نونبر 2015
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
إن تخليد الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء ليس حدثا عاديا، أو احتفالا عابرا، بل
نريده مرحلة فاصلة في تاريخ استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
فبعد ملحمة تحرير الأرض، وتوطيد الأمن والاستقرار، عملت بلادنا على تمكين أبناء
الصحراء من مقومات المواطنة الكاملة ، وظروف العيش الحر الكريم.
واليوم، وبعد أربعين سنة ، بإيجابياتها وسلبياتها ، نريد إجراء قطيعة حقيقية مع
الأساليب
المعتمدة في التعامل مع شؤون الصحراء قطيعة مع اقتصاد الريع والامتيازات، وضعف المبادرة
الخاصة، وقطيعة مع عقلية التمركز الإداري.
فلماذا اليوم، وبعد أربعين سنة؟
لأننــا
النضج.
المعـ
بعد سنوات من التضحيات، ومن الجهود السياسية والتنموية، قد وصلنا إلى مرحلة
النحات، ومن الجو
ولأننا وفرنا الشروط لإطلاق مرحلة جديدة على درب توطيد الوحدة الوطنية، والاندماج
الكامل لأقاليمنا الجنوبية في الوطن الأم.
وفي هذا الإطار، يندرج تفعيل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، وتطبيق الجهوية
المتقدمة.
شعبي العزيز،
إننا نحرص على تمكين أبناء أقاليمنا الجنوبية من الوسائل اللازمة لتدبير شؤونهم، وإبراز
قدراتهم في النهوض بتنمية المنطقة.
فالصحراويون معروفون ، منذ القدم ، بأنهم كانوا ، دوما ، رجال تجارة وعلم، يعيشون من
جهدهم، بكرامة وعزة نفس، ولا ينتظرون المساعدة من أحد، رغم قساوة الظروف.
إننا نتكلم عن أبناء الصحراء الحقيقيين الوطنيين الصادقين الذي ظلوا أوفياء لروابط
البيعة التي تجمعهم وأجدادهم، عبر التاريخ بملوك المغرب. أما الذين ينساقون وراء أطروحات
الأعداء ويروجون لها، رغم قلتهم، فليس لهم مكان بيننا . ومن تاب ورجع إلى الصواب، فإن
الوطن غفور رحيم.
شعبي العزيز،
إن تطبيق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، يجسد وفاءنا بالتزاماتنا تجاه المواطنين
بأقاليمنا الجنوبية، بجعلها نموذجا للتنمية المندمجة.
كما نريده دعامة لترسيخ إدماجها ، بصفة نهائية في الوطن الموحد ، وتعزيز إشعاع الصحراء
كمركز اقتصادي، وصلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.
لذا قررنا ، بعون الله وتوفيقه، تعبئة كل الوسائل المتاحة لإنجاز عدد من الأوراش الكبرى،
والمشاريع الاجتماعية والصحية والتعليمية بجهات العيون الساقية الحمراء، والداخلة وادي
الذهب، وكلميم واد نون.
ففي مجال البنيات التحتية، ستتم تقوية الشبكة الطرقية بالمنطقة بإنجاز طريق مزدوج،
بالمواصفات الدولية، بين تيزنيت-العيون والداخلة.
وبموازاة ذلك، ندعو الحكومة للتفكير في إقامة محور للنقل الجوي، بالأقاليم الجنوبية،
لحكومة للتفكير في
نحو إفريقيا.
كما أن لدينا حلما ببناء خط للسكة الحديدية، من طنجة إلى لكويرة، لربط المغرب
بإفريقيا. وإننا نرجو الله تعالى أن يعيننا على توفير الموارد المالية التي تنقصنا اليوم لاستكمال
الخط بين مراكش ولكويرة.
كما نعتزم بناء الميناء الأطلسي الكبير للداخلة ، وإنجاز مشاريع كبرى للطاقة الشمسية
والريحية بالجنوب، وربط مدينة الداخلة بالشبكة الكهربائية الوطنية وإننا نتطلع لربط هذه
الشبكات، والبنيات التحتية بالدول الإفريقية، بما يساهم في النهوض بتنميتها.
،
وإيمانا منا بأن البنيات التحتية، لا تكفي وحدها، لتحسين ظروف عيش المواطنين، فإننا
حريصون على مواصلة النهوض بالمجال الاقتصادي، ودعمه بمشاريع التنمية البشرية.
وهنا نؤكد على مواصلة استثمار عائدات الثروات الطبيعية، لفائدة سكان المنطقة، في
إطار التشاور والتنسيق معهم.
ولهذه الغاية، قررنا إنجاز مجموعة من المشاريع التي ستمكن من تثمين واستغلال الموارد
والمنتوجات المحلية، كالمشروع الكبير لتحلية ماء البحر بالداخلة، وإقامة وحدات ومناطق
صناعية بالعيون والمرسى وبوجدور
وإننا حريصون على تعزيز هذه المبادرات، بوضع إطار قانوني محفز للاستثمار،
يوفر للقطاع الخاص، الوطني والأجنبي، وضوح الرؤية، وشروط التنافسية، للمساهمة
في تنمية المنطقة.
كما سيتم إحداث صندوق للتنمية الاقتصادية، مهمته تطوير النسيج الاقتصادي، ودعم
المقاولات والاقتصاد الاجتماعي، وتوفير الدخل القار وفرص الشغل، وخاصة لفائدة الشباب.
شعبي العزيز،
إن ما يهمنا هو صيانة كرامة أبناء الصحراء، وخاصة الأجيال الصاعدة، وتعميق حبهم
وارتباطهم بوطنهم.
لذلك، وجهنا الحكومة لإعادة هيكلة منظومة الدعم الاجتماعي، لتكون أكثر شفافية
وإنصافا ، في التزام بمبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية التي تطالب بها أغلبية الفئات المعنية.
واعتبارا لمكانة الثقافة الحسانية، في وجدان أبناء الصحراء، فإننا نعمل على تعزيز آليات
الحفاظ على التراث الصحراوي، والتعريف به، ولا سيما من خلال بناء المسارح والمتاحف ودور
الثقافة بمناطق الجنوب.
أما فيما يخص الجانب الحقوقي، فقد استطاع المغرب، والحمد لله، التصدي لمناورات
أعداء الوطن، بفضل التعبئة الجماعية، والحكامة الأمنية، والانفتاح على فعاليات المجتمع
المدني
كما أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ولجانه الجهوية، كمؤسسة دستورية ، للدفاع
عن الحقوق والحريات وحمايتها ، يقوم بكل استقلالية، بمعالجة أي تجاوز، في إطار الحوار
والتعاون مع السلطات العمومية، والهيئات الجمعوية، والمواطنين.
شعبي العزيز،
إن المغرب بتطبيق الجهوية المتقدمة، إنما يعزز مصداقيته، ويؤكد وفاءه بالتزاماته.
وكما قلت في خطاب البرلمان، فإن الشرعية الديمقراطية والشعبية التي حصل عليها
المنتخبون، تجعل منهم الممثلين الحقيقيين لسكان الأقاليم الجنوبية، سواء على مستوى
المؤسسات الوطنية ، أو في علاقتهم بالمجتمع الدولي.
وتجسيدا لحرصنا على جعل الأقاليم الجنوبية في صدارة تطبيق الجهوية المتقدمة، ستتم
بلورة عقود – برامج بين الدولة والجهات، لتحديد التزامات كل طرف، بخصوص إنجاز
المشاريع التنموية.
لذا، ندعو الحكومة للإسراع بتفعيل المقتضيات القانونية، المتعلقة بنقل الاختصاصات،
من المركز لهذه الجهات، ودعمها بتحويل الكفاءات البشرية، والموارد المادية اللازمة، في
أفق تعميم هذه التجربة، على باقي جهات المملكة.
كما يتعين الإسراع ببلورة ميثاق حقيقي لعدم التمركز الإداري، يعطي للمصالح الجهوية
الصلاحيات الضرورية لتدبير شؤون الجهات على المستوى المحلي.
وهنا نود التركيز أيضا على ضرورة إشراك السكان من خلال توفير فضاءات وآليات
دائمة لحوار والتشاور ، بما يتيح تملكهم للبرامج والانخراط في تنفيذها.
وبهذا ، نضع سكان أقاليمنا الجنوبية وممثليهم أمام مسؤولياتهم بعد أن وفرنا لهم الآليات
المؤسسية والتنموية لتدبير شؤونهم والاستجابة لحاجياتهم.
شعبي العزيز
إن المغرب إذا وعد وفى، قولا وفعلا، ولا يلتزم إلا بما يستطيع الوفاء به. وبذلك فإننا نوجه
رسالة إلى العالم نحن لا نرفع شعارات فارغة ولا نبيع الأوهام، كما يفعل الآخرون، بل نقدم
الالتزامات ونقوم بالوفاء بها ، وبتنفيذها على أرض الواقع.
. فالمغرب وعد بتطبيق الجهوية المتقدمة، وهي اليوم حقيقة على أرض الواقع، بمؤسساتها
واختصاصاتها.
. والمغرب وعد بالديمقراطية، وبتمكين سكان أقاليمه الجنوبية من تدبير شؤونهم
المحلية، وها هم اليوم يختارون ممثليهم ويشاركون في المؤسسات المحلية بكل حرية
ومسؤولية.
• كما أن المغرب التزم بنموذج تنموي خاص بأقاليمه الجنوبية، واليوم أطلقنا الأوراش
المهيكلة والمشاريع المدرة للثروة ولفرص الشغل.
• والمغرب التزم بضمان الأمن والاستقرار، والصحراء المغربية اليوم، أكثر المناطق أمانا ،
في جهة الساحل والصحراء.
وإن المغرب إذ يلتزم اليوم بجعل الصحراء المغربية مركزا للتبادل ومحورا للتواصل مع
الدول الإفريقية جنوب الصحراء، وبوضع البنيات التحتية اللازمة لذلك، فإنه سيقوم مرة أخرى
بالوفاء بوعوده أمام خيبة أمل الأعداء وحسرتهم.
وفي المقابل، فإن ساكنة تندوف بالجزائر، ما تزال تقاسي من الفقر واليأس والحرمان،
وتعاني من الخرق المنهجي لحقوقها الأساسية، وهو ما يجعل التساؤل مشروعا : أين ذهبت مئات
الملايين من الأورو التي تقدم كمساعدات إنسانية والتي تتجاوز 60 مليون أورو سنويا ، دون
احتساب الملايير المخصصة للتسلح ولدعم الآلة الدعائية والقمعية للانفصاليين؟ كيف يمكن
تفسير الغنى الفاحش لزعماء الانفصال الذين يملكون العقارات ويتوفرون على حسابات
وأرصدة بنكية بأوروبا وأمريكا اللاتينية؟ ولماذا لم تقم الجزائر بأي شيء من أجل تحسين
أوضاع سكان تندوف الذين لا يتجاوز عددهم 40 ألفا على أقصى تقدير، أي حي متوسط
بالجزائر العاصمة؟ وهو ما يعني أنها لم تستطع أو لا تريد أن توفر لهم طيلة أربعين سنة حوالي
6000 سكن، يصون كرامتهم بمعدل 150 وحدة سكنية سنويا.
ولماذا تقبل الجزائر التي صرفت الملايير في حربها العسكرية والدبلوماسية ضد المغرب
بترك ساكنة تندوف في هذه الوضعية المأساوية واللا إنسانية؟
إن التاريخ سيحكم على الذين جعلوا من أبناء الصحراء الأحرار الكرام متسولين
للمساعدات الإنسانية. الأعلى للسلطة القضائية
كما سيسجل عنهم أنهم استغلوا مأساة مجموعة من نساء وأطفال الصحراء وحولوهم إلى
غنيمة حرب، ورصيد للاتجار اللامشروع، ووسيلة للصراع الدبلوماسي.
ولا يفوتني هنا أن أتوجه بالسؤال لسكان مخيمات تندوف هل أنتم راضون على الأوضاع
المأساوية التي تعيشونها؟ وهل تقبل الأمهات بمشاعر اليأس والإحباط لدى أبنائهن والأفق
المسدود أمامهم؟
أنا لا أرضى لكم هذا الوضع اللاإنساني، أما إذا رضيتم به، فلا تلوموا إلا أنفسكم،
وأنتم تشاهدون المغرب، يقوم بتنمية أقاليمه الجنوبية وتوفير الكرامة والعيش الحر لسكانها.
شعبي العزيز،
إن قضية الصحراء ليست أول مشكل واجهه المغرب في تاريخه، فقد عرف أيام السيبة
والفوضى، وعاش تحت الحماية والاحتلال ، كما شهد صراعات وخلافات ما بعد الاستقلال،
بخصوص بناء الدولة الحديثة.
لكنه دائما يتجاوز الظروف الصعبة ويخرج منها موحدا قويا ومرفوع الرأس وذلك بفضل
إيمان الشعب المغربي بوحدة مصيره، ودفاعه عن مقدساته ووحدة ترابه، وتلاحمه الوثيق مع
عرشه.
وبإقدامه على تطبيق الجهوية ، والنموذج التنموي، فإن المغرب يريد أن يعطي حظوظا
أوفر، لإيجاد حل نهائي للنزاع المفتعل حول وحدتنا الترابية.
،
وإيمانا بعدالة قضيته، فقد استجاب المغرب، سنة 2007 ، لنداء المجموعة الدولية، بتقديم
مقترحات، للخروج من النفق المسدود الذي وصلت إليه القضية.
وهكذا ، قدمنا مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية التي شهد المجتمع الدولي،
بجديتها ومصداقيتها.
«
وكما قلت في خطاب المسيرة الخضراء للسنة الماضية، فإن هذه المبادرة هي أقصى ما
يمكن للمغرب أن يقدمه.
سيرة الخضر : المغربية
كما أن تطبيقها يبقى رهينا ، بالتوصل إلى حل سياسي نهائي، في إطار الأمم المتحدة.
،
فمخطئ من ينتظر من المغرب أن يقدم أي تنازل آخر، لأن المغرب أعطى كل شيء،
أعطى من أرواح أبنائه، دفاعا عن الصحراء، فهل يجب علينا أن نقدم المزيد، كما تريد بعض
المنظمات الدولية، وغير الحكومية ؟ إننا نعرف خلفيات هذه المواقف المعادية التي تريد تقسيم
البلاد، ونعرف أنه ليس من حقها التدخل في شؤون المغرب.
،
وهو نفس المبدإ الذي نتعامل به مع بعض الدوائر في منظمات دولية التي تجهل تاريخ
المغرب، وتحاول تقديم تصورات بعيدة عن الواقع، تم طبخها داخل مكاتب مكيفة،
كاقتراحات لحل الخلاف الإقليمي، حول مغربية الصحراء.
فالمغرب يرفض أي مغامرة، غير محسوبة العواقب، ستكون لها تداعيات خطيرة، أو أي
اقتراح فارغ ودون جدوى، سوى محاولة نسف الدينامية الإيجابية التي أطلقتها مبادرة الحكم
الذاتي.
كما سيتصدى للحملات العدائية التي تستهدف المنتوجات الاقتصادية المغربية، بنفس
روح التضحية والالتزام التي يقدمها في المجالين السياسي والأمني، دفاعا عن وحدته ومقدساته.
أما الذين يريدون مقاطعة هذه المنتوجات ، فليفعلوا ذلك، رغم أنه تعامل مخالف للقانون
الدولي. فعليهم أن يتحملوا مسؤولية قراراتهم.
ومن حق المغرب أن يفتح الباب أمام شركائه، ودولا ومقاولات عالمية، للاستفادة من
فرص الاستثمار التي ستوفرها المنطقة، بفضل المشاريع الكبرى التي سيتم إطلاقها.
وبما أننا لا نفرق بين جهات شمال المملكة وجنوبها ، فإنه لا فرق لدينا بين طماطم أكادير
والداخلة، وبين سردين العرائش وبوجدور، وبين فوسفاط خريبكة، وفوسفاط بوكراع ،
رغم أنه يمثل أقل من 2 في المائة من المخزون الوطني، كما تؤكد ذلك المعطيات المعترف بها
عالميا.
وبنفس الصرامة والحزم، سيواجه المغرب كل المحاولات التي تستهدف التشكيك، في
الوضع القانوني للصحراء المغربية، أو في ممارسة سلطاته كاملة على أرضه، في أقاليمه
الجنوبية، كما في الشمال.
وهو ما يقتضي من الجميع مضاعفة الجهود ، ومواصلة اليقظة والتعبئة، للتعريف بعدالة
قضيتنا ، وبالتقدم الذي تعرفه بلادنا ، والتصدي لمناورات الخصوم
شعبي العزيز،
،
إننا جميعا مؤتمنون على النهوض بتنمية أقاليمنا الجنوبية، وصيانة كرامة أبنائها ،
والدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد، بنفس روح الالتزام والتضحية التي ميزت المسيرة الخضراء.
وذلك خير وفاء لروح مبدعها ، والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه،
ولأرواح شهداء الوطن الأبرار.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
4. خطب ملكية سامية بمناسبة ترأس جلالة الملك لافتتاح
الدورات الأولى للبرلمان
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2001 – 2002
من الولاية التشريعية السادسة
10 أكتوبر 2001
«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة أعضاء البرلمان المحترمين
يغمرنا شعور مزيج من الاعتزاز العميق، والتساؤل الملح، والعزم الواثق، ونحن نفتتح السنة
البرلمانية الخامسة التي تتزامن مع انتهاء انتداب مجلس النواب في مثل هذا الموعد من السنة
القادمة.
،
أما مبعث الاعتزاز فلأن هذه الولاية التشريعية شكلت نقلة نوعية في تعزيز الصرح
الديمقراطي، لما حققه والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه، من إجماع
وطني حول الدستور، وما أبدعه وقاده من تناوب توافقي على تحمل المسؤولية الحكومية،
حرصنا منذ اعتلائنا العرش، على ترسيخهما بمساهمة فاعلة لكل القوى الحية للبلاد،
أغلبية كانت أو معارضة.
وأما التساؤل الملح فعن مدى قيامكم، على الوجه الأمثل، بمسؤوليتكم، اعتبارا لما
نتحمله من أمانة عظمى، وبصفتنا الممثل الأسمى للأمة، في ضمان السير الأمثل للمؤسسات،
وضرورة استشعاركم ، أفرادا وفرقا ،نيابية، لمدى أدائكم للمسؤولية الملقاة على عاتقكم،
على الوجه الأكمل؛ داعين لاستخلاص العبر مما شاب هذه الولاية التشريعية من أوجه
القصور، لا للتنقيص من المكانة المركزية للبرلمان في نظامنا الملكي الدستوري، بل للعمل
على تحصين مؤسساتنا الديمقراطية من كل الشوائب والاختلالات.
ولبلوغ هذا الهدف الأسمى، فإن عزمنا واثق على أن نجعل من نزاهة الانتخابات
المدخل الأساسي لمصداقية المؤسسات التشريعية، حريصين على أن تتحمل السلطات
العمومية والأحزاب السياسية مسؤوليتها كاملة في توفير الضمانات القانونية والقضائية
والإدارية لنزاهة الاقتراع وتخليق المسلسل الانتخابي.
ومن هذا المنطلق، وترسيخا لمستوى النضج المتقدم الذي بلغه الصرح الديمقراطي الوطني
الذي يجعل من الانتخابات، على أهميتها السياسية، لحظة عادية ومنتظمة في حياة الأمة،
وتوضيحا للرؤية أمام الفاعلين السياسيين، أغلبية ومعارضة ، موفرين لهم تكافؤ الفرص، في
مجال المعرفة المسبقة لموعد الانتخابات، فإننا نعلن اليوم أن الانتخابات النيابية ستجري خلال
شهر شتنبر القادم، إن شاء الله.
واعتبارا للدور الأساسي لمشروع مدونة الانتخابات في البلورة العملية لإرادتنا الراسخة في
إجراء انتخابات نزيهة معبرة بكل حرية وصدق عن اتجاهات الرأي العام، فإننا ندعو كل
الفاعلين السياسيين إلى التمسك بفضائل التوافق الوطني، وتغليب المصلحة العامة، والحوار
المثمر من أجل تعزيز الضمانات القانونية لمصداقية الانتخابات.
كما أن التفعيل المتواصل لمفهومنا الجديد للسلطة، وإصلاح القضاء، قد جعلا
كل الفاعلين السياسيين على اختلاف مشاربهم، يتطلعون بثقة وطمأنينة، لسهر
الأجهزة الإدارية والقضائية على سلامة الاستحقاقات المقبلة.
ومهما تكن أهمية التدابير المتخذة، وحرص أجهزة الدولة، فإن ضمان نزاهة الاقتراع
يظل رهينا بمدى فعالية الأحزاب السياسية، باعتبارها الرافد الأساسي للعملية الانتخابية.
لذلكم ننتظر منها التعبئة من أجل المشاركة المكثفة الواعية، والنوعية الجيدة للمرشحين،
والمنافسة الشريفة
الأعلى للسلطة القضائية
وإن الروح الوطنية، تملي علينا العمل من أجل أن يكون هنالك فائز واحـد هـو
الديمقراطية المغربية التي تجد كل المشارب السياسية الوطنية موقعها الحقيقي فيها ،
ضمن مشهد سياسي سليم.
وتعزيزا لدور الأحزاب في هذا المجال، فإننا ندعوكم لإيلاء اهتمام خاص لمشروع القانون
الجديد المنظم لها آملين أن يمكن كل النخب الوطنية من ممارسة العمل السياسي بمعناه
النبيل،
،، من خلال وسيلته المثلى المتجسدة في الأحزاب السياسية.
وإيمانا منا بأن الديمقراطية تظل صورية ما لم تعتمد التنمية الاقتصادية والاجتماعية سندا
لها، فقد أولينا العناية الكاملة لتحفيز الاستثمار ، لأن كل خطوة نخطوها، في هذا المجال،
من شأنها أن توطد ديمقراطيتنا، وتعيد الأمل للمحرومين، وخاصة الشباب منهم، وترسخ
ثقتهم في حاضر ومستقبل وطنهم.
ومهما تكن وجاهة أي سياسة تنموية محفزة على الاستثمار، فإنها تظل رهينة
بنجاعة الأجهزة الإدارية والقضائية القادرة على النهوض بها.
وإدراكا منا بأن فعالية الأجهزة الإدارية مرتبطة بالعنصر البشري المؤهل لإصلاح الإدارة
من الداخل، وجعل سيرها مطبوعا بروح التدبير الفعال وخدمة المواطن والتنمية، فإننا
عازمون على متابعة تأهيل الموارد البشرية في جميع مرافق الإدارة والقطاع العامين، وإمدادهما
بكفاءات جديدة، كما فعلنا عند تعييننا لمجموعة من الولاة ومسؤولي المقاولات والمؤسسات
العمومية، حتى نجعل من الإدارة والقطاع العام الفاعل الاقتصادي الأول، المحفز للاستثمار،
والمندمج في حركة التنمية الشاملة.
كما أننا مصممون بنفس العزم على السهر على مواصلة إصلاح القضاء الذي
يتعين عليه أن يطور موارده البشرية وأجهزته ومساطره، ليستجيب لمتطلبات العدل
والتنمية، عن طريق ترسيخ سيادة القانون والشفافية، والنزاهة والإنصاف والسرعة في
الإنجاز على مستوى إصدار الأحكام وتنفيذها، مشيعا بذلك روح الثقة المحفزة على
الاستثمار.
،
وقد حرصنا على بلورة سياسة مجددة هادفة إلى إزاحة كل العراقيل والمساطر
والأجهزة المعيقة للاستثمار، وتوفير الوسائل الكفيلة بالنهوض به من خلال قرارات
هامة، ستشكل تحولا نوعيا في مسار التدبير اللامتمركز للمشاريع الاستثمارية ،
من خلال إحداث مراكز جهوية للاستثمار؛ محددين ذلك في رسالة ملكية سامية ،
مختومة بالطابع الشريف، سنوجهها ، قريبا، لوزيرنا الأول
لسعال
حضرات السيدات والسادة،
علم للسلطة القضائي
إن هذه الدورة البرلمانية تنعقد في ظروف دولية دقيقة. ومن موقع التزامه الثابت بالشرعية
الدولية، وبمكافحة الإرهاب بكل أشكاله، وكذا بحكم انتمائه للأمة العربية والإسلامية
ومناصرته لقضاياها العادلة، وفي طليعتها قضية الشعب الفلسطيني الشقيق؛ فإن المغرب عندما
يعبر عن تضامنه المطلق مع الموقف الدولي، المجمع على مناهضة الإرهاب وتجفيف منابعه،
بكل الوسائل المشروعة ؛ ليؤكد أن القضاء على الإرهاب، واستئصاله من جذوره، ينبغي أن
يندرج ضمن منظور شمولي يستهدف المزيد من استتباب السلم، وتحقيق العدل والإنصاف في
النظام الدولي بكيفية تضع حدا لكل مآسي الفقر والظلم والقهر والإقصاء، وبؤر التوتر،
في كل مناطق العالم، على حد سواء؛ وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط، حيث يتعرض
الشعب الفلسطيني الأعزل لشتى أنواع التقتيل والاضطهاد، في كفاحه المشروع من أجل إقامة
دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
«
إن هذه الظروف الدولية العصيبة المنفتحة على شتى الاحتمالات تملي علينا جميعا
التحلي بالمزيد من الالتحام الوطني، ورص الصفوف، وتغليب المصالح العليا للبلاد، وإيثارها
على ما عداها من المطالب الفئوية والحسابات الضيقة، مهما كانت مبرراتها، والتشبث بقيم
الحكمة والاتزان والاعتدال التي مكنت المغرب، ولله الحمد من اجتياز كل الصعاب،
جاعلا منها خير محفز على مضاعفة الجهود للدفاع عن وحدته الترابية، والمواصلة مسيرته
التنموية، معبئا لذلك كل طاقاته بعزم وتفاؤل، وثبات وطمأنينة وتماسك، معززا بذلك دوره
الفاعل في محيطه الجهوي والدولي.
إن معركة المغرب الأساسية ليست بين مجتمع مدني وآخر سياسي، ولا بين أفراد وأحزاب.
وكيفما كانت نتائج الاقتراع بالنسبة لأعضاء مجلس النواب، فإن الذين سيعاد انتخابهم
مطالبون بإثراء العمل النيابي بتجربتهم للرفع من مستوى الأداء البرلماني . وأما الذين لن يحالفهم
الحظ للفوز بانتداب نيابي جديد، فإننا ندعوهم لاستثمار ما اكتسبوه من خبرة في تدبير الشأن
العام من أجل مواصلة خدمة وطنهم التي لا يعد البرلمان إلا إحدى مجالاتها.
وإن واجب المواطنة يدعونا للتخلي عن الأنانيات، للانصهار في ضمير جماعي وطني واحد
من أجل بناء مغرب قوي وديمقراطي، يسير بخطى ثابتة على طريق التقدم ؛ «وفي ذلك فليتنافس
المتنافسون». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركات
الى وبركاته، المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الخطاب الساميي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2002 – 2003
من الولاية التشريعية السابعة للبرلمان
11 أكتوبر 2002
«الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
إن مشاعر الاعتزاز الكبير بالنقلة الديمقراطية النوعية التي حققناها بانتخاب مجلس
النواب الجديد الذي نتولى تنصيبه اليوم لا يعادلها إلا عرفاننا العميق ووفاؤنا الصادق للروح
الطاهرة لرائد المسيرة الديمقراطية، والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، قدس الله روحه.
وستظل الأجيال الحاضرة والمقبلة مدينة لعبقريته وثاقب نظره في اختيار النظام الديمقراطي
الذي عملنا منذ اعتلائنا العرش على ترسيخه باستكمال بناء دولة الحق، القوية
بمؤسساتها ذات المصداقية.
وإذ نهنئ النواب على انتخابهم أو تجديد الثقة فيهم، فإننا نخص بالتهنئة السيدات
النائبات ، واثقين من أن ما عرفت به المرأة المغربية من جدية وواقعية ونزاهة سينعكس إيجابا
على أشغال المجلس، متطلعين إلى المزيد من إنصافها، وتحقيق المساواة العادلة لها في كل
نيق المسا
مجالات الحياة الوطنية.
كما نود أن نوجه تحية خاصة لرعايانا الأوفياء ولممثليهم البرلمانيين المنحدرين من الأقاليم
الجنوبية لما ترمز إليه مشاركتهم المكثفة التي بلغت النسبة العليا لأربعة وستين في المائة،
متجاوزة المعدل الوطني، ولما يعبر عنه انتخابهم من اقتناع بالنهج الديمقراطي الذي اخترناه
كأفضل وسيلة لتدبير شؤونهم الجهوية ، ومن تشبث بالوطن في ظل الوحدة والحرية والكرامة.
ونأبى إلا أن نشيد بكل المواطنين والهيئات والسلطات الذين ساهموا في هذا الإنجاز
بكل مسؤولية ،والتزام وفي مقدمتهم أطر وزارتي الداخلية والعدل والقضاة.
وبقدر احتفائنا بهذه الخطوة الديمقراطية التي أحطناها بكل الضمانات القانونية
والسياسية، فإننا نتساءل : هل كان الهدف المنشود هو مجرد التوفر على مجلس للنواب
يعكس التمثيلية الحقيقية لكل الهيئات السياسية؟ كلا، إن الديمقراطية ليست غاية في
حد ذاتها، وإنما هي أداة لتفعيل المشاركة الشعبية في تدبير الشأن العام والتعبئة من أجل
التنمية، ولن تكتمل الديمقراطية التي نتوخاها إلا بإزاحة عوائقها الهيكلية المتمثلة
في القضاء على الأمية والفقر، وتقوية دور الأحزاب السياسية من خلال إقرار قانون
خاص بشأنها وتخليق الحياة العامة.
وهذا ما يجعل الرهان الاقتصادي والاجتماعي والثقافي رهانا أصعب من تحدي بناء
الصرح المؤسسي، الذي حققنا فيه مكاسب هامة والذي سنتعهده بالمزيد من التوطيد
والتجديد والمعقلن
إن ما نتوخاه من إعادة الاعتبار للمؤسسة البرلمانية يتطلب منكم عملا دؤوبا ليس داخل
القبة البرلمانية من أجل أداء مهامكم الدستورية فحسب، بل الالتزام أيضا بالقرب من مغرب
الأعماق والإصغاء لمواطنيكم من أجل التعبير عن انشغالات الأمة وجعلهم في الصور الواقعية
لما يمكن الاستجابة له. وذلكم هو طريقكم نحو أداء مهمة صلة الوصل بين الشعب والجهاز
التنفيذي، بشكل لا يحصر عمل الأغلبية البرلمانية في مساندة الحكومة داخل الإطار الضيق
للبرلمان والوزارات، وإنما يمتد إلى أعماق مكونات المجتمع.
كما أن سبيل المعارضة البناءة هو النهوض بدور القوة الاقتراحية والتعبير بواقعية وعقلانية
عن التطلعات الاجتماعية ضمن ممارسة برلمانية خلاقة
برداية خلافة بعيدة عن المـ
عن المزايدات الفارغة والمجادلات
العقيمة التي لن تشغل عاطلا أو تعلم أميا أو تنصف مظلوما أو تصون كرامة محروم. لذلكم
فأنتم مطالبون بالعمل الجدي، وباستخلاص العبرة من الحملة الانتخابية التي جعلتكم تقفون
على انتظارات المواطنين الذين يتطلعون لحلول ملموسة لمشاكلهم الواقعية الأساسية التي
ينبض بها قلب كل مواطن، بدل جعل كل شيء ذا أسبقية ، إنها الأسبقيات الأربع الممثلة في
التشغيل المنتج والتنمية الاقتصادية والتعليم النافع والسكن اللائق.
وتلكم هي الانشغالات الوطنية الحقيقية التي ينبغي تركيز الجهود عليها باعتبارها
أسبقيات ملحة. ويعد التشغيل الهاجس الأول للأسرة المغربية ومفتاح المعضلات الاجتماعية،
لا سيما منها الفقر والتهميش اللذان لا يمكن القضاء عليهما إلا بتفعيل التضامن
الاجتماعي القائم على الشراكة بين السلطات العمومية والجماعات المحلية والقطاع
الخاص والنسيج الجمعوي.
ولن نتمكن من تشغيل الفئات الواسعة من شبابنا إلا بتحقيق التنمية الاقتصادية التي
تظل رهينة بتحفيز الاستثمار ، ثم الاستثمار ، ثم الاستثمار الذي سأظل أعمل من أجل إزاحة
عوائقه حتى يصير المغرب، إن شاء الله، ورشا كبيرا للإنتاج وخلق الثروات.
وذلك ما يتطلب الالتزام بحسن تدبير الشأن العام والإسراع بالإصلاحات العميقة
الإدارية والقضائية والجبائية والمالية وتأهيل المقاولات، والتركيز على القطاعات
التي لنا فيها مؤهلات وتنافسية وإنتاجية والنهوض بالتنمية القروية، مؤكدين وجوب
إقرار القانون التنظيمي للإضراب ومدونة عصرية للشغل، يعرف فيها كل من المستثمر
والعامل حقوقهما والتزاماتهما مسبقا ، وذلك في نطاق ميثاق اجتماعي تضامني شامل.
ولن نحقق إقلاعا اقتصاديا أو نوفر شغلا منتجا إلا بالتفعيل الأمثل لإصلاح نظام التربية
والتكوين الذي بالرغم من الخطوات التي قطعناها في شأنه، فإنه ينتظرنا إنجاز أصعب
مراحله المتمثلة في الإصلاح النوعي للتكوين واستئصال الأمية، مع الإقدام بشجاعة على
أي موارد مالية جديدة والنهوض بمختلف مكونات الثقافة الوطنية، ولا سيما بدعم المعهد
الملكي للثقافة الأمازيغية في محافظة على هوية المغرب الإسلامية، وتشبث بوحدته المذهبية،
وانفتاح شامل على الحداثة وبناء مجتمع المعرفة والاتصال.
كما أننا لن نتمكن من صيانة كرامة المواطن، إلا بتوفير السكن اللائق،
والتعجيل بتنفيذ البرنامج الوطني لمحاربة البناء العشوائي، والقضاء على أحياء الصفيح
التي تشكل تهديدا لتماسك وتوازن نسيجنا الاجتماعي، ومصدرا لظواهر الإحباط
والإقصاء والانحراف والتطرف.
وبالرغم من أن إنجاز هذه الأسبقيات يعد مهمة شاقة، فإنه لا خيار لنا إلا التعبئة الشاملة
من أجل رفع تحدياتها لترسيخ الثقة في مغرب الحاضر والمستقبل، وإعادة الأمل إلى نفوس
المحرومين من فئات شعبنا الوفي.
وفوق هذا وذاك، فإن علينا أن نحسن استثمار الإشعاع الديمقراطي للمغرب، المشهود به
دوليا من أجل الطي النهائي للنزاع المفتعل حول وحدتنا الترابية التي تظل قضيتنا المقدسة،
فضلا عن توطيد الأمن والاستقرار الذي ينعم به بلدنا، في إطار النظام الديمقراطي الذي لا
يستقيم أمره إلا في نطاق الدولة القوية بسيادة القانون.
فعلى الجميع أن يستشعر جسامة المسؤولية البرلمانية والحكومية، ويتحلى بفضيلة الحوار
البناء، والإجماع حول الثوابت والمقدسات والتراضي حول الملفات الكبرى للأمة ، واعتماد
قاعدة الأغلبية الديمقراطية للبت فيما عداهما من القضايا، لأن الإفراط في التراضي يفرمن
محتواه ويسلبه غايته المثلى، جاعلا منه ذريعة للتملص من اتخاذ القرار.
إن التحدي المطروح على مغرب اليوم والغد ليس هو المفاضلة بين التيارات السياسية
كيفما كانت مشاربها ، وإنما هو الحسم بين الديمقراطية والالتزام وبين التسيب والسلبية
وبين الحداثة والانفتاح وبين التزمت والانغلاق. إنه بكلمة واحدة المعركة الحقيقية بين
التقدم والتأخر في عالم لا يزيد إلا تحديا على تحديات وصراعا على صراعات، وسباقا
ضد الساعة ، يجعل ما هو ممكن اليوم مستحيلا غدا. وتلكم هي الرهانات الحقيقية التي
يتعين على المغرب كسبها.
والله تعالى نسأل أن يلهمنا جميعا السداد والتوفيق، ويقوي عزائمنا ، ويجعل لنـا مـن
تأييده هاديا ومعينا. وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من
لدنك سلطانا نصيرا» صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2004-2003
من الولاية التشريعية السابعة
10 أكتوبر 2003
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
إننا بافتتاح هذه الدورة البرلمانية نستكمل تجديد المؤسسات الدستورية، مجسدين إرادتنا
الملكية الراسخة في إعطاء المسار الديمقراطي طريقه القويم كخيار لا رجعة فيه، مهما
تكن دقة التحديات الوطنية والدولية.
وإذا كنا معتزين بإنجاز هذه النقلة النوعية، فهل معنى ذلك أننا بلغنا الكمال الذي
نتوخاه؟ لقد أكدنا مرارا ألا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وأن الديمقراطية طريق شاق
وطويل وليست ميدانا صوريا لحرب المواقع، بل هي مواطنة ملتزمة وممارسة لا محيد عنها
لحسن تدبير الشأن العام ، ولا سيما المحلي منه. ولا يمكن تحصينها إلا بترسيخ ثقافة المواطنة
المنوطة بالأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني، وبتحسين الأحوال المعيشية للمواطن حتى
يلمسها في واقعه اليومي.
الأعلى للسلطة القضائية
وكيفما كان تركيب المجالس المنتخبة، فإننا لن نكف عن طرح السؤال الجوهري: هل
يعد الانتخاب غاية في حد ذاته ونهاية المطاف؟ كلا فإن احترام الإرادة الشعبية يقتضي نبذ
عقلية ديمقراطية المقاعد، والالتزام بفضيلة ديمقراطية التنمية.
وفي أفق استخلاص كل العبر من انتخاب المجالس التمثيلية واستيفاء شروط عقلنتها ،
فإننا نكتفي اليوم بوقفة خاصة عند تجديد انتخاب الجماعات المحلية التي تجسد ديمقراطية
القرب والمشاركة، والقاعدة الصلبة لمجلس المستشارين.
وإننا لننتظر من الجماعات المحلية طي صفحة المنافسة الانتخابية العابرة، وفتح الأوراش
الحيوية للعمل الجماعي، دون استسلام لصعوبة التحديات، بوضع مخططات للتنمية المحلية
لإنجاز أسبقيات السكن اللائق والاستثمار المنشود والتشغيل المنتج والتعليم النافع وتوفير
العيش الكريم، وهذه هي محفزات المواطنين الذين يجب إشراكهم الفعلي والمتواصل في
تحقيق المشاريع التنموية المستجيبة لانشغالاتهم الحقيقية، وتلكم سبيلكم لإعادة الاعتبار
للديمقراطية المحلية بما هي تواصل دائم مع المواطنين، وليست مجرد لحظة انتخابية موسمية.
ومع تهانئنا للمنتخبين الجدد واعتزازنا بارتفاع نسبة الشباب الأكثر تأهيلا ، فإن التمثيل
الضعيف للنساء في الجماعات المحلية يجعلنا نتساءل: إلى متى سنستمر في اللجوء إلى التمييز
الإيجابي القانوني لضمان مشاركة واسعة للمرأة في المؤسسات؟ لا ريب أن الأمر يتطلب
نهضة شاملة وتحولا عميقا في العقليات البالية والوعي الجماعي، وفتح المجال أمام المرأة بما
يناسب انخراطها في كل مجالات الحياة الوطنية لما أبانت عنه من جدارة واستقامة وتفان في
خدمة الصالح العام.
وإن تكليفنا للسلطات العمومية بدعم الجماعات المحلية لا يعادله إلا تأكيدنا على وجوب
التزام هذه السلطات باليقظة والحزم والمراقبة الدائمة لنهوض المجالس المنتخبة على الوجه
الأكمل بصلاحياتها الواسعة، طبقا للقانون.
ومع تحذيرنا من الإخلال بالمسؤولية وسوء التدبير، ولو كان صادرا عن منتخب
بأغلبية واسعة، فإننا نذكر على وجه الخصوص بتوجيهاتنا الداعية إلى تجريم تشجيع
انتشار السكن غير اللائق، دون تساهل في التطبيق الصارم والفعال للقانون في حق
جميع
المتلاعبين.
المملكة المغربية
وإننا لنعتبر أن الجماعة المحلية لا يمكنها القيام بدورها كاملا إلا بتضافر جهودهـا
مع المدرسة والأسرة، باعتبار هذه المؤسسات الثلاث محط عنايتنا الإصلاحية الراسخة لبناء
المجتمع الديمقراطي الحداثي
على
لقد أكدنا بما فيه الكفاية على ضرورة التفعيل الأمثل للميثاق الوطني للتربية والتكوين،
وأكتفي اليوم بالتنبيه بقوة إلى أن هذه السنة هي المنعطف الحاسم لإنجاز هذا الإصلاح
الجوهري، ولن يتأتى ذلك إلا بالإقدام على اتخاذ القرارات الجريئة الضرورية في هذا الشأن،
بكل ما يتطلبه الأمر من الشجاعة والحزم والتطبيق الناجع والملموس على أرض الواقع.
أما بالنسبة للأسرة والنهوض بأوضاع المرأة، فإنني قد أبرزت إشكالها الجوهري
غداة تحملي
الأمانة العظمى لإمارة المؤمنين، متسائلا في خطاب عشرين غشت
لسنة 1999 … كيف يمكن الرقي بالمجتمع والنساء اللواتي يشكلن نصفه، تهدر
حقوقهن ويتعرضن للحيف والعنف والتهميش، في غير مراعاة لما خولهن ديننا الحنيف
من تكريم وإنصاف؟
وفضلا عما اتخذناه من قرارات ومبادرات ذات دلالة قوية للنهوض بأوضاع المرأة
وإنصافها، فإننا لم نتردد في تجنيب المجتمع مغبة الفتنة حول هذه القضية، بتكوين
لجنة استشارية متعددة المشارب والاختصاصات لاقتراح مراجعة جوهرية لمدونة الأحوال
الشخصية، عاملين على تزويدها بتوجيهاتنا السامية باستمرار، إلى أن رفعت إلى نظرنا
السديد حصيلة أعمالها.
وبهذه المناسبة ، نود أن ننوه بجهود رئيسها وأعضائها، معتبرين أن ما عرفته هذه
اللجنة أحيانا من تباين في بعض القضايا، إنما هو من قبيل كون اختلاف العلماء رحمة.
«لقد توخينا في توجيهاتنا السامية لهذه اللجنة، وفي إبداء نظرنا في مشروع مدونة
الأسرة، اعتماد الإصلاحات الجوهرية التالية :
• أولا : تبني صياغة حديثة بدل المفاهيم التي تمس بكرامة وإنسانية المرأة وجعل
مسؤولية الأسرة تحت رعاية الزوجين، وذلك باعتبار «النساء شقائق للرجال في
الأحكام»، مصداقا لقول جدي المصطفى عليه السلام، وكما يروى: «لا يكرمهن
إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم؛
ثانيا : جعل الولاية حقا للمرأة الرشيدة تمارسه حسب اختيارها ومصلحتها
اعتمادا على أحد تفاسير الآية الكريمة القاضية بعدم إجبار المرأة على الزواج بغير
من ارتضته بالمعروف ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف
وللمرأة بمحض إرادتها أن تفوض ذلك لأبيها أو لأحد أقاربها ؛
. ثالثا : مساواة المرأة بالرجل بالنسبة لسن الزواج بتوحيده في ثمان عشرة سنة،
عملا ببعض أحكام المذهب المالكي مع تخويل القاضي إمكانية تخفيضه في الحالات
المبررة، وكذلك مساواة البنت والولد المحضونين في بلوغ سن الخامسة عشرة لاختيار
الحاضن؛
• رابعا : فيما يخص التعدد ، فقد راعينا في شأنه الالتزام بمقاصد الإسلام السمحة
في الحرص على العدل الذي جعل الحق سبحانه يقيد إمكان التعدد بتوفيره، في قوله
تعالى: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ، وحيث أنه تعالى نفى هذا العدل بقوله عز وجل:
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ، كما تشبعنا بحكمة الإسلام
المتميزة بالترخيص بزواج الرجل بامرأة ثانية بصفة شرعية لضرورات قاهرة وضوابط
صارمة، وبإذن من القاضي بدل اللجوء للتعدد الفعلي غير الشرعي في حالة منع التعدد
بصفة قطعية.
ومن هذا المنطلق، فإن التعدد لا يجوز إلا وفق الحالات والشروط الشرعية التالية :
– لا يأذن القاضي بالتعدد إلا إذا تأكد من إمكانية الزوج في توفير العدل على
قدم المساواة مع الزوجة الأولى وأبنائها في جميع جوانب الحياة، وإذا ثبت لديه
المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد ؛
– للمرأة أن تشترط في العقد على زوجها عدم التزوج عليها ، باعتبار ذلك حقا
لها، عملا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «مقاطع الحقوق عند الشروط».
وإذا لم يكن هنالك شرط وجب استدعاء المرأة الأولى لأخذ موافقتها، وإخبار
ورضى الزوجة الثانية بأن الزوج متزوج بغيرها، وهذا مع إعطاء الحق للمرأة المتزوج
عليها في طلب التطليق للضرر.
• خامسا : تجسيد إرادتنا الملكية في العناية بأحوال رعايانا الأعزاء المقيمين بالخارج
لرفع أشكال المعاناة عنهم عند إبرام عقد زواجهم، وذلك بتبسيط مسطرته من خلال
الاكتفاء بتسجيل العقد بحضور شاهدين مسلمين بشكل مقبول لدى موطن الإقامة،
وتوثيق الزواج بالمصالح القنصلية أو القضائية المغربية، عملا بحديث أشرف المرسلين
«يسروا ولا تعسروا
• سادسا : جعل الطلاق حلا لميثاق الزوجية يمارس من قبل الزوج والزوجة، كل
حسب شروطه الشرعية، وبمراقبة القضاء. وذلك بتقييد الممارسة التعسفية للرجل في
الطلاق بضوابط، تطبيقا لقوله عليه السلام : «… إن أبغض الحلال عند الله
الطلاق»
وبتعزيز آليات التوفيق والوساطة بتدخل الأسرة والقاضي، وإذا كان الطلاق بيد
الزوج، فإنه يكون بيد الزوجة بالتمليك. وفي جميع الحالات يراعى حق المرأة المطلقة في
الحصول على كافة حقوقها قبل الإذن بالطلاق، وقد تم إقرار مسطرة جديدة للطلاق
تستوجب الإذن المسبق من طرف المحكمة وعدم تسجيله إلا بعد دفع المبالغ المستحقة
للزوجة والأطفال على الزوج، والتنصيص على أنه لا يقبل الطلاق الشفوي في الحالات
غير العادية
سابعا : توسيع حق المرأة في طلب التطليق لإخلال الزوج بشرط من شروط عقد
الزواج أو للإضرار بالزوجة، مثل عدم الإنفاق أو الهجر أو العنف وغيرها من مظاهر
الضرر، أخذا بالقاعدة الفقهية العامة : لا ضرر ولا ضرار»، وتعزيزا للمساواة والإنصاف
بين الزوجين، كما تم إقرار حق الطلاق الاتفاقي تحت مراقبة القاضي
• ثامنا : الحفاظ على حقوق الطفل بإدراج مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق
عليها المغرب. وضمان مصلحة الطفل في الحضانة من خلال تخويلها للأم ثم للأب ثم لأم
الأم، فإن تعذر ذلك فإن للقاضي أن يقرر إسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية.
كما تم جعل توفير سكن لائق للمحضون واجبا مستقلا عن بقية عناصر النفقة،
والإسراع بالبت في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد ؛
• تاسعا : حماية حق الطفل في النسب في حالة عدم توثيق عقد الزوجية لأسباب
قاهرة، باعتماد المحكمة البيانات المقدمة في شأن إثبات البنوة، مع فتح مدة زمنية من
خمس سنوات لحل القضايا العالقة في هذا المجال رفعا للمعاناة والحرمان عن الأطفال
في مثل هذه الحالة؛
• عاشرا : تخويل الحفيدة والحفيد من جهة الأم، على غرار أبناء الإبن حقهم في
حصتهم من تركة جدهم ، عملا بالاجتهاد والعدل في الوصية الواجبة؛
• حادي عشر: أما فيما يخص مسألة تدبير الأموال المكتسبة من لدن الزوجين
خلال فترة الزواج، فمع الاحتفاظ بقاعدة استقلال الذمة المالية لكل منهما، تم إقرار
مبدإ جواز الاتفاق بين الزوجين في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج، على وضع إطار
لتدبير واستثمار أموالهما المكتسبة خلال فترة الزواج. وفي حالة عدم الاتفاق يتم
اللجوء إلى القواعد العامة للإثبات بتقدير القاضي لمساهمة كلا الزوجين في تنمية
أموال الأسرة.
دة
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين، 3 القضائية
مينة
إن الإصلاحات التي ذكرنا أهمها لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها انتصار لفئة
على أخرى، بل هي مكاسب للمغاربة أجمعين، وقد حرصنا على أن تستجيب للمبادئ
والمرجعيات التالية :
– لا يمكنني بصفتي أميرا للمؤمنين أن أحل ما حرم الله وأحرم ما أحله؛
– الأخذ بمقاصد الإسلام السمحة في تكريم الإنسان والعدل والمساواة والمعاشرة
بالمعروف وبوحدة المذهب المالكي والاجتهاد الذي يجعل الإسلام صالحا لكل
زمان ومكان لوضع مدونة عصرية للأسرة منسجمة مع روح ديننا الحنيف
– عدم اعتبار المدونة قانونا للمرأة وحدها، بل مدونة للأسرة أبا وأما وأطفالا،
والحرص على أن تجمع بين رفع الحيف عن النساء وحماية حقوق الأطفال وصيانة
كرامة الرجل. فهل يرضى أحدكم بتشريد أسرته وزوجته وأبنائه في الشارع أو
بالتعسف على ابنته أو أخته؟
– وبصفتنا ملكا لكل المغاربة، فإننا لا نشرع لفئة أو جهة معينة، وإنما نجسد
الإرادة العامة للأمة التي نعتبرها أسرتنا الكبرى.
وحرصا على حقوق رعايانا الأوفياء المعتنقين للديانة اليهودية، فقد أكدنا في مدونة
الأسرة الجديدة أن تطبق عليهم أحكام قانون الأحوال الشخصية المغربية العبرية.
وإذا كانت مدونة 1957 قد وضعت قبل تأسيس البرلمان وعدلت سنة 1993 خلال
فترة دستورية انتقالية بظهائر شريفة، فإن نظرنا السديد ارتأى أن يعرض مشروع
مدونة الأسرة على البرلمان لأول مرة لما يتضمنه من التزامات مدنية، علما بأن مقتضياته
الشرعية هي من اختصاص أمير المؤمنين.
وإننا لننتظر منكم أن تكونوا في مستوى هذه المسؤولية التاريخية، سواء باحترامكم
لقدسية نصوص المشروع المستمدة من مقاصد الشريعة السمحة ، أو باعتمادكم لغيرها
من النصوص التي لا ينبغي النظر إليها بعين الكمال أو التعصب، بل التعامل معها
بواقعية وتبصر باعتبارها اجتهادا يناسب مغرب اليوم، في انفتاح على التطور الذي نحن
أشد ما نكون تمسكا بالسير عليه بحكمة وتدرج بيه
وبصفتنا أميرا للمؤمنين، فإننا سننظر إلى عملكم في هذا الشأن من منطلق قوله
تعالى : وشاورهم في الأمر ، وقوله عز وجل: «فإذا عزمت فتوكل على الله».
وحرصا من جلالتنا على توفير الشروط الكفيلة بحسن تطبيق مدونة الأسرة، وجهنا
رسالة ملكية إلى وزيرنا في العدل، وقد أوضحنا فيها أن هذه المدونة، مهما تضمنت من
عناصر الإصلاح، فإن تفعيلها يظل رهينا بإيجاد قضاء أسري عادل وعصري وفعال، لا
سيما وقد تبين من خلال تطبيق المدونة الحالية أن جوانب القصور والخلل لا ترجع فقط
إلى بنودها، ولكن بالأحرى إلى انعدام قضاء أسري مؤهل ماديا وبشريا ومسطريا لتوفير
كل شروط العدل والإنصاف، مع السرعة في البت في القضايا والتعجيل بتنفيذها.
كما أمرناه بالإسراع بإيجاد مقرات لائقة لقضاء الأسرة بمختلف محاكم المملكة،
والعناية بتكوين أطر مؤهلة من كافة المستويات، نظرا للسلطات التي يخولها هذا
المشروع للقضاء، فضلا عن ضرورة الإسراع بإحداث صندوق التكافل العائلي.
كما أمرناه أيضا بأن يرفع إلى جلالتنا اقتراحات بشأن تكوين لجنة من ذوي
الاختصاص لإعداد دليل عملي يتضمن مختلف الأحكام والنصوص والإجراءات المتعلقة
بقضاء الأسرة، ليكون مرجعا موحدا لهذا القضاء وبمثابة مسطرة لمدونة الأسرة، مع
العمل على تقليص الآجال المتعلقة بالبت في تنفيذ قضاياها الواردة في قانون المسطرة
المدنية الجاري به العمل.
كما يتعين القيام بحملة إعلامية موسعة لتوعية كل الفئات الشعبية بأهمية هذا
الإصلاح، بمشاركة الفعاليات الفقهية والفكرية والسياسية.
ومهما كانت أهمية القضايا المعروضة عليكم، فإن القضية الوطنية المقدسة
للوحدة الترابية للمملكة، تظل في صدارة ما يتعين أن نعبي أنفسنا جميعا له، داعين
إياكم إلى تفعيل الدبلوماسية البرلمانية في الدفاع عنها في كل المحافل والمناسبات بكل
إقدام وفعالية، منوهين بالإسهام القوي لممثلي الأقاليم الجنوبية في المؤسسات المنتخبة،
المؤكد لانخراطهم في توجهنا الوطني لتدبير شؤونهم المحلية بصفة ديمقراطية، في إطار
الوحدة الوطنية والترابية للمملكة وتراص صفوف شعبنا العزيز حولها بقيادة جلالتنا.
وإني لعازم على المضي بكل الإصلاحات الجوهرية بمشاركة كل الطاقات الحية،
وفي مقدمتها الشباب، لترسيخ روح المواطنة الإيجابية لديه، بالإسهام في بناء مغرب
الديمقراطية والتضامن والتنمية الذي نجدد التأكيد على جعل هذه السنة سنة تقوية
ركائزه الكبرى، ألا وهي الأسرة المستقرة والمدرسة الرائدة والجماعة المعبأة لخدمة
الصالح العام وتوطيد أركان الدولة الديمقراطية القوية بمؤسساتها الفعالة
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
عاهم سلطة القضائية
الخطاب الساميي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2004 – 2005
من الولاية التشريعية السابعة
08 أكتوبر 2004
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة أعضاء البرلمان
إننا نعتبر افتتاحنا الدستوري للسنة التشريعية، فرصة لمخاطبة النخبة النيابية والسياسية،
ومن خلالها شعبنا الأبي، حول قضاياه الكبرى. كما أن حرصنا المتجدد على تبادل المشورة
معكم في أحوال الأمة، لا يعادله إلا شعورنا القوي، بجسامة الأمانة، والتزامنا بمنهجيتنا
في الحكم التي تجعلنا نتوخى إشراك البرلمان في بلوغ الهدف الأسمى لبناء مغرب ديمقراطي
موحد ، منتج وتضامني، متقدم ومنفتح.
ونود أن نعرب عن اعتزازنا بإجماع كل مكونات الشعب المغربي حول التوجهات الاستراتيجية
، مكونات الشـ
التي حددناها في خطاب العرش. كما نشيد باستعداد الأحزاب السياسية للانخراط فيها ،
وتجاوبها مع حرصنا على نهوضها بدورها الأساسي في التوعية والتأطير ، وتكوين نخبة مؤهلة
لتدبير الشأن العام ورفع التحدي المصيري للتنمية الشاملة ، بالمنهج الحضاري للديمقراطية
الحقة، لذلك ارتأينا أن نركز خطابنا على تقوية دور الأحزاب، بإيجاد إطار تشريعي جديد
وفعال يستمد فيه الحزب شرعيته القانونية من مشروعيته الديمقراطية. ويأتي بإجابات
جماعية متميزة عن قضايا مجتمعية عريضة، وليس تلبية لمطامح شخصية أو فئوية ضيقة.
إن من شأن هذا القانون الذي ندعوكم للتداول فيه وإقراره، خلال هذه السنة
التشريعية، أن يساعد على عقلنة وتجديد، وتحصين المشهد السياسي الوطني، وتحفيز
الأحزاب المتجانسة على الاتحاد في أقطاب قوية. كما أنه يعد تجسيدا لحرصنا على توطيد
التحديث المؤسسي، بما يكفل عدم إضرار التعددية الحزبية العشوائية، بالقطبية السياسية
الفعالة، بل إننا نتوخى من هذا القانون أن يساهم في تمكيننا في أفق انتخابات 2007، من
التوفر على خارطة سياسية واضحة تتيح لنا وفقا لنتائج الاقتراع، إناطة المسؤولية الحكومية
بأغلبية برلمانية منسجمة في برامجها وقطبيتها ، على أن تقوم الأقلية بدور المعارضة البرلمانية
البناءة، في احترام لحقوقها.
بيد أن هذا القانون المؤسس يظل غير كاف ما لم يواكبه برنامج تعاقدي للتأهيل
الشامل للمشهد السياسي والإعلامي، برنامج تكون الدولة شريكة لهيئاته ووسائطه،
بمدها إياهم بوسائل العمل، وذلك في مراعاة لإشعاعها ولتمثيليتها النيابية المستمدة من
نظام انتخابي فعال وملائم، وفي نطاق احترام إحداثها وبرامجها وطرق تمويلها وتسييرها
وأنظمتها الداخلية للديمقراطية والشفافية. وكل ذلك في ظل سيادة القانون ومراقبة
القضاء.
،
وكما أكدنا على ذلك في خطاب العرش ، فإننا حريصون على أن يتمخض هذا القانون
عن توافق إيجابي يسمو به إلى أعلى الدرجات، وعن تشاور واسع وبناء، يجسد غيرتنا على
هيئاتنا السياسية، ونبذنا للتحامل المجاني عليها ، أو التنكر الرخيص لها. فكل الأحزاب
الوطنية قد ساهمت، سواء من موقع الأغلبية أو المعارضة في توطيد صرح الدولة الحديثة
للحق والمؤسسات في نطاق الملكية الدستورية. إن هذا المشروع الذي نعتبره لبنة أساسية
للسير قدما بالانتقال الديمقراطي إلى الأمام، يقتضي تأهيل العمل النيابي، بتجاوز البرلمانية
التمثيلية الكلاسيكية إلى البرلمانية العصرية، وذلك بترسيخ ممارسة برلمانية مواطنة، ترفض
المزايدات السياسوية العقيمة برلمانية ناجعة تشجع الشراكة مع الفاعلين العموميين والخواص.
وإننا لندعوكم إلى الإسهام من خلال ديبلوماسية نيابية فعالة ومنفتحة، في الإشعاع الدولي
للمغرب، والدفاع عن مصالحه العليا. فالبرلمانية الجديدة هي فضاء لممارسة السياسة باعتبارها
فن الممكن ، ولغة الحقيقة والمعقول». وليست مجالا للشعبوية والديماغوجية. وذلكم هو
باب والديماغوجية وذلكـ
سبيلنا الوحيد لتحقيق مصالحة المغاربة مع العمل السياسي النبيل
وستظل الديمقراطية السياسية صورية وهشة ، إذا لم تدعمها التعبئة والمشاركة المكثفة
لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية قوية ومستديمة، بل إن أعداء الديمقراطية قد
يوظفون ما توفره من حريات للقضاء عليها ، مستغلين بؤس المحرومين ويأسهم.
ومن ثمة ، كان تركيزنا على أن يتواكب التحديث السياسي، بمكاسبه الهامة في مجال
ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، مع إصلاحات كبرى في مجال تفعيل التضامن الاجتماعي
وتوطيد التحديث الاقتصادي. وفي هذا السياق، فإننا نعتبر أن المناخ العام مناسب أكثر من
أي وقت مضى، قصد إعطاء الإقلاع الاقتصادي وتيرته القصوى لتحقيق نمو اقتصادي قوي
وقار، موفر لفرص الشغل المنتج للشباب. وإننا لندعو الحكومة وكل الفاعلين إلى اغتنام
هذه الفرصة التاريخية، واثقين من توفرنا على العزيمة الراسخة، والمؤهلات الضرورية للنجاح
ولكسب رهاناتها ، مستشعرين بأن الظرفية الوطنية والدولية، بالرغم من مصاعبها وطوارئها
لا تسمح لنا بإخلاف موعدنا التاريخي مع هذا التحدي المصيري.
كما نحث الحكومة على مواصلة مضاعفة الجهود لإزاحة كل العوائق أمام حاجة
البلاد الملحة لتحفيز الاستثمار المنتج، والتوظيف الأمثل لكل الإمكانات والطاقات المتاحة لنا ،
داخل وخارج البلاد، والإقدام على اتخاذ القرارات الشجاعة والصائبة التي تتطلبها المعضلات
الاقتصادية والاجتماعية الكبرى للبلاد. وبذلكم تجسد توجهنا الراسخ نحو السير بالإقلاع
الاقتصادي دوما إلى الأمام، ضمن رؤية واضحة وتقدم موصول إلى الأعلى، لا رجعة فيه.
كما يتعين على الحكومة، اتخاذ القرارات الحكيمة والجريئة التي تتطلبها المصلحة
العليا للوطن والمواطنين من خلال ابتكار حلول جريئة ومسؤولة، للمعادلات الوطنية الصعبة.
معادلات التوفيق بين الحفاظ على التوازنات المالية والاجتماعية، وبين إكراهات أعباء التسيير
الاستهلاكية، ومستلزمات تمويل الاستثمار المنتج، وأيضا بين دينامية توسيع الحريات العامة
والفردية، وبين متطلبات الحفاظ على النظام العام، تفاديا للفجوة بين التطور الديمقراطي
والواقع الاجتماعي.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين
«
إن على كل المواطنين، أن يتحلوا بروح الالتزام والارتفاع إلى مستوى المرحلة الحالية.
مرحلة من حقنا الاعتزاز بكوننا نضع فيها أركانا عتيدة، لبناء مغرب اليوم والغد. ولكن
من واجبنا اليقظة والتعبئة ، واستشعار أن بلدنا يواجه تحديات استهداف ديمقراطيته وهويته
المتميزة، من طرف الإرهاب والتطرف المحدق بالعالم كله. ومحاولات النيل من وحدته الترابية
من لدن خصومها والأطماع الخارجية، وإعاقة تقدمه من قبل ضعف الإنتاجية، والتنافسية
والتنمية البشرية.
ومهما كانت جسامة هذه التحديات، فإن رفعها رهين بتعبئتنا الشاملة، وعملنا الدؤوب
وصمودنا لبناء مجتمع ديمقراطي تنموي. وهذا ما يشهد به تاريخ المغرب العريق، فقد ظل بفضل
الالتحام الوثيق بين الشعب والعرش، منارة للحرية وقلعة حصينة في وجه الكيد والمؤامرات،
وأطماع الهيمنة، معبأ للدفاع المستميت عن حريته وأمنه ووحدته. كما سيبقى متشبثا بأسلوبه
الحضاري في الحوار والانفتاح، والوفاء بالعهود ، وحسن الجوار، والحرص على استقرار فضائه
الاستراتيجي. وسنواصل قيادة وتعبئة شعبنا الوفي على هذا النهج القويم. وكما أعلنا عن ذلك
في أول خطاب للعرش، فإننا لا نملك عصا سحرية لحل كل المعضلات. بيد أنني أؤكد لشعبي
الأبي، أن لدينا ما هو أقوى من ذلك ، ألا وهو العزم الأكيد والتفاؤل الملتزم بتوجه مستقبلي
واعد ، كفيل بجعل نور الأمل والعمل والاستبشار، يهزم ظلام اليأس والتشاؤم والتخاذل ،
سلاحنا الوحيد هو إرادتنا الراسخة التي هي من إرادة شعبنا ، واثقين في قدرتنا الجماعية على
رفع تحديات الحاضر والمستقبل بالتحام وإقدام وإيمان.
إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
«الحمد
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2008-2007
من الولاية التشريعية الثامنة
12 أكتوبر 2007
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
نفتتح بعون الله وتوفيقه الولاية التشريعية الثامنة التي لا نعتبرها جديدة فقط بانتخاب
مجلس النواب بكامل الشفافية والحرية ، ولكن أيضا في جوهرها. وذلكم اعتبارا لما ننتظره
خلالها من مواصلة تغيير مناهج وبرامج العمل البرلماني والحكومي، غايتنا تعزيز مصالحة
المواطن مع المجالس المنتخبة بجعلها رافعة قوية للتنمية والديمقراطية.
ونتوجه بالتهنئة لأعضاء مجلسكم الموقر، مؤكدين تقديرنا للأحزاب الجادة، ومن
خلالها للمواطنين الذي لم تكن مشاركتهم المواطنة في الانتخاب بروح التنافسية والثقة في
مسارنا السياسي المتقدم لتنحصر في يوم الاقتراع فقط، وإنما ينبغي أن تكون تجسيدا للتعبئة
الدائمة، ولإعادة الاعتبار لنضالية العمل السياسي من قبل كل الفاعلين.
ولن يتأتى ذلك إلا بالقطيعة مع البؤس سياسة وواقعا. فالسياسة بمعناها النبيل، ليست
مجرد حملة انتخابية أو وصلة إشهارية ، بل هي فن الممكن بين الحاجيات والإمكانات، والتوعية
الدائمة للشعب والعمل التنموي الميداني الكفيل بإيجاد حلول ملموسة لمعادلتها الصعبة. فالفرق
بين الواقع والأمل هو العمل ثم العمل ثم العمل الذي جعله الله مقدما على العبادة.
كما أن النيابة عن الأمة ليست امتيازا ، أو ريع مركز، أو حصانة لمصالح شخصية، بل
هي أمانة جسيمة والتزام بالصالح العام.
وتلكم سبيلنا للانخراط الجماعي في البناء الديمقراطي التنموي الذي نحرص على
توسيع فضائه، ليشمل كل القوى الحية للأمة، وفي مقدمتها جاليتنا العزيزة المقيمة بالخارج
التي سنواصل هذا المسار التدريجي لإدماجها في الحياة الوطنية بوضع اللبنة الجديدة لإقامة
المجلس الأعلى الخاص بها.
واستخلاصا للعبرة وتفعيلها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة المحلية والجهوية ، فإنه يجدر
الاستعداد الجيد لها، ليس بالملاسنات الديماغوجية والحسابات الضيقة، وإنما بالتأهيل السياسي
الشامل لكل الفاعلين والمؤسسات والتنظيمات، وخاصة منها الأحزاب السياسية، بتجاوزها
للملاءمة الشكلية مع إطارها القانوني إلى التفاعل مع مستجدات المجتمع المغربي ومتغيراته.
وهذا ما يقتضي من الجميع القرب الدائم من المواطن وانشغالاته، بعيدا عن الإغراءات
الوهمية والوعود التضليلية، المحرفة لقيم الدين والمواطنة.
ويظل هدفنا الأسمى تأهيل كل الفاعلين في أفق الإصلاح المؤسسي الذي يتوخى ترسيخ
التطور الديمقراطي والتنموي بالحكامة الجيدة، وذلك في التزام بمقدسات الأمة وثوابتها.
فعلى الجميع أن ينكب على تحقيق ما هو أهم بالنسبة للمواطن، ألا وهو، بكل
بساطة ، عيـش حـر كريم قوامه وطن موحد ، أمن واستقرار تعليم جيد ، تربية
صالحة ، شغل منتج ، اقتصاد تنافسي، سكن لائق تغطية صحية، إدارة فعالة ونزيهة،
قضاء عادل ومستقل، كرامة موفورة، ومواطنة كاملة ، حقوقا وواجبات.
وإن تلبية هذه المطالب الشعبية التي كانت موضوعا للتنافس الانتخابي، تقتضي تصريفها
في ثلاثة توجهات أساسية للعمل الحكومي والبرلماني ، وهي قضية مصيرية، ومقومات دولة،
وأسبقيات ملحة.
ضائـ
ويعد تحصين الإجماع حول وحدتنا الترابية القضية المصيرية الأولى للوطن والأمة ، إذ يتعين
مواصلة العمل على حشد المزيد من الدعم لمبادرتنا المقدامة وذات المصداقية للحكم الذاتي،
بغية الحسم الدولي النهائي للمنازعة المفتعلة حول مغربية صحرائنا.
ثانيها توطيد ركائز الدولة القوية بسيادة القانون، والحفاظ على الهوية الوطنية في انفتاح
على العصر، فضلا عن دعم الأمن والاستقرار والتحصين من نوازع التطرف ومخاطر الإرهاب.
وثالثها ، التركيز على ثلاث أسبقيات ،ملحة، وفي مقدمتها ، مواصلة الإصلاحات،
وتعزيز المكاسب السياسية وحقوق الإنسان والمشاريع الهيكلية الكبرى، والإدارة الترابية،
والسياحة والإسكان، والتوازنات الماكرو – اقتصادية، والإنتاجية والتنافسية، وتحديث
القطاعات العمومية، وتحفيز المبادرة الحرة، وتشجيع المقاولة المنتجة، والقطاع الخاص.
وبموازاة ذلك، يتعين إعطاء دفعة قوية لبعض القطاعات، قصد الرفع من وتيرة إنجازها ،
وفي صدارتها كسب الرهان الحيوي للإصلاح العميق للتربية والتكوين الذي يتوقف عليه
مستقبل الأجيال الحاضرة والصاعدة.
وإننا لندعو الحكومة المقبلة لأن تسارع إلى بلورة مخطط استعجالي لتعزيز ما تم تحقيقه،
وتدارك ما فات من خلال التفعيل الأمثل لمقتضيات الميثاق، واعتماد الحلول الشجاعة والناجعة
للمعضلات الحقيقية لهذا القطاع الحيوي، وذلك بتشاور وتنسيق مع المؤسسة الدستورية
التمثيلية للمجلس الأعلى للتعليم.
كما يتعين ترسيخ الحكامة الجيدة بالإصلاح الإداري، وتأهيل وتحديث الاقتصاد للحد
من معضلة البطالة وإيجاد الشغل، مع مواصلة التعبئة حول مبادرتنا الوطنية للتنمية البشرية
لمكافحة الفقر والإقصاء والتهميش.
بيد أن التفعيل الأمثل لهذه الأوراش التنموية لن يستقيم إلا بالجهوية المتقدمة
واللاتمركز الإداري، اللذين نعتبرهما عماد الدولة العصرية.
كما أنه لن يكتمل إلا بإصلاح العدل وتحديثه وتأهيله، دعما لاستقلاله وللأمن
القضائي ولسيادة القانون والتنمية وإننا لعازمون على الإعداد التشاوري الواسع
والمتخصص لميثاق وطني مضبوط للتغيير العميق والشامل للقضاء.
كما يتعين أن تكون من بين الأسبقيات الجديدة ما أكدناه من اعتماد سياسة فلاحية
وطاقية ومائية جديدة. فضلا عن التنمية الترابية الحضرية والقروية.
ويبقى انخراط المواطن في كل مناحي الحياة العامة شرط نجاح أي سياسة أو إصلاح.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
لقد ذكرنا برهانات الولاية التشريعية نهوضا بالأمانة العظمى الملقاة على عاتقنا ، ومن
ائلة المطمى الملقاة على
خلال الوقوف الميداني على أحوال شعبنا الأبي بكل فئاته وبمختلف جهات المملكة.
ونهوضا بأمانتنا في السهر على حسن سير المؤسسات الدستورية، فمن واجبي التأكيد
على أنه بقدر حرصنا على تكوين حكومة متراصة ومنسجمة، مدعومة من قبل أغلبية برلمانية
وتحاسبها معارضة بناءة، فإننا نريد برلمانا أكثر فعالية.
برلمانا يمارس بنجاعة كافة اختصاصاته التشريعية والرقابية والتمثيلية، يشكل
قدوة للمؤسسات الدستورية في نهوضها بصلاحياتها كاملة، فلا شيء يحول دون ذلك
إلا في نطاق الدستور وفصل السلط وتوازنها وتعاونها الذي نحن على تكريسه ساهرون.
برلمانا يساهم في زيادة الإشعاع الدولي للمغرب مستحضرا كل الاستحقاقات المقبلة،
ومنها دخول اتفاقيات التبادل الحر حيز التنفيذ، ورفع تحديات العولمة في انتهاج لدبلوماسية
برلمانية محترفة.
إنه البرلمان الذي يستكمل مصالحة كل المواطنين مع المجالس المنتخبة. وهو ما يتطلب
إجراء قطيعة مع بعض المظاهر والسلوكات المشينة التي تسيء لصورة المؤسسة التشريعية،
وتمس بمصداقية العمل النيابي والسياسي.
اختصاص
كما ينبغي العمل على تفادي أي خلط في الأدوار بين ما هو وطني من صميم
البرلمان، وماهو محلي من صلاحيات الجماعات الترابية، فالبرلمان ليس جماعة محلية.
لذلك، أحرص على أن يظل في قمة الصرح الديمقراطي في انكبابه على السياسات
والقضايا الوطنية الكبرى الداخلية والخارجية.
وبما أنه لا يمكن تصور حياة سياسية ولا نجاعة العمل الحكومي بدون معارضة إيجابية
ومسؤولة، فإنه يجدر الإصغاء لأفكارها متى كانت بناءة، ساعية في سبيل صالح الأمة شأنها
في ذلك شأن الأغلبية.
إن التعارض الحقيقي الذي علينا مواجهته هو بين الديمقراطية والتسلط، والتقدم
والتخلف والعمل والتواكل والانفتاح والانغلاق كر
وفي نفس السياق، وكما أكدت ذلك من أعلى هذا المنبر فإني أدعو للتنسيق والتعاون
بين المجلسين في اتجاه عقلنة وترشيد عملهما ، باعتبارهما برلمانا واحدا تتكامل فيه الأدوار،
وليس برلمانين مختلفين.
لقد قطع المغرب الكثير من الأشواط في مساره السياسي المتقدم، وتغلب على العديد من
الأزمات والمعضلات، وذلك بفضل قيادتنا الحازمة، ومنهجنا في الحكم، وجهود وتضحيات
جميع المغاربة وانخراطهم في الأوراش التنموية التي أطلقناها سلاحنا الذي لا يقهر هو الخيار
الديمقراطي الذي لا رجعة فيه.
وسأظل، كما عهدتموني، الخديم الأول للشعب المغربي الأبي، الساهر الأمين على ثوابت
الأمة ومقدساتها ، حريصا على الوقوف الميداني على إنجاز الإصلاحات الهيكلية الكبرى،
التزاما مني بعهد البيعة المقدسة.
والله تعالى نسأل في هذه الأجواء الروحانية ، لشهر رمضان الفضيل أن يعينكم، ويسدد
على طريق الخير والصالح العام خطاكم للنهوض بمسؤولياتكم الجسيمة.
فهنيئا لكم ولشعبنا الوفي بعيد الفطر السعيد، أعاده الله علينا جميعا، ونحن بأماناتنا
قائمون ولعهودنا راعون. فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى ور.
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
«الحمد
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2010-2009
من الولاية التشريعية الثامنة
09 أكتوبر 2009
لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
نتولى افتتاح هذه السنة التشريعية، إثر مسلسل انتخابي، أفضى إلى تجديد مجالس
الجماعات المحلية، وهيئات الغرف المهنية والمأجورين وثلث مجلس المستشارين.
وعلى أهميتها ، فهذه الاستحقاقات ليست إلا شوطا في بناء ديمقراطي، ومهما كانت
مصاعب مساره، فإننا ماضون في تعهده بالتطوير تحصينا لمكاسب هامة لا رجعة فيها،
وتقويما لما قد يشوبه من اختلالات لا هوادة في محاربتها بالإرادة الحازمة، والتعبئة الفعالة.
هدفنا الجماعي الارتقاء بالعمل الديمقراطي إلى ثقافة راسخة ، ومواقف نابعة من اقتناع
عميق، بدل اختزاله في مساطر شكلية أو مزايدات جانبية عابرة، وذلك على حساب ما هو
أهم بالنسبة للوطن والمواطنين.
ن والمو
على للسلطة القضاء
إنه جعل المؤسسات المنتخبة، وعلى رأسها البرلمان، حصنا لما نريده لبلادنا من ديمقراطية
حقة، ورافعة لما نتوخاه لها من تنمية شاملة ومواطنة كريمة ووحدة عتيدة.
ويندرج خطابنا في مرحلة متميزة بإطلاق وتسريع العديد من الإصلاحات الجوهرية
للحكامة الجيدة والأوراش التنموية الهيكلية.
كما يأتي في ظرفية دقيقة مطبوعة بأزمة مالية واقتصادية عالمية. وهذا ما يقتضي
انخراطكم الإيجابي في المجهود الوطني الجماعي لمواجهة تداعياتها السلبية، ولجعلها حافزا
على الإقدام على الإصلاحات والتقويمات اللازمة.
وفي خضم هذا السياق الوطني والعالمي، أصبحت القضايا الاقتصادية والاجتماعية
تتصدر انشغالات المواطنين والمؤسسات.
كما تعد
البناء.
محور السياسات العمومية، وجوهر الممارسة الحزبية الجادة، والعمل البرلماني
وهو ما يتطلب تمكين بلادنا من هيئات للحكامة التنموية، تعزيزا لديمقراطية المشاركة
التي جعلت المغرب نموذجا لانخراط القوى الحية للأمة في تدبير الشأن العام.
ولهذه الغاية، نؤكد الضرورة الملحة لاعتماد الإطار القانوني للمجلس الاقتصادي
والاجتماعي.
وفي هذا الصدد، يتعين الحرص على إقامة هذا المجلس وتفعيله في نطاق من التناسق
والتكامل بين مختلف المؤسسات الوطنية.
هدفنا انبثاق نموذج مغربي لمجلس اقتصادي واجتماعي يشكل بجودة آرائه الاستشارية،
هيئة دستورية للخبرة والدراية بشأن القضايا التنموية الكبرى للأمة.
ومن هنا ، فإن فعاليته ومصداقيته تظل رهينة بتشكيلة معقلنة تتكون من خبراء وفاعلين
مشهود لهم بالكفاءة في المجالات التنموية.
كما أن تعددية تركيبته، تقتضي تمثيله للقوى الحية والمنتجة من هيئات سوسيو-
اقتصادية ومهنية، وفعاليات جمعوية مؤهلة، فضلا عن الحضور المناسب للمرأة في عضويته.
وتجسيدا لإرادتنا في إشراك كافة الكفاءات المغربية، أينما كانت في هذا المجلس، فإنه
يتعين أن ينفتح على الطاقات الوطنية داخل الوطن وخارجه.
مين على للسلطة القضائية
معشر البرلمانيين المحترمين
إننا ننتظر من هذا المجلس أن يشكل هيئة يقظة ، وقوة اقتراحية في كل ما يخص التوجهات
والسياسات العمومية الاقتصادية والاجتماعية، والمرتبطة بالتنمية المستدامة.
كما نريده إطارا مؤسسيا للتفكير المعمق والحوار البناء بين مختلف مكوناته لإنضاج
التعاقدات الاجتماعية الكبرى.
أما الحوار الاجتماعي اللازم لتسوية نزاعات الشغل المطلبية ، فله فضاءاته الخاصة؛ حيث
يظل شأنا يتعين على الأطراف المعنية، والسلطات المختصة معالجته بروح المسؤولية، والغيرة
على المصلحة الوطنية العليا.
وعلى الأمد المنظور يجدر بالمجلس أن يضع في صدارة عمله بلورة ما دعونا إليه من إعداد
ميثاق اجتماعي جديد ، وكذا إبداء الرأي في تناسق وتفاعل المخططات التنموية والسياسات
القطاعية وتعميق بعدها الجهوي.
كما نوجه الحكومة لاتخاذ تدابير الملاءمة الكفيلة بضمان عدم تداخل أو تضارب
اختصاصات المجلس مع صلاحيات الهيئات العاملة في نفس المجال.
وكما تعلمون، فإن المجلس الاقتصادي والاجتماعي هيئة استشارية للجهازين التنفيذي
والتشريعي.
لذا، فإن حرصنا على الرفع من فعالية عملهما يجعلنا نتوخى من المجلس الجديد على
الخصوص، إغناء الأداء البرلماني والحكومي بخبرته ومشورته.
وتظل غايتنا المثلى تعزيز مكانة البرلمان ومصداقيته. وهذا ما يقتضي منكم ارتباطا أقوى
بالقضايا التنموية الكبرى للوطن والمواطنين.
وإننا بتفعيل هذا المجلس الجديد، نضع لبنة أخرى على درب دعم الحكامة التنموية التي
نريدها دعامة أساسية لترسيخ المواطنة الكريمة والفاعلة.
كما نتوخى منها توطيد التضامن الوطني والعدالة الاجتماعية، وعمادها مواصلة تقويم
والعد الـ
منظومة التعليم، وذلك بتعميق الوعي بأهمية التقدم الذي تم إحرازه ، وجسامة الطريق الطويل
التي تقتضي جهودا دؤوبة وإيمانا قويا بالدور الحاسم للمدرسة الوطنية، قوام تكافؤ الفرص
والتربية على المواطنة الصالحة، ومنجم التنمية البشرية.
وبموازاة ذلك، سنواصل تعزيز ما حققناه من مكاسب هامة في مجال الحكامة
المؤسسية التي ما فتئنا نعمل على الارتقاء بها ؛ ولا سيما بالإصلاح الجوهري للقضاء
وبالجهوية المتقدمة، واللاتمركز الواسع. وتلكم هي المقومات الأساسية للإصلاح
المؤسسي العميق المنشود.
إن مغربا جديدا ينبثق من هذه الدينامية الإصلاحية المقدامة التي أطلقناها ونرعاها بالمتابعة
والتقويم والاستكمال. وبروح الغيرة على حرمة البرلمان، نؤكد لكم أن مصداقية عملكم،
رهينة بانخراطكم القوي في إنجاح ما نقوده من إصلاحات أساسية، والتحرك الفعال للدفاع
عن مغربية الصحراء.
«
وهذا ما يقتضي منكم انتهاج المبادرات المثمرة والنقاش الجاد والتشريع المتقدم والمراقبة
البناءة. وستجدون خديم المغرب الأول في طليعة العاملين على ترسيخ بناء مغرب الوحدة والتقدم
والاستقرار والسيادة الكاملة والكرامة الموفورة.
رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2011 – 2010
من الولاية التشريعية الثامنة
08 أكتوبر 2010
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
نتولى رئاسة افتتاح هذه السنة التشريعية في سياق مطبوع بإرادتنا الحازمة، لإعطاء دفعة
قوية للدينامية الإصلاحية، الهادفة لاستكمال بناء النموذج التنموي المغربي المتميز؛ وذلك في
تجاوب عميق، مع تطلعات شعبنا الوفي.
هدفنا الأسمى، توطيد تقدم بلادنا ، وصيانة وحدتها ، وضمان المزيد من مقومات العيش
الكريم لمواطنينا ، بمنجزات تنموية ، لا نفرق بين مشاريعها الكبرى والمتوسطة والصغرى،
اعتبارا لخدمة كل منها للوطن والمواطنين، ولا سيما الشباب والفئات، والجهات المعوزة.
المعر
ہے
منهجنا في ذلك، سياسة القرب والمشاركة، القائمة على تعبئة كل الطاقات، وإطلاق
شتى المبادرات، والتفعيل الأمثل لكل المجالس المنتخبة التي يتبوأ فيها البرلمان مكانة الصدارة.
بيد أن هذه المكانة النيابية المتميزة، تسائل الجميع إلى أي مدى ينهض البرلمان بدوره
لى أى مدى ينهضر
كاملا، كرافعة ديمقراطية لنموذجنا التنموي؟
وإذا كان من الإنصاف تقدير ما أسفرت عنه جهودكم ، من حصيلة تشريعية إيجابية،
فإن طموحنا ، وطموح شعبنا العزيز، يظل هو الارتقاء بمجلسي النواب والمستشارين، مؤسسة
وأعضاء، ليكونا في صلب هذه الدينامية الإصلاحية.
«
فعلى مستوى المؤسسة البرلمانية، سبق في أول خطاب لنا أمامها، التأكيد على أن تحسين
أداء البرلمان، يقوم على اعتبار مجلسيه برلمانا واحدا ، بغرفتين وليس برلمانين منفصلين. وهو
ما يتطلب من الأحزاب والفرق النيابية ، الأخذ بحكامة برلمانية جيدة، عمادها التشبع بثقافة
سياسية جديدة، وممارسة نيابية ،ناجعة قائمة على تعزيز حضور الأعضاء، وجودة أعمالهم،
ومستوى إسهامهم، في معالجة الانشغالات الحقيقية للشعب.
ولهذه الغاية، نجدد التأكيد على وجوب عقلنة الأداء النيابي بالانطلاق من تجانس
النظامين الداخليين للمجلسين والنهوض بدورهما في انسجام وتكامل كمؤسسة واحدة،
هدفها المشترك، جودة القوانين والمراقبة الفعالة، والنقاش البناء، للقضايا الوطنية،
وخصوصا منها الحكامة الترابية، وتحصين وتعزيز الآليات الديمقراطية والتنموية.
أما على مستوى النائب البرلماني، فإن الانخراط في المسار الإصلاحي، يقتضي منكم ألا
تنسوا أنكم تمثلون ، داخل قبة البرلمان الإرادة الشعبية، قبل كل شيء. ومن ثم، فإن عضوية
البرلمان ليست امتيازا شخصيا ، بقدر ما هي أمانة تقتضي الانكباب الجاد ، بكل مسؤولية
والتزام على إيجاد حلول واقعية، للقضايا الملحة للشعب. إنها بالأسبقية قضايا التعليم النافع،
والسكن اللائق والتغطية الصحية والبيئة السليمة، وتحفيز الاستثمار، المدر لفرص
الشغل، والتنمية البشرية والمستدامة. ولهذه الغاية، يتعين ترسيخ علاقات تعاون إيجابي، بين
الجهازين التشريعي والتنفيذي، وبين أغلبية متضامنة ، ومعارضة بناءة، في نطاق الاحترام
المتبادل، والالتزام المشترك بأحكام الدستور، وبالقيم الديمقراطية، وحرمة المؤسسات،
والمصالح العليا للوطن.
معشر البرلمانيين المحترمين
تجسيدا لعزمنا الراسخ على توطيد سلطة الدولة، على دعائم سيادة القانون، وسمو
القضاء الفعال، فإننا نؤكد على أن المفهوم الجديد للسلطة الذي أطلقناه، في خطابنا
المؤسس له، بالدار البيضاء، في أكتوبر 1999، يظل ساري المفعول.
فهو ليس إجراء ظرفيا لمرحلة عابرة، أو مقولة للاستهلاك، وإنما هو مذهب في
حه ومن
الحكم، مطبوع بالتفعيل المستمر، والالتزام الدائم بروحه ومنطوقه. كما أنه ليس
تصورا جزئيا ، يقتصر على الإدارة الترابية، وإنما هو مفهوم شامل وملزم لكل سلطات
الدولة وأجهزتها ، تنفيذية كانت أو نيابية أو قضائية. لذلك، سيظل خديمك الأول،
شعبي العزيز، ساهرا على رعايته، حريصا على حسن تفعيله، من طرف كل ذي
سلطة، بالآليات القانونية للمتابعة والمحاسبة والجزاء، وذلك في ظل القضاء النزيه.
وهنا نؤكد أن السلطة القضائية، بقدر ما هي مستقلة عن الجهازين التشريعي
والتنفيذي، فإنها جزء لا يتجزأ من سلطة الدولة. فالقضاء مؤتمن على سمو دستور
المملكة، وسيادة قوانينها ، وحماية حقوق والتزامات المواطنة. وفي هذا الصدد، نلح
على أن حسن تنفيذ مخططنا ، للإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، لا ينحصر
فقط في عمل الحكومة والبرلمان، وإنما هو رهين، أساسا، بالأداء المسؤول للقضاة.
وعلى غرار مبادرتنا للمفهوم الجديد للسلطة، الهادف لحسن تدبير الشأن العام، فقد
قررنا أن نؤسس
رسس لمفهوم جديد لإصلاح العدالة، ألا وهو «القضاء في خدمة المواطن». وإننا
نتوخى من جعل «القضاء في خدمة المواطن»، قيام عدالة متميزة بقربها من المتقاضين،
وببساطة مساطرها وسرعتها، ونزاهة أحكامها، وحداثة هياكلها ، وكفاءة وتجرد
قضاتها، وتحفيزها للتنمية والتزامها بسيادة القانون، في إحقاق الحقوق ورفع المظالم.
،
السيدات والسادة أعضاء البرلمان،
في ظرفية مشحونة بتداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، وسياق وطني مطبوع
بإصلاحات عميقة ، فإننا ننتظر منكم الانخراط القوي في بلورتها ، بتشريعات متقدمة،
ومراقبة ناجعة.
• فعلى مستوى المرحلة الراهنة، يظل مشروع القانون المالي لحظة قوية في تكريس العمل
البرلماني الفعال. فالأمر لا يتعلق بالمناقشة والتصويت على مجرد موازنة حسابات وأرقام، بل
بالتجسيد الملموس للاختيارات والبرامج التنموية الكبرى للبلاد. لذا، يجدر بكم التحلي
بروح المسؤولية، والتعاون المثمر مع الحكومة، لإيجاد حلول ناجعة ، للمعادلة الصعبة، لضرورة
الحفاظ على التوازنات الأساسية ودينامية التنمية، في ظل إكراهات محدودية الإمكانات.
. أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الدفاع عن مغربية صحرائنا الذي يظل قضيتنا
المقدسة، يتطلب منكم جميعا التحرك الفعال والموصول، في كافة الجبهات والمحافل،
المحلية والجهوية والدولية ، لإحباط المناورات اليائسة لخصوم وحدتنا الترابية.
،
كما تقتضي منكم إذكاء التعبئة الشعبية الشاملة ، واتخاذ المبادرات البناءة، لكسب
المزيد من الدعم لمقترحنا المقدام للحكم الذاتي، وذلك في إطار دبلوماسية برلمانية وحزبية ،
متناسقة ومتكاملة مع العمل الناجع للدبلوماسية الحكومية. وحرصا منا على إغناء مساهمة
البرلمان في المجهود التنموي، فإننا ننتظر منكم، الإفادة المثلى من الآراء الاستشارية الوجيهة
للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي سيتم تنصيبه، بعون الله، إثر استكمال تركيبته.
كما ندعوكم لإعطاء الأسبقية لإعداد واعتماد القانون الإطار للبيئة والتنمية المستدامة،
باعتبارهما عماد ضمان حاضر ومستقبل تقدم بلادنا.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
إن عليكم استشعار أن حصيلة عملكم الفردية والحزبية، سيتم تقييمها، في نهاية
انتدابكم على أساس ما تم تحقيقه من إنجازات تنموية ملموسة.
وذلكم هو السبيل القويم، لاستعادة العمل السياسي والبرلماني لنبله ، وللأحزاب اعتبارها ،
للنهوض بدورها الدستوري في الإسهام في حسن تأطير وتمثيل المواطنين، وإعداد النخب
المؤهلة لتدبير الشأن العام، وكذا التربية على المواطنة المتشبعة ، بالغيرة على مقدسات الأمة،
والالتزام بقضاياها ومصالحها العليا.
إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2012-2011
من الولاية التشريعية الثامنة
14 أكتوبر 2011
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة أعضاء البرلمان
نخاطبكم اليوم، في سياق يتميز بإقدام بلادنا على تفعيل الدستور الجديد ، بإقامة
مؤسساته وفي صدارتها البرلمان والحكومة.
«
ومن هنا، فإن المناسبة ليست مجرد رئاسة افتتاح دورة تشريعية عادية؛ وإنما هي لحظة
قوية لاستشراف الولاية البرلمانية الأولى في العهد الدستوري الجديد، وتدشين مرحلة
تاريخية، في مسار التطور الديمقراطي والتنموي للمغرب
الديمقـ
المعرب
وهو ما يقتضي من كل الفاعلين في هذا التحول الحاسم، تحمل مسؤوليتهم كاملة ،
ومواصلة الجهود ، لإنجاح الانتخابات النيابية المقبلة، بالالتزام بضوابط نزاهتها ؛ وذلك بروح
الثقة والوضوح والغيرة الوطنية الصادقة.
فالتغيير الجوهري الذي جاء به الدستور، لا بد أن يتجلى في تجديد المؤسسات، بمصداقيتها
الديمقراطية، ونخبها المؤهلة ، وعملها السياسي الناجع والتنموي الملموس؛ الكفيل بتوفير
أسباب العيش الحر الكريم، لكافة أفراد شعبنا الوفي، ولا سيما فئاته المعوزة، وشبابه
الطموح.
وذلكم هو النهج القويم لإعادة الاعتبار للعمل السياسي النبيل، والارتقاء بأداء
المؤسسات إلى مستوى مكانتها الدستورية المتقدمة ؛ وذلك بإرساء ممارسة سياسية
جديدة قوامها النجاعة والتناسق والاستقرار المؤسسي، ونهوض كل سلطة بمسؤوليتها
كاملة، في إطار فصل السلط وتوازنها وتعاونها.
والتزاما بمهامنا الدستورية، في ضمان حسن سير المؤسسات، وصيانة الخيار الديمقراطي؛
فإننا حريصون على أن تعكس المؤسسات الجديدة، روح ومنطوق الدستور، وأن تجسد
طموحنا الجماعي في انبثاق هيئات نيابية وتنفيذية ناجعة :
• عمادها برلمان قوي، معبر عن الإرادة الشعبية الحرة، يمارس صلاحياته التشريعية
الحصرية والرقابية الواسعة ؛ وينهض بدوره الفاعل في المجال الدبلوماسي، خدمة للقضايا
العادلة للأمة، وفي طليعتها قضية وحدتنا الترابية
. وقوامها حكومة فاعلة ، منبثقة عن أغلبية نيابية، متضامنة ومنسجمة، تنهض ورئيسها
بكامل سلطتها التنفيذية، وتتحمل مسؤولية وضع برنامجها ،وتطبيقه، وبلورة أسبقياته،
في سياسات عمومية ناجعة ومتناسقة.
وإيمانا منا بأن النظام الديمقراطي يقوم على حكم الأغلبية وسيادة القانون، بقدر
ما يتأسس على المشاركة الإيجابية للمعارضة البرلمانية، فإن من شأن تفعيل النظام الخاص
بها تمكينها من أن تشكل سلطة رقابية مسؤولة ، وقوة اقتراحية بناءة. بيد أن المصداقية
السياسية للمؤسسات ستظل صورية ما لم تكن رافعة قوية للتقدم الاقتصادي، والتماسك
الاجتماعي والتحديث الثقافي
وهنا يتجلى تميز النموذج المغربي، القائم دوما على تلازم الديمقراطية والتنمية، وعلى نهج
متطور في الحكم، مؤسس على التفاعل الإيجابي مع الدينامية البناءة للمجتمع المغربي، ومع
التحولات الجهوية والدولية ، وذلك بإرادة سيادية خالصة ، وعمل تشاركي وجماعي متواصل،
سيادية خالصة، وعمل ل وصيانة المين
للسلف
وانفتاح على المستجدات العالمية.
وهو ما مكن المغرب من تحقيق إنجازات وإصلاحات كبرى، ومن تدبير تداعيات ظرفية
عالمية اقتصادية ومالية صعبة، يقتضي توالي أزماتها المزيد من اليقظة والحزم والعقلنة.
إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون مبعث ارتياح ذاتي بقدر ما يجب أن يشكل حافزا على
مضاعفة الجهود ، لتوطيد نموذجنا الديمقراطي التنموي الذي لا يستمد قوته من العمل على
تعزيز المكاسب، ومواصلة إنجاز الأوراش التنموية الهيكلية فحسب؛ وإنما بالأسـاس مـن
الانكباب الجاد على إزاحة ما يعترضه من عوائق، والتقويم المستمر لما قد يشوبه من اختلالات؛
والإقدام على ما تقتضيه التحولات من إصلاحات جريئة وعميقة.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
إن السياق الوطني والجهوي والدولي يقتضي استحضار التحديات الكبرى، المؤسسية
والتنموية، للولاية التشريعية المقبلة، والتي يتعين رفعها من قبل كل القوى الحية للأمة، وسائر
الفاعلين السياسيين، كل من موقعه، وخاصة البرلمان والحكومة.
أما التحديات المؤسسية، فتتعلق باستكمال تفعيل الدستور، بإقرار القوانين التنظيمية،
المكملة له؛ باعتبارها المحك الحقيقي لما يفتحه من آفاق ديمقراطية واعدة. وهو ما يجعل
الولاية البرلمانية القادمة، ولاية تأسيسية بامتياز.
كما تشمل هذه التحديات التأهيل الذاتي للأحزاب التي لا ديمقراطية حقة بدونها ؛
وذلك من أجل انبثاق مشهد سياسي معقلن وفعال. وبموازاة ذلك، فإن تفعيل دسترة المشاركة
المواطنة، يمر عبر تعزيز انخراط الفاعلين الجدد، من مواطنين وهيئات المجتمع المدني، ونقابات
وقوى منتجة، ووسائل الإعلام، كشريك بناء، في بلورة وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية،
والمشاريع التنموية والاقتراحات التشريعية.
ويظل الرهان المؤسسي الكبير الذي يتوقف عليه تقدم وتحديث بلادنا ، هو إصلاح وتجديد
هياكل الدولة.
وفي هذا الصدد، يعد إرساء الجهوية المتقدمة من الأوراش الاستراتيجية، لمغرب
الحاضر والمستقبل، ليس لارتباطها بإقامة مجلس المستشارين، ولكن بالأساس لمـا
تتيحه مع اللاتمركز الإداري من حكامة ترابية جيدة، وقرب من المواطن ومن
إمكانات وآفاق واعدة، لتحقيق تنمية بشرية واقتصادية واجتماعية، متوازنة ومتضامنة
ومستدامة. وفي نفس السياق يندرج توطيد عدالة مستقلة، بإقامة المجلس الأعلى للسلطة
القضائية، والمحكمة الدستورية، ومواصلة الإصلاح العميق والشامل للقضاء؛ ترسيخا
لسمو الدستور، وسيادة القانون ومساواة الجميع أمامه، وضمانا للأمن القضائي.
كما أن دمقرطة الدولة والمجتمع، وتحسين مناخ الأعمال، يتطلب انتهاج الحكامة
الجيدة، بتفعيل المبادئ والآليات التي ينص عليها الدستور. وعلى رأسها ربط تحمل
المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة، وتخليق الحياة العامة، بالتصدي لكل أشكال الفساد
والرشوة، والريع الاقتصادي والسياسي والاحتكار، وكذا العمل على ضمان تكافؤ
الفرص، وحرية المبادرة الخاصة، والمنافسة الحرة.
وأما التحديات التنموية، فإن المحك الحقيقي لنجاعة المؤسسات بالنسبة للفئات الشعبية،
هو مدى قدرتها على إحداث نقلة نوعية في الرفع من مؤشرات التنمية البشرية، ولا سيما من
خلال إصلاحات وإنجازات، مقدامة وملموسة، تضع في صلبها تحفيز الاستثمار المنتج، المدر
لفرص الشغل، والسكن اللائق، وتعميم التغطية الصحية، والحفاظ على البيئة، وتوفير
التعليم النافع، بالإصلاح العميق لمنظومة التربية والتكوين، والانخراط في اقتصاد المعرفة
والابتكار، مفتاح تقدم المغرب.
ولن يتأتى ما نتوخاه من نهوض بالعدالة الاجتماعية والمجالية إلا بتعزيز السياسات
الاجتماعية لمحاربة الفقر والإقصاء والتهميش، وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى، والنهوض
بالمساواة بين الرجل والمرأة؛ فضلا عن إيلاء عناية خاصة للعالم القروي، وللمناطق الجبلية
والنائية والمعزولة، وبلورة ميثاق اجتماعي متقدم.
وأمام تزايد الحاجيات الاجتماعية الملحة، وإكراهات الإمكانات المالية، فإن مضاعفة
الجهود للارتقاء بالاقتصاد الوطني إلى عتبة أعلى من التحديث والانفتاح والتنافسية، والنمو
القوي والمستدام، يظل من أهم الرهانات التنموية التي يتعين كسبها ، للارتقاء بالمغرب إلى
مصاف الدول المتقدمة. وهو ما يقتضي اعتماد حكامة تنموية متناسقة، كفيلة بالتفعيل
الأمثل للمخططات القطاعية، ومواصلة الأوراش الهيكلية ؛ وذلك في إطار الحفاظ على
التوازنات الكبرى، ليس الماكرو – اقتصادية والمالية فقط التي أصبحت مبدأ دستوريا ، وإنما
أيضا على التوازنات الاجتماعية باعتبارها جوهر تقدم المجتمع واستقراره وتماسكه.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
سكرة المغربية
إن استحضارنا لبعض التحديات السياسية والتنموية الكبرى، ليس هدفه تقديم إجابات
جاهزة لرفعها.
جلس الأعلى للسلطة القضائية
بل إن إيجاد الحلول الناجعة لها رهين في هذه المرحلة الانتخابية، بتحمل الأحزاب الوطنية
الجادة، لمسؤوليتها السياسية، في تقديم مشاريع مجتمعية واضحة ومتمايزة، وبلورتها في برامج
مضبوطة وناجعة وواقعية، تضع في صلبها الانتظارات الحقيقية للأجيال الحاضرة والصاعدة،
ليتاح للمواطن الاختيار الحر للنخب المؤهلة للنهوض بها.
وعلى ضوء نتائج الانتخابات النيابية القادمة، فإن رفع هذه التحديات، في العهد الدستوري
الجديد، مسؤولية الحكومة والبرلمان بالأساس، بما لهما من صلاحيات تشريعية وتنفيذية
كاملة.
ومن هنا، فإن الحكومة المنبثقة عن أغلبية مجلس النواب المقبل، مسؤولة عن وضع
وتنفيذ برنامج طموح ومضبوط في أسبقياته وأهدافه ووسائل تمويله، وآليات تفعيله وتقويمه.
ومن جهتها، فإن المعارضة البرلمانية مطالبة بالقيام بدورها البناء في المراقبة والمساءلة.
كما أن كسب هذه التحديات وغيرها من الرهانات الكبرى لمغرب اليوم والغد ، يتطلب
تضافر جهود كل المؤسسات والقوى الحية للأمة. فبلادنا ستظل في حاجة إلى طاقات جميع
أبنائها، داخل الوطن وخارجه، للمساهمة البناءة، في توطيد مغرب الوحدة والديمقراطية
والكرامة، والتقدم والتضامن. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
«ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2013-2014
من الولاية التشريعية التاسعة
12 أكتوبر 2012
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة أعضاء البرلمان
نتوجه إليكم، في افتتاح هذه الدورة البرلمانية، وذلك لأول مرة بعد الانتخابات التشريعية
التي جرت في شهر نونبر من السنة الماضية.
ونود في البداية أن نعرب للسيدات والسادة الأعضاء المنتخبين عن خالص تهانينا ، على
الثقة التي وضعها فيهم الناخبون، كما نستحضر معكم بهذه المناسبة الأهمية البالغة التي
أصبح البرلمان يكتسيها في البناء الدستوري للمملكة، وما تقتضيه الممارسة البرلمانية الجديدة
من تحول يجب أن يواكب الإصلاح الدستوري، ويتوخى كسب الرهانات الكبرى التي تنتظر
لإصلاح الدستوري، ويتـ
الولاية التشريعية الحالية.
لقد استجاب كافة المغاربة لمبادرتنا في الاستفتاء على الدستور الجديد الذي تمت صياغته
وفق مقاربة شاملة وتشاركية، فأقبلوا بكثافة على التصويت عليه، في اعتزاز بما قطعوه من
مراحل نحو المزيد من التقدم واستكمال بناء دولة المؤسسات، واثقين في مستقبلهم، وبذلك
كرسنا التجديد المؤسسي الهام الذي عرفت فيه كافة المؤسسات الدستورية تحولات كبرى،
بما في ذلك المؤسسة البرلمانية.
وقد ارتبط تجديد البرلمان بالتطور السياسي والاجتماعي والثقافي الذي عرفه المغرب،
وهو ما مكن المجتمع المغربي، بما هو معهود فيه من رصانة وثقة في الذات، من إعطاء دفعة
جديدة لمسلسل التحديث الذي تعرفه بلادنا ، مع تحسين تمثيلية النساء والشباب، وهو أمر أثلج
صدرنا، بيد أننا تواقون إلى تمثيلية أوسع.
لقد تحقق هذا التجديد على وجه الخصوص بإصلاح دستوري إرادي، تم إنضاجه عبر مسار
طويل، كما تعزز بتأسيس برلمان ،جديد، إن في مستوى مكانته أو في نظامه أو في سلطاته.
وعلاوة على المنزلة الرفيعة التي يحظى بها في الصرح المؤسسي الدستوري، فإنه أضحى مصدرا
وحيدا للتشريع الذي اتسع مجاله. فضلا عما أصبح له من اختصاص في إقرار عدد كبير من
القوانين التنظيمية، الهادفة إلى تفعيل مقتضيات الدستور الجديد، خصوصا ما يتعلق بمواده
الأكثر حساسية واستراتيجية. حتى إنه في بعض الحالات، وبمبادرة ملكية من جلالتنا، فإن
البرلمان يكون مؤهلا للقيام بمراجعة دستورية، دون المرور عبرا
ر الاستفتاء.
وفي نفس السياق، تم تعزيز دور المعارضة البرلمانية كسلطة نافذة ، مع تخويلها وسائل عمل
جديدة، تمكنها من مشاركة أقوى وأكثر مسؤولية في العمل البرلماني.
وتعميقا لدور البرلمان في مجال مراقبة الحكومة، فقد تم تدعيمه دستوريا ، ليتولى مهمة
تقويم السياسات العمومية، وهو ما يفتح آفاقا واعدة أمام إمكانية إدخال التعديلات الملائمة
والضرورية على البرامج في الوقت المناسب، وذلك من أجل ضمان حسن سيرها وإنجاحها.
حضرات السيدات والسادة، لا يخفى عليكم ما يقتضيه هذا التقدم الديمقراطي الوازن
من متطلبات جديدة، كما أن ترجمته على أرض الواقع وتحقيق الجدوى منه، لن يتسنى بدون
المزيد من البذل والعطاء والتحلي بقدر عال من الوعي والتعبئة وإنكار الذات، وهو ما يقتضي
القطيعة مع الممارسات المتجاوزة والتطوير الجذري للممارسة البرلمانية.
ومن المعلوم أن الإقدام على مساءلة الذات في سياق هذا التطور المؤسسي، لن يتم إلا
من لدن البرلمانيين أنفسهم، لذا نهيب بكم ، بصفتنا الحكم الأسمى الساهر على المصالح
العليا للبلاد، أن تتحلوا ، معشر البرلمانيين، بما يلزم من الحزم والشجاعة، في انتهاج هذه
الممارسة المنشودة التي ستضفي قيمة جديدة على عملكم النبيل، في تجاوب مع انتظارات الأمة
ت المال عن ملكم النبيل، في تجاوب من انتظارا
ومتطلبات الدستور الجديد.
وفي هذا الصدد، ندعو البرلمان إلى الانكباب على بلورة مدونة أخلاقية ذات بعد قانوني،
تقوم على ترسيخ قيم الوطنية وإيثار الصالح العام، والمسؤولية والنزاهة، والالتزام بالمشاركة
الكاملة والفعلية في جميع أشغال البرلمان، واحترام الوضع القانوني للمعارضة البرلمانية
ولحقوقها الدستورية، على أن يكون هدفكم الأسمى جعل البرلمان فضاء للحوار البناء،
ومدرسة للنخب السياسية بامتياز. فضاء أكثر مصداقية وجاذبية، من شأنه أن يحقق المصالحة
مع كل من أصيب بخيبة الأمل في العمل السياسي وجدواه في تدبير الشأن العام.
وفي هذا السياق، نود التذكير بكون أعضاء البرلمان يستمدون ولايتهم من الأمة، وأنهم،
بغض النظر عن انتمائهم السياسي والترابي، مدعوون للارتقاء إلى مستوى الصالح العام
وتغليب المصالح العليا للأمة.
كما ندعوكم إلى ترسيخ التعاون الضروري بين مجلسي البرلمان، عبر نظام محكم
مضبوط، وأن تجعلوا من ترشيد علاقات الحوار الدائم والتعاون الوثيق والمتوازن بين الحكومة
والبرلمان، إطارا راسخا، قوامه الاحترام التام لخصوصية كل منهما ومجال اختصاصه.
ونود في نفس السياق، أن نذكر بكون البرلمان أصبح يتوفر على كافة الوسائل من أجل
قيام أعضائه بإعطاء دفعة جديدة لعمله الديبلوماسي والتعاون الدولي من خلال إغناء علاقات
الشراكة التي تربطه بالبرلمانات الأخرى، معززا بذلك حضور بلدنا في المحافل الدولية، لخدمة
مصالحه العليا، وفي طليعتها قضية وحدتنا الترابية.
وبذلك يقع على عاتقكم ، حضرات أعضاء البرلمان، شرف تدشين منعطف تاريخي
جديد، ولنا اليقين بأنكم تستشعرون هذه الأمانة الملقاة على عاتقكم وأنتم تتحملون
مسؤولية ولاية تشريعية مؤسسة ورائدة ، وبإمكانكم أن تجعلوا منها أكثر الولايات
التشريعية إبداعا وعطاء.
أجل فأنتم تحظون بعضوية برلمان في ولاية تشريعية مسؤولة عن بلورة قوانين تنظيمية
جديدة وأخرى عادية، ينتظر منها استكمال مقتضيات الدستور الجديد، على الوجه
الأمثل في القطاعات المنصوص عليها ، وفي إطار هذا المجال الواسع، نود التركيز على
بعض الأولويات.
ففيما يتعلق بإصلاح التنظيم الترابي، والذي يعد من أهم المجالات المهيكلة ، فإنه يتعين
توفير الشروط القانونية والتنظيمية لإقامة مجلس المستشارين في صيغته الدستورية الجديدة،
وذلك بهدف تمكين بلادنا من الجهوية المتقدمة التي نتطلع إليها. وفي هذا الصدد، نهيب بكم
إلى احترام روح ومنطوق مقتضيات الدستور المتعلقة بالجهات وغيرها من الجماعات الترابية،
مع الأخذ بعين الاعتبار الاقتراحات الوجيهة للجنة الاستشارية للجهوية في هذا الشأن.
.
أما الإصلاح القضائي، فاعتبارا لبعده الاستراتيجي، فإنه يتعين، فيما يرجع إلى
مهمة البرلمان، اعتماد القوانين التنظيمية الخاصة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية،
والنظام الأساسي للقضاة. وهنا نود مجددا ، أن ندعوكم إلى الالتزام الدقيق بروح
ومنطوق مقتضيات الدستور المتعلقة بالسلطة القضائية، كما نحث الهيئة العليا للحوار
حول إصلاح المنظومة القضائية، على أن تجعل من استقلاليته الحجر الأساس ضمن
توصياتها .
وفيما يخص هويتنا المنفتحة والمتعددة الروافد ، فقد سبق لنا أن أرسينا دعائمها في خطابنا
الملكي التاريخي بأجدير ، ثم كرسها الدستور الجديد.
وفي هذا الصدد، ينبغي اعتماد القوانين التنظيمية المتعلقة بتفعيل المجلس الوطني للغات
والثقافة المغربية، وكذا تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، بعيدا عن الأحكام الجاهزة
والحسابات الضيقة.
ونود بهذه المناسبة، أن نستحضر دور هيئات الحكامة الجيدة التي بادرنا إلى إنشاء
بعضها وتفعيلها منذ سنوات، والآن، وقد بلغت هذه المؤسسات نضجها ، وتم الارتقاء بها إلى
مستوى المؤسسات الدستورية، فإنه يتعين مراجعة النصوص المنظمة لها ، ووضع الإطار القانوني
للمؤسسات الجديدة، وجعلها جميعا في مستوى القيم والأهداف التي أنشئت من أجلها ، وذلك
طبقا لمقتضيات النصوص الدستورية.
،
وفي الختام، فإننا إذ نستحضر جسامة مسؤولياتكم في تحقيق انتظارات الأمة وترسيخ
ثقة المواطنين في المؤسسة البرلمانية وإعطاء المثل الأعلى في جعل الصالح العام فوق كل اعتبار،
مساهمين بدوركم في ترسيخ النموذج المغربي المتميز في الديمقراطية والتضامن الاجتماعي،
فإننا واثقون بأن تحقيق العظائم رهين بصدق العزائم ، مصداقا لقوله تعالى: « إن يعلم الله في
قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الحمد
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2014 – 2015
من الولاية التشريعية التاسعة
10 أكتوبر 2014
لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
تأتي السنة التشريعية التي نفتتحها اليوم في سياق خاص، قبل عامين من نهاية الولاية
التشريعية الحالية التي حددها الدستور كأجل لإخراج جميع القوانين التنظيمية.
وهي أيضا سنة استكمال البناء السياسي والمؤسسي الذي يوطد المكاسب الاقتصادية
والاجتماعية التي حققها المغرب، في مختلف المجالات، والتي سبق عرضها في خطابي العرش
و 20 غشت.
وكما قلت سابقا ، فنحن نعرف من نكون ، ونعرف إلى أين نسير، كما نعرف مؤهلاتنا ،
وما يواجهنا من صعوبات وتحديات.
لقد وصل المغرب اليوم، والحمد لله ، إلى مستوى متميز من التقدم. فالرؤية واضحة،
والمؤسسات قوية بصلاحياتها، في إطار دولة القانون العطانية
وهو مصدر افتخار لنا جميعا، ومن حق كل المغاربة، أفرادا وجماعات، أينما كانوا ، أن
يعتزوا بالانتماء لهذا الوطن.
وكواحد من المغاربة، فإن أغلى إحساس عندي في حياتي هو اعتزازي بمغربيتي.
وأنتم أيضا ، يجب أن تعبروا عن هذا الاعتزاز بالوطن، وأن تجسدوه كل يوم، وفي كل
لحظة، في عملكم وتعاملكم، وفي خطاباتكم، وفي بيوتكم، وفي القيام بمسؤولياتكم.
ولمن لا يدرك معنى حب الوطن، ويحمد الله تعالى على ما أعطاه لهذا البلد ، أقول : تابعوا
ما يقع في العديد من دول المنطقة، فإن في ذلك عبرة لمن يعتبر. أما المغرب فسيواصل طريقه
بثقة للحاق بالدول الصاعدة.
إن هذا الاعتزاز بالانتماء للمغرب هو شعور وطني صادق ينبغي أن يحس به جميع المغاربة.
إنه شعور لا يباع ولا يشترى ، ولا يسقط من السماء، بل هو إحساس نبيل، نابع من القلب،
عماده حسن التربية، على حب الوطن وعلى مكارم الأخلاق. إنه إحساس يكبر مع المواطن،
ويعمق إيمانه وارتباطه بوطنه.
والاعتزاز لا يعني الانغلاق على الذات، أو التعالي على الآخر. فالمغاربة معروفون بالانفتاح
والتفاعل الإيجابي مع مختلف الشعوب والحضارات.
غير أن تعزيز هذا الإحساس والحفاظ عليه ، يتطلب الكثير من الجهد، والعمل
المتواصل ، لتوفير ظروف العيش الكريم، لجميع المواطنين، وتمكينهم من حقوق المواطنة.
ولكنه يقتضي منهم أيضا القيام بواجباتها.
وهنا اتوجه لكم معشر السياسيين، لأقول لكم إنكم : مسؤولون بالدرجة الأولى، على
الحفاظ على هذا الاعتزاز، بل وتقويته، من خلال تعزيز ثقة المواطن في المؤسسات الادارية
والمنتخبة، ومن خلال الرفع من مصداقيتها ونجاعتها، ليشعر المواطن أنها فعلا في خدمته.
ولجميع المواطنين أقول : أنتم مصدر وغاية هذا الاعتزاز، والوطن لا يكون إلا بكم،
فعليكم أن تجسدوا ذلك بالانخراط في كافة مجالات العمل الوطني، وخاصة من خلال
التصويت في الانتخابات الذي يعد حقا وواجبا وطنيا ، لاختيار من يقوم بتدبير الشأن العام.
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
ترمين .
إن بلدنا يحظى بالتقدير والاحترام، وبالثقة والمصداقية جهويا ودوليا، كما أن لدينا
صداقية، جهويا ودوليا ، كما أن لدين
صورة إيجابية لدى شعوب العالم.
غير أنه يجب أن نعرف جميعا، أن هناك في المقابل جهات تحسد المغرب، على مساره
السياسي والتنموي، وعلى أمنه واستقراره، وعلى رصيده التاريخي والحضاري، وعلى اعتزاز
المغاربة بوطنهم.
وأستحضر هنا، قول جدي رسول الله، صلی الله عليه وسلم، «اللهم كثر حسادنا». لأن
كثرة الحساد ، تعني كثرة المنجزات والخيرات، أما من لا يملك شيئا ، فليس له ما يحسد عليه.
ورغم مناورات الحساد ، فإننا حريصون على احترام ممارسة الحقوق والحريات،
وبموازاة ذلك، فإن من واجبات المواطنة الالتزام باحترام مؤسسات الدولة التي ترجع
حمايتها للسلطات الحكومية والقضائية المختصة، وللمؤسسات الحقوقية، وهيئات
الضبط والحكامة، كل من موقعه.
إننا لسنا ضد حرية التعبير والنقد البناء، وإنما ضد العدمية والتنكر للوطن، فالمغرب
سيبقى دائما بلد الحريات التي يضمنها الدستور.
كما أن المغرب في حاجة لكل أبنائه، ولجميع القوى الحية والمؤثرة، وخاصة هيئات
المجتمع المدني التي ما فتئنا نشجع مبادراتها الجادة، اعتبارا لدورها الإيجابي كسلطة مضادة
وقوة اقتراحية، تساهم في النقد البناء وتوازن السلط.
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
إن السنة التشريعية الحالية، سنة حاسمة في المسار السياسي لبلادنا، بالنظر للاستحقاقات
التي تتضمنها.
وأود هنا، أن أؤكد أن الخيار الديمقراطي الذي ارتضاه جميع المغاربة، ثابت لا رجعة
فيه، بل إننا ملتزمون بمواصلة ترسيخه.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وبكل إلحاح: هل تمت مواكبة هذا التقدم،
من طرف جميع الفاعلين السياسيين، على مستوى الخطاب والممارسة؛ إن الخطاب السياسي
يقتضي الصدق مع المواطن والموضوعية في التحليل والاحترام بين جميع الفاعلين، بما يجعل
منهم شركاء في خدمة الوطن، وليس فرقاء سياسيين، تفرق بينهم المصالح الضيقة.
،
غير أن المتتبع للمشهد السياسي الوطني عموما، والبرلماني خصوصا يلاحظ أن الخطاب
السياسي، لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن، لأنه شديد الارتباط بالحسابات
الحزبية والسياسوية.
فإذا كان من حق أي حزب سياسي، أو أي برلماني، أن يفكر في مستقبله السياسي، وفي
كسب ثقة الناخبين، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب القضايا الوطنية الكبرى،
والانشغالات الحقيقية للمواطنين.
أما ممارسة الشأن السياسي، فينبغي أن تقوم بالخصوص على القرب من المواطن،
والتواصل الدائم معه، والالتزام بالقوانين والأخلاقيات، عكس ما يقوم به بعض المنتخبين
من تصرفات وسلوكات ، تسيء لأنفسهم ولأحزابهم ولوطنهم، وللعمل السياسي، بمعناه النبيل.
وهو ما يقتضي اعتماد ميثاق حقيقي لأخلاقيات العمل السياسي، بشكل عام، دون
الاقتصار على بعض المواد ، المدرجة ضمن النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان.
كما أنها تتطلب، قبل كل شيء، الانكباب الجدي، على الأسبقيات الوطنية، مع
تغليب روح التوافق الإيجابي، وخاصة خلال إقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بالمؤسسات
الدستورية والإصلاحات الكبرى.
وفي هذا الإطار، يتعين إعطاء الأسبقية لإخراج النصوص المتعلقة بإصلاح القضاء،
وخاصة منها إقامة المجلس الأعلى للسلطة القضائية وإقرار النظام الأساسي للقضاة.
فالعدل أساس ضمان أمن وسلامة المواطنين، وحماية ممتلكاتهم، وعماد الأمن
القضائي، المحفز للتنمية والاستثمار.
«
المحكمة
تنصيب
وفيما يخص القضاء الدستوري، فإننا سنتولى قريبا ، إن شاء الله
الدستورية ، بصلاحياتها الواسعة، داعين مجلسي البرلمان للتحلي بروح المسؤولية
الوطنية، ومراعاة شروط الخبرة والكفاءة والنزاهة في اختيار الأعضاء الذي يخول
لهما الدستور صلاحية انتخابهم.
كما ينبغي استكمال إقامة مؤسسات الديمقراطية التشاركية، والحكامة
الجيدة، وفق المقتضيات الجديدة، داعين الحكومة والبرلمان إلى الاستفادة أكثر، من
الاستشارات والخبرات التي تتوفر عليها هذه المؤسسات.
وكما تعلمون، فإن هذه السنة ستكون حافلة أيضا باستحقاقات هامة وفي مقدمتها
إقامة الجهوية المتقدمة.
وعلى بعد أقل من سنة، على الانتخابات المحلية والجهوية أتوجه إلى جميع الفاعلين
السياسيين : ماذا أعددتم من نخب وبرامج للنهوض بتدبير الشأن العام إن التحدي الكبير
الذي يواجه مغرب اليوم، لا يتعلق فقط بتوزيع السلط، بين المركز والجهات والجماعات
المحلية، وإنما بحسن ممارسة هذه السلط، وجعلها في خدمة الموطن.
ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة، لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها ، وإنما يجب أن تكون
مجالا للتنافس السياسي بين البرامج والنخب ، وليس حلبة للمزايدات والصراعات السياسوية.
إننا نعتبر أنه ليس هناك فقط، فائز وخاسر في المعارك الانتخابية، بل الكل فائز،
والرابح الكبير هو المغرب، لأن حتى من لم يحظوا بثقة أغلبية المواطنين، فإنهم يساهمون
بمشاركتهم في تعزيز دينامية المؤسسات المنتخبة.
كما
يجب عليهم أن يشكلوا المعارضة البناءة، ويقدموا البدائل الواقعية التي تؤهلهم
للتناوب على تدبير الشأن العام.
أما الخاسر الأكبر، فيمثله الذين يعتبرون أن مقاعدهم ريعا ، أو إرثا خالدا إلى الأبد. فإذا
لم ينجحوا في الانتخابات يقولون بأنها مزورة. وإذا فازوا يسكتون، مستغلين نزاهتها للوصول
إلى تدبير الشأن العام.
صحيح
ح أن الانتخابات، كما هو الحال في جميع الدول تعرف بعض التجاوزات
التي يرجع البت فيها للقضاء، وللمجلس الدستوري الذي قرر إلغاء عدد من المقاعد
في الانتخابات الأخيرة. لذا، ندعو الجميع للإعداد الجيد لهذه الاستحقاقات، والتحلي
بروح الوطنية الصادقة في احترام إرادة الناخبين.
ولا يخفى عليكم، ما يقتضيه منكم، واجب الدفاع الدائم عن الوحدة الترابية للبلاد.
وإننا نشيد بما تبذلونه من جهود صادقة، في إطار الدبلوماسية البرلمانية والحزبية. فإذا
كان من واجبي،
،، كملك للبلاد، أن أنبه إلى الاختلالات، وأعمل على تصحيحها، فإن من
واجبي أيضا أن أعطي لكل واحد حقه.
فمنذ خطابي أمامكم في السنة الماضية، قام البرلمانيون بمجهودات كبيرة، وخاصة في
الوقوف ضد محاولات استغلال قضية حقوق الإنسان بأقا
بأقاليمنا الجنوبية، وفي المفاوضات مع
الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاق الصيد البحري.
وإننا لندعوكم لمواصلة التعبئة واليقظة، للتصدي لخصوم المغرب.
على
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين،
،
إننا نعتبر أن الرأسمال البشري هو رصيدنا الأساسي، في تحقيق كل المنجزات، الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية والحقوقية، وسلاحنا لرفع تحديات التنمية والانخراط في مجتمع
المعرفة والاتصال.
لذا، ما فتئنا نعطي بالغ الأهمية، لتكوين وتأهيل مواطن ، معتز بهويته، ومنفتح على
القيم الكونية، ولا سيما من خلال مواصلة إصلاح منظومة التربية والتكوين.
وفي هذا الإطار، ندعو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، لإعادة النظر في
منظور ومضمون الإصلاح، وفي المقاربات المعتمدة، وخاصة من خلال الانكباب على القضايا
الجوهرية التي سبق أن حددناها، في خطاب 20 غشت للسنة الماضية.
ونخص بالذكر هنا ، إيجاد حل لإشكالية لغات التدريس، وتجاوز الخلافات الإيديولوجية
التي تعيق الإصلاح، واعتماد البرامج والمناهج الملائمة لمتطلبات التنمية وسوق الشغل.
كما ينبغي إعطاء كامل العناية للتكوين المهني، ولإتقان اللغات الأجنبية، لتأهيل
الخريجين لمواكبة التقدم التقني، والانخراط في المهن الجديدة للمغرب.
وإننا نتطلع لأن يتوج عمل المجلس، في تقييم ميثاق التربية والتكوين، والحوار الوطني
الواسع، واللقاءات الجهوية، ببلورة توصيات كفيلة بإصلاح المدرسة المغربية، والرفع من
مردوديتها.
وفي أفق وضع المجلس لخارطة طريق واضحة، فإن على القطاعات المعنية مواصلة برامجها
الإصلاحية دون توقف أو انتظار.
،
وفي الختام، لا يفوتنا بمناسبة تخليد اليوم الوطني للمرأة، في 10 أكتوبر الذي
يصادف تاريخ إعلاننا سنة 2003، عن مدونة الأسرة، أن نعبر عن تقديرنا للمرأة
المغربية أينما كانت في مختلف المواقع، ومن جميع الفئات داخل المغرب وخارجه،
لمساهمتها الفعالة في تنمية الوطن.
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
إنكم أمام سنة تشريعية فاصلة، سواء تعلق الأمر باستكمال إقامة المؤسسات، أو بتفعيل
الجهوية المتقدمة، أو بإصلاح منظومة التربية والتكوين.
هذه الاستحقاقات وخير قدوة، قولا وفعلا للمواطن
فكونوا رعاكم الله في مستوى .
غير قدو
المعتز بالانتماء لوطنه . « وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولا ». صدق
الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2016-2015
من الولاية التشريعية التاسعة
09 أكتوبر 2015
«الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه،
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين يسعدنا أن نفتتح السنة الخامسة من هذه الولاية
التشريعية. وهي مناسبة سنوية لمخاطبة ممثلي الأمة حول مختلف القضايا الوطنية.
وتكتسي هذه السنة التشريعية أهمية خاصة لأنها السنة الأخيرة في الولاية الحالية، بما
تقتضيه من ضرورة استكمال إقامة المؤسسات الدستورية.
كما تأتي بعد أول انتخابات محلية وجهوية، في ظل الدستور الجديد، وبعد إقامة مجلس
المستشارين في صيغته الجديدة.
ونود هنا أن نقدم التهاني لأعضاء مجلس المستشارين ولرؤساء المجالس الجهوية والمحلية
وكافة المنتخبين على الثقة التي حظوا بها، داعين الله تعالى لكم جميعا بالتوفيق والسداد
في مهامكم.
قد انتهى. إن الانتخابات ليست غاية في ذاتها ، وإنما هي
ولكن لا يجب أن نعتبر أن الامد .
البداية الحقيقية لمسار طويل ينطلق من إقامة المؤسسات وإضفاء الشرعية عليها.
بل أكثر من ذلك، فإن تمثيل المواطنين أمانة عظمى على المنتخبين والأحزاب أداءها ،
سواء بالوفاء بوعودهم تجاه الناخبين أو من خلال العمل على الاستجابة لانشغالاتهم الملحة.
وهي مسؤولية وطنية تقتضي من الجميع الارتفاع إلى مستوى اللحظة التاريخية التي
تعيشها بلادنا.
فليس أمامنا إلا خيار واحد هو إقامة مؤسسات جهوية ناجعة حتى لا يخلف المغرب هذا
الموعد الهام مع التاريخ
غير أن ما ينبغي الانتباه إليه، أن الحياة السياسية لا ينبغي أن ترتكز على الأشخاص،
وإنما يجب أن تقوم على المؤسسات. فالأشخاص كيفما كانوا فهم راحلون، أما المؤسسات
فهي دائمة وهي الضمانة الحقيقية لحقوق المواطنين وللخدمات التي يحتاجون إليها ، والتي لا
نقبل أن تكون رهينة أهواء الأشخاص ورغباتهم.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين، لقد قال المواطنون كلمتهم، ولكني أريد من
هذا المنبر أن أوجه رسالة للذين لم يتوفقوا في هذه الانتخابات، فعليهم ألا يفقدوا الأمل،
وأن يرفعوا رؤوسهم لما قدموه من خدمات للوطن والمواطنين، وعليهم أن ينتبهوا إلى أن المغاربة
أصبحوا أكثر نضجا في التعامل مع الانتخابات، وأكثر صرامة في محاسبة المنتخبين على
حصيلة عملهم.
كما يجب عليهم القيام بالنقد الذاتي البناء، لتصحيح الأخطاء وتقويم الاختلالات،
ومواصلة العمل الجاد، من الآن، ودون كلل أو ملل من أجل كسب ثقة الناخبين في
الاستحقاقات القادمة.
وهذا هو حال الديمقراطية الحقة فهي تداول وتناوب على ممارسة السلطة، وتدبير
الشأن العام، فمن لم يفز اليوم قد يكون هو الرابح غدا.
غير أننا نرفض البكاء على الأطلال، كما نرفض الاتهامات الباطلة الموجهة للسلطات
المختصة بتنظيم الانتخابات. فالضمانات التي تم توفيرها تضاهي مثيلاتها في أكبر
الديمقراطيات عبر العالم، بل إنها لا توجد إلا في قليل من الدول.
وبطبيعة الحال فإن من يعتبر نفسه مظلوما، بسبب بعض التجاوزات المعزولة التي
تعرفها عادة الممارسة الديمقراطية، فيبقى أمامه اللجوء إلى القضاء.
البرانية السلطة القضائية
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين
لقد سجلنا، ببالغ الاعتزاز، المشاركة المكثفة لسكان أقاليمنا الجنوبية، في الانتخابات
الأخيرة، وهو دليل ديمقراطي آخر، على تشبث أبناء الصحراء بالوحدة الترابية، وبالنظام
السياسي لبلادهم، وحرصهم على الانخراط الفعال في المؤسسات الوطنية.
،
وهنا نؤكد أن الشرعية الشعبية والديمقراطية التي اكتسبها المنتخبون الذي تم
اختيارهم بكل حرية، تجعل منهم الممثلين الحقيقيين لسكان الصحراء المغربية، وليس أقلية
تقيم خارج الوطن وتحاول واهمة ، تنصيب نفسها، دون أي سند ، كممثل لهم.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
لقد أعطى الدستور لمجلس المستشارين مكانة خاصة في البناء المؤسسي الوطني، في إطار
من التكامل والتوازن مع مجلس النواب. فهو يتميز بتركيبة متنوعة ومتعددة التخصصات،
حيث يضم مجموعة من الخبرات والكفاءات المحلية والمهنية والاقتصادية والاجتماعية. لذا،
يجب أن يشكل فضاء للنقاش البناء، وللخبرة والرزانة والموضوعية، بعيدا عن أي اعتبارات
سياسية.
كما ينبغي استثمار التكامل بين مجلسي البرلمان للرفع من مستوى أدائـه ومـن جـودة
التشريعات التي يصادق عليها.
ورغم كل الجهود المبذولة، فإن الصورة التي تبقى في ذهن عدد من المواطنين، هي
الصراعات والمزايدات بين الأغلبية والمعارضة داخل البرلمان أحيانا، وفي بعض التجمعات
الحزبية وحتى في وسائل الإعلام.
وقد سبق لي أن قلت لكم، من هذا المنبر بأن الخطاب السياسي لا يرقى دائما إلى
مستوى ما يتطلع إليه المواطن. وهنا أنبه إلى أن التوجه نحو الصراعات الهامشية يكون دائما
على حساب القضايا الملحة والانشغالات الحقيقية للمواطنين، وهو ما يؤدي إلى عدم الرضى
الشعبي على العمل السياسي بصفة عامة، ويجعل المواطن لا يهتم بالدور الحقيقي للبرلمان.
فالبرلمان يجب أن يكون مرآة تعكس انشغالات المواطنين، وفضاء للحوار الجاد والمسؤول،
حول كل القضايا الوطنية الكبرى.
لكة المغربية
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين
إن ما ينتظركم من عمل خلال هذه السنة، لاستكمال إقامة المؤسسات، لا يستحمل
إضاعة الوقت في الصراعات الهامشية.
فمشاريع النصوص القانونية التي ستعرض عليكم شديدة الأهمية والحساسية. لذا
ارتأينا أن نذكر الحكومة والبرلمان بضرورة الالتزام بأحكام الفصل 86 من الدستور
الذي يحدد نهاية هذه الولاية التشريعية كآخر أجل لعرض القوانين التنظيمية على
مصادقة البرلمان.
ونذكر هنا ، على سبيل المثال، مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بتفعيل الطابع الرسمي
للغة الأمازيغية، والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وممارسة حق الإضراب ومجلس
الوصاية.
فهذه القضايا الوطنية الكبرى تتطلب منكم جميعا ، أغلبية ومعارضة، حكومة وبرلمانا ،
تغليب روح التوافق الإيجابي والابتعاد عن المزايدات السياسية.
ففيما يخص مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لتقوم مستقبلا بوظيفتها، يجب
استحضار أن العربية والأمازيغية، كانتا دائما عنصر وحدة، ولن تكونا أبدا سببا للصراع
أو الانقسام.
أما المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، فإن الأمر يتعلق بإقامة مجلس يضم كل
المؤسسات المعنية بهذه المجالات وليس وضع هيكل عام لمؤسسات مستقلة.
كما أن بلورة مشروع القانون التنظيمي للإضراب يقتضي إجراء استشارات واسعة، والتحلي
بروح التوافق البناء، بما يضمن حقوق الفئة العاملة ، ومصالح أرباب العمل، ومصلحة الوطن.
أما فيما يخص النصوص المعروضة على البرلمان، فإننا ندعو للإسراع بالمصادقة على
مشاريع القوانين التنظيمية الخاصة بالسلطة القضائية، إضافة إلى مشروع قانون هيئة
المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين إن ما يهمنا ليس فقط المصادقة على القوانين
ونشرها في الجريدة الرسمية، وإنما أيضا تفعيل هذه التشريعات وتنصيب المؤسسات.
فمكانة المؤسسات تقاس بمدى قيامها بمهامها وخدمتها لمصالح المواطنين.
وفي هذا الإطار، نجدد الدعوة للإسراع بانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية الذين
يخول الدستور صلاحية تعيينهم لمجلسي البرلمان حتى يتسنى تنصيبها في أقرب الآجال،
وهو ما سبق أن دعونا إليه في خطاب السنة الماضية.
كما يتعين تفعيل النصوص القانونية المتعلقة بمجلس المنافسة والهيئة الوطنية
س المنافس
للنزاهة والوقاية من الرشوة
الله
ويبقى السؤال المطروح: لماذا لم يتم تحيين قوانين عدد من المؤسسات، رغم مرور
أربع سنوات على إقرار الدستور؟ وماذا ننتظر لإقامة المؤسسات الجديدة التي أحدثها
الدستور؟
ونخص بالذكر بعض المؤسسات الحقوقية والرقابية والمجلس الاستشاري للأسرة
والطفولة، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.
السيدات والسادة البرلمانيين ،المحترمين إن السنة التشريعية التي نفتتحها اليوم،
حافلة بالتحديات، وتتطلب العمل الجاد والتحلي بروح الوطنية الصادقة لاستكمال إقامة
المؤسسات الوطنية.
لأن المؤسسات لا تهم الأغلبية وحدها أو المعارضة، وإنما هي مؤسسات يجب أن تكون في
خدمة المواطنين دون أي اعتبارات أخرى.
لذا، ندعو لاعتماد التوافق الإيجابي، في كل القضايا الكبرى للأمة. غير أننا نرفض
التوافقات السلبية التي تحاول إرضاء الرغبات الشخصية والأغراض الفئوية على حساب
مصالح الوطن والمواطنين، فالوطن يجب أن يظل فوق الجميع.
فكونوا ، رعاكم الله ، في مستوى الأمانة الملقاة على عاتقكم ، لما فيه خير وطننا العزيز.
إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2017-2016
من الولاية التشريعية العاشرة
14 أكتوبر 2016
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
إن افتتاح السنة التشريعية ليس مجرد مناسبة دستورية للتوجه لأعضاء البرلمان، وإنما
هو منبر أتوجه من خلاله، في نفس الوقت للحكومة وللأحزاب، ولمختلف الهيئات والمؤسسات
والمواطنين.
بخصوص
كما أنه أيضا لا يشكل فقط، فرصة لتقديم التوجيهات، والنقد أحيانا ،
العمل النيابي والتشريعي، بل هو منبر أستمع من خلاله لصوت المواطن الذي تمثلونه.
ويسعدنا في البداية، أن نتقدم بالتهاني لأعضاء مجلس النواب، على الثقة التي وضعها
فيهم المواطنون، لتمثيلهم بالمؤسسة التشريعية.
كما نعبر عن تقديرنا لما أبانت عنه السلطات العمومية من التزام بروح المسؤولية
العمومية، من
الوطنية، في كل مراحل الانتخابات.
وبصفتنا الساهر على صيانة الاختيار الديمقراطي، فإننا نؤكد تشبثنا بالتعددية الحزبية
التي وضع أسسها جدنا المقدس جلالة الملك محمد الخامس، ورسخها والدنا المنعم جلالة الملك
الحسن الثاني ، طيب الله مثواهما وناضلت من أجلها الأجيال السابقة.
لقد انتهت الولاية التشريعية الأولى، بعد إقرار دستور 2011 ، والتي كانت ولاية تأسيسية ،
لما ميزها من مصادقة على القوانين المتعلقة بإقامة المؤسسات.
فالمرحلة التي نحن مقبلون عليها أكثر أهمية من سابقاتها ، فهي تقتضي الانكباب الجاد
على القضايا والانشغالات الحقيقية للمواطنين، والدفع قدما بعمل المرافق الإدارية، وتحسين
الخدمات التي تقدمها.
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
إن الهدف الذي يجب أن تسعى إليه كل المؤسسات، هو خدمة المواطن، وبدون قيامها
بهذه المهمة، فإنها تبقى عديمة الجدوى، بل لا مبرر لوجودها أصلا.
وقد ارتأيت أن أتوجه إليكم اليوم، ومن خلالكم لكل الهيئات المعنية، وإلى عموم
المواطنين في موضوع بالغ الأهمية، هو جوهر عمل المؤسسات.
وأقصد هنا علاقة المواطن بالإدارة، سواء تعلق الأمر بالمصالح المركزية، والإدارة
الترابية، أو بالمجالس المنتخبة، والمصالح الجهوية للقطاعات الوزارية.
كما أقصد أيضا، مختلف المرافق المعنية بالاستثمار وتشجيع المقاولات، وحتى
قضاء الحاجيات البسيطة للمواطن، كيفما كان نوعها.
فالغاية منها واحدة، هي تمكين المواطن من قضاء مصالحه، في أحسن الظروف
والآجال، وتبسيط المساطر ، وتقريب المرافق والخدمات الأساسية منه.
أما إذا كان من الضروري معالجة كل الملفات على مستوى الإدارة المركزية بالرباط،
فما جدوى اللامركزية والجهوية واللاتمركز الإداري الذي نعمل على ترسيخه، منذ
ثمانينيات القرن الماضي.
إن تدبير شؤون المواطنين وخدمة مصالحهم، مسؤولية وطنية، وأمانة جسيمة، لا تقبل
التهاون ولا التأخير.
ولكن مع كامل الأسف، يلاحظ أن البعض يستغلون التفويض الذي يمنحه لهم المواطن،
لتدبير الشأن العام في إعطاء الأسبقية لقضاء المصالح الشخصية والحزبية، بدل خدمة المصلحة
العامة، وذلك لحسابات انتخابية.
وهم بذلك يتجاهلون بأن المواطن هو الأهم في الانتخابات، وليس المرشح أو الحزب،
ويتنكرون لقيم العمل السياسي النبيل.
فإذا كانوا لا يريدون القيام بعملهم ولا يهتمون بقضاء مصالح المواطنين، سواء على
الصعيد المحلي أو الجهوي ، وحتى الوطني، فلماذا يتوجهون إذن للعمل السياسي؟
إن الالتزام الحزبي والسياسي الحقيقي، يجب أن يضع المواطن فوق أي اعتبار، ويقتضي
الوفاء بالوعود التي تقدم له، والتفاني في خدمته، وجعلها فوق المصالح الحزبية والشخصية.
ولأن النجاعة الإدارية معيار لتقدم الأمم، وما دامت علاقة الإدارة بالمواطن لم تتحسن، فإن
تصنيف المغرب في هذا الميدان سيبقى ضمن دول العالم الثالث، إن لم أقل الرابع أو الخامس.
حضرات أعضاء البرلمان المحترمين
يقال كلام كثير بخصوص لقاء المواطنين بملك البلاد، والتماس مساعدته في حل العديد
من المشاكل والصعوبات.
وإذا كان البعض لا يفهم توجه عدد من المواطنين إلى ملكهم من أجل حل مشاكل
وقضايا بسيطة، فهذا يعني أن هناك خللا في مكان ما.
أنا بطبيعة الحال أعتز بالتعامل المباشر مع أبناء شعبي، وبقضاء حاجاتهم البسيطة،
وسأظل دائما أقوم بذلك في خدمتهم.
ولكن هل سيطلب مني المواطنون التدخل لو قامت الإدارة بواجبها ؟
الأكيد أنهم يلجؤون إلى ذلك بسبب انغلاق الأبواب أمامهم، أو لتقصير الإدارة في خدمتهم،
أو للتشكي من ظلم أصابهم.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
إن المرافق والإدارات العمومية، تعاني من عدة نقائص، تتعلق بالضعف في الأداء، وفي جودة
ـا من عدة .
الخدمات التي تقدمها للمواطنين.
كما أنها تعاني من التضخم ومن قلة الكفاءة، وغياب روح المسؤولية لدى العديد من
الموظفين.
إن الإدارة تعاني، بالأساس، من ثقافة قديمة لدى أغلبية المغاربة.
فهي تشكل بالنسبة للعديد منهم مخبأ ، يضمن لهم راتبا شهريا دون محاسبة على
المردود الذي يقدمونه
غير أن المسؤولية تتطلب من الموظف الذي يمارس مهمة أو سلطة عمومية، تضع أمور الناس
بين يديه، أن يقوم على الأقل بواجبه في خدمتهم والحرص على مساعدتهم.
والواقع أن الوظيفة العمومية لا يمكن أن تستوعب كل المغاربة، كما أن الولوج إليها
يجب أن يكون على أساس الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
إن الصعوبات التي تواجه المواطن في علاقته بالإدارة كثيرة ومتعددة، تبتدئ من الاستقبال،
مرورا بالتواصل، إلى معالجة الملفات والوثائق؛ بحيث أصبحت ترتبط في ذهنه بمسار المحارب.
فمن غير المعقول أن يتحمل المواطن، تعب وتكاليف التنقل إلى أي إدارة، سواء كانت
قنصلية أو عمالة ، أو جماعة ترابية، أو مندوبية جهوية، وخاصة إذا كان يسكن بعيدا عنها ،
ولا يجد من يستقبله ، أو من يقضي غرضه.
ومن غير المقبول ألا تجيب الإدارة على شكايات وتساؤلات الناس وكأن المواطن لا
يساوي شيئا ، أو أنه مجرد جزء بسيط من المنظر العام لفضاء الإدارة.
فبدون المواطن لن تكون هناك إدارة ، ومن حقه أن يتلقى جوابا عن رسائله، وحلولا
لمشاكله، المعروضة عليها ، وهي ملزمة بأن تفسر الأشياء للناس وأن تبرر قراراتها التي
يجب أن تتخذ بناء على القانون.
وعلى سبيل المثال، فالعديد من المواطنين يشتكون من قضايا نزع الملكية، لأن
الدولة لم تقم بتعويضهم عن أملاكهم، أو لتأخير عملية التعويض لسنوات طويلة تضر
بمصالحهم، أو لأن مبلغ التعويض أقل من ثمن البيع المعمول به، وغيرها من الأسباب.
إن نزع الملكية يجب أن يتم لضرورة المصلحة العامة القصوى، وأن يتم التعويض
طبقا للأسعار المعمول بها، في نفس تاريخ القيام بهذه العملية مع تبسيط مساطر
الحصول عليه.
ولا ينبغي أن يتم تغيير وضعية الأرض التي تم نزعها، وتحويلها لأغراض تجارية، أو
تفويتها من أجل المضاربات العقارية.
كما أن المواطن يشتكي بكثرة، من طول وتعقيد المساطر القضائية، ومن عدم
تنفيذ الأحكام، وخاصة في مواجهة الإدارة.
فمن غير المفهوم أن تسلب الإدارة للمواطن حقوقه وهي التي يجب أن تصونها وتدافع
عنها. وكيف لمسؤول أن يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي نهائي؟
كما أنه من غير المعقول، ألا تقوم الإدارة حتى بتسديد ما بذمتها من ديون للمقاولات
الصغرى والمتوسطة، بدل دعمها وتشجيعها ، اعتبارا لدورها الهام في التنمية والتشغيل.
كما أن المواطنين يشتكون أيضا من الشطط في استعمال السلطة والنفوذ ، على
مستوى مختلف الإدارات، ومن تعقيد المساطر، وطول آجال منح بعض الوثائق الإدارية.
إذ لا يعقل أن يسافر المواطن لطلب وثيقة، ويقدم كل الوثائق الضرورية، وينتظر أياما
وأحيانا أسابيع للحصول عليها.
ففي العديد من القنصليات مثلا، لا يتم إخبار المواطنين بالأخطاء التي تقع في
الوثائق، بسبب غياب آلية لمتابعة الملفات، إضافة إلى التعقيدات الإدارية التي يتطلبها
تصحيح أي خطأ.
وهو ما يكلف المواطن عناء وتكاليف التنقل إلى المغرب لإحضار وثائق الإثبات
اللازمة لتصحيح هذا الخطأ، إضافة إلى غياب التنسيق بين الإدارات المعنية مما يعطل
عملية تسليم الوثائق
ومن بين القضايا الإدارية، الأكثر انتشارا، تلك التي تتعلق بتطبيق مدونة الأسرة،
وما ينتج عن ذلك من مشاكل عائلية واجتماعية.
فبعد مرور أكثر من 12 سنة، على إطلاق هذا الإصلاح المجتمعي، هناك من لا
يعرف لحد الآن، مضمون هذا القانون، وما له من حقوق وما عليه من واجبات، وخاصة
في أوساط المغاربة بالخارج.
لذا، ندعو الحكومة وكافة المؤسسات المعنية، الإدارية والقضائية، لحسن تفعيله،
سات المعنية
ومواصلة التوعية بمضامينه، ومواكبته بالإصلاح والتحيين، لتجاوز المشاكل التي
أبانت عنها التجربة والممارسة.
على السلطة القضائية
حضرات السيدات والسادة أعضاء البرلمان،
إن المشاكل التي تواجه المواطن في الإدارة تتجسد بشكل واضح في العراقيل
التي تعيق الاستثمار، رغم إحداث المراكز الجهوية واستعمال الشباك الوحيد لتبسيط
المساطر وتسريع عملية اتخاذ القرار.
صحيح أن بعض المستثمرين في بعض الحالات، يقدمون ملفات غير كاملة إلا أنه
بدل أن يقوم الشباك بمساعدتهم وعرض قائمة من الحلول لتشجيعهم، يلاحظ أنه يتم
تعقيد الأمور عليهم وتكبيلهم بسلسلة من القيود والعراقيل.
وبهذه العقلية والتمادي في مثل هذه التصرفات، فإن الشباك الوحيد سيبقى دون
جدوى.
وقد أكدت أكثر من مرة، على ضرورة حل المشاكل ، ومعالجة الملفات في عين
المكان، كما أعطيت تعليماتي للحكومة، ووجهتها لاتخاذ الإجراءات الإدارية بهذا
الخصوص.
فما جدوى الرسالة التي وجهتها إلى الوزير الأول منذ 2002 وما فائدة الجهوية
واللامركزية واللاتمركز، إذا استمر الوضع القديم واستمرت المشاكل السابقة؟
إن هذا الوضع غير مقبول، ولا ينبغي أن يستمر ، فالمستثمر عندما لا يتلقى جوابا وإذا
لم يتم حل المشكل الذي يواجهه، فإنه يرجع أمواله إلى البنك، إذا كان مقيما في المغرب.
أما إذا كان من أبناء الجالية، وفضل الاستثمار في وطنه، فإنه يكون مجبرا على
العودة بأمواله إلى الخارج.
وبذلك يتم حرمان الوطن من فرص الاستثمار والتنمية، وحرمان المواطنين من
فرص الشغل.
إن الشباك الوحيد ليس إلا واحدا من الأوراش، لمعالجة العراقيل التي تواجه
الاستثمار.
وإذا لم يتم إيجاد الحلول الناجعة لها، بعد كل هذه السنوات، فكيف سيتم
تطبيق باقي النقط المهمة الواردة في رسالتنا إلى الوزير الأول والتي تخص علاقة المواطن
بالإدارة وتبسيط المساطر وتشجيع الاستثمار ؟
السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين، السلطة القضائية
رغم السلبيات والنقائص التي تعاني منها بعض المرافق العمومية، فهذا لا يعني أن الوضع
أسود، وأن الإدارة لا تقوم بواجبها ، بل إنها تتوفر على مؤهلات مهنية وتقنية عالية، وتعرف
تحسنا ملحوظا.
وخير دليل على ذلك، الأوراش الكبرى التي يتم إنجازها والسياسات القطاعية والوطنية
الناجحة التي غيرت وجه المغرب وكان لها دور كبير في تحقيق تقدم ملموس في مختلف المجالات.
ولكن طموحنا أكبر، وتطلعات المواطن تفوق ما تقدمه الإدارة، كما أن التطور الذي
يعرفه المغرب يقتضي الرفع من مردوديتها.
إننا نؤمن بأن النجاعة الإدارية تساهم في النهوض بالتنمية، وفي جلب الاستثمار الوطني
والأجنبي، وتعزيز الثقة التي يحظى بها المغرب.
لذا، ندعو الجميع، حكومة وبرلمانا، أحزابا ونقابات جمعيات وموظفين، للتحلي بروح
الوطنية والمسؤولية من أجل بلورة حلول حقيقية للارتقاء بعمل المرافق الإدارية ، والرفع من جودة
الخدمات التي تقدمها للمواطنين.
إن إصلاح الإدارة يتطلب تغيير السلوكات والعقليات، وجودة التشريعات من أجل
مرفق إداري عمومي فعال، في خدمة المواطن.
فالوضع الحالي، يتطلب إعطاء عناية خاصة، لتكوين وتأهيل الموظفين، الحلقة
الأساسية في علاقة المواطن بالإدارة، وتمكينهم من فضاء ملائم للعمل مع استعمال
آليات التحفيز والمحاسبة والعقاب
،
كما يتعين تعميم الإدارة الإلكترونية بطريقة مندمجة تتيح الولوج المشترك
للمعلومات بين مختلف القطاعات والمرافق.
فتوظيف التكنولوجيات الحديثة، يساهم في تسهيل حصول المواطن، على
الخدمات، في أقرب الآجال، دون الحاجة إلى كثرة التنقل والاحتكاك بالإدارة الذي
يعد السبب الرئيسي لانتشار ظاهرة الرشوة، واستغلال النفوذ
وهو ما سبق أن أكدنا على ضرورة محاربته في مفهومنا للسلطة.
وتعتبر الجهوية المتقدمة التي أصبحت واقعا ملموسا، حجر الزاوية الذي يجب أن ترتكز
عليه الإدارة، في تقريب المواطن من الخدمات والمرافق، ومن مركز القرار.
كما نشدد في نفس السياق، على ضرورة بلورة وإخراج ميثاق متقدم للاتمركز الإداري،
يستجيب لمتطلبات المرحلة.
فعلى الجميع مواكبة التطور، والانخراط في الدينامية المؤسسية والتنموية التي نقودها
ببلادنا.
والكل مسؤول على نجاعة الإدارة العمومية والرفع من جودتها باعتبارها عماد أي إصلاح
وجوهر تحقيق التنمية والتقدم الذي نريده لأبناء شعبنا الوفي.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب». صدق
الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
،
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2018 – 2017
من الولاية التشريعية العاشرة
13 أكتوبر 2017
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
بمشاعر الفرح والاعتزاز، أجدد اللقاء بكم اليوم، ككل سنة، في افتتاح السنة
التشريعية للبرلمان.
وتأتي هذه الدورة بعد خطاب العرش الذي وقفنا فيه على الصعوبات التي تواجه تطور
النموذج التنموي، وعلى الاختلالات، سواء فيما يخص الإدارة، بكل مستوياتها، أو فيما
يتعلق بالمجالس المنتخبة والجماعات الترابية.
إلا أن إجراء هذه الوقفة النقدية التي يقتضيها الوضع، ليس غاية في حد ذاته، ، ولا نهاية
هذا المسار.
وإنما هو بداية مرحلة حاسمة، تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والعمل على
إيجاد الأجوبة والحلول الملائمة للإشكالات والقضايا الملحة للمواطنين.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
إننا لا نقوم بالنقد من أجل النقد ، ثم نترك الأمور على حالها ، وإنما نريد معالجة الأوضاع،
وتصحيح الأخطاء، وتقويم الاختلالات.
إننا نؤسس لمقاربة ناجعة، ولمسيرة من نوع جديد. فما نقوم به يدخل في صميم صلاحياتنا
الدستورية، وتجسيد لإرادتنا القوية، في المضي قدما في عملية الإصلاح، وإعطاء العبرة لكل
من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.
وبصفتنا الضامن لدولة القانون، والساهر على احترامه، وأول من يطبقه، فإننا لم
نتردد يوما ، في محاسبة كل من ثبت في حقه أي تقصير في القيام بمسؤوليته المهنية
أو الوطنية.
،
ولكن الوضع اليوم، أصبح يفرض المزيد من الصرامة للقطع مع التهاون والتلاعب
بمصالح المواطنين.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين
،
إن المشاكل معروفة، والأولويات واضحة ولا نحتاج إلى المزيد من التشخيصات، بل
هناك تضخم في هذا المجال…
وقد وقفنا ، أكثر من مرة، على حقيقة الأوضاع، وعلى حجم الاختلالات التي يعرفها
جميع المغاربة.
أليس المطلوب هو التنفيذ الجيد للمشاريع التنموية المبرمجة التي تم إطلاقها، ثم إيجاد
حلول عملية وقابلة للتطبيق، للمشاكل الحقيقية، وللمطالب المعقولة، والتطلعات المشروعة
للمواطنين، في التنمية والتعليم والصحة والشغل وغيرها ؟
وبموازاة ذلك، يجب القيام بالمتابعة الدقيقة والمستمرة، لتقدم تنفيذ البرامج الاجتماعية
والتنموية، ومواكبة الأشغال بالتقييم المنتظم والنزيه.
ولهذه الغاية، قررنا إحداث وزارة منتدبة بوزارة الخارجية مكلفة بالشؤون الإفريقية،
وخاصة الاستثمار، وخلية للتتبع بكل من وزارتي الداخلية والمالية.
المجلس الأعلى للحسابات، للقيام بمهامه في تتبع وتقييم المشاريع العمومية،
كما في المملكة.
بمختلف .
الأعلى للسلطة القضائية
إن المغاربة اليوم، يحتاجون للتنمية المتوازنة والمنصفة التي تضمن الكرامة للجميع وتوفر
الدخل وفرص الشغل، وخاصة للشباب، وتساهم في الاطمئنان والاستقرار، والاندماج في
الحياة المهنية والعائلية والاجتماعية التي يطمح إليها كل مواطن.
كما يتطلعون لتعميم التغطية الصحية وتسهيل ولوج الجميع للخدمات الاستشفائية
الجيدة في إطار الكرامة الإنسانية.
والمغاربة اليوم، يريدون لأبنائهم تعليما جيدا، لا يقتصر على الكتابة والقراءة فقط،
وإنما يضمن لهم الانخراط في عالم المعرفة والتواصل والولوج والاندماج في سوق الشغل،
ويساهم في الارتقاء الفردي والجماعي، بدل تخريج فئات عريضة من المعطلين.
،
وهم يحتاجون أيضا إلى قضاء منصف وفعال وإلى إدارة ناجعة تكون في خدمتهم،
وخدمة الصالح العام، وتحفز على الاستثمار وتدفع بالتنمية بعيدا عن كل أشكال
الزبونية والرشوة والفساد.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين، إذا كان المغرب قد حقق تقدما ملموسا ، يشهد به
العالم إلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم، غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة ،
والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات
المجالية وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية.
وفي هذا الصدد، ندعو الحكومة والبرلمان ومختلف المؤسسات والهيئات المعنية، كل في
مجال اختصاصه، لإعادة النظر في نموذجنا التنموي لمواكبة التطورات التي تعرفها البلاد.
إننا نتطلع لبلورة رؤية مندمجة لهذا النموذج، كفيلة بإعطائه نفسا جديدا، وتجاوز
العراقيل التي تعيق تطوره، ومعالجة نقط الضعف والاختلالات التي أبانت عنها التجربة.
وسيرا على المقاربة التشاركية التي نعتمدها في القضايا الكبرى، كمراجعة الدستور،
والجهوية الموسعة ، فإننا ندعو إلى إشراك كل الكفاءات الوطنية، والفعاليات الجادة،
وجميع القوى الحية للأمة.
كما ندعو للتحلي بالموضوعية، وتسمية الأمور بمسمياتها ، دون مجاملة أو تنميق، واعتماد
حلول مبتكرة وشجاعة، حتى وإن اقتضى الأمر الخروج عن الطرق المعتادة أو إحداث زلزال
سياسي.
إننا نريدها وقفة وطنية جماعية، قصد الانكباب على القضايا والمشاكل التي تشغل
الانك
المغاربة، والمساهمة في نشر الوعي بضرورة تغيير العقليات التي تقف حاجزا أمام تحقيق التقدم
الشامل الذي نطمح إليه.
وإذ نؤكد حرصنا على متابعة هذا الموضوع، فإننا ننتظر الاطلاع عن كثب، على
المقترحات والتدابير التي سيتم اتخاذها من أجل بلورة مشروع نموذج تنموي جديد.
،
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
إن النموذج التنموي مهما بلغ من نضج سيظل محدود الجدوى، ما لم يرتكز على آليات
فعالة للتطور، محليا وجهويا.
لذا ، ما فتئنا ندعو لتسريع التطبيق الكامل للجهوية المتقدمة، لما تحمله من حلول وإجابات
للمطالب الاجتماعية والتنموية، بمختلف جهات المملكة.
فالجهوية ليست مجرد قوانين ومساطر إدارية ، وإنما هي تغيير عميق في هياكل الدولة ،
ومقاربة عملية في الحكامة الترابية.
،
وهي أنجع الطرق لمعالجة المشاكل المحلية والاستجابة لمطالب سكان المنطقة، لما تقوم
عليه من إصغاء للمواطنين، وإشراكهم في اتخاذ القرار، لا سيما من خلال ممثليهم في
المجالس المنتخبة.
وإدراكا منا بأنه ليس هناك حلولا جاهزة لكل المشاكل المطروحة في مختلف المناطق،
فإننا نشدد على ضرورة ملاءمة السياسات العمومية، لتستجيب لانشغالات المواطنين حسب
حاجيات وخصوصيات كل منطقة.
ولإضفاء المزيد من النجاعة على تدبير الشأن العام المحلي نلح على ضرورة نقل الكفاءات
البشرية المؤهلة والموارد المالية الكافية للجهات، بموازاة مع نقل الاختصاصات.
لذا نوجه الحكومة لوضع جدول زمني مضبوط لاستكمال تفعيل الجهوية المتقدمة.
ونهيب بالمجالس المنتخبة، وخاصة على مستوى الجهات لتحمل مسؤوليتها في تدبير شؤون
كل منطقة واتخاذ المبادرات للتجاوب مع ساكنتها والاستجابة لمطالبها المشروعة.
كما ندعو لإخراج ميثاق متقدم للاتمركز الإداري الذي طالما دعونا إلى اعتماده وتحديد
برنامج زمني دقيق لتطبيقه.
المملكة المغربية
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين
إن التقدم الذي يعرفه المغرب لا يشمل مع الأسف كل المواطنين، وخاصة شبابنا الذي
يمثل أكثر من ثلث السكان والذي نخصه بكامل اهتمامنا ورعايتنا.
فتأهيل الشباب المغربي وانخراطه الإيجابي والفعال في الحياة الوطنيـة يعـد مـن أهـم
التحديات التي يتعين رفعها. وقد أكدنا أكثر من مرة، ولا سيما في خطاب 20 غشت 2012،
بأن الشباب هو ثروتنا الحقيقية، ويجب اعتباره كمحرك للتنمية وليس كعائق أمام تحقيقها.
والواقع أن التغيرات المجتمعية التي يشهدها المغرب قد أفرزت انبثاق الشباب كفاعل جديد
له وزنه وتأثيره الكبير في الحياة الوطنية.
ورغم الجهود المبذولة فإن وضعية شبابنا لا ترضينا ولا ترضيهم، فالعديد منهم يعانون من
الإقصاء والبطالة ومن عدم استكمال دراستهم، وأحيانا حتى من الولوج للخدمات الاجتماعية
الأساسية.
كما أن منظومة التربية والتكوين لا تؤدي دورها في التأهيل والإدماج الاجتماعي
والاقتصادي للشباب.
أما السياسات العمومية القطاعية والاجتماعية، فرغم أنها تخصص مجالا هاما للشباب
إلا أن تأثيرها على أوضاعهم يبقى محدودا لضعف النجاعة والتناسق فيما بينها وعدم ملاءمة
البرامج لجميع الشرائح الشبابية.
واعتبارا للارتباط الوثيق بين قضايا الشباب وإشكالية النمو والاستثمار والتشغيل، فإن
معالجة أوضاعهم تحتاج إلى ابتكار مبادرات ومشاريع ملموسة تحرر طاقاتهم وتوفر لهم الشغل
والدخل القار، وتضمن لهم الاستقرار وتمكنهم من المساهمة البناءة في تنمية الوطن.
وأخص بالذكر هنا، على سبيل المثال وضعية الشباب الذين يعملون في القطاع غير
المهيكل، والتي تقتضي إيجاد حلول واقعية قد لا تتطلب وسائل مادية كبيرة، ولكنها ستوفر
لهم وسائل وفضاءات للعمل، في إطار القانون، بما يعود بالنفع عليهم وعلى المجتمع.
وعلى غرار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فإننا ندعو لبلورة سياسة جديدة مندمجة
للشباب تقوم بالأساس على التكوين والتشغيل قادرة على إيجاد حلول واقعية لمشاكلهم
الحقيقية، وخاصة في المناطق القروية والأحياء الهامشية والفقيرة.
ولضمان شروط النجاعة والنجاح لهذه
الجديدة، ندعو لاستلهام مقتضيات
الدستور، وإعطاء الكلمة للشباب، والانفتاح على مختلف التيارات الفكرية، والإفادة
من التقارير والدراسات التي أمرنا بإعدادها، وخاصة حول الثروة الإجمالية للمغرب»
و«رؤية 2030 للتربية والتكوين»، وغيرها. لطة القضائية
وفي أفق بلورة واعتماد هذه السياسة، ندعو للإسراع بإقامة المجلس الاستشاري للشباب
والعمل الجمعوي، كمؤسسة دستورية للنقاش وإبداء الرأي وتتبع وضعية الشباب.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
إن الاختلالات التي يعاني منها تدبير الشأن العام ليست قدرا محتوما. كما أن تجاوزها
ليس أمرا مستحيلا، إذا ما توفرت الإرادة الصادقة وحسن استثمار الوسائل المتاحة.
وهذا الأمر من اختصاصكم، برلمانا وحكومة ومنتخبين. فأنتم مسؤولون أمام الله،
وأمام الشعب وأمام الملك عن الوضع الذي تعرفه البلاد.
وأنتم مطالبون بالانخراط في الجهود الوطنية، بكل صدق ومسؤولية، لتغيير هذا الوضع،
بعيدا عن أي اعتبارات سياسوية أو حزبية. فالوطن للجميع ، ومن حق كل المغاربة أن يستفيدوا
من التقدم، ومن ثمار النمو.
فكونوا ، رعاكم الله في مستوى المسؤولية الوطنية الجسيمة، الملقاة على عاتقكم، لما
،
فيه صالح الوطن والمواطنين.
قال تعالى: «فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الخطاب الساميي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2019 – 2018
من الولاية التشريعية العاشرة
12 أكتوبر 2018
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
إن تجديد اللقاء بكم، باعتباركم ممثلي الأمة، في هذه المناسبة الدستورية السنوية،
يعد دائما مبعث سرور واعتزاز. ومما يضفي على هذه السنة التشريعية طابعا خاصا، كونها
تأتي في مرحلة شعارها روح المسؤولية والعمل الجاد».
فالتوجهات والتدابير التي دعونا إليها، خاصة في خطابي العرش وذكرى 20 غشت،
تقتضي التعبئة الشاملة، والعمل الجماعي، وقيام كل واحد بدوره كاملا، في ظل احترام
القناعات والاختلافات.
وإنكم، معشر البرلمانيين بصفة خاصة، في الأغلبية والمعارضة ، تتحملون مسؤولية ثقيلة
فة خاصة، هي الان
ونبيلة، في المساهمة في دينامية الإصلاح التي تعرفها بلادنا.
مثلما
فأنتم داخل هذه المؤسسة الموقرة، تشكلون أسرة واحدة ومتكاملة، لا فرق بينكم،
يعبر عن ذلك لباسكم المغربي الموحد، رغم اختلاف انتماءاتكم الحزبية والاجتماعية.
فالمصلحة الوطنية واحدة، والتحديات واحدة. ويبقى الأهم هو نتيجة عملكم الجماعي.
وإننا حريصون على مواكبة الهيئات السياسية، وتحفيزها على تجديد أساليب عملها، بما
يساهم في الرفع من مستوى الأداء الحزبي ومن جودة التشريعات والسياسات العمومية.
لذا، ندعو للرفع من الدعم العمومي للأحزاب، مع تخصيص جزء منه لفائدة الكفاءات
التي توظفها، في مجالات التفكير والتحليل والابتكار.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين
إن التعبئة الوطنية، والعمل الجماعي يتطلبان توفر مناخ سليم، وتعزيز التضامن بين
مختلف الشرائح الاجتماعية.
وهو ما نهدف إلى تحقيقه من خلال الإصلاحات والتدابير الاقتصادية والاجتماعية التي
نعتمدها من أجل تحسين ظروف العيش المشترك بين جميع المغاربة، والحد من الفوارق
الاجتماعية والمجالية.
،
فالمغرب، كان وسيظل إن شاء الله ، أرض التضامن والتماسك الاجتماعي، داخل
الأسرة الواحدة، والحي الواحد، بل وفي المجتمع بصفة عامة.
فداخل المدن العتيقة، مثلا، كان ولا يزال كل شيء متشابها ، في واجهات البيوت
وأبوابها ، حيث لا يمكن التفريق بين الوضعية المادية للأسر إلا بعد الدخول إلى المنازل. ذلك
أن روابط الوحدة والتماسك بين المغاربة لا تقتصر فقط على المظاهر، وإنما تنبع من قيم الأخوة
والوئام ، المتجذرة في القلوب، والتضامن في الأحزان والمسرات.
وإننا حريصون على تعزيز هذه الروابط التي تجمع المغاربة على الدوام، سواء من
خلال اعتماد سياسات اجتماعية ناجعة أو عبر تسهيل وتشجيع المساهمات التضامنية
على مختلف المستويات.
،
ولهذه الغاية، ندعو لتبسيط المساطر لتشجيع مختلف أشكال التبرع والتطوع
والأعمال الخيرية، ودعم المبادرات الاجتماعية والمقاولات المواطنة.
،
كما ينبغي وضع آليات جديدة لإشراك القطاع الخاص في النهوض بالميدان الاجتماعي،
والمساهمة في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، سواء في إطار المسؤولية المجتمعية للمقاولة،
أو من خلال إطلاق شراكات بين القطاعين العام والخاص في هذا المجال.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين
القضائية
إن التوجيهات الهامة التي قدمناها بخصوص قضايا التشغيل والتعليم والتكوين المهني ،
والخدمة العسكرية، تهدف للنهوض بأوضاع المواطنين، وخاصة الشباب، وتمكينهم من
المساهمة في خدمة وطنهم.
فالخدمة العسكرية تقوي روح الانتماء للوطن. كما تمكن من الحصول على تكوين
وتدريب يفتح فرص الاندماج المهني والاجتماعي أمام المجندين الذين يبرزون مؤهلاتهم، وروح
المسؤولية والالتزام.
وهنا يجب التأكيد أن جميع المغاربة المعنيين، دون استثناء، سواسية في أداء الخدمة
العسكرية، وذلك بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم الاجتماعية وشواهدهم ومستوياتهم التعليمية.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
إننا نضع النهوض بتشغيل الشباب في قلب اهتماماتنا ، ونعتبر أن هناك العديد من المجالات
التي يمكن أن تساهم في خلق المزيد من فرص الشغل.
.
ويعد التكوين المهني رافعة قوية للتشغيل إذا ما حظي بالعناية التي يستحقها وإعطاء
مضمون ومكانة جديدين لهذا القطاع الواعد وهو ما يقتضي العمل على مد المزيد من الممرات
والجسور بينه وبين التعليم العام، في إطار منظومة موحدة ومتكاملة، مع خلق نوع من التوازن
بين التكوين النظري والتداريب التطبيقية داخل المقاولات.
وعلاوة على دور التكوين في التأهيل لسوق الشغل، فإن القطاع الفلاحي يمكن أن
يشكل خزانا أكثر دينامية للتشغيل، ولتحسين ظروف العيش والاستقرار بالعالم القروي.
لذا ندعو لتعزيز المكاسب المحققة في الميدان الفلاحي، وخلق المزيد من فرص الشغل
والدخل، وخاصة لفائدة الشباب القروي. غايتنا انبثاق وتقوية طبقة وسطى فلاحية،
وجعلها عامل توازن ورافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، على غرار الدور الهام للطبقة
الوسطى في المدن.
وإننا ندرك ما تعرفه الأراضي الفلاحية من تقسيم متزايد، مع ما ينتج عن ذلك من ضعف
في الإنتاجية. كما أن استقرار الشباب بأرضهم يبقى رهينا بتمكينهم من فرص الشغل.
لذا نوجه الحكومة لبلورة آليات مبتكرة لمواصلة تحفيز الفلاحين على المزيد من الانخراط
في تجمعات وتعاونيات فلاحية منتجة ، ومتابعة تكوين في المجال الفلاحي.
وبموازاة ذلك، ندعو لتعزيز وتسهيل الولوج للعقار، وجعله أكثر انفتاحا على المستثمرين،
سواء الأشخاص أو المقاولات بما يرفع من الإنتاج والمردودية، ويحفز على التشغيل، مع
الحفاظ على الطابع الفلاحي للأراضي المعنية.
كما يتعين التفكير في أفضل السبل لإنصاف الفلاحين الصغار، خاصة فيما يتعلق
بتسويق منتوجاتهم والتصدي الصارم للمضاربات وتعدد الوسطاء.
ومن جهة أخرى، فإن تعبئة الأراضي الفلاحية المملوكة للجماعات السلالية، قصد إنجاز
المشاريع الاستثمارية في المجال الفلاحي، لا يمكن إلا أن تشكل رافعة قوية لتحسين المستوى
الاقتصادي والاجتماعي، وخاصة لذوي الحقوق.
وهو ما قد يمكن من تعبئة على الأقل، مليون هكتار إضافية من هذه الأراضي.
وعلى غرار ما يتم بخصوص تمليك الأراضي الجماعية الواقعة داخل دوائر الري
فإنه أصبح من الضروري إيجاد الآليات القانونية والإدارية الملائمة لتوسيع عملية التمليك،
لتشمل بعض الأراضي الفلاحية البورية لفائدة ذوي الحقوق.
ويجب القيام بذلك وفق شروط محددة تجمع بين الإنجاز الفعلي للمشاريع، والحد من
التجزئة المفرطة للاستغلالات الفلاحية، وتوفير المواكبة التقنية والمالية المطلوبة.
،
وفي نفس التوجه الهادف للنهوض بالتشغيل، ندعو لدراسة إمكانية فتح بعض القطاعات
والمهن غير المرخصة حاليا للأجانب، كقطاع الصحة أمام بعض المبادرات النوعية
والكفاءات العالمية، شريطة أن تساهم في نقل الخبرات، وفي خلق فرص شغل للشباب المغربي
حسب مؤهلاتهم.
ومما يزكي هذا التوجه الاهتمام المتزايد الذي تعبر عنه العديد من المصحات
والمستشفيات العالمية المشهود لها بالتميز من أجل الاستثمار في بلادنا.
،
وإذا كانت التحفيزات المغرية، تدفع بعض الطلبة للبقاء بالخارج، بعد استكمال دراستهم،
فإن من شأن المبادرة التي نقدم عليها ، أن توفر الظروف الملائمة للكفاءات المغربية، قصد
العودة للعمل والعطاء بأرض الوطن، إضافة إلى تشجيع المنافسة الإيجابية والسليمة، بما
يساهم في الرفع من جودة الخدمات.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين،
المغربية
لقد دعوت من هذا المنبر في السنة الماضية، إلى إعادة النظر في النموذج التنموي
نة الماضية : إعادة النـ
الوطني، وبلورة منظور جديد، يستجيب لحاجيات المواطنين، وقادر على الحد من الفوارق
والتفاوتات، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية ومواكبة التطورات الوطنية والعالمية.
وتبعا لذلك بادرت، مشكورة بعض المؤسسات والهيئات المعنية وعدد من الفعاليات
والكفاءات الوطنية بإعداد بعض المساهمات والدراسات.
ومن جهتنا، فقد سعينا ، من خلال المبادرات والإصلاحات التي أطلقناها ، هذه السنة،
لوضع بعض اللبنات، ورسم بعض التوجهات، واعتماد نفس جديد، لا سيما بالتركيز
على القضايا المستعجلة التي لا تقبل الانتظار، والتي تعد موضوع إجماع وطني، كالتربية
والتكوين، والتشغيل وقضايا الشباب ومسألة الدعم والحماية الاجتماعية.
وإذا كان من الطبيعي أن يأخذ هذا الموضوع المصيري، بالنسبة لمستقبل المغرب، وقتا
كافيا من التفكير والحوار، فإننا نعتقد أن هذا الورش الوازن قد بلغ مرحلة متقدمة من
النضج تقتضي الإسراع بتقديم المساهمات، وذلك في غضون الثلاثة أشهر المقبلة.
لذا قررنا تكليف لجنة خاصة ، مهمتها تجميع المساهمات، وترتيبها وهيكلتها ، وبلورة
خلاصاتها ، في إطار منظور استراتيجي شامل ومندمج على أن ترفع إلى نظرنا السامي،
مشروع النموذج التنموي الجديد، مع تحديد الأهداف المرسومة له، وروافد التغيير المقترحة،
وكذا سبل تنزيله.
حضرات السيدات والسادة البرلمانيين
إن الرهانات والتحديات التي تواجه بلادنا متعددة ومتداخلة، ولا تقبل الانتظارية
والحسابات الضيقة. فالمغرب يجب أن يكون بلدا للفرص، لا بلدا للانتهازيين. وأي مواطن
كيفما كان ينبغي أن توفر له نفس الحظوظ لخدمة بلاده، وأن يستفيد على قدم المساواة
مع جميع المغاربة، من خيراته، ومن فرص النمو والارتقاء
والواقع أن المغرب يحتاج اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى وطنيين حقيقيين،
دافعهم الغيرة على مصالح الوطن والمواطنين، وهمهم توحيد المغاربة بدل تفريقهم؛ وإلى رجال
دولة صادقين يتحملون المسؤولية بكل التزام ونكران ذات.
فكونوا ، رعاكم الله في مستوى هذه المرحلة، وما تتطلبه من خصال الوطنية الصادقة،
ومن تعبئة جماعية، وحرص على جعل مصالح الوطن والمواطنين فوق كل اعتبار.
قال تعالى: «ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا
في السماء». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة الإعلان عن إجراء تعديل دستوري
09 مارس 2011
«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز،
أخاطبك اليوم، بشأن الشروع في المرحلة الموالية، من مسار الجهوية المتقدمة، بما تنطوي
عليه من تطوير لنموذجنا الديمقراطي التنموي المتميز وما تقتضيه من مراجعة دستورية
عميقة، نعتبرها عمادا لما نعتزم إطلاقه من إصلاحات جديدة شاملة، في تجاوب دائم مع كل
مكونات الأمة.
كلفناها
ونود في البداية، الإشادة بالمضامين الوجيهة لتقرير اللجنة الاستشارية للجهوية التي
، منذ ثالث يناير من السنة الماضية، بإعداد تصور عام لنموذج مغربي للجهوية
المتقدمة؛ منوهين بالعمل الجاد الذي قامت به رئاسة ،وأعضاء ، وبالمساهمة البناءة، للهيئات
الحزبية والنقابية والجمعوية، في هذا الورش المؤسس.
وتفعيلا لما أعلنا عنه في خطاب 20 غشت 2010، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
ندعو الجميع للانخراط في مواصلة إنضاج ما جاء في هذا التصور العام، في نطاق نقاش وطني
واسع وبناء.
لقد اقترحت اللجنة، في نطاق التدرج، إمكانية إقامة الجهوية المتقدمة بقانون، في الإطار
المؤسسي الحالي، وذلك في أفق إنضاج ظروف دسترتها.
بيد أننا نعتبر أن المغرب بما حققه من تطور ديمقراطي، مؤهل للشروع في تكريسها
دستوريا.
وقد ارتأينا الأخذ بهذا الخيار المقدام، حرصا على انبثاق الجهوية الموسعة، من الإرادة
الشعبية المباشرة، المعبر عنها باستفتاء دستوري.
لقد قررنا، في نطاق الإصلاح المؤسسي الشامل الذي عملنا على توفير مقوماته، منذ
اعتلائنا العرش، أن يقوم التكريس الدستوري للجهوية على توجهات أساسية، من بينها :
• تخويل الجهة المكانة الجديرة بها في الدستور، ضمن الجماعات الترابية، وذلك في نطاق
وحدة الدولة والوطن والتراب ومتطلبات التوازن والتضامن الوطني مع الجهات، وفيما
بينها ؛
• التنصيص على انتخاب المجالس الجهوية بالاقتراع العام المباشر، وعلى التدبير الديمقراطي
لشؤونها
• تخويل رؤساء المجالس الجهوية سلطة تنفيذ مقرراتها ، بدل العمال والولاة؛
، تعزيز مشاركة المرأة في تدبير الشأن الجهوي خاصة، وفي الحقوق السياسية عامة؛
وذلك بالتنصيص القانوني على تيسير ولوجها للمهام الانتخابية؛
• إعادة النظر في تركيبة وصلاحيات مجلس المستشارين، في اتجاه تكريس تمثيليته
الترابية للجهات.
وفي نطاق عقلنة عمل المؤسسات، فإن تمثيلية الهيئات النقابية والمهنية، تظل مكفولة بعدة
مؤسسات، وعلى رأسها المجلس الاقتصادي والاجتماعي
ويظل هدفنا الأسمى إرساء دعائم جهوية مغربية ، بكافة مناطق المملكة، وفي صدارتها
أقاليم الصحراء المغربية جهوية قائمة على حكامة جيدة، تكفل توزيعا منصفا وجديدا،
ليس فقط للاختصاصات، وإنما أيضا للإمكانات بين المركز والجهات.
ذلك أننا لا نريد جهوية بسرعتين : جهات محظوظة ، تتوفر على الموارد الكافية لتقدمها ،
وجهات محتاجة، تفتقر لشروط التنمية.
شعبي العزيز،
حرصا منا على إعطاء الجهوية كل مقومات النجاعة، فقد ارتأينا إدراجها في إطار
إصلاح دستوري شامل يهدف إلى تحديث وتأهيل هياكل الدولة.
أجل، لقد حقق المغرب مكاسب وطنية كبرى، بفضل ما أقدمنا عليه من إرساء مفهوم
متجدد للسلطة، ومن إصلاحات وأوراش سياسية وتنموية عميقة، ومصالحات تاريخية رائدة ،
رسخنا من خلالها ممارسة سياسية ومؤسسية صارت متقدمة، بالنسبة لما يتيحه الإطار
الدستوري الحالي.
كما أن إدراكنا العميق لجسامة التحديات والمشروعية التطلعات، ولضرورة تحصين
المكتسبات، وتقويم الاختلالات، لا يعادله إلا التزامنا الراسخ بإعطاء دفعة قوية لدينامية
الإصلاح العميق، جوهرها منظومة دستورية ديمقراطية.
ولنا في قدسية ثوابتنا التي هي محط إجماع وطني، وهي الإسلام كدين للدولة، الضامنة
لحرية ممارسة الشعائر الدينية، وإمارة المؤمنين والنظام الملكي، والوحدة الوطنية والترابية،
والخيار الديمقراطي، الضمان القوي والأساس المتين لتوافق تاريخي، يشكل ميثاقا جديدا
بين العرش والشعب.
ومن هذا المنطلق المرجعي الثابت، قررنا إجراء تعديل دستوري شامل، يستند على سبعة
مرتكزات أساسية :
• أولا : التكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة الغنية بتنوع روافدها ،
وفي صلبها الأمازيغية، كرصيد لجميع المغاربة؛
،
. ثانيا : ترسيخ دولة الحق والمؤسسات وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية
وضمان ،ممارستها وتعزيز منظومة حقوق الإنسان ، بكل أبعادها، السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والتنموية، والثقافية والبيئية ، ولا سيما بدسترة التوصيات
الوجيهة لهيئة الإنصاف والمصالحة، والالتزامات الدولية للمغرب؛
• ثالثا : الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري
توطيدا لسمو الدستور، ولسيادة القانون، والمساواة أمامه؛
. رابعا : توطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها، وتعميق دمقرطة وتحديث المؤسسات
وعقلنتها ، من خلال
– برلمان نابع من انتخابات حرة ونزيهة، يتبوأ فيه مجلس النواب مكانة الصدارة،
مع توسيع مجال القانون، وتخويله اختصاصات جديدة، كفيلة بنهوضه بمهامه
التمثيلية والتشريعية والرقابية
– حكومة منتخبة بانبثاقها عن الإرادة الشعبية، المعبر عنها من خلال صناديق
الاقتراع، وتحظى بثقة أغلبية مجلس النواب؛
– تكريس تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس
النواب، وعلى أساس نتائجها ؛
– تقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية
الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي؛
– دسترة مؤسسة مجلس الحكومة، وتوضيح اختصاصاته؛
• خامسا : تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين بتقوية دور الأحزاب السياسية،
في نطاق تعددية حقيقية، وتكريس مكانة المعارضة البرلمانية، والمجتمع المدني؛
• سادسا : تقوية آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية
العمومية بالمراقبة والمحاسبة
• وسابعا : دسترة هيئات الحكامة الجيدة وحقوق الإنسان، وحماية الحريات.
شعبي العزيز
عملا بما رسخناه من انتهاج المقاربة التشاركية، في كل الإصلاحات الكبرى، فقد قررنا
تكوين لجنة خاصة لمراجعة الدستور، راعينا في اختيار أعضائها ، الكفاءة والتجرد والنزاهة.
وقد أسندنا رئاستها للسيد عبد اللطيف المنوني، لما هو مشهود له به من حكمة، ودراية
علمية عالية بالقانون الدستوري، وخبرة حقوقية واسعة؛ داعين مكونات اللجنة إلى الإصغاء
والتشاور مع المنظمات الحزبية والنقابية، ومع الفعاليات الشبابية، والجمعوية والفكرية
والعلمية المؤهلة وتلقي تصوراتها في هذا الشأن على أن ترفع إلى نظرنا السامي نتائج أعمالها ،
في غضون شهر يونيو المقبل.
،
وإننا نتوخى من هذه التوجهات العامة، وضع إطار مرجعي لعمل اللجنة، بيد أن ذلك لا
ح المثل الجنة.
يعفيها من الاجتهاد الخلاق، لاقتراح منظومة دستورية متقدمة لمغرب الحاضر والمستقبل.
وإلى أن يتم عرض مشروع الدستور الجديد على الاستفتاء الشعبي، وإقراره ودخوله حيز
التنفيذ، وإقامة المؤسسات المنبثقة عنه، فإن المؤسسات القائمة، ستواصل ممارسة مهامها ،
في إطار مقتضيات الدستور الحالي.
وفي هذا السياق، ندعو إلى التعبئة الجماعية، لإنجاح هذا الورش الدستوري الكبير، بثقة
وإقدام، وإرادة والتزام؛ وجعل المصالح العليا للوطن فوق كل اعتبار.
كما نعرب عن اعتزازنا بما يتحلى به شعبنا الوفي، بكل فئاته وجهاته ، وأحزابه ونقاباته
الجادة، وشبابه الطموح، من روح وطنية عالية ؛ متطلعين إلى أن يشمل النقاش الوطني الموسع،
القضايا المصيرية للوطن والمواطنين.
وإن إطلاقنا اليوم، لورش الإصلاح الدستوري يعد خطوة أساسية، في مسار ترسيخ
نموذجنا الديمقراطي التنموي المتميز، سنعمل على تعزيزها بمواصلة النهوض بالإصلاح
الشامل السياسي والاقتصادي والتنموي والاجتماعي والثقافي في حرص على قيام كل
المؤسسات والهيئات بالدور المنوط بها على الوجه الأكمل، والتزام بالحكامة الجيدة،
وبترسيخ العدالة الاجتماعية، وتعزيز مقومات المواطنة الكريمة.
،
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب». صدق
الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة حفل تنصيب اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور
10 مارس 2011
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة،
تفعيلا لما أعلنا عنه البارحة، في خطابنا الموجه للأمة، ها نحن اليوم، نتولى تنصيب اللجنة
الاستشارية لمراجعة الدستور.
إنها لحظة قوية تقتضي من الجميع، استحضار جسامة المسؤولية التاريخية، في بلورة
مشروع دستور متقدم؛ في استلهام لروح الإطار المرجعي الذي أكدنا على ثوابته الوطنية،
ومرتكزاته الديمقراطية.
وإننا ندعو اللجنة، لاعتماد منهجية الإصغاء والتشاور مع جميع الهيئات والفعاليات
المؤهلة، بدون استثناء؛ والاجتهاد الخلاق، لاقتراح نسق مؤسسي مضبوط، يقوم على
التحديد الواضح لسلطات المؤسسات الدستورية، بما يجعل كلا منها يتحمل مسؤوليته
كاملة، في مناخ سياسي سليم.
وبالنظر لما نوليه من أهمية خاصة ، لانخراط الأحزاب السياسية، في حسن بلورة وتفعيل
حكامة دستورية جيدة، فقد ارتأينا ألا يقتصر دورها على تقديم تصورات أمام لجنتكم
الموقرة، وإنما أن تكون مشاركتها موصولة في هذا الإصلاح الهيكلي، من بدايته إلى نهايته.
،
لذا قررنا إحداث آلية سياسية، مهمتها المتابعة والتشاور وتبادل الرأي، بشأن الإصلاح
المقترح، تضم بصفة خاصة، رؤساء الهيئات السياسية والنقابية، ورئيس لجنتكم.
وقد أسندنا رئاسة هذه الآلية إلى مستشارنا محمد معتصم.
،
وتظل الكلمة الأولى والأخيرة، بشأن مشروع الدستور للشعب المغربي الذي سيعبر عنها
مباشرة، عبر استفتاء حر ونزيه؛ هدفنا الجماعي الارتقاء بالمغرب إلى عهد دستوري ديمقراطي
جديد ، يعزز دولة الحق والمؤسسات، والمواطنة والكرامة ، والوحدة والسيادة. والله ولي التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
بمناسبة الإعلان عن مشروع الدستور
17 يونيو 2011
«الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز
أخاطبك اليوم، لنجدد العهد المشترك بيننا بدستور جديد، يشكل تحولا تاريخيا حاسما ،
في مسار استكمال بناء دولة الحق والمؤسسات الديمقراطية، وترسيخ مبادئ وآليات
الحكامة الجيدة، وتوفير المواطنة الكريمة، والعدالة الاجتماعية.
6
وهو المسار الطموح الذي أطلقناه منذ اعتلائنا العرش في تجاوب عميق مع كل القوى
الحية للأمة، وبفضله تمكنا ، بعد ثلاثة أشهر من إطلاق مسار المراجعة الدستورية، من بلورة
ميثاق دستوري ديمقراطي جديد، يرتكز على الإطار المرجعي المتقدم لخطابنا التاريخي،
لتاسع مارس الأخير الذي حظي بالإجماع الوطني، والمقترحات الوجيهة للهيئات السياسية
والنقابية، والجمعوية والشبابية، وكذا الاجتهاد الخلاق للجنة الاستشارية، والعمل البناء
للآلية السياسية، اللتين أحدثناهما لهذه الغاية.
ذه الغاية.
ونود التنويه بالإسهام الديمقراطي للجميع الذي مكننا ، بفضل هذه المقاربة التشاركية،
، مكنا، بفضل هذه القارية
من الارتقاء بمراجعة الدستور الحالي، إلى وضع دستور جديد، يتفرد بثلاث مميزات، في
منهجية إعداده، وفي شكله، وفي مضمونه.
فمن حيث المنهجية، حرصنا ، ولأول مرة في تاريخ بلادنا ، على أن يكون الدستور من صنع
المغاربة، ولأجل جميع المغاربة.
وأما من حيث الشكل، فلأنه قائم على هندسة جديدة، همت كل أبوابه، من الديباجة،
كجزء لا يتجزأ من الدستور، إلى آخر فصوله التي ارتفع عددها من 108 إلى 180 فصلا.
وأما من حيث المضمون، فهو يؤسس لنموذج دستوري مغربي متميز، قائم على دعامتين
متكاملتين:
وتتمثل الدعامة الأولى في التشبث بالثوابت الراسخة للأمة المغربية التي نحن على
استمرارها مؤتمنون؛ وذلك ضمن دولة إسلامية، يتولى فيها الملك ، أمير المؤمنين، حماية الملة
والدين، وضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية.
كما يكرس المشروع مكانة بلادنا ، كجزء من المغرب الكبير، والتزامها ببناء اتحاده،
وبتوطيد علاقات الأخوة العربية والإسلامية والتضامن الإفريقي، وتوسيع وتنويع علاقات
التعاون والشراكة مع جوارها الأوروبي والمتوسطي، ومع مختلف بلدان العالم ، دولة عصرية
متشبثة بالمواثيق الأممية، وفاعلة ضمن المجموعة الدولية.
وأما الدعامة الثانية، فتتجلى في تكريس مقومات وآليات الطابع البرلماني للنظام
السياسي المغربي في أسسه القائمة على مبادئ سيادة الأمة، وسمو الدستور، كمصدر
لجميع السلطات، وربط المسؤولية بالمحاسبة ، وذلك في إطار نسق دستوري فعال ومعقلن
جوهره فصل السلط ، واستقلالها وتوازنها، وغايته المثلى حرية وكرامة المواطن.
ومن معالم فصل السلط ، وتوضيح صلاحياتها، تقسيم الفصل 19 في الدستور الحالي،
إلى فصلين اثنين:
• فصل مستقل يتعلق بالصلاحيات الدينية الحصرية للملك، أمير المؤمنين، رئيس المجلس
العلمي الأعلى الذي تم الارتقاء به إلى مؤسسة دستورية.
• وفصل آخر يحدد مكانة الملك كرئيس للدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة،
والضامن لدوام الدولة واستمرارها، ولاستقلال المملكة وسيادتها، ووحدتها الترابية،
والموجه الأمين والحكم الأسمى، المؤتمن على الخيار الديمقراطي، وعلى حسن سير
المؤسسات الدستورية، والذي يعلو فوق كل انتماء.
ويمارس الملك مهامه السيادية والضمانية والتحكيمية، الواردة في هذا الفصل، استنادا
إلى مقتضيات فصول أخرى، منصوص عليها صراحة في الدستور، علما بأن التشريع يظل
اختصاصا حصريا للبرلمان.
شعبي العزيز،
إن المشروع الرسمي للدستور، يعد أكثر من قانون أسمى للمملكة ، وإنما نعتبره الأساس
المتين للنموذج الديمقراطي التنموي المغربي المتميز؛ بل وتعاقدا تاريخيا جديدا بين العرش
والشعب، وهو ما يتجلى في المحاور العشرة الأساسية التالية :
• المحور الأول: التكريس الدستوري للملكية المواطنة والملك المواطن ؛ وذلك من خلال:
– التنصيص على أن شخص الملك لا تنتهك حرمته، وعلى الاحترام والتوقير الواجب له،
كملك، أمير للمؤمنين، ورئيس للدولة.
– تحديد بلوغ الملك سن الرشد في 18 سنة، عوض 16 سنة ، إسوة بكافة إخوانه وأخواته
المغاربة.
– تخويل رئاسة مجلس الوصاية، لرئيس المحكمة الدستورية باعتبارها مسؤولة
عن احترام الدستور، وهو ما يشكل جوهر مهام هذا المجلس، وكذا جعل
تركيبته، تضم كافة السلطات الدستورية؛ وذلك بإضافة عضوية كل من رئيس
الحكومة، والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ فضلا عن الارتقاء
بتمثيلية العلماء به من خلال عضوية الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى.
،
• المحور الثاني: دسترة الأمازيغية كلغة رسمية للمملكة، إلى جانب اللغة العربية : فعلى
أساس التلاحم بين مكونات الهوية الوطنية الموحدة الغنية بتعدد روافدها، العربية الإسلامية،
والأمازيغية، والصحراوية الإفريقية، والأندلسية والعبرية والمتوسطية؛ فإن مشروع الدستور
يكرس اللغة العربية لغة رسمية للمملكة، وينص على تعهد الدولة بحمايتها والنهوض بها.
كما ينص على دسترة الأمازيغية كلغة رسمية أيضا، ضمن مبادرة رائدة، تعد تتويجا
لمسار إعادة الاعتبار للأمازيغية، كرصيد لجميع المغاربة؛ على أن يتم تفعيل ترسيمها ضمن
مسار متدرج، بقانون تنظيمي، يحدد كيفيات إدماجها في التعليم، وفي القطاعات ذات الأولوية
في الحياة العامة وبموازاة ذلك، ينص المشروع على النهوض بكافة التعبيرات اللغوية والثقافية
المغربية، وفي مقدمتها الحسانية ، كثقافة أصيلة لأقاليمنا الصحراوية العزيزة
وتجسيدا لحرصنا على تأهيل شبابنا ومواردنا البشرية، للانخراط في مجتمع المعرفة
والعولمة، وامتلاك ناصية العلوم والتقنيات، تم التنصيص على ضرورة الانفتاح على تعلم اللغات
العالمية الأكثر تداولا وإتقانها ؛ وكل ذلك، في إطار استراتيجية متناسقة، موطدة للوحدة
الوطنية، يسهر على تفعيلها مجلس أعلى مهمته النهوض بالثقافة المغربية، وباللغات الوطنية
والرسمية، وعقلنة مؤسساتها وتفعيلها، بما في ذلك المؤسسة المكلفة بتطوير اللغة العربية.
. المحور الثالث : دسترة كافة حقوق الإنسان، كما هو متعارف عليها عالميا، بكل آليات
حمايتها وضمان ممارستها . وهو ما سيجعل من الدستور المغربي، دستورا لحقوق الإنسان،
وميثاقا لحقوق وواجبات المواطنة.
وفي هذا الصدد، تمت دسترة سمو المواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، على
التشريعات الوطنية، ومساواة الرجل والمرأة في الحقوق المدنية؛ وذلك في نطاق احترام
أحكام الدستور، وقوانين المملكة، المستمدة من الدين الإسلامي، وكذا تكريس
المساواة بينهما، في كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية
والبيئية؛ وإحداث آلية للنهوض بالمناصفة بين الرجل والمرأة.
كما يكرس المشروع كافة حقوق الإنسان، بما فيها قرينة البراءة، وضمان شروط
المحاكمة العادلة، وتجريم التعذيب والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، وكل
أشكال التمييز والممارسات المهينة للكرامة الإنسانية، وكذا ضمان حرية التعبير
والرأي، والحق في الولوج إلى المعلومات وحق تقديم العرائض، وفق ضوابط يحددها
قانون تنظيمي.
وقد تم تعزيز الضمانات الدستورية لحقوق الطبقة العاملة، وللعدالة الاجتماعية،
والتضامن الوطني؛ وتكريس ضمان حرية المبادرة الخاصة، ودولة القانون في مجال
الأعمال.
• المحور الرابع: الانبثاق الديمقراطي للسلطة التنفيذية، بقيادة رئيس الحكومة: وفي هذا
الصدد، سيتم الارتقاء بالمكانة الدستورية « للوزير الأول» إلى رئيس للحكومة»، وللجهاز
التنفيذي الذي يتم تعيينه من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب؛ تجسيدا لانبثاق
الحكومة عن الاقتراع العام المباشر.
وتكريسا للمسؤولية الكاملة لرئيس الحكومة على أعضائها، فإن الدستور يخوله
صلاحية اقتراحهم، وإنهاء مهامهم، وقيادة وتنسيق العمل الحكومي، والإشراف على الإدارة
العمومية، حيث تم تخويلـه صلاحية التعيين بمرسوم، في المناصب المدنية، وفقا لقانون
تنظيمي، يحدد مبادئ وتكافؤ الفرص بالنسبة لكافة المغاربة في ولوج الوظائف العمومية ،
على أساس الاستحقاق والشفافية، وضوابط دقيقة.
ولرئيس الحكومة كذلك أن يقترح على الملك بمبادرة من الوزراء المعنيين، التعيين في
المجلس الوزاري، في بعض الوظائف العمومية العليا، كالولاة والعمال والسفراء، والمسؤولين
عن الإدارات العمومية الأمنية الداخلية، علما بأن التعيين في الوظائف العسكرية، يظل
اختصاصا حصريا وسياديا للملك، القائد الأعلى، ورئيس أركان الحرب العامة للقوات
المسلحة الملكية.
كما يخول المشروع لرئيس الحكومة صلاحية حل مجلس النواب، ويكرس استشارة
الملك له قبل إعلان حالة الاستثناء، وحل البرلمان؛ ويحدد ضوابط كل حالة، ضمانا لفصل
السلط وتوازنها وتعاونها.
ولتمكين الحكومة من أساس دستوري، لممارسة مسؤولياتها التنظيمية والتنفيذية،
تمت دسترة مجلس الحكومة، وتحديد وتوضيح اختصاصاته، في انسجام وتكامل وتمايز مع
مجلس الوزراء.
فالمجلس الوزاري ينعقد برئاسة الملك، بمبادرة منه، أو بطلب من رئيس الحكومة الذي
يشارك في أشغاله بحضور الوزراء فقط. وللملك أن يفوض رئاسته ، على أساس جدول أعمال
محدد، لرئيس الحكومة ، تعزيزا لسلطته التنفيذية، أما مجلس الحكومة، فينعقد برئاسة
رئيسها ، وبمبادرة منه ، وبتركيبة تشمل كافة أعضائها.
وعلى صعيد الاختصاصات، فإن تمايزهما يتجلى في تحويل مجلس الحكومة، صلاحيات
تنفيذية واسعة ذاتية تقريرية، وأخرى تداولية، تحال على المجلس الوزاري ليبت فيها ، ضمن
ما تم الاحتفاظ له ،به من صلاحيات استراتيجية وتحكيمية ، وتوجيهية، بما فيها الحرص
على التوازنات الماكرو – اقتصادية والمالية التي صارت قاعدة دستورية.
. المحور الخامس : قيام سلطة برلمانية، تمارس اختصاصات تشريعية ورقابية واسعة، إذ
يكرس مشروع الدستور سمو مكانة مجلس النواب بتخويله الكلمة الفصل في المصادقة
على النصوص التشريعية ، وتعزيز اختصاصاته في مراقبة الحكومة ، ولا سيما بتكريس
مسؤولية الحكومة الحصرية أمامه، كما تم حكر سلطة التشريع، وسن كل القوانين
على البرلمان، وتوسيع مجال القانون، ليرتفع من 30 مجالا حاليا ، إلى أكثر من 60 في
الدستور المقترح.
وحرصا على تخليق العمل البرلماني، ينص المشروع على دسترة منع الترحال البرلماني
وحصر الحصانة البرلمانية في التعبير عن الرأي فقط، وعدم شمولها لجنح وجرائم الحق
العام، كما تم التنصيص على حذف المحكمة العليا الخاصة بالوزراء، تكريسا
لمساواتهم، مع المواطنين أمام القانون والقضاء.
،
أما بالنسبة لمجلس المستشارين وحرصا على عقلنة تركيبته، فإن الدستور المقترح ينص
على أن يتراوح عدد أعضائه بين 90 و 120 عضوا.
وفي هذا الصدد، واستجابة للملتمس المرفوع إلينا من طرف المركزيات النقابية، والمدعوم
من قبل الأحزاب السياسية، بشأن تمثيلية النقابات في الغرفة الثانية ، فقد قررنا ، في إطار
مهامنا التحكيمية ، تضمين المشروع تمثيلية نقابية مناسبة ، وكذا للهيئات المهنية والمقاولاتية
الأكثر تمثيلية، وهو قرار نابع من جوهر نظام الملكية المغربية الاجتماعية، ومن مذهبنا
في الحكم القائم على جعل النهوض بالأحوال الاجتماعية لمواطنينا، في صلب انشغالاتنا،
سياسيا وميدانيا.
أما فيما يتعلق بمواطنينا المقيمين بالخارج، فإنه سيتم تحويلهم تمثيلية برلمانية، متى
نضجت الصيغة الديمقراطية لذلك؛ علما بأنهم يتمتعون بحق الانتخاب في مجلسي البرلمان.
• المحور السادس : تخويل المعارضة البرلمانية نظاما خاصا وآليات ناجعة، تعزيزا لدورها
ومكانتها في إثراء العمل البرلماني، تشريعا ومراقبة؛ حيث تم تمكينها من حق التمثيل النسبي
في كافة أجهزة البرلمان.
كما تم التنصيص على تقديم رئيس الحكومة لعرض مرحلي حول العمل الحكومي،
وإجابته على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة، وكذا تخفيض النصاب القانوني لتقديم ملتمس
الرقابة، وتكوين لجان التقصي، وإحالة مشاريع القوانين على المحكمة الدستورية
وكذا تمكين اللجان البرلمانية من صلاحية مساءلة المسؤولين عن الإدارات والمؤسسات
العمومية، تحت مسؤولية الوزراء المعنيين.
. المحور السابع : ترسيخ سلطة قضائية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية
تكريسا لاستقلال القضاء الذي نحن له ضامنون؛ وذلك بالنص صراحة في مشروع
الدستور الجديد، على أن النطق بالحكم إن كان يتم باسم الملك، فإنه يتعين أن يصدر
بناء على القانون.
وصيانة لحرمة القضاء، فقد تمت دسترة تجريم كل تدخل للسلطة أو المال، أو أي
شكل من أشكال التأثير في شؤون القضاء.
كما تم إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية»، كمؤسسة دستورية يرأسها
الملك، لتحل محل المجلس الأعلى للقضاء، وتمكينها من الاستقلال الإداري والمالي،
وتخويل رئيس محكمة النقض، مهام الرئيس المنتدب، بدل وزير العدل حاليا
تجسيدا لفصل السلط.
وبموازاة ذلك، تم تعزيز تركيبة المجلس الجديد، وذلك بالرفع من عدد ممثلي
القضاة المنتخبين، ومن نسبة تمثيل المرأة القاضية، وبما يضمن انفتاحه على عضوية
شخصيات ومؤسسات ذات الصلة بحقوق الإنسان، والدفاع عن استقلال القضاء.
كما تم توسيع اختصاصات المجلس، لتشمل علاوة على تدبير الحياة المهنية
للقضاة، مهام التفتيش وإبداء الرأي في النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالقضاء
وتقييم منظومته.
وتأكيدا لمبدإ سمو الدستور والقانون، تم الارتقاء بالمجلس الدستوري إلى «محكمة
دستورية»، ذات اختصاصات واسعة، تشمل علاوة على صلاحياته الحالية، مراقبة
دستورية الاتفاقيات الدولية والبت في المنازعات بين الدولة والجهات.
«
وتعزيزا للديمقراطية المواطنة، تم تحويل هذه المحكمة صلاحية البت في دفوعات
المتقاضين بعدم دستورية قانون تبين للقضاء أن من شأنه المساس بالحقوق والحريات
الدستورية.
. المحور الثامن : دسترة بعض المؤسسات الأساسية، مع ترك المجال مفتوحا لإحداث هيئات
وآليات أخرى، لتعزيز المواطنة والمشاركة الديمقراطية، بنصوص تشريعية أو تنظيمية :
وهكذا ، تمت دسترة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط، ومجلس الجالية
المغربية بالخارج، والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين
والبحث العلمي، وتوسيع اختصاصات المجلس الاقتصادي والاجتماعي لتشمل القضايا البيئية.
كما تم تعزيز المكانة الدستورية للأحزاب السياسية، والهيئات النقابية والمهنية،
ومنظمات المجتمع المدني، بتخصيص عدة فصـول لـكل منها.
وعملا على تمكين الشباب من فضاء مؤسسي للتعبير والنقاش، فقد حرصنا على
إحداث مجلس للشباب والعمل الجمعوي، يشكل قوة اقتراحية، لتمكينهم من المساهمة،
بروح الديمقراطية والمواطنة، في بناء مغرب الوحدة، والكرامة والعدالة الاجتماعية.
المحور التاسع: تعزيز آليات الحكامة الجيدة، وتخليق الحياة العامة، ومحاربة
الفساد ، بإحداث منظومة مؤسسية وطنية منسجمة ومتناسقة في هذا الشأن؛ وذلك من
خلال تعزيز دور المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات في مراقبة المال العام
وفي ترسيخ مبادئ الشفافية والمسؤولية والمحاسبة ، وعدم الإفلات من العقاب، ودسترة
مجلس المنافسة، والهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة والوقاية منها.
ولكون الأمن بمفهومه الاستراتيجي الشامل، قد غدا تحديا عالميا، فقد حرصنا
على تمكين بلادنا من آلية مؤسسية استشارية في شكل مجلس أعلى للأمن، نتولى
رئاسته.
ويضم هذا المجلس في عضويته رؤساء السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية،
والوزراء والمسؤولين والشخصيات المعنية.
كما يختص بتدبير القضايا الأمنية الاستراتيجية، الداخلية والخارجية، الهيكلية
والطارئة، ويشكل قوة تقويمية واقتراحية لترسيخ الحكامة الأمنية الجيدة ببلادنا.
شعبي العزيز،
إن منظورنا الشامل للديمقراطية الحقة، ومقومات الحكامة الجيدة، لا ينحصر في إعادة
توزيع السلطات المركزية، بل يقوم على توزيع السلطات والموارد ، بين المركز والجهات؛ وذلك
ضمن جهوية متقدمة، نعتبرها عماد الإصلاح العميق لهياكل الدولة وتحديثها.
،
وفي هذا المنظور، يندرج المحور العاشر المتمثل في التكريس الدستوري للمغرب الموحد
للجهات. مغرب يقوم على لامركزية واسعة ذات جوهر ديمقراطي، في خدمة التنمية
المندمجة البشرية والمستدامة، وذلك في نطاق وحدة الدولة والوطن والتراب، ومبادئ التوازن،
‘
والتضامن الوطني والجهوي
ولإبراز هذا الخيار الاستراتيجي في مشروع الدستور، فقد تم تخصيص باب للجماعات
الترابية وللجهوية المتقدمة على أساس الإطار المرجعي الذي أعلنا عنه ، في خطابنا التاريخي
لتاسع مارس، على أن يتولى قانون تنظيمي تحديد اختصاصات الدولة والجهات، وموارد وآليات
وتنظيم الجهوية.
شعبي العزيز،
جلس الأعلى للسلطة القضائية
إن أي دستور مهما بلغ من الكمال، فإنه ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لقيام
مؤسسات ديمقراطية، تتطلب إصلاحات وتأهيلا سياسيا ينهض بهما كل الفاعلين لتحقيق
طموحنا الجماعي، ألا وهو النهوض بالتنمية وتوفير أسباب العيش الكريم للمواطنين
ومن هذا المنطلق، فإن خديمك الأول، عندما سيقوم بواجبه الوطني، بالتصويت بقول
نعم لمشروع الدستور الجديد، المعروض على الاستفتاء الشعبي، إنما لاقتناعي الراسخ بأن
مشروع هذا الدستور يعتمد كل المؤسسات والمبادئ الديمقراطية والتنموية، وآليات الحكامة
الجيدة، ولأنه يصون كرامة كل المغاربة وحقوقهم، في إطار المساواة وسمو القانون.
أجل، سأقول نعم لهذا المشروع، لاقتناعي بأنه بجوهره سيعطي دفعة قوية، لإيجاد حل نهائي
للقضية العادلة لمغربية صحرائنا ، على أساس مبادرتنا للحكم الذاتي، كما سيعزز الموقع
الريادي للمغرب في محيطه الإقليمي، كدولة تنفرد بمسارها الديمقراطي الوحدوي المتميز.
وإني لأدعو الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية، ومنظمات المجتمع المدني التي
شاركت، بكل حرية والتزام في صنع هذا الميثاق الدستوري المتقدم من بدايته إلى نهايته،
إلى العمل على تعبئة الشعب المغربي، ليس فقط من أجل التصويت لصالحه، بل بتفعيله
باعتباره خير وسيلة لتحقيق التطلع المشروع لشبابنا الواعي والمسؤول، بل لكل المغاربة،
لتحقيق طموحنا الجماعي لتوطيد بناء مغرب الطمأنينة والوحدة والاستقرار، والديمقراطية
والتنمية والازدهار والعدالة والكرامة وسيادة القانون ودولة المؤسسات
وستجدني شعبي الوفي، في طليعة العاملين على التفعيل الأمثل لهذا المشروع الدستوري
المتقدم الذي يوطد دعائم نظام ملكية دستورية ، ديمقراطية برلمانية واجتماعية، بعد إقراره،
بعون الله وتوفيقه بالاستفتاء الشعبي، ليوم فاتح يوليوز القادم.
«قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
39 خطاب ورسالة
المسؤولين عن الجهات والولايات والعمالات والأقاليم من رجال الإدارة وممثلي
المواطنين
12 أكتوبر 1999
…))
إن مسؤولية السلطة في مختلف مجالاتها هي أن تقوم على حفظ الحريات وصيانة الحقوق
وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك على النحو الذي تقتضيه دولة الحق والقانون
في ضوء الاختيارات التي نسير على هديها من ملكية دستورية وتعددية حزبية وليبرالية
اقتصادية وواجبات اجتماعية بما كرسه الدستور وبلورته الممارسة.
المملكة المغربية
إن السياق المشجع الذي جعل بلدنا يندرج ضمن الاقتصاديات الناهضة لم يكن وليد
الصدفة، لقد عرفت بلادنا في الآونة الأخيرة سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية
والضريبية والقانونية من أجل حفز الاقتصاد وتشجيع الاستثمار فضائية
إننا لنعي أن هناك جملة من المعوقات البنيوية كالتضارب في مراكز القرار والهوة
بين روح القوانين ومنطوقها، مما ينعكس سلبا على تطبيقها والبطء في الإنجاز، دون
وجود ضوابط قانونية ضد هذه الممارسات.
ولتذليل كل الصعاب والمنح الفرصة للقطاع الخاص الوطني والأجنبي للاستثمار
خاصة بالنسبة للمقاولات المتوسطة والصغيرة التي نعلق الأمل عليها في إيجاد مناصب شغل
لمختلف مستويات الكفاءة والتأهيل، قررنا إنشاء لجنة خبراء تحت رئاستنا ، تطبعها قواعد
العقلانية تهدف إلى معرفة مواقع الخلل واقتراح الوسائل الكفيلة بتبسيط الإجراءات
وإزالة كل الحواجز التي تعوق التجاوب بين المستثمر ،والإدارة، تفاديا لإزعاج المعنيين ونزع
الثقة منهم الشيء الذي يجعلهم يترددون فيما يودون القيام به، وربما يتخلون عنه.
ولترسيخ هذا الإطار المشجع للفاعلين الاقتصاديين، فإن عزمنا وطيد كذلك على
ترسيخ دولة الحق والقانون في الميدان الاقتصادي، وعلى إصلاح للقضاء والرفع من عدد
المحاكم التجارية وعلى وضع القوانين المالية الملائمة.
….
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
الموجهة إلى الوزير الأول حول المخطط الخماسي
16 دجنبر 1999
وبهذا الاعتبار ، يجب أن يسمح التخطيط بتوضيح معالم الطريق وتوجيه البلاد لنهج
المسار المنشود، وذلك في إطار تقوية التوجيه نحو تدعيم دولة الحق والقانون وخدمة الصالح
العام وإرساء حرية المبادرة الخاصة وفتح الباب على مصراعيه لتفتق الطاقات الإبداعية.
رمع
كما يتعين الحرص على ضمان مكانة متميزة لبلادنا، في إطار تعاون مثمر مـ
التكتلات الجهوية والقارية، وبصفة خاصة في اتجاه بناء المجال الاقتصادي المغاربي
آخذين بعين الاعتبار التزاماتنا الدولية التي كرست اختياراتنا فيما يتعلق بالانفتاح
الإيجابي على العالم الخارجي، ملكة المغربية
وبموازاة مع هذه الأهداف يتعين رفع مستوى الأداء الاقتصادي والاجتماعي لأجهزة
الدولة، وذلك بإصلاح الإدارة والعدل والمؤسسات العمومية، لما لذلك من وقع حاسم على
تعميق الديمقراطية وتأهيل النسيج الاقتصادي الوطني لمواكبة مقتضيات التنافسية
الدولية.
. (…
…))
الموجهة إلى المجلس الوطني لإعادة تأهيل المدينة التاريخية لطنجة
08 أبريل 2000
فالمجتمع المغربي كان عبر تاريخنا المجيد مجتمعا أصيلا في تآزره مترابطا
باستمرار بعرى التكافل، لا يتكل على الدولة إلا فيما هي منوطة به من أمن وعدل
وحماية وتخطيط. أما الشأن المحلي، فقد كان دائما من اختصاص السكان، هم
الذين يتولون تدبيره على مستوى الحي والمدينة والقرية والمدشر والقصبة والقبيلة
يواجهون متطلباتهم ويقومون بتسيير أمورهم بأنفسهم.
….
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
بمناسبة افتتاح أشغال المجلس الأعلى للانعاش الوطني و التخطيط
04 ماي 2000
إن الدولة تتحمل وظائف التوجيه والتنظيم والتنسيق بين مختلف الفاعلين والتحفيز
على الاستثمار والتشغيل. فهي بهذا الاعتبار مطالبة بتوفير المناخ القانوني والإداري
لتضمن حسن تدبير الشأن العام، وترشيد السياسة المالية، وتوفير الادخار وعقلنة تسيير
المرافق العمومية، إضافة إلى سهرها على إعادة توزيع الثروات الوطنية انطلاقا من توفير
التجهيزات والخدمات الاجتماعية وغيرها، لا سيما للفئات المحرومة والمهمشة.
وإذا كنا نسجل بكل افتخار واعتزاز الجهود التي بذلت في سياق تدعيم دولة الحق
والقانون، فإن المجهودات المستقبلية يجب أن تنصب على استكمال إصلاح النظام
القضائي وتثبيت استقلاليته وتحديث الجهاز الإداري وعقلنته، حتى يتم بعث جو الثقة
الإداري وعقلة
لدى المواطنين وغرس قيمه في نفوسهم.
….
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
بمناسبة مأدبة الغداء التي أقامتها السيدة أولبرايت على شرف جلالته
20 يونيو 2000
لقد عملت الحكومة المغربية في عهد والدي المنعم جلالة المغفور له الحسن الثاني
رحمه الله، وكذا منذ اعتلائي العرش، بدون هوادة على تحسين المناخ الاقتصادي عبر
القيام بإصلاحات هيكلية مكنت من تحرير نظام التجارة وإصلاح قانون الاستثمارات،
وإعادة تنظيم النظام المالي وخصخصة عدد من المقاولات العمومية، مع التحكم في
المعطيات والمؤشرات الأساسية للاقتصاد الوطني.
وقد شرعنا الآن في مراجعة القوانين الاجتماعية وتبسيط المساطر الإدارية
والقضائية، حتى نجعل من المغرب وجهة مفضلة للاستثمارات، وإطارا محفزا على
تنمية أنشطة الشركات المختلطة المحدثة لفرص الشغل والمدرة لأرباح مضمونة ومحمية
بفضل قوانين دولة نموذجية للحق والقانون
….
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
استقبال
جلالته لأعضاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وأعضاء هيئة التحكيم
المستقلة للتعويض عن كايا الاختطاف والاعتقال التعسفي
وذكرو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
10 دجنبر 2000
«الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة،
لقد عاهدنا شعبنا الوفي منذ اعتلائنا عرش أسلافنا الميامين للسير على نهجهم
القويم في جعل العدل قوام نظام حكمنا ومبتغاه، وباستكمال بناء الدولة العصرية
للحق والقانون والمؤسسات التي أجمعت الإرادة المشتركة لكل من جدنا ووالدنا
المنعمين، الملكيين محمد الخامس والحسن الثاني قدس الله روحيهما ، وكافة
مكونات الأمة المغربية على تشييدها في نطاق ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية
قائمة على التشبث بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا.
،
ونود بهذه المناسبة أن نعرب عن كبير تنويهنا بما تحلى به أعضاؤها من حكمة وتجرد
نبه أعضارها من حكمة
وموضوعية في معالجتهم لقضية شائكة، مؤكدين عزمنا الراسخ على تعزيز هذه الهيئة
بجميع الوسائل المادية والبشرية من أجل الطي النهائي العادل والمنصف والحضاري لهذا الملف،
وتعبئة كل الطاقات لاستكمال بناء دولة الحق والقانون الذي يعد خير حصانة ضد كل
أشكال التجاوزات.
….
الموجهة إلى اللجنة الوطنية المكلفة بالتحضير
للدورة
الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة لمتابعة مؤتمر القمة العالمي
من أجل الطفل
5 يناير 2001
…))
على الرغم من أهمية المكاسب التي حققتها بلادنا في مجال النهوض بوضعية
الطفولة، فإن ما نصبوا إليه من جعل العشرية القادمة مرحلة فاصلة تنتقل فيها
الفئات المستضعفة من طفولتنا إلى وضعية تنعم فيها بما نريده لها من تكريم وتمتع
بكامل حقوقها، كل ذلك رهين بوضع استراتيجية وطنية تساهم في بلورتها كل
القوى الحية للأمة.
لذلكم نهيب بلجنتكم الوطنية أن تحدد أهدافها وأولوياتها، وأن تعبئ الإمكانات
المتاحة لتفعيلها، جاعلة في صلب اهتماماتها العناية بالأسرة كنواة أساسية وطبيعية
لنمو الطفل، وتقوية دور المدرسة، والعناية بتمدرس الفتاة في العالم القروي، والاهتمام
بصحة الطفل تعزيزا للمكانة المتميزة لبلدنا في مجال التلقيح ضد الأمراض الفتاكة،
وكذا مكافحة جميع أشكال سوء
وء المعاملة والاستغلال المشين، والنهوض بأوضاع
ذوي الاحتياجات الخاصة كالمعاقين، والعناية بفئة اليافعين منهم عن طريق التأهيل
المهني، وكذا بالجانحين، وذلك بإيجاد فضاء خاص بهم وجعل المراكز الإصلاحية
فضاءات تربوية وتأهيلية وعلاجية لإعادة إدماجهم اجتماعيا.
. (…
…))
الموجهة إلى الوزير الأول في موضوع التدبير
اللامتمركز
للاستثمار
09 يناير 2002
وكثيرا ما شد انتباهنا ما تواجهه فئات المقاولين من مصاعب بسبب الإجراءات
المتعددة والمعقدة التي يستوجبها إحداث الشركات أو المقاولات الفردية، ويتطلبها
استكمال المساطر الإدارية التي تستلزمها عملية الاستثمار.
وإذا كانت هذه المساطر والإجراءات التشريعية أو التنظيمية غالبا ما تكون
ضرورية، لأن حرية المبادرة الخاصة التي كرسها الدستور تقتضي إيجاد إطار قانوني
ملزم كفيل وحده بطمأنة المستثمر وضمان مساواة الجميع أمام القانون، وكذا تهيئ
مناخ ملائم للمنافسة الشريفة ، فإن من الواجب تبسيط هذه الإجراءات والمساطر
وتقليصها، والحرص على أن يتم العمل بها بأكثر ما يمكن من القرب من المستثمرين.
لذا ، فقد قررنا أن تحدث ، تحت مسؤولية ولاة جلالتنا على الجهات، مراكز جهوية
للاستثمار تتولى نوعين من المهام الرئيسية ، أحدهما للمساعدة على إنشاء المقاولات،
والآخر لمساعدة المستثمرين، وتتكون بالتالي من شباكين إثنين: –
وهكذا، فإن الشباك المكلف بالمساعدة على إنشاء المقاولات يعد المخاطب
الوحيد بالنسبة للأشخاص الذين يرغبون في إحداث مقاولة مهما يكن شكلها ،
ويودون الاستفادة من خدماته. ويمكن أن يتوفر هذا الشباك على ملحقات، على
صعيد العمالات أو الأقاليم أو الجماعات، حسب الحاجة وما تسمح به الوسائل. ويضع
القائمون على هذا الشباك رهن إشارة الطالبين مطبوعا موحدا يتضمن كل المعلومات
القانونية والتنظيمية الضرورية لإنشاء أي مقاولة.
كما يتولى هؤلاء القائمون إنجاز كافة الإجراءات الضرورية للحصول لدى
الإدارات المختصة على الوثائق والشهادات التي تقتضيها التشريعات والتنظيمات
لإحداث أي مقاولة، ويسلمون للطالبين في أجل يحدده الوالي كل الوثائق الإدارية
التي تثبت وجود مقاولاتهم.
أما الشباك الآخر الخاص بمساعدة المستثمرين، فيتولى:
تزويد المستثمرين بكل ما يفيدهم من معلومات بشأن الاستثمار الجهوي؛
• دراسة كافة طلبات الترخيص الإداري أو تحضير جميع الوثائق الإدارية الضرورية
لإنجاز مشاريع الاستثمار في قطاعات الصناعة والتصنيع الفلاحي والمعادن والسياحة
والصناعة التقليدية والسكن بالنسبة للمشاريع المقدرة بما دون مائتين مليون درهم
وذلك لتمكين والي الجهة من تسليم التراخيص أو توقيع القرارات الإدارية المتعلقة بهذا
الاستثمار؛
• دراسة مشاريع العقود أو الاتفاقيات التي ستبرم مع الدولة من أجل منح المستثمرين
امتيازات خاصة ، بالنسبة للاستثمارات المتعلقة بالقطاعات المذكورة سلفا التي تساوي
أو تفوق مبلغ مائتي مليون درهم، والقيام بتوجيهها إلى السلطة الحكومية المختصة
من أجل المصادقة والتوقيع عليها من لدن الأطراف المتعاقدة. ويقوم الوالي في حدود
اختصاصاته، بإعداد وتنفيذ التراخيص والوثائق والعقود الضرورية لإنجاز الاستثمار
موضوع الاتفاقية التي يتكفل بتنفيذها ؛
. اقتراح الحلول التوافقية لما قد ينشأ من منازعات بين المستثمرين والإدارات.
تتم الدراسة المذكورة في إطار احترام القوانين والتنظيمات المتعلقة بهذا المجال
من لدن المندوبين الجهويين للوزارات المختصة الذين يطلعون الوالي على ما يزاولونه من
اختصاصات في هذا الشأن.
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
ولا يخفى عليك، وزيرنا الأول رعاك الله ، أن إصلاح بعض المساطر المتعلقة بإحداث
الشركات التجارية، يتطلب مراجعة النصوص التشريعية المعمول بها في هذا المجال.
لذا نستحث حكومتنا على المبادرة بدراسة مشاريع القوانين ذات الصلة، حتى تحال على
البرلمان في أقرب الآجال.
كما ينبغي مواصلة الجهود لتحديث إدارة العدل ومراجعة مساطر التسوية
التوافقية، لما قد ينشأ من منازعات بين التجار، وذلك لتمكينهم من اللجوء أكثر ما
يمكن إلى التحكيم.
….
الإعلان عن الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى الوزير الأول
في موضوع التدبير اللامتمركز للاستثمار
09 يناير 2002
…))
وعملا على وضع حد لتعدد وتعقد الآليات القانونية والإدارية، مما أجهض كثيرا
من مشاريع الاستثمار الوطنية والأجنبية، فإن رسالتنا تستهدف تبسيط الإجراءات
الإدارية أمام المستثمر الذي سيجد رهن إشارته المسؤول والمخاطب الوحيد ، والمكان
الأقرب الموحد ، والوثيقة الموحدة، لإنشاء مقاولته أو تنمية استثماراته.
وهنا نود أن نؤكد بأن تفويض بعض الصلاحيات الوزارية للولاة في مجال
الاستثمار، لا يعني مطلقا تجاوز مسؤولية الحكومة التي تظل أساسية وكاملة، في
النهوض بالاستثمار، بتوفير الرؤية الاستراتيجية وترتيب الأولويات في جميع مجالاته،
وخلق المناخ المناسب لذلك، بتفعيل إصلاحات معقلنة ومبسطة ومحفزة على الاستثمار،
للأنظمة القضائية والإدارية والجبائية وللمناخ الاجتماعي
المجلس الأعلى للسلطة القضائي
إن العمل الذي نحن بصدده يستهدف التحول بالمغرب إلى اقتصاد منتج تنافسي ومجتمع
حديث ، تترسخ فيه ثقافة وممارسة التشاور والتعاقد ؛ وذلك بتحديد أهداف وبرامج ومخططات،
وتوفير وسائل إنجازها المشترك. وهذا يتطلب جهدا متواصلا ، لا يقف فقط عند حدود تنصيب
مراكز جهوية للاستثمار، بل يتعداه إلى تأهيل اقتصادنا لرفع التحديات التي تمليها علينا
التزاماتنا الدولية، سواء في إطار منظمة التجارة العالمية، أو اتفاقية الشراكة مع الاتحاد
الأوروبي، أو في نطاق خلق سوق حرة عربية ومتوسطية.
. (…
الكلمة السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله
بمناسبة تعيين الحكومة
07 نونبر 2002
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة أعضاء الحكومة،
ها نحن اليوم بتعيين الحكومة الجديدة، نوفر لبلادنا الجهاز التنفيذي الذي
نتوخى منه كسب رهان التدبير الجيد المرتكز على التحام المشروعية الديمقراطية
بالفعالية الاقتصادية، باعتبارهما قوام استكمال بناء مغرب التنمية والتقدم والعدل
والتماسك الاجتماعي.
. (…
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
بمناسبة تعيين وتنصيب الأعضاء الجدد
في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ووالي ديوان المظالم
10 دجنبر 2002
إننا بتنصيبنا لكل من ديوان المظالم والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لا
نستهدف فقط تعزيز الأجهزة المكلفة بمساعدة جلالتنا على حماية حريات المواطنين،
وإنما نرمي إلى تزويد بلادنا بمؤسسات كفيلة بتقويم الاختلالات وردع الانتهاكات،
التي قد تمس حقوقهم، مساهمة باقتراحاتها العملية في الإصلاح التشريعي والقضائي
والإداري.
ونود أن نشيد بكل الهيئات والأشخاص الذين تجاوبوا مع توجهنا بصدق وحماس،
مؤكدين بأن المجلس سيظل مفتوحا أمام كل الفاعلين الذين يبرهنون على حسن استعدادهم
للانخراط في دينامية الإصلاح واستكمال بناء دولة القانون.
لمملكة المغربية
وبالنظر لما لحقوق الإنسان من وزن متزايد في العلاقات الدولية، فإننا ندعو المجلس،
بتعاون مع الهيئات الاستشارية المماثلة التي يتولى المغرب رئاستها العالمية، إلى الاعتناء بحقوق
رعايانا الأوفياء المحتجزين بتندوف ضدا على كل المواثيق الدولية، وكذا التنسيق مع الهيئات
المماثلة من أجل صيانة كرامة المغاربة المقيمين بالخارج. وتفعيلا لمفهومنا للسلطة، فقد قمنا
بإحداث ديوان المظالم ليجسد بدوره حرصنا على تنمية تواصلها مع المواطن، في التزام تام
بضوابط سيادة القانون والإنصاف، منوهين في هذا السياق بالجهود التي بذلها وزيرنا الأول
السابق السيد عبد الرحمن اليوسفي من أجل انبثاق هذه المؤسسة.
وإننا لننتظر منكم أن تكونوا خير من يعمل على حماية حقوق الإنسان وإشاعتها
ثقافة وممارسة، ضمن مسار طويل وشاق مدعوم بعزمنا القوي على المضي به لبلوغ
مقاصده النبيلة في ترسيخ العدل والإنصاف والوعي بالتزامات المواطنة، وفتح مجال
أرحب أمام المشاركة الديمقراطية……
…))
إثر الاعتداءات الإرهابية التي ضربت مدينة الدار
البيضاء
29 ماي 2003
وإذا كنا معتزين بالوقفة العفوية للشعب المغربي قاطبة كرجل واحد ضد من خانوا وطنهم
وقتلوا غدرا وعمدا أناسا أبرياء، وبالتضامن العالمي الواسع من كل الدول الشقيقة والصديقة
في هذه المحنة، فإن ذلك يجب ألا ينسينا أن ما وقع بالدار البيضاء كان بالإمكان أن يحدث
بأي مكان. وإذا كانت الدولة، إدراكا منها بالأخطار الإرهابية، قد تحملت مسؤوليتها في
محاربتها والحرص على الوقاية منها بقوة القانون، عن طريق نصوص ظلت معروضة على
البرلمان عدة شهور، فإن بعض الأوساط عملت على المعارضة المنهجية لتوجهات السلطات
العمومية، مسيئة استعمال حرية الرأي فللجميع أقول : إن التمتع بالحقوق والحريات يقتضي
القيام بواجبات والتزامات المواطنة، مؤكدا أن بناء الديمقراطية وترسيخها لا يمكن أن يتم
إلا في ظل الدولة القوية بسيادة القانون
لقد دقت ساعة الحقيقة معلنة نهاية زمن التساهل في مواجهة من يستغلون الديمقراطية
التساهل
للنيل من سلطة الدولة، أو من يروجون أفكارا تشكل تربة خصبة لزرع أشواك الانغلاق
والتزمت والفتنة، أو يعرقلون قيام السلطات العمومية والقضائية بما يفرضه عليها
القانون من وجوب الحزم في حماية حرمة وأمن الأشخاص والممتلكات. تم
ولشعبنا العزيز الواثق بثوابته الحضارية، المتشبث بمقدساته وبمكاسبه الديمقراطية،
أقول: إن الإرهاب لن ينال منا. وسيظل المغرب وفيا لالتزاماته الدولية، مواصلا بقيادتنا مسيرة
إنجاز مشروعنا المجتمعي الديمقراطي الحداثي، بإيمان وثبات وإصرار. وسيجد خديمه الأول
في مقدمة المتصدين لكل من يريد الرجوع به إلى الوراء، وفي طليعة السائرين به إلى الأمام،
لكسب معركتنا الحقيقية ضد التخلف والجهل والانغلاق. وهذا ضمن استراتيجيتنا الشمولية
المتكاملة الأبعاد ، بما فيها الجانب السياسي والمؤسسي والأمني، المتسم بالفعالية والحزم في
إطار الديمقراطية وسيادة القانون.
….
…))
بمناسبة تنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة
07 يناير 2004
وسنظل حريصين على الطي النهائي لهذا الملف بتعزيز التسوية العادلة غير
القضائية، وتضميد جراح الماضي، وجبر الضرر بمقاربة شمولية جريئة ومتبصرة تعتمد
الإنصاف ورد الاعتبار وإعادة الإدماج واستخلاص العبر والحقائق لمصالحة المغاربة مع
ذاتهم وتاريخهم، وتحرير طاقاتهم للإسهام في بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي الذي
يعد خير ضمان لعدم تكرار ما حدث.
وتلكم هي السبيل القويم لترسيخ روح المواطنة الإيجابية، وجعل الديمقراطية وحب الوطن
وإشاعة ثقافة حقوق وواجبات الإنسان خير تحصين لمجتمعنا من نزعات التطرف والإرهاب التي
نحن مصممون على مواجهتها بحزم الساهرين على صيانة الأمن والاستقرار في ظل سيادة
القانون، وتحرير الطاقات الكفيلة بجعل المغاربة قاطبة في انسجام تام مع تطلعات وطنهم،
ورفع ما يواجهه من تحديات داخلية وخارجية. مارية
….
…))
الموجهة للمشاركين في أشغال ملتقى تكاملات الاستثمار
فاتح دجنبر 2005
وبالفعل، فالمغرب انتهج منذ استقلاله خيارا استراتيجيا، قوامه الحرية والتعددية السياسية
والانفتاح الاقتصادي، برغم ما كان يعرفه العالم الثالث من هيمنة لبعض الإيديولوجيات.
وهكذا، أقرت بلادنا، منذ البداية، حق الملكية وحرية المقاولة ضمن جملة من
الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور والقانون، مركزة جهودها على تشجيع
الاستثمار لتوفير الأسس الضرورية لنموه داخليا ولجلب الاستثمارات الأجنبية.
وترسيخا لهذا الاختيار، عملنا على رفع كل العوائق التي تقف في وجه الارتقاء
بالاستثمار، حيث قمنا بإصلاح مدونة الشغل، وأولينا عناية فائقة للحوار الاجتماعي
ولإشاعة مناخ اجتماعي سليم وتنافسي وفضلا عن ذلك، فقد أحدثنا المراكز الجهوية
للاستثمار، مع حث حكومتنا على متابعة العمل الهادف إلى تبسيط المساطر الإدارية،
وضمان عدالة ناجعة في مجال الأعمال وتحسين الحكامة وأنظمة التدبير.
إننا لجد سعداء بأن نسبغ رعايتنا السامية على هذه الندوة الدولية الهامة، لأن
موضوعها، وهو «الاستثمار المسؤول اجتماعيا، يشكل نقطة تقاطع مع اقتناعنا بكون
البحث عن النمو الاقتصادي وجلب الاستثمارات يجب أن يكونا أيضا محكومين بمبادئ
ومعايير ذات أبعاد نوعية إدراكا منا أن تحقيق هاته الأهداف لا يمكن أن يختزل
في اعتماد مؤشرات كمية فحسب، بل ينبغي تقديره في ضوء مراعاة قيم أساسية، من
قبيل احترام القانون والتشريع الاجتماعي وحقوق الإنسان وحماية الطبيعة، ومصداقية
وشفافية الحكامة، مع الأخذ بعين الاعتبار قواعد السوق وحقوق المستهلك.
،
وفي نفس السياق يتعين تقييم إنجاز تلكم الأهداف بمدى التزام كل فاعل اقتصادي
بالتنمية الاجتماعية للمجموعات التي يمارس نشاطه في إطارها .
. (…
الموجهة إلى المشاركين في الدورة الرابعة لملتقى تكاملات الاستثمار
07 دجنبر 2006
…))
إن الكثيرين منكم ، أيها المشاركون في هذه التظاهرة، قد وضعوا ثقتهم في بلادنا
وفي اقتصاده، ذلك أن العديد منكم اختار الاستثمار في المغرب والإقامة فيه والإسهام،
وبالتالي في دعم حيويته ومد إشعاعه. فلكم أتوجه بأزكى عبارات الامتنان، مؤكدا
لكم عزمنا القوي المضي قدما في مضاعفة الجهود ، مع شركائنا الحاليين والمحتملين
وبالاعتماد عليهم، لجعل المغرب وجهة متميزة للمستثمرين مستقطبة للرساميل
والكفاءات والأنشطة الاقتصادية الجديدة.
وفي هذا الصدد، وعلى الرغم من الصعوبات التي لا تزال قائمة، فإننا نعرب
عن ارتياحنا للنتائج التي تحققت لنا على مستوى وضع الإطار الماكرو اقتصادي،
وتبسيط المساطر ، واعتماد البرامج القطاعية المستقبلية، وتشييد البنى الأساسية ذات
التنافسية، واتخاذ التدابير التحفيزية للفعل الاستثماري. كما نعمل في نفس الإطار من
أجل تحديث منظومة الحكامة في بلادنا ، من خلال الإصلاحات المؤسساتية والنهوض
بالحريات وتحديث منظومتنا الإدارية والقانونية والقضائية.
….
الموجهة إلى المشاركين في إحياء ذكرى الاعتداء الإرهابي على مقهى «أركانة»
28 أبريل 2014
…))
وفي ظرفية يتزايد فيها خطر الإرهاب دوليا وفي محيطنا الجهوي الإفريقي، نؤكد
التزام المغرب الراسخ بمواصلة انخراطه الفعال في الجهود الجهوية والدولية الهادفة
للتصدي لهذه الآفة العابرة للحدود، والتي لا دين لها ولا ،وطن ومحاربة شبكاتها
وعصاباتها الإجرامية بلا هوادة، والعمل على تجفيف منابعه.
كما نؤكد نهج المغرب الراسخ في التصدي للإرهاب، باستراتيجية شمولية، ومتعددة
الأبعاد ، يتكامل فيها الجانب الأمني، مع التقدم الديمقراطي والعمل التنموي، ومع
الإبداع الثقافي والفكري المتنور في التزام بسيادة القانون ومساواة الجميع أمامه، وفي
ظل سلطة القضاء.
. (…
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الموجهة إلى المشاركين في الندوة المنعقدة بمناسبة الاحتفاء بالذكرو 50
لإحداث البرلمان في المغرب
25 نونبر 2013
…))
وفي هذا السياق، يجدر بنا التذكير بأول خطاب لجدنا المقدس، جلالة الملك محمد
الخامس، طيب الله ثراه، بعد عودته من المنفى، حيث أكد رحمه الله على ضرورة
إحداث مؤسسات ديمقراطية قائمة على مبدإ الفصل بين السلط في إطار ملكية
دستورية.
فبفضل ما شهدته هذه المؤسسة الدستورية من تراكمات إيجابية على مدى أزيد
من نصف قرن من الزمن، فقد تمكنت بلادنا من ترسيخ أسس الديمقراطية التمثيلية
فقد تمكنت بلا
وفتح الباب لقاعدة التمييز بين السلط في الهندسة الدستورية المغربية
ا ليلة الدسـ
31 2017
وسيرا على نفس النهج التدريجي، فقد بوأ دستور 2011 البرلمان المغربي مكانة ستور 2011 البرلمان المغربى.
متميزة في البناء المؤسسي الوطني، حيث أصبح بالفعل سلطة تشريعية قائمة الذات
مساهما في إرساء الفصل بين السلط، في إطار التوازن بين المؤسسات، الذي يعد ضمانه
مهمة من مهام جلالتنا.
وكما أكدنا على ذلك في خطابنا الأخير أمام مؤسستكم الموقرة، فإنه من
الضروري، في إطار ولاية تشريعية مؤسسة وانتقالية، الالتزام بقيام تعاون هادئ وبناء
بين الحكومة والبرلمان خلال المسار التشريعي ضمانا لنجاح الولاية الحالية، وذلك من
خلال إيجاد الصيغ الملائمة لتجسيد هذا التعاون، كمبدإ دستوري متلازم مع مبدأي
الفصل بين السلطات وتوازنها.
وإن الحديث عن البرنامج التشريعي يحيل على واجب دستوري وسياسي، ذلك أنه يتعين،
بعد انصرام سنتين من الولاية التشريعية الحالية، الخروج من هذه الفترة الدستورية الانتقالية.
وفي هذا الصدد، ندعو إلى الإسراع بإخراج القوانين التنظيمية مع مراعاة الأسبقية
فيما بينها ، وقد يكون من الواجب أن نذكر في هذا الإطار على الخصوص، بالقوانين
التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية، وبتلك المتصلة بالحكامة الترابية كمرحلة
إعدادية لانبثاق نموذجنا في الجهوية المتقدمة، مما يتيح في الحالة الأولى تنصيب
المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفي الحالة الثانية من انتخاب مجلس المستشارين في
صيغته الدستورية الجديدة.
فالهندسة العامة للدستور المغربي توفر مجموعة من الوسائل والمرجعيات في مجال
التعاون بين السلط تجعل أي إشكال في التفعيل قابلا للتجاوز، في ظل إشرافنا ،
بصفتنا ضامنا لحسن سير المؤسسات وحكما أسمى بينها.
….
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
إلى المشاركات في القمة العالمية للنساء
28 يونيو 2003
…))
وواصل والدنا المعظم جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، تغمده الله برحمته،
تشييد صرح المغرب الحديث، فاسحا المجال أمام النساء لولوج كل أسلاك التعليم
وقطاعات الشغل، فحرر ما يزخرن به من طاقات، وعينهن في أعلى مناصب المسؤولية
بالإدارة والقضاء والمؤسسات العمومية، وأسند إليهن حقائب وزارية في الحكومة،
مبرزا دوما ما يتحلين به من كفاية وانضباط واستقامة
وفي هذا الصدد، فإننا بوصفنا أمير المؤمنين، حامي حمى الملة والدين، قد انشأنا
لجنة خاصة، زودناها بتعليماتنا السامية لتستمع وتتدارس كافة التظلمات الواردة
من الجمعيات النسائية ومن كل القوى الحية في البلاد، وترفع اقتراحاتها إلينا بشأن
الآليات والمساطر الكفيلة بضمان حسن تطبيق المدونة ، وما سيطرأ عليها من تعديلات،
وذلك في احترام تام لهويتنا وتعاليم ديننا الحنيف مع الحرص بصفة خاصة على تماسك
الأسرة والوئام الاجتماعي
((…
إلى المشاركين في المؤتمر الخامس والثلاثين لغرفة التجارة الدولية
06 يونيو 2004
…))
وإننا لحريصون على إعطاء دفعة قوية لدعم حرية المبادرة الخاصة وسياسة الانفتاح
وتحرير الاقتصاد، وإرساء كل الآليات الديمقراطية التي تمكن من تحقيق توزيع
متكافئ للخيرات، مجسدين ذلك على أرض الواقع بالإصلاحات الكبرى التي مكنت
من وضع الأسس الصلبة لمشروعنا الرامي لبناء مجتمع ديمقراطي وحداثي يكرس
دولة الحق والقانون في مجال الأعمال، ويحفز على الاستثمارات الخاصة بفضل إطاره
المؤسساتي والقانوني المدعوم بتشريعات وهيئات جديدة مختصة في التحكيم التجاري
والمستجيب للمعايير الدولية.
وبموازاة هذه الإصلاحات الهامة التي شملت أيضا اعتماد سياسة ماكرو / اقتصادية
حازمة تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي نواصل العمل من أجل تعزيز ما تم تحقيقه
من تطور كبير في النهوض بحقوق الإنسان مولين عناية خاصة للإصلاحات الأساسية
للقضاء ولتخليق الحياة العامة، وإعادة هيكلة وتحديث القطاع العام.
ائية
. (…
…))
بمناسبة انعقاد قمة القادة
حول مكافحة تنظيم «داعش» والتطرف العنيف في نيويورك
30 شتنبر 2015
وإن الانتشار المقلق لهذه الآفة العالمية، يسائلنا جميعا ويدعونا للمزيد من التنسيق
والتعاون، وترشيد الوسائل المتاحة من أجل تحرك أكثر نجاعة وتأثيرا.
،
فالأبعاد الأمنية والعسكرية والقضائية لها دورها الكبير في محاربة التطرف
والإرهاب إلا أنها تبقى لوحدها غير كافية.
وهو ما يقتضي بلورة استراتيجية مندمجة، تشمل أيضا النهوض بالجانب الاجتماعي
والتنموي، إضافة إلى الدور الهام للبعد التربوي والديني في نشر ثقافة التسامح
والاعتدال.
….
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
بمناسبة انعقاد القمة الثامنة والعشرين للاتحاد الإفريقي
31 يناير 2017
ويحق لإفريقيا اليوم، أن تعتز بمواردها وبتراثها الثقافي، وقيمها الروحية والمستقبل
كفيل بتزكية هذا الاعتزاز الطبيعي من طرف قارتنا.
فإفريقيا قادرة، بل ومن واجبها أن تصادق على مساراتها الانتخابية بنفسها ، وتصون
الاختيار الحر لمواطنيها.
فهي تتوفر على آليات التقنين والضبط، وعلى المؤسسات القضائية، كالمجالس
الدستورية والمجالس العليا المخول لها صلاحية البت في المنازعات والطعون المرتبطة
بالانتخابات.
وعند الاقتضاء، يمكن تعزيز هذه المؤسسات. فهي موجودة على أرض الواقع وتقوم
ز هذه المرسات فهي:
بعملها. وإلا فما الفائدة من وجودها؟
….
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
بمناسبة انعقاد القمة الواحدة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات
الاتحاد الإفريقي
02 يوليوز 2018
وتشكل آفة الفساد التي ما فتئت تنخر كيان مجتمعاتنا ، إحدى العقبات الرئيسية
التي تنتصب في طريقنا . وقد أحسنت قمتنا باختيارها لهذه المعضلة موضوعا رئيسيا
لأشغالها .
إن مشكلة الفساد لا يمكن اختزالها فقط في بعدها المعنوي أو الأخلاقي
فالفساد ينطوي أيضا على عبء اقتصادي، يلقي بثقله على قدرة المواطنين
الشرائية، لا سيما الأكثر فقرا منهم. فهو يمثل 10 بالمائة من كلفة الإنتاج في بعض
القطاعات الاقتصادية.
: المملكة المغربية
وعلاوة على ذلك، يساهم الفساد في الانحراف بقواعد الممارسة الديمقراطية
وفي تقويض سيادة الحق والقانون؛ كما يؤدي إلى تردي جودة العيش، وتفشي الجريمة
وانعدام الأمن والإرهاب.
المنظمة،
وفي المقابل، لا يمكن أن نغفل ما نلاحظه في شتى الميادين من مؤشرات إيجابية،
وجهود حثيثة في مجال التصدي لهذه الآفة. فالتدابير المتخذة في هذا الشأن، ما فتئت
تعطي ثمارها ، وتحقق مكاسب مهمة على أرض الواقع.
ففي خضم المعركة المتواصلة، دون هوادة في مواجهة الفساد، تحرز بعض
بلدان قارتنا، وهي كثيرة، نتائج تضاهي أحيانا ما تحققه بعض الدول الأكثر تقدما.
وبالتالي، فهي نماذج تحفزنا جميعا على أن نحذو حذوها في هذا المضمار.
كما أن من شأن الإصلاحات المؤسساتية الجارية داخل الاتحاد الإفريقي أن
تساهم بنصيبها في انبثاق ثقافة للتصدي لهذه الآفة.
أصحاب الفخامة والمعالي حضرات السيدات والسادة،
لقد أدركت المملكة المغربية بدورها ما للفساد من آثار مدمرة، فآلت على نفسها
ألا تدخر جهدا في سبيل القضاء عليه.
فبعدما صادق المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، في سنة 2007،
قام بتطوير ترسانته المؤسساتية والقانونية ذات الصلة ، حيث تمت ملاءمتها مع المعايير
الدولية في هذا المجال.
وسعيا إلى توحيد هذه الجهود وتنسيقها، اعتمدت المملكة المغربية، منذ سنة
2015 ، استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، وأحدثت لجنة وطنية أسندت إليها مهمة
السهر على تنزيل أهداف هذه الاستراتيجية.
وتهدف هذه الاستراتيجية التي يمتد تنفيذها على مدى عشر سنوات، إلى تغيير
الوضع بشكل ملموس ولا رجعة فيه، في أفق 2025 ، وتعزيز ثقة المواطنين، وتوطيد
ثقافة النزاهة في عالم الأعمال وتحسين مناخه، مع ترسيخ موقع المملكة على الصعيد
الدولي.
،
وبعدما ارتقى الدستور بالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها .
إلى مصاف المؤسسات الدستورية، تم مؤخرا توسيع اختصاصاتها ، وتعزيز مهمتها في
مجال التتبع.
وستساهم هذه المؤسسة ، حسب نص قانونها الجديد، في تدعيم العمل متعدد الأبعاد
الذي تقوم به كل من الحكومة والسلطة القضائية في هذا المجال.
….
الموجهة إلى المشاركين في أشغال القمة العالمية الثانية لمبادرة
«نساء في إفريقيا»
27 سبتمبر 2018
…))
ومن هذا المنطلق، نعمل على توفير ظروف العيش الحر الكريم لكل المغاربة. كما
أننا عملنا، منذ عدة سنوات، على وضع المغرب في مسار المساواة بين الرجل والمرأة،
باعتبار ذلك حقا من الحقوق الإنسانية الأساسية، ومطلبا قانونيا، وضرورة اجتماعية
واقتصادية.
وقد جاء دستور 2011 بتحول جوهري في هذا الشأن، مرسخا بشكل لا لبس فيه،
مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والحريات مع السعي لتحقيق المناصفة.
ومن أجل تعزيز هذه الدينامية، أطلقنا عددا من البرامج الهادفة إلى دعم الاستقلالية
الاقتصادية وروح المبادرة الحرة لدى النساء على الصعيد الوطني. وفي هذا الصدد،
عملنا على إصلاح مدونة الأسرة وإصلاح القانون الجنائي من أجل التصدي للعنف ضد
المرأة، كما تم تحديد مساهمة المرأة داخل البرلمان وفي نفس السياق عملنا على إحداث
جائزة التميز التي تهدف إلى تشجيع الإسهامات المتميزة للنساء في مجال تكريس
مبدأي الإنصاف والمساواة
ساء على الجـن
كما تم إطلاق جملة من المبادرات في هذا المجال، تروم مراعاة مبدأ المساواة في
وضع السياسات العمومية والتخطيط لها وتنفيذها.
….
.2 مقتطفات من رسائل ملكية سامية موجهة إلى ملتقيات
ومؤتمرات دولية
…))
الموجه إلى المشاركين في
المؤتمر
الدولي الرابع والثلاثين للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان
08 يناير 2001
ونعتقد أن هذا المسعى يتطلب تظافر الجهود وتكامل الإرادات الهادفة إلى النهوض
بحقوق الإنسان بروح إيجابية توفر الضمانات القانونية والمؤسساتية والعملية الضرورية
لذلك كما توفر الشروط الموضوعية اللازمة للتمتع من استقرار وتنمية وعدالة، لأن
تكامل البعدين هو الكفيل بتجنيبنا مآسي الاضطرابات والتطرف والتعصب والانغلاق
التي نشهد في بقاع متعددة مدى تقويضها لأبسط مقومات الوجود الإنساني.
أدت مختلف شعوب العالم التواقة للحرية والعدل ثمنا غاليا للوصول إليه عبر الكفاءات
والمآسي التي مثلتها الحروب الكونية والحروب الاستعمارية وموجات العنصرية والتعصب
والإرهاب والانتهاكات عبر العالم.
المجلس الأعلى للسلطة القضائي
السيدات والسادة، إن عالمنا في حاجة إلى إقامة أسس جديدة للتعاون والشراكة والتعاضد
خدمة للإنسانية جمعاء حتى نتمكن من بناء فضاء يسوده العدل والحرية وترسيخ الديمقراطية
وضمان حقوق الإنسان.
إننا نؤمن بأن القرن الجديد يدعوننا جميعا إلى مواصلة الجهود لتحقيق العدل والنماء
والتمتع بحقوق الإنسان حتى نجعل الأفراد والشعوب يقررون مصيرهم بأنفسهم ويضطلعون
بدورهم الفاعل ومسؤوليتهم في بناء الحاضر والمستقبل بما يقتضيه ذلك من وعي ودراية
بكامل أبعاد وتحديات الواقع المحلي والدولي.
….
الموجهة إلى المشاركين في الدورة السابعة
للجمعية العامة للمجموعة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة
24 أبريل 2001
«الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
حضرات السيدات والسادة،
إنه لمن دواعي مسرتنا أن نتوجه بمناسبة افتتاح الدورة السابعة للجمعية العامة للمجموعة
العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة إلى رؤساء وأعضاء الوفود المشاركة في هذه
التظاهرة المتميزة، مرحبين بضيوفنا المرموقين ومعبرين لهم عما نوليه من أهمية بالغة
للرقابة على الأموال العمومية اعتبارا للدور الهام الذي تضطلع به أجهزتها العليا
في مجالات ترشيد الإنفاق العمومي وعقلنة تدبير الشأن العام وتخليق مرافقه وهو
الأمر الذي يساعد على تعزيز ركائز دولة الحق والقانون وتوسيع نطاق الديمقراطية
وتعميم مبادئ الشفافية والمساءلة وخدمة الصالح العام، وكذا دعم اللامركزية وعدم
التمركز كأسلوبين حديثين في التسيير الإداري.
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
حضرات السيدات والسادة،
إذا كان المغرب قد خطى خطوات هامة في ميدان المراقبة واتخذ في هذا المجال
عدة إجراءات دستورية وقانونية وتنظيمية لتطوير وتفعيل منظومته الرقابية فإننا قد آلينا
على نفسنا منذ تولينا عرش أسلافنا المنعمين مضاعفة الجهود من أجل ترسيخ مبادئ
الشفافية وتحصين العمل الإداري من كل الانحرافات والانزلاقات وتوجيه تصرفات
المسؤولين توجيها صحيحا قوامه الأخلاق الحميدة والمساءلة وخدمة الصالح العام.
وإذا كان مما يبعث على الارتياح التقدم الذي حققته المراقبة المالية في بلادنا من
خلال الدور الذي قام به المجلس الأعلى للحسابات في التحسيس وإثارة الانتباه إلى ضرورة
احترام القانون والتقيد بالمساطر والضوابط وبخاصة من خلال إصداره لعدد كبير من
الأحكام في مجالي النظر في حسابات المحاسبين العموميين والتأديب المتعلق بالميزانية
والشؤون المالية، فإننا نحثه على أن يضاعف من مجهوداته وأن يوجه اهتماما خاصا
إلى المساهمة في المبادرات والأعمال المبذولة من أجل تخليق الحياة العامة ومحاربة
مختلف أنواع التبذير والرفع من مردودية مختلف المرافق وتقييم المشاريع العمومية،
خاصة وأن دستور المملكة قد أناط به مسؤوليات جديدة تتمثل أساسا في بذل المساعدة
للبرلمان والحكومة في الميادين التي تدخل في مجال اختصاصاته جاعلا منه مؤسسة
دستورية مستقلة عن الجهازين التشريعي والتنفيذي وسلطة استشارية محايدة تقدم آراء
واقتراحات موضوعية تستنير بها الجهات المعنية في اتخاذ قراراتها وتقويم الاختلالات
التي يبرزها المجلس.
وحرصا على تدعيم سياسة اللامركزية التي تنهجها بلادنا، فقد نص دستور
المملكة على إحداث مجالس جهوية للحسابات عهد إليها بممارسة الرقابة العليا
على حسابات وتسيير الجماعات المحلية والهيئات التابعة لها محيلا على القانون تحديد
اختصاصات المجلس والمجالس الجهوية للحسابات وقواعد تنظيمها وطريقة سيرها.
وفي هذا الإطار فإن مشروع مدونة المحاكم المالية المعروض حاليا على أنظار البرلمان
يشكل نقلة نوعية لنظام الرقابة ببلادنا وذلك من خلال اقتراح مفاهيم جديدة ضمن
نظرة مستقبلية ذات بعد شمولي لآليات المراقبة من شأنها أن تجعل من مختلف مكونات
المنظومة الرقابية الوطنية وحدة متكاملة ومتناسقة تتكون من محاكم مالية متمثلة
في المجلس والمجالس الجهوية للحسابات ومن هيئات للتفتيش والمراقبة الداخلية وكل
هذه الهيئات تمارس مهامها بشكل يمكن المجلس الأعلى للحسابات، من تتبع وتقييم
عمل هيئات التفتيش والمراقبة الداخلية، وتوظيف نتائج أعمالها في ممارسة مختلف
اختصاصاته بوصفه الجهاز الأعلى للرقابة.
. (…
الموجهة إلى المشاركين في الملتقى الثاني للأجهزة المكلفة بتقنين الاتصالات
بكل من إفريقيا والعالم العربي
17 شتنبر 2001
…))
وبفضل النظر الثاقب لوالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، قدس الله روحه،
فإن المغرب قد كان في طليعة الدول التي لم تخلف موعدها التاريخي مع الثورة
الرقمية، جاعلا من قطاع تكنولوجيات الإعلام والاتصال رافعة قوية لكسب رهانات
التحديث والتنافسية واستقطاب الاستثمار المنتج وتشغيل الشباب شديد الإقبال على
هذه التكنولوجيات ولإصلاح نظام التربية والتكوين وتسريع مسلسل إصلاح الإدارة
والقضاء وترسيخ اللامركزية واللاتمركز فضلا عما توفره الأجهزة المكلفة بتقنين
هذا القطاع في إطار التنافسية والشفافية من ترسيخ لدولة القانون في مجال الأعمال.
. (…
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
بمناسبة اليوم العالمي يحقوق الإنسان
10 دجنبر 2001
ونحن في هذا كله سائرون على نهج أسلافنا الميامين الذين عملوا دوما على إحداث
مؤسسات بجانبهم تتولى اطلاعهم على ما قد يلحق رعاياهم من مظالم وإصلاح، ما قد
يصدر عن بعض المسؤولين الإداريين من أخطاء وتعسفات موطدين بذلك ما حققه والدنا
المنعم جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه من مكاسب في مجال صيانة حريات
المواطنين وحقوقهم بتوفيره لحماية قضائية عصرية لها، من خلال المحاكم الإدارية
وحماية سياسية بواسطة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
،
كما أننا نعطي من خلال إحداثنا لمؤسسة ديوان المظالم بعدا آخر ملموسا لمفهومنا
للسلطة القائم على جعلها في خدمة المواطن والتنمية وعلى قربها منه والتزامها بضوابط
سيادة القانون والإنصاف
المملك
المغربية
وقد حرصنا على أن نجعل من هذه المؤسسة أداة فعالة لتطوير التواصل بين المواطن
والإدارة، ووسيلة مرنة وتوفيقية ومبسطة للنظر في شكايات وتظلمات رعايانا الأوفياء،
وملاذا آمنا للذين يعتبرون أنفسهم ضحايا أي قرار أو عمل مخالف للقانون أو مشوب
بعدم الإنصاف صادر عن أي إدارة أو هيئة عهد إليها بممارسة صلاحيات السلطة
العمومية مستهدفين تخفيف عبء الشكايات الإدارية عن المجلس الاستشاري لحقوق
الإنسان مدعمين الدور الهام الذي ننتظر منه النهوض به من خلال تركيبته المقبلة في
مجال حماية الحريات والحقوق
وكي لا يكون ديوان المظالم مجرد مكتب للشكايات، بل قوة اقتراحية للإصلاح
التشريعي والإداري والقضائي الذي نحن فيه ماضون ، فقد خولنا والي المظالم أن يرفع
تقريرا سنويا لجلالتنا في هذا الشأن فضلا عن تقديم ملاحظاته وتوصياته وتقاريره
الدورية إلى وزيرنا الأول وإلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
وبإحداثنا لهذه المؤسسة الذي يأتي في سياق التدابير التي اتخذناها لتحقيق
مصالحة المواطن مع الإدارة ووضع حد لشعوره بعدم تواصل السلطة معه والحد من
ثقل البيروقراطية، وتخليق المرفق العام نعطي شحنة قوية لمفهوم المواطنة سائلين الله
تعالى أن يوفقنا إلى أن نخطو بشعبنا العزيز خطوات متواصلة نحو ما نتطلع إليه من
استكمال بناء دولة الحق والقانون وتحكيم قيم العدل والإنصاف ورفع الحيف مهما
كان مصدره.
. (…
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي حول الديمقراطية والإرهاب والأمن
10 مارس 2005
…))
عندما يثير المغرب قضية الإرهاب، فإنه يدرك بمرارة ، حق الإدراك، ماهيته وغايته.
فالاعتداءات الآثمة لسادس عشر ماي 2003 بالدار البيضاء، وقد أدمت قلوبنا بما خلفته من
ضحايا مغاربة وأجانب، إنما كانت تستهدف المس بهويتنا الحضارية، ومشروعنا المجتمعي
الديمقراطي الحداثي. واعتبارا منا بأن الإرهاب، حيثما كان يحرض علـى التعصب
والتطرف والعنف والعدوان والاستبداد ، فإن هذه الاعتداءات لم تزدنا إلا إصرارا على مواصلة
المسير، بحزم وعزم، لترسيخ الانتقال الديمقراطي، من خلال استراتيجية شمولية متكاملة
ومتعددة الأبعاد.
وفي هذا الصدد، اعتمدت بلادنا مجموعة من الآليات القانونية، لصون وترسيخ
ما تحقق من مكاسب ديمقراطية، والمحاربة ظاهرة الإرهاب في إطار من الاحترام
التام لمنظومة حقوق الإنسان، وفي نطاق ما تتيحه الديمقراطية ودولة القانون من وسائل
وإمكانيات. وإننا إذ نواصل، بلا كلل، عملنا الهادف إلى تعزيز مسلسل دمقرطة
المجتمع، وتحديث وتحرير الاقتصاد، وتحقيق التنمية المستدامة، وتوسيع مجال
الحريات، والمبادرة والانفتاح الثقافي، وتقوية دور المجتمع المدني، لنتوخى من كل ذلك
جعل بلادنا في مأمن من خطر الانغلاق والتزمت
((…
…))
بمناسبة الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان
10 دجنبر 2008
كما نؤكد التزام المغرب الثابت بالقيم والمبادئ النبيلة التي كرستها هذه الوثيقة
التاريخية، إذ شكلت مصدرا لمواثيق دولية وإقليمية ، جعلت من حقوق الإنسان إرثا
مشتركا للبشرية جمعاء من أجل بناء عالم يسوده الإخاء والسلم، والعدل والكرامة
والمساواة.
وإذ نثمن اختيار شعار الكرامة والعدالة للجميع» لهذه الذكرى، فإننا لا نعتبره
مجرد شعار يرفع في مناسبة ، بل مطلبا جوهريا للإنسانية جمعاء، ولا سيما منها الفئات
والجهات التي تعاني المهانة والقهر والفقر.
ومن هذا المنطلق حرصنا على أن نجعل من تخليد بلادنا لهذه الذكرى الستينية تعبيرا عن
مواصلة السير قدما على درب استكمال بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات، غايتنا
المثلى تمكين المغرب دولة ومجتمعا من مراكمة المزيد من المكتسبات التي تؤهله للارتقاء
مراكمة المزيد من الكليات التي الجميلة
بانتقاله الديمقراطي إلى أعلى المستويات الليل
إنه رصيد غني، إن لم تكن هذه الرسالة تتسع لاستعراضه على سبيل التفصيل،
فحسبنا منه بعض معالمه البارزة وفي طليعتها توطيد الحقوق السياسية والمدنية وعلى
رأسها تعزيز مساواة الرجل بالمرأة، وهو ما جسدته مدونة الأسرة التي ما تزال رائدة في
بابها والتي ما فتئت تعطي ثمارها، مؤكدين حرصنا الموصول على تكريس توسيع
فضاء حرية التعبير والرأي بجميع أنواعه، وذلك في نطاق سيادة القانون.
ويأتي في المقام الموالي نجاح المغرب في تحقيق العدالة الانتقالية ضمن تجربة فريدة
في محيطنا الجهوي والقاري والخامسة من نوعها عالميا بشهادة الأمم المتحدة.
لا يفوتنا ، ونحن نخلد هذا الحدث التاريخي بما يحمله من معاني العدالة والحرية
والكرامة الإنسانية، التنديد بما يتعرض له المغاربة المحتجزون في مخيمات تندوف من
معاناة ومهانة في خرق سافر لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.
كما أنها تقتضي إيجاد مؤسسات وآليات ناجعة للنهوض بها وحمايتها، لذا فإننا
مصممون على تدعيمها بفتح أوراش هيكلية كبرى، نتوخى منها صيانة كرامة
مواطنينا وتحقيق العدالة بمفهومها الشامل القضائي والاجتماعي والاقتصادي في تقوية
مجهود الإنتاج وتوزيع ثمار النمو.
كما أننا عازمون على الإصلاح الجوهري والعميق للقضاء وإرساء الجهوية المتقدمة
باعتبارهما الركيزة الأساسية للحكامة الجيدة ولفصل السلط، وصيانة الحريات
الفردية والجماعية وسيادة القانون ومساواة الجميع أمامه.
ولنا في فضائل الكرامة والعدالة للجميع ما يقوي تشبثنا المكرس دستوريا
بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا. معربية
المغربية
فعلاوة على كونها محط إجماع من لدن مختلف الأديان والثقافات والحضارات،
فإن هذه الفضائل تعد من صميم قيم ديننا الإسلامي الحنيف الجامعة لكل حقوق
الإنسان في قوله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم». صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.»
…))
الله
الموجهة إلى المشاركين في أشغال المؤتمر العالمي الثاني للسياسة
31 أكتوبر 2009
ومن ثم كان مذهبنا في الحكم يقوم على توطيد الدولة القوية بسيادة القانون
والديمقراطية التشاركية، وترسيخ حقوق الإنسان في أبعادها الشمولية، وجعل الإنسان
في صلب التنمية، بإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لمحاربة الفقر والهشاشة
والإقصاء والتهميش، وذلك بموازاة مع سياسة أوراش كبرى، وبرامج ومشاريع
ومخططات مهيكلة ، ممولة أساسا باستثمارات عمومية هائلة، وكذا انتهاج الحكامة
الجهوية والترابية، واقتراح المبادرة المقدامة للحكم الذاتي، وإطلاق الإصلاح العميق
للقضاء، والانخراط الفاعل في الحوار بين الأديان، والدفاع عن القيم الروحية والإنسانية
المثلى للتسامح والاعتدال والتضامن والإخاء، ضد كافة أشكال التطرف والعنف
والانغلاق.
((…
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الموجهة إلى المشاركين في الدورة الرابعة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية
الأمم المتحدة لمكافحة الفساء
24 أكتوبر 2011
…))
فقد أضحت مسألة مكافحة الفساد في مقدمة الانشغالات الملحة للمواطنين، ذلك
أن آفة الرشوة لم تعد اليوم مجرد مشكلة داخلية لهذا البلد أو تلك المنطقة، بل أصبحت
معضلة ذات أبعاد دولية متداخلة مع عدة جرائم أخرى عابرة للحدود ، ساهمت العولمة
والتقدم التكنولوجي في تعقد أنماطها وأشكالها.
،
كما أن مواجهة الآثار الوخيمة للفساد ، كأخطر معيقات التنمية، وخاصة في
الدول النامية تستدعي تضافر الجهود على المستوى الدولي لرفع التحديات التي
تطرحها آفة الرشوة، بكل تجلياتها المقيتة وخصوصا في عرقلة إنجاز الأهداف
الإنمائية للألفية، وذلك توخيا لتحقيق آمال الشعوب في التنمية الشاملة، وللتجاوب مع
مطامحها في القضاء على بؤر الفقر والهشاشة من أجل تنمية بشرية متوازنة ومستدامة.
أصحاب المعالي والسعادة حضرات السيدات والسادة،
السيدات والسادة القضائية
مجسر المعلة للسل
لقد استشعرت المملكة المغربية، منذ وقت مبكر المخاطر الجسيمة للرشوة،
فسارعت إلى جعل الوقاية من هذه الآفة ومحاربتها إحدى أولويات ورش الإصلاحات
الديمقراطية والمؤسسية والحقوقية والتنموية والمجتمعية، والتربوية على قيم المواطنة
الملتزمة، وحماية حقوق الإنسان والنهوض بها ، وترسيخ الحكامة الجيدة، وتخليق
الحياة العامة. وكل ذلك ضمن المسار العام لدمقرطة الدولة والمجتمع الذي تشهده
بلادنا، في تلاحم بين العرش والشعب وأخذ بالاختيارات الصائبة للانفتاح، واستكمال
بناء مجتمع ديمقراطي حداثي، وتجاوب مع الدينامية الاجتماعية، وتفاعل مع التحولات
الجهوية والدولية، بإرادة وطنية سيادية خالصة.
وقد توجت هذه الإصلاحات العميقة والمقدامة بالدستور الجديد للمملكة لفاتح
يوليوز 2011 الذي نال ثقة شعبية واسعة وتقديرا دوليا كبيرا ، اعتبارا لمضامينه
الديمقراطية والمتقدمة التي كرست هذه المبادئ والقيم والقواعد الكونية ورسخت
خيار الحكامة الجيدة وربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة، وارتقت بها إلى مكانة
مبادئ دستورية، إلى جنب فصل السلط وتوازنها ،وتعاونها والديمقراطية المواطنة
والتشاركية وسيادة القانون والسلطة القضائية المستقلة.
،
كما أقر الدستور المغربي الجديد مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها
المملكة المغربية، على التشريعات الوطنية، مما سيعطي دفعة قوية للمسار المتواصل
لملائمة المنظومة القانونية لبلادنا مع التزاماتها الدولية، ولا سيما في مجال الوقاية من
الرشوة ومحاربتها، والتي توجد بلادنا في وضع متقدم، سواء من حيث المصادقة على
أوفاقها الدولية، أو من حيث إقرار تشريعات وطنية متقدمة وحديثة، واعتماد الآليات
المتعارف عليها عالميا.
وكل ذلك ضمن مسار شاق وطويل، لا يعادل عدم وجود حدود لكماله إلا قوة
إرادة بلادنا ، ملكا وحكومة وشعبا على السير فيه قدما إلى الأمام، ليبلغ مداه
الأقصى، بمنظومة متكاملة وبمشاركة كل الفاعلين في ترسيخ النزاهة ومحاربة
الفساد والرشوة بصفتها آفات خطيرة، منافية للقيم الروحية والمدنية ومعيقة للتنمية
ومتعارضة مع الديمقراطية والحكامة الجيدة.
وقد كان من أحدث هذه القوانين والآليات المؤسسية إقرار بلادنا لتشريعات متقدمة
للتجريم الشديد للفساد الانتخابي، وانتهاك حرمة الاقتراع، واعتماد المغرب دستوريا ،
وبواسطة قانون حديث، للملاحظة المستقلة والمحايدة لانتخابات مجلس النواب، المزمع
إجراؤها في 25 نونبر القادم، وذلك بمشاركة فعاليات المجتمع المدني، تجسيدا للإرادة
الجماعية للأمة في انبثاق مؤسسات تمثيلية حقة.
كما تم تخصيص باب من الدستور لمبادئ الحكامة الجيدة وآليات النهوض
بها، فضلا عن اعتماد مجموعة من المقتضيات الدستورية لتوطيد الشفافية والنزاهة
ومعاقبة كل أشكال الانحراف في تدبير الأموال العمومية، واستغلال النفوذ، وتنازع
المصالح، وذلك في إطار سيادة القانون ومساواة الجميع أمامه المكفول بقضاء نزيه
ومستقل ومتخصص.
،
وفي نفس السياق، فقد تم الارتقاء بالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة
ومحاربتها ، إلى مكانة مؤسسة دستورية قائمة الذات، وتعزيز صلاحياتها، بتخويلها
مهام المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد، وتلقي
ونشر المعلومات في هذا المجال، والمساهمة في تخليق الحياة العامة، وثقافة المرفق العام
وقيم المواطنة المسؤولة، كما تمت دسترة مجلس المنافسة، باعتباره آلية أساسية في
مجال تكريس دولة القانون في مجال الأعمال.
ومن شأن هذه الإصلاحات الجوهرية أن تخلق دينامية جديدة على مستوى تفعيل
المبادرات المقدامة والبرامج الهادفة المتعددة التي اتخذتها المملكة المغربية للتصدي
للفساد، تعزيزا للاستراتيجية الوطنية التي اعتمدتها بلادنا في هذا المجال، والتي
مكنت من وضع وتفعيل خطة متكاملة تدعم المنظومة الوطنية للنزاهة والشفافية
ومحاربة الرشوة
أصحاب المعالي والسعادة، حضرات السيدات والسادة،
،
لقد وفرت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد إطارا ملائما للتشاور المثمر بين
الدول الأطراف، حول الوسائل الناجعة الكفيلة بمد جسور التعاون الدولي البناء
بين كافة الدول، بغية تفعيل التزاماتها في ترسيخ الشفافية والنزاهة وتقوية المساءلة
والمحاسبة، وتكريس كل مقومات دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية والحكامة
الجيدة.
وإذا كانت الدورات الثلاث السابقة للمؤتمر قد عرفت بلورة تدريجية لاستراتيجية
تنفيذ الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، حيث اعتمدت الدورة الأخيرة للدوحة آلية
الاستعراض الخاصة بتفعيل الاتفاقية، فإنه يجدر بهذه الدورة الرابعة أن تولي مقاربة
الوقاية من الرشوة والفساد أهميتها الكبرى، وذلك انطلاقا من التدابير الوقائية التي
تنص عليها بنود الاتفاقية، وبما يقتضيه الأمر من تكامل بين الآليات الوقائية والزجرية.
ولإضفاء المزيد من الدعم لهذا التوجه الاستراتيجي في محاربة الفساد، فإننا نعلن عن
ترحيبنا بكل المبادرات الداعية إلى تشجيع باقي الدول على الانضمام إلى الاتفاقية،
والانخراط الفعال في آلية استعراض تنفيذها.
ولا يفوتنا في هذا الصدد، أن نشيد بدور كل من مكتب الأمم المتحدة لمكافحة
المخدرات والجريمة، وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء، وبما يقدمانه من مساعدات تقنية
وتكوينية لفائدة الخبراء من مختلف الدول الأطراف في الاتفاقية، ولا سيما فيما يتعلق
بآلية استعراض تنفيذ مقتضياتها.
كما نثمن العمل الإيجابي الذي تقوم به مختلف الفعاليات من ممثلي المنظمات
الإقليمية والدولية، وهيئات المجتمع المدني المشاركين في التظاهرات الموازية لهذا
المؤتمر، وخاصة الجمع العام للجمعية الدولية لهيئات مكافحة الفساد الذي انعقد
مشمولا برعايتنا السامية، خلال اليومين الماضيين هنا بمدينة مراكش، منوهين بما
حققه من نتائج إيجابية، ومن تضافر دولي لجهود الهيئات الوطنية لرفع التحدي المصيري
لترسيخ الحكامة الجيدة والديمقراطية وقيم المواطنة، وسيادة القانون، والنهوض
بالتنمية، وصيانة كرامة الإنسان وحرمة الأوطان
أصحاب المعالي والسعادة، حضرات السيدات والسادة،
من منطلق نظرتنا الاستشرافية للمستقبل، والوعي بالتداعيات الوخيمة لآفة
الفساد ، وبهدف تفعيل أمثل وأوسع لمقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد،
فإننا ندعو إلى إقامة تحالف دولي لأصدقاء اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وذلك
لتوسيع دائرة التصديق والانضمام الدولي، في أفق تحقيق عالمية هذه الاتفاقية.
وسيبذل المغرب قصارى جهوده خلال فترة رئاسته للمؤتمر في السنتين المقبلتين من
أجل العمل على تشجيع تعميم تصديق وانضمام مختلف الدول إلى هذه الاتفاقية الدولية
البالغة الأهمية والتصديق عليها والتوعية بما تكتسيه من أبعاد عالمية وإنسانية.
وفي نفس السياق، وانطلاقا من اقتناعنا بأهمية المساعدة التقنية في ميادين الوقاية
من الفساد ومكافحته، فإننا نحث على دعم جهود صندوق الأمم المتحدة للوقاية من
الجريمة، والعدالة الجنائية.
كما نعتقد أنه آن الأوان لإحداث مرصد دولي لظاهرة الفساد يتكفل بتجميع
المعلومات وتحليلها، وتدوين الممارسات الجيدة في مجال مكافحة الرشوة، ووضعها
رهن إشارة الدول الأطراف للاستفادة منها، في برامجها الوطنية الوقائية، بغية مواكبة
مجهودات هذه الدول، ودعم برامجها الإصلاحية في مجال تطبيق بنود الاتفاقية الأممية.
وتنبع مقترحاتنا هذه من اقتناعنا الراسخ بجدوى العمل الدولي المتعدد الأطراف،
المبني على تضافر الجهود وتكامل الخبرات، مما يتطلب تعبئة مختلف الآليات
المؤسساتية القانونية والتواصلية والتحسيسية، ودعم البرامج الوطنية الشمولية، بما
فيها البرامج التربوية والتعليمية، والمساهمة الفعالة لمختلف هيئات وفعاليات المجتمع
المدني، ووسائل الإعلام والاتصال الحرة والمسؤولة، كشريك رئيسي في الحد من آفة
الفساد، والتصدي لانعكاساته السلبية.
أصحاب المعالي والسعادة، حضرات السيدات والسادة،
إننا نعتبر هذا المؤتمر الأممي محطة هامة تنضاف إلى ما تحقق من نجاحات في
مجال تطبيق التدابير والآليات الكفيلة بالتصدي للرشوة ومحاربة الفساد.
كما أن إعلان مراكش حول التدابير الوقائية ضد الفساد الذي سيتم اعتماده
خلال هذه الدورة، سيكرس إرادة كل الدول الأطراف في الاتفاقية، في محاربة
الفساد ، والمضي قدما نحو تحقيق أهداف الألفية للتنمية، لما فيه خير البشرية جمعاء.
وإذ نتطلع بكامل الاهتمام إلى ما سيفرزه هذا المؤتمر من خلاصات وتوصيات
بناءة، فإننا نجدد الترحيب بكم، ضيوفا كراما ببلدكم الثاني المغرب، متمنين لكم
طيب المقام بيننا، وداعين الله تعالى أن يكلل أشغالكم بكامل التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
إلى المشاركين في الدورة الواحدة والستين لمؤتمر النساء
رئيسات المقاولات العالمية
27 شتنبر 2015
…))
وفي هذا الصدد، يواصل المغرب وبخطوات حثيثة وعقلانية مسيرته على درب تحقيق
المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ولا سيما بالعمل على التطبيق الأنجع
لأحكام مدونة الأسرة التي منحت المرأة وضعا يحفظ لها كرامتها ويضمن لها العدل
والإنصاف، وفي نفس السياق، تمت مراجعة قانون الجنسية لتمكين المرأة من منح
جنسيتها المغربية لأبنائها الذين أنجبتهم من زوج أجنبي.
….
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
الموجهة إلى المشاركين في
المؤتمر
الرابع لمنظمة المكن والحكومات المحلية المتحدة
02 أكتوبر 2013
وتفعيلا لمبدإ التدبير الديمقراطي للجهات والجماعات الترابية الأخرى، المنصوص
عليه في الدستور الجديد للمملكة ، فقد تم الانتقال من الوصاية الإدارية التقليدية على
أعمال هذه الجماعات، إلى تعزيز نظام الرقابة البعدية للقضاء الإداري والمالي عليها ،
مما من شأنه أن يتيح لها هامشا أكبر لاتخاذ قراراتها، في إطار من الاستقلالية
المسؤولة، ووفق قواعد وضوابط دولة الحق والقانون.
….
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
الموجهة إلى المشاركين
في أشغال الدورة الثانية للمنتدى العالمي حقوق الإنسان
27 نونبر 2014
فقد عرفت الأجندة العالمية لحقوق الإنسان تحولات عميقة. فإذا كان الجيلان الأول
والثاني من حقوق الإنسان لازالا يتبوآن مكانة الصدارة، فقد برزت مواضيع جديدة،
من قبيل حماية حقوق الأشخاص المسنين، وحقوق الإنسان في العصر الرقمي، والمقاولة
وحقوق الإنسان، والتأهيل القانوني للفقراء، وقابلية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
للتقاضي.
كما أن أوراشا ذات تأثير كبير على حماية حقوق الإنسان، توجد قيد الإنجاز في
مجال العدالة والصحافة والمجتمع المدني والحكامة الترابية، وحماية الفئات الهشة.
كما نشيد بالنقاش الدائر حول عقوبة الإعدام، بمبادرة من المجتمع المدني
، بمبادرة من المجتمع المدني،
والعديد من البرلمانيين ورجال القانون، وسيمكن هذا النقاش من إنضاج وتعميق النظر
في هذه الإشكالية.
….
…))
الموجهة إلى المشاركين في
المؤتمر الإسلامي الخامس للوزراء المكلفين بالطفولة
21 فبراير 2018
وتعزيزا لهذا التوجه الهادف إلى توفير الأمن والحماية للأطفال، بادرنا إلى إصدار
مجموعة من القوانين ذات الصلة، مثل مراجعة القانون المتعلق بمنح الجنسية المغربية
للطفل من أم مغربية وأب أجنبي، وكذا القانون المتعلق بمنع تشغيل الأطفال القاصرين
والقانون المتعلق بإنشاء وتدبير مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
وبالإضافة إلى ذلك، تم تفعيل خدمات صندوق التماسك الاجتماعي، وإحداث
مجموعة من الخلايا المختصة بالتكفل بالنساء والأطفال في المحاكم والمستشفيات
العمومية، وتوفير الدعم النفسي للأطفال، وغيرها.
. (…
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الله
بمناسبة تسليم جائزة المرية «مارتن لوثر كينج أبراهام جوشوا هيشك الممنوحة
للمغفور له صاحب الجلالة الملك محمد الخامس
21 دجنبر 2015
…))
هذا هو بالضبط المغرب، مغرب الشجاعة والتشبث بأسمى القيم الذي اخترتم تكريمه
هذا المساء، من خلال تذكيركم ، من مدينة نيويورك، بأن جلالة الملك محمد الخامس ورغم
واقع الحماية القاسي الذي فرضته عليه فرنسا، وفي وقت كانت بدورها ترزح تحت احتلال
القوات النازية، رفض رفضا تاما تطبيق القوانين العنصرية لحكومة فيشي على المواطنين
اليهود المغاربة.
وكان هذا الصمود الملكي الرائد والمقاومة الشعبية المستلهمة من نور الإسلام
انطلاقا من القصر الملكي بالرباط، بمثابة امتداد لتعاليم الفيلسوف الكبير ابن رشد
الذي كان يردد في زمانه بأن المدينة تعكس أفضل ما لديها حين يتماهي قضاتها ،
وعلى رأسهم حاكمها، مع أسمى قيم الإنسانية وأكثرها تنورا.
. (…
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
…))
بمناسبة الذكرى السبعين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
21 دجنبر 2018
فدستور 2011 الذي تم إعداده بطريقة تشاركية، وبمساهمة جميع الفاعلين
المعنيين، يتضمن ميثاقا حقيقيا للحريات والحقوق الأساسية، يتلاءم والمرجعية
الكونية لحقوق الإنسان. فهو يكرس مبدأ الاستقلال التام للسلطة القضائية، ويرسي
مجموعة من الهيئات التعددية والمستقلة المعنية بحماية الحقوق والحريات، والديمقراطية
التشاركية، وتعزيز حقوق الإنسان والحكامة الجيدة.
. (…
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
جريدة «الشرق الأوسط
24 يوليوز 2001
…))
سؤال:
صاحب الجلالة، اسمحوا لي أن أسألكم عن كيفية إدارتكم للدولة كملك، هل
تتدخلون في قرارات وعمل الوزارات ونشاطات الحكومة وهل لكم سياستكم؟
جواب جلالة الملك:
كل واحد يقوم بالدور الذي هو مناط به فالأحزاب تقوم بدورها والحكومة تقوم
بدورها، وأنا كذلك أقوم بدوري والمستشارون يقومون بدورهم فأنا أعمل مع فريق
أتعاطى مع الموضوعات عندما تصلني. بالنسبة للشؤون الخارجية والدفاع والداخلية
والشؤون الدينية والعدل فهذه مسائل دستوريا تعود لي لكن طبعا مع تنسيق حكومي،
لأنه لا توجد حكومة داخل القصر وحكومة خارج القصر. فنحن حكومة واحدة
وحكومة منسجمة مع عبد الرحمن اليوسفي رئيس الوزراء الحالي» الذي أحبه كثيرا
وأحترمه كثيرا ، فهو له دوره وهناك انسجام بيني وبين الوزير الأول، وكذلك بيني
وبين جميع أفراد الحكومة. وبعض الناس تسأل ما هو دور الملك في المغرب؟ الدور هو
ما يتوقعه مني المغاربة في رعاية شؤونهم وهو الدور الذي كان يقوم به والدي، تغمده الله
بواسع رحمته. فهناك بعض المشاريع تتطلب الإسراع في إنجازها، وهنا أتدخل، لكن
بالتنسيق مع الوزراء وبشكل مكثف مع الوزارات المعنية.
. (…
أربع مطبوعات إعلامية لبنانية عشية انعقاد القمة العربية ببيروت
21 مارس 2002
…))
سؤال:
يعد الاقتصاد المحرك الرئيسي لتنمية أي بلد. فما هي خطة جلالتكم لتفعيل
الاقتصاد المغربي والإجراءات التي ترونها كفيلة بإخراج المغرب من مشاكل البطالة،
الهجرة السرية والمديونية، وهل سياسة الجهوية واللامركزية تعد الحل الناجع في هذا
الصدد؟
جواب صاحب الجلالة :
لقد أكدت غداة اعتلائي العرش أنني ليس لدي عصا سحرية لكل مشاكل البلاد. وكل
ما أملكه هو إجماع الشعب حول قيادتي وإرادتنا جميعا للعمل الجاد وفي نطاق الديمقراطية
والتضامن الاجتماعي والاستثمار الأمثل لمؤهلاتنا والاقتصاد الحر الذي كان المغرب رائدا في
الأخذ به وذلك من أجل تحقيق تنمية مستديمة.
وقد أوليت عناية خاصة للإقلاع الاقتصادي والتضامن الاجتماعي لأنهما كما قلت لكما
تضامن الاجتماعي لأنهما كما قلت
يعدان عماد الديمقراطية السياسية.
ولهذه الغاية، فإن الحل هو خلق المزيد من الثروات قبل التفكير في توزيعها ، لأن
النقاش كان مغلوطا وكان ينصب حول توزيع الثروة قبل التفكير في خلقها. ولا سبيل
لخلق ثروات جديدة وإيجاد فرص شغل إلا بتحرير المبادرة الخاصة من كل معوقاتها وحفز
الاستثمار الخاص وعقلنة تدبير المؤسسات العامة أو خوصصتها لأن الدولة ليست دائما
مسيرا اقتصاديا جيدا.
وفي هذا السياق، فإني أوجه الحكومة والبرلمان إلى رفع كل العراقيل المعيقة
للاستثمار وذلك من خلال الإصلاح الإداري والجبائي والقضائي وإيجاد مدونة شغل
عصرية محفزة على الاستثمار والإنتاج
وقد قطعنا خطوات مهمة في هذا الشأن بإحداث المراكز الجهوية للاستثمار التي
ستكون بمثابة شباك وحيد يمكن المستثمر من الانطلاق في العمل بأدنى مدة ممكنة قد
تتقلص إلى ساعات.
وتجسيدا لمناخ الثقة التي يتمتع بها المغرب بفضل استقراره السياسي ونظامه
الديمقراطي وتوجهه الصادق نحو تحرير الاقتصاد، فقد حققنا هذه السنة رقم
استثمارات خارجية مباشرة فاقت الثلاثة مليارات دولار.
كما أن إعلاننا العشرية الحالية أولوية وطنية لإصلاح نظام التربية والتكوين سيمكن
الاقتصاد من الموارد البشرية المؤهلة لإنجاز مهام التنمية الشاملة. وبموازاة ذلك فإننا سنركز على
القطاعات الواعدة للاقتصاد الوطني والمتمثلة في السياحة والصيد البحري والتكنولوجيات
الجديدة للاتصال والإعلام والصناعة الفلاحية والحرف التقليدية تلكم القطاعات التي نتوفر
فيها على تنافسية قوية.
سؤال:
عرفت المملكة المغربية تداعيات حادة فيما يخص تعديل مدونة الأحوال الشخصية
باتجاه تحسين موقع المرأة ومكانتها في المجتمع المغربي وقد أسستم في هذا الصدد
لجنة حول الموضوع. كيف يا جلالة الملك يمكن التوافق في رأيكم بين طموحات المرأة
المغربية وتطلعاتها لمستقبل أفضل في إطار أحكام الشريعة الإسلامية؟
جواب صاحب الجلالة :
لقد تصدر العمل على إنصاف المرأة ورفع كل أشكال الحيف والتمييز الذي تعانيه
أوليات مبادراتي، إيمانا مني بأن مجتمعا يهمش نصفه المتمثل في المرأة لا يمكنه أن
يحقق أي تنمية
وعلاوة على المبادرات المتخذة لتخويل المرأة أسمى المسؤوليات في المجالات السياسية
والاقتصادية والثقافية، فقد أخذت على نفسي بصفتي أميرا للمؤمنين الاستجابة لمتلمس
رفعته إلى مجموع المنظمات النسوية المغربية بمختلف مشاربها السياسية والثقافية
والجمعوية.
ولأن قضية إنصاف المرأة هي من النبل بحيث أنها تسمو على كل استغلال لأغراض
انتخابية وسياسية ضيقة، فقد شكلت لجنة استشارية متعددة الاختصاص لدراسة
وضع مشروع إصلاح جوهري وشامل لمدونة الأحوال الشخصية.
وسواء لدى تنصيبي لهذه اللجنة أو خلال مختلف جلسات العمل التي ترأستها المتابعة
وتقييم سير أشغالها فإني حريص على أن تنجز عملها بسرعة ، ولكن بدون تسرع. وقد
كنا أمام اختيارين.. إما أن ننجز إصلاحا جزئيا للمدونة الحالية مما كان سيتطلب
وقتا قصيرا ، ولكنه كان سيؤدي بنا إلى التفكير في إجراء إصلاح آخر بعد أشهر
أو بضع سنوات. وأما إنجاز مدونة جديدة شكلا ومضمونا وهو ما سيتحقق ويتطلب
بعض الوقت الذي لن يتعدى في أقصى الحالات نهاية السنة الجارية. ولأني أومن بجدوى
العمل العميق وأنبذ كل عمل سطحي ومتسرع خصوصا في مواضيع تشكل عنصرا
أساسيا في مشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي الذي أحرص على إنجازه لبنة لبنة ،
فقد اخترت الطريق الثاني
وكأمير للمؤمنين فإن لي اليقين بأن الشريعة الإسلامية السمحة والسنة النبوية
لجدي المصطفى عليه السلام المكرمة للمرأة كفيلة في عصرنا الحاضر من خلال فتح
باب الاجتهاد ونبذ كل انغلاق وتحجر أن تمكننا من إنصاف المرأة في نطاق الشريعة
وبواسطة مقاصدها النبيلة السمحة. وهذا لا يمنعنا من اغتنام هذه المدة لتأهيل القضاء
للإصلاح الجديد بإحداث محاكم خاصة بالأسرة سيتم تنصيبها تدريجيا.
. (…
المملكة المغربية
المجلس الأعلى للسلطة القضائية
الحديث الصحفى الذى أدلى به صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله
لصحيفة «إيل باييس» الإسبانية
16 يناير 2005
…))
سؤال:
من السابق لأوانه ، بعد خمس سنوات من الحكم، القيام بحصيلة، غير أن الصحافة
الدولية تسجل لصالحكم تبني مدونة جديدة للأسرة تساهم في ترسيخ المساواة بين
النساء والرجال.
جواب:
لقد أولت وسائل الإعلام اهتماما للمدونة الجديدة للأسرة لأنها كانت ضمن أحداث
الساعة، ولقيت استحسانا من طرف بعض الأوساط الغربية إلا أنه ليس الإصلاح
الوحيد الذي قمت به. الإصلاحات تبدأ من القانون الانتخابي إلى مدونة الشغل مرورا
برد الاعتبار للثقافة الأمازيغية وإصلاح الحقل الديني وتعلمون، فإنني لا أمضي وقتي
في تعداد الإصلاحات التي قمت بها . إنها كثيرة، وأعتقد أن كل إصلاح يجب أن يتم
في الوقت المناسب. صحيح إن مدونة الأسرة تكتسي أهمية خاصة. ولقد سبق لي أن
تطرقت إلى موضوع المرأة، عندما توجهت لأول مرة بخطاب إلى الأمة، كملك للمغرب.
لقد قلت إنه من غير المعقول أن تظل النساء اللواتي يشكلن أكثر من نصف السكان،
مهمشات في المجتمع. وكما ترون فتلك مهمة انكببت عليها منذ البداية، حتى وإن
كان إتمامها قد تطلب بعض الوقت. لقد كان من المهم التوصل إلى توافق حول المدونة
الجديدة، فلو برزت هناك عرقلة ما، لما كنا توصلنا إلى ما توصلنا إليه حاليا. إنني
سعيد لأنكم تحدثتم عن مدونة الأسرة وليس عن مدونة المرأة ، لأنه لا ينبغي وضع المرأة
في جانب والرجل في الجانب الآخر. لأن كليهما مسؤول داخل الأسرة.
سؤال:
يرى البعض أن هذه المبادرة غير كافية ، لأن الشهود لا يمكنهم الكشف عن
أسماء جلاديهم ؟ السؤال مرتبط بجلسات الاستماع العمومية لضحايا القمع السياسي خلال
الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999)
جواب:
بطبيعة الحال، أنا لست متفقا مع ذلك، ولهذا أؤكد بأن الأمر لا يتعلق، كما
يزعم البعض، بمبادرة ستؤدي إلى تقسيم المغرب إلى قسمين. فليس هناك لا قضاة ولا
أشخاص محاكمين.
فلسنا أمام محكمة. إن الأمر بالنسبة لنا، يقتضي أن نقرأ ، دون أي عقد ولا
إحساس بالخجل، هذه الصفحة من تاريخنا. وانطلاقا من ذلك، يمكننا أن نمضي
قدما في ظروف أفضل. هناك أشخاص لا علاقة لهم بالنضال الحقيقي، ولكنهم جعلوا
من حقوق الإنسان تجارتهم المربحة، يحاولون أن يمنعوننا من العمل والتقدم والاستجابة
إلى تطلعات المغاربة. وأعتقد أن الوقت قد حان لكي نقول لهم : الآن، وقد أخذ هذا الملف
يزداد وضوحا، ولم تعد لدينا أية عقدة في هذا المجال، علينا السير قدما.
سؤال:
بعد الاعتداءات التي ارتكبت في الدار البيضاء في ماي 2003، تمت محاكمة
أكثر من 2000 شخص بالمغرب بتهم الإرهاب، حسب وزارة العدل. غير أن منظمات
الدفاع عن حقوق الإنسان اعتبرت أن القمع تم بشكل مفرط. ألم يكن الرد مبالغا فيه؟
جواب:
الآن
وبعد مرور الوقت على تلك الأحداث ينبغي أن نفهم، وبعد الذي جرى، أن التقييم
كان مبالغا فيه شيئا ما. وأفترض أنه حتى في إسبانيا ، كانت هناك، ربما، ردود
فعل متعاقبة (بعد اعتداءات مدريد). ولنعد إلى المغرب، ليس هناك شك بأن تجاوزات
قد وقعت. ولقد سجلنا حوالي عشرين حالة في هذا الشأن. وقد سجلت منظمات غير
حكومية، وكذا المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (هيئة رسمية مكلفة بمساعدة
الجهاز التنفيذي أيضا ، هذه التجاوزات. وهذه الحالات هي الآن أمام المحاكم. وأود
أن أغتنم الفرصة لأحيي عمل قوات الأمن والشرطة المغربية . إنهم أشخاص يشتغلون في
ظروف صعبة.
ليست لدينا الإمكانيات المتوفرة لدى إسبانيا، وبالرغم من ذلك طلب منهم بعد الاعتداءات
أن يكونوا معبئين باستمرار. ويجب، بأي ثمن، ألا تتكرر مثل تلك الأحداث المأساوية.
صيفة «نيهون كيزاير شيمبون» اليابانية
25 نونبر 2005
…))
سؤال:
كما أشرتم إلى ذلك، يا صاحب الجلالة، فإن المغرب قام بإصلاحات واسعة في
المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كيف تنظرون جلالتكم، ونحن في نهاية
سنة 2005، للنتائج المحققة وما الذي يمكن أن يتم إنجازه في المستقبل؟
جواب:
أنتم تعلمون أنه عندما اعتليت العرش كانت كل القضايا تمثل أولوية بالنسبة لي،
فوالدي جلالة الملك الحسن الثاني، تغمده الله برحمته ، فتح جزء كبيرا من أوراش المغرب
المستقل والعصري. وعندما أرى العمل الجبار الذي قام به، أشعر ، كباقي المغاربة، بكثير
من الإعجاب والفخر تجاهه.
فأنا أعمل ليس فقط على تعزيز ما تحقق في الملفات التي فتحها والدي كالملف
ما تحقق
المتعلق باحترام حقوق الإنسان وخصوصا من خلال إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة
لطي صفحة
الانتهاكات التي ارتكبت في الماضي، بل أيضا من أجل إنجاز سريع
للأوراش الجديدة التي تم إطلاقها في السنوات الأخيرة محو الأمية وإصلاح الحقل
الديني والتأمين الإجباري على المرض وإصلاح القضاء وتمدرس الفتيات وإحداث المعهد
الملكي للثقافة الأمازيغية، فضلا عن المشاريع البنيوية الكبرى كميناء طنجة المتوسط
أو مشروع أبي رقراق بالرباط أو المناطق السياحية الكبرى التي ستخلق مئات الآلاف
من مناصب الشغل.
وهناك أيضا، إصلاح مدونة الأسرة، وهو إصلاح له مكانة خاصة لأنه
عندي،
جعل من المغربيات اليوم مواطنات بمعنى الكلمة، وقد استقبلته كل مكونات المجتمع
المغربي بشكل إيجابي. إن القيام بهذا الإصلاح كان إنصافا للمرأة، وأعترف أنه شكل
مصدر ارتياح كبير بالنسبة لي.
….